← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10810

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الحج

ابن تيمية

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

غَيْرَهُ فِي حُكْمِ الْمُتْعَةِ وَوَاجِبَاتِهَا مُفَارَقَةً فِي وُجُوبِ الْعُمْرَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعُمْرَةَ هِيَ زِيَارَةُ الْبَيْتِ وَقَصْدُهُ، وَأَهْلُ مَكَّةَ مُجَاوِرُوهُ وَعَامِرُوهُ بِالْمُقَامِ عِنْدَهُ فَأَغْنَاهُمْ ذَلِكَ عَنْ زِيَارَتِهِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ فَإِنَّ الزِّيَارَةَ لِلشَّيْءِ إِنَّمَا تَكُونُ لِلْأَجْنَبِيِّ مِنْهُ الْبَعِيدِ عَنْهُ، وَأَمَّا الْمُقِيمُ عِنْدَهُ فَهُوَ زَائِرٌ دَائِمًا، فَإِنَّ مَقْصُودَ الْعُمْرَةِ إِنَّمَا هُوَ الطَّوَافُ، وَأَهْلُ مَكَّةَ يَطُوفُونَ فِي كُلِّ وَقْتٍ. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْعُمْرَةُ هُمُ الَّذِينَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ هَدْيُ مُتْعَةٍ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَالْمَيْمُونِيِّ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى -: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ وَالْأَثْرَمِ أَيْضًا - أَنَّهَا إِنَّمَا تَسْقُطُ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَهُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ ; لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمُقِيمُونَ بِمَكَّةَ، وَالطَّوَّافُونَ بِالْبَيْتِ. فَأَمَّا الْمُجَاوِرُ بِالْبَيْتِ فَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ

стр. 37

الْفَصْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُمَا إِنَّمَا يَجِبَانِ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ بِإِيجَابِ الشَّرْعِ، فَأَمَّا إِيجَابُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ فَيَجِبُ فِي الذِّمَّةِ بِالنَّذْرِ، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لِمَا لَمْ يُتِمَّهُ كَمَا يُذْكَرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَجِبُ إِتْمَامُهَا بَعْدَ الشُّرُوعِ. وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ: مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ " فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا، وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا. الْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَلَفْظُهُمَا: أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ سَأَلَ النَّبِيَّ

стр. 38

- ﷺ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَجُّ فِي كُلِّ سَنَةٍ، أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ قَالَ: "بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» ". وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي كُلِّ عَامٍ مَرَّتَيْنِ [فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي كُلِّ عَامٍ مَرَّتَيْنِ] فَقَالَ: لَا وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ غَرِيبٌ مِنْ

стр. 39

هَذَا الْوَجْهِ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: " أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا " وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.

стр. 40

وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ -: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكُلَّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكُلَّ عَامٍ؟ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَكَفَرْتُمْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا عَنْهُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وَكَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ. أَلَا وَإِنَّمَا هِيَ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ، فَمَنْ قَضَاهُمَا فَقَدْ قَضَى الْفَرِيضَةَ فَمَا أَصَابَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» ". رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فِي مَنَاسِكِهِ عَنْهُ. اهـ.

стр. 41

(الْفَصْلُ الرَّابِعُ) أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوُجُوبَ الْمُقْتَضِي لِلْفِعْلِ وَصِحَّتِهِ إِلَّا عَلَى مُسْلِمٍ لِأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - قَالَ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] فَنَهَاهُمْ أَنْ يَقْرَبُوهُ، وَمَنَعَهُمْ مِنْهُ. فَاسْتَحَالَ أَنْ يُؤْمَرُوا بِحَجِّهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ مِنْهُمْ، وَمُحَالٌ أَنْ يَجِبَ مَا لَا يَصِحُّ لِمَا «رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ "أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَانَ هَذَا النِّدَاءُ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ يُقِيمُ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَيَقْطَعُ الْعُهُودَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْحَجِّ، وَبَعَثَ عَلِيًّا ﵁ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةٍ وَيَنْبِذُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ. «وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أُثَيْعٍ، وَيُقَالُ يُثَيْعٌ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ، قَالَ: "بِأَرْبَعٍ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 42

عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَا مُدَّةَ لَهُ فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ مَنَعَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنْ سُكْنَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ مُبَالَغَةً فِي نَفْيِهِمْ عَنْ مُجَاوَرَةِ الْبَيْتِ. وَمَنْ عُرِفَ بِالْكُفْرِ، ثُمَّ حَجَّ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. فَأَمَّا وُجُوبُهُ عَلَيْهِمْ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يُؤْمَرُونَ بِهِ بِشَرْطِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ يُعَاقِبُهُمْ عَلَى تَرْكِهِ فَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَعَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ

стр. 43

وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] قَالَتِ الْيَهُودُ: فَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَحُجُّوا، فَأَبَوْا فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَفِي رِوَايَةٍ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] قَالَتِ الْمِلَلُ: فَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: تَعَالَى -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَحَجَّ الْمُسْلِمُونَ وَقَعَدَ الْكُفَّارُ. وَلَا يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ سَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًّا، أَوْ مُرْتَدًّا فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَلَوْ

стр. 44

مَلَكَ فِي حَالِ كُفْرِهِ زَادًا وَرَاحِلَةً، ثُمَّ أَسْلَمَ وَهُوَ مُعْدَمٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وَأَمَّا إِذَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ فَلَمْ يَفْعَلْهُ حَتَّى ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا، أَوْ عَاجِزًا فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ. وَإِنْ حَجَّ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَهَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَهَذَا اخْتِيَارُ

стр. 45

الْقَاضِي. وَالثَّانِيَةُ: لَا حَجَّ عَلَيْهِ. وَلَا يَصِحُّ الْحَجُّ مِنْ كَافِرٍ، فَلَوْ أَحْرَمَ وَهُوَ كَافِرٌ لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ وَلَوِ ارْتَدَّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بَطُلَ إِحْرَامُهُ

стр. 46

(الْفَصْلُ الْخَامِسُ) أَنَّهُ لَا حَجَّ عَلَى مَجْنُونٍ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَا حَجَّ عَلَى مَجْنُونٍ إِلَّا أَنْ يُفِيقَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ ﵄ وَغَيْرِهِمَا " «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» " وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ مَشْهُورٌ. وَلِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْخِطَابِ وَالتَّكْلِيفِ، لِعَدَمِ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ. فَلَوْ كَانَ مُوسِرًا فِي حَالِ جُنُونِهِ، فَلَمْ يُفِقْ إِلَّا وَقَدْ أُعْسِرَ لَمْ يَكُنْ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ. وَأَمَّا الَّذِي يُفِيقُ أَحْيَانًا. . . .

стр. 47

وَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُحَجَّ بِالْمَجْنُونِ كَمَا يُحَجُّ بِالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، فَيَعْقِدُ لَهُ الْإِحْرَامَ وَلِيُّهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَصِحُّ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنْ حَجَّ الصَّبِيُّ، أَوِ الْعَبْدُ أَوِ الْأَعْرَابِيُّ وَالْمَعْتُوهُ إِنْ مَاتُوا قَبْلَ الْبُلُوغِ وَإِنْ مَاتُوا فَعَلَيْهِمْ كَمَا

стр. 48

قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.

стр. 49

(الْفَصْلُ السَّادِسُ) أَنَّهُ لَا حَجَّ عَلَى الصَّبِيِّ قَبْلَ الْبُلُوغِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ " «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ " وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَشِبَّ» ". وَلِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى قَطْعِ مَسَافَةٍ فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ كَالْجِهَادِ، وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَجَّ جِهَادَ كُلِّ ضَعِيفٍ، وَجِهَادَ النِّسَاءِ. فَإِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ، فَلَمْ يُدْرِكْ إِلَّا وَقَدْ نَفِدَ فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ. وَإِذَا أَدْرَكَ بِالسِّنِّ ; وَهُوَ اسْتِكْمَالُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ بِإِنْبَاتِ شَعْرِ الْعَانَةِ الْخَشِنِ، وَلَمْ يَحْتَلِمْ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ.

стр. 50

(الْفَصْلُ السَّابِعُ) أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى حُرٍّ كَامِلِ الْحُرِيَّةِ، فَأَمَّا الْعَبْدُ الْقِنُّ، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ، وَالْمَكَاتَبُ، وَالْمُدَبَّرُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْحَجُّ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهَا بِمِلْكِ الْمَالِ. وَالْعَبْدُ لَا مَالَ لَهُ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَالزَّكَاةِ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى قَطْعِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْعَبْدِ كَالْجِهَادِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ تَطُولُ مُدَّتُهَا، وَتَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ وَتَحْتَاجُ إِلَى مَالٍ، وَالْعَبْدُ مَشْغُولٌ بِحُقُوقِ سَيِّدِهِ فَفِي الْإِيجَابِ عَلَيْهِ إِبْطَالٌ لِحَقِّ سَيِّدِهِ. وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مُسْتَقِيمَةٌ إِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ السَّيِّدُ، وَفِيهَا نَظَرٌ. وَلِأَنَّ الْعَبْدَ نَاقِصٌ بِالرِّقِّ وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَحَقٌّ لِسَيِّدِهِ، فَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْحُرِّ لَشَقَّ عَلَيْهِ، أَوْ عَجَزَ عَنْهُ. وَالْحَجُّ كَمَالُ الدِّينِ وَآخِرُ الْفَرَائِضِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى - لَمَّا وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَةَ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَلَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى كَامِلٍ مُطْلَقٍ، وَالْعَبْدُ نَاقِصُ الْأَحْكَامِ أَسِيرٌ لِغَيْرِهِ.

стр. 51

فَصْلٌ فَقَدِ انْقَسَمَتْ شُرُوطُ الْوُجُوبِ هَذِهِ إِلَى مَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْحَجِّ وَإِلَى مَا لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ، وَكُلُّهَا شَرْطٌ لِلْإِجْزَاءِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ فَهِيَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ: وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْإِجْزَاءِ. فَصَارَتِ الشُّرُوطُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ - كَمَا قُلْنَا فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ -: مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ بِنَفْسِهِ. ثُمَّ مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ مُطْلَقًا وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَصْلًا لَا تَبَعًا، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا لَا أَصْلًا، وَلَا تَبَعًا.

стр. 52

[مَسْأَلَةٌ تفسير الاستطاعة في الحج] مَسْأَلَةٌ: إِذَا اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَهُوَ أَنْ يَجِدَ زَادًا وَرَاحِلَةً بِآلَتِهَا مِمَّا يَصْلُحُ لِمِثْلِهِ فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِقَضَاءِ دُيُونِهِ وَمُؤْنَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ. فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ: - (أَحَدُهَا): أَنَّ الْحَجَّ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ، وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَاسْتِطَاعَةُ السَّبِيلِ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَأَصْحَابِهِ: مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَمَنَاطُ الْوُجُوبِ: وُجُودُ الْمَالِ ; فَمَنْ وَجَدَ الْمَالَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَالَ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا بِبَدَنِهِ قَالَ: فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ - إِذَا وَجَدَ الرَّجُلُ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَجَبَ الْحَجُّ. وَسُئِلَ - أَيْضًا - فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: عَلَى مَنْ يَجِبُ الْحَجُّ؟ فَقَالَ: إِذَا

стр. 53

وَجَدَ زَادًا وَرَاحِلَةً وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ الْحَجُّ إِلَّا أَنْ يَجِدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ. فَإِنْ حَجَّ رَاجِلًا تَجْزِيهِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَيَكُونُ قَدْ تَطَوَّعَ بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْخُوزِيُّ الْمَكِّيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَمَا الْحَاجُّ؟ قَالَ: "الشَّعِثُ التَّفِلُ " وَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا الْحَجُّ؟ قَالَ: "الْعَجُّ وَالثَّجُّ " قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي بِالْعَجِّ: الْعَجِيجَ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجُّ: نَحْرُ الْبُدْنِ».

стр. 54

رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ. وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِيهِ أَنَّ عَطَاءً عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» " يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]

стр. 55

رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ مَا السَّبِيلُ إِلَيْهِ؟ قَالَ: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَا بَأْسَ بِبَعْضِهَا

стр. 56

وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمْ. وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَالَ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ صَحِيحٌ عَنِ الْحَسَنِ، وَقَدْ أَفْتَى بِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَنْ مَلَكَ ثَلَاثَمِائَةَ دِرْهَمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَحَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُ الْإِمَاءِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَيْضًا قَوْلُهُ: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا».

стр. 57

فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُسْنَدَةً مِنْ طُرُقٍ حِسَانٍ وَمُرْسَلَةً وَمَوْقُوفَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنَاطَ الْوُجُوبِ: وُجُودُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ مَعَ عِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَقْدِرُونَ عَلَى الْمَشْيِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - فِي الْحَجِّ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] إِمَّا أَنْ يَعْنِيَ بِهِ الْقُدْرَةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْمَكِنَةِ، أَوْ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْأَوَّلَ، لَمْ يُحْتَجْ إِلَى هَذَا التَّقْيِيدِ، كَمَا لَمْ يُحْتَجْ إِلَيْهِ فِي آيَةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ هُوَ إِلَّا الْمَالَ.

стр. 58

وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى مَسَافَةٍ، فَافْتَقَرَ وُجُوبُهَا إِلَى مِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ كَالْجِهَادِ. وَدَلِيلُ الْأَصْلِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١] إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٢] الْآيَةَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَشْيَ فِي الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ.

стр. 59

(الْفَصْلُ الثَّانِي) إِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ - فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا - حَتَّى يَمْلِكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، أَوْ ثَمَنَهُمَا، فَأَمَّا إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِهِ بِصَنْعَةٍ، أَوْ قَبُولِ هِبَةٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ مَسْأَلَةٍ، أَوْ أَخْذٍ مِنْ صَدَقَةٍ، أَوْ بَيْتِ الْمَالِ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فِي مِصْرِهِ، أَوْ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: (يُوجِبُ الْحَجَّ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ) يَعْنِي: وُجُودَهُمَا، وَقَوْلُهُ: (مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ) فَعَلَّقَ الْوَعِيدَ بِمِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ. وَلِأَنَّ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ شَرْطُ الْوُجُوبِ، وَمَا كَانَ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَحْصِيلُهُ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مُنْتَفٍ عِنْدَ عَدَمِهِ. وَلِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ اعْتُبِرَ فِيهَا الْمَالُ: فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ مِلْكُهُ لَا الْقُدْرَةُ عَلَى مِلْكِهِ. أَصْلُهُ الْعِتْقُ، وَالْهَدْيُ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَثَمَنُ الْمَاءِ وَالسُّتْرَةُ فِي الصَّلَاةِ.

стр. 60

(فَصْلٌ) وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا بَذَلَ لَهُ ابْنُهُ أَوْ غَيْرُهُ مَالًا يَحُجُّ بِهِ، أَوْ بَذَلَ لَهُ ابْنُهُ أَوْ غَيْرُهُ طَاعَتَهُ فِي الْحَجِّ عَنْهُ، وَكَانَ الْمَبْذُولُ لَهُ مَعْضُوبًا، أَوْ غَيْرَ مَعْضُوبٍ لَمْ يَلْزَمْهُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا مِثْلِ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ عَلَّقَ الْوُجُوبَ بِوُجُودِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ ابْنُ الْقَاضِي أَبِي حَازِمِ بْنِ الْقَاضِي أَبِي

стр. 61

يَعْلَى: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَثْبُتُ بِبَذْلِ الِابْنِ الطَّاعَةَ أَوِ الْمَالَ، وَلَا تَثْبُتُ بِبَذْلِ غَيْرِهِ الْمَالَ، وَهَلْ تَثْبُتُ بِبَذْلِ غَيْرِهِ الطَّاعَةَ؟ خَرَّجَهَا عَلَى وَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: تَارَةً بِنَفْسِهِ، وَتَارَةً بِنَائِبِهِ، وَالْمَالُ الَّذِي يَأْخُذُهُ النَّائِبُ لَيْسَ أُجْرَةً عِنْدَنَا فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ نَفَقَةٌ، فَيَكُونُ قَدْ بَذَلَ عَمَلَهُ لِلْمُسْتَنِيبِ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْخُذَ دَرَاهِمَ فَيَحُجَّ بِهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُتَبَرِّعًا بِحَجٍّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي سَأَلَهُ: «(إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ)». ٥٠ وَالَّذِي يَأْخُذُ دَرَاهِمَ الْحَجِّ لَا يَمْشِي وَلَا يُقَتِّرُ وَلَا يُسْرِفُ، إِنَّمَا الْحَجُّ عَمَّنْ لَهُ زَادٌ وَرَاحِلَةٌ وَلَا يُسْرِفُ، وَلَا يُقَتِّرُ، وَلَا يَمْشِي إِذَا كَانَ وَرَثَتُهُ صِغَارًا.

стр. 62

وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا كَانَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ يَحُجُّ عَنْهُ وَلِيُّهُ. فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ النَّائِبَ مُتَبَرِّعٌ بِعَمَلِهِ عَنِ الْمَيِّتِ، مَعَ أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْمَيِّتِ. وَأَيْضًا مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ مَالَ الِابْنِ مُبَاحٌ لِلْأَبِ يَأْخُذُ مِنْهُ مَا شَاءَ، مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، فَإِذَا بَذَلَ لَهُ الِابْنُ فَقَدْ يُؤَكِّدُ الْأَخْذَ. وَقَوْلُ أَحْمَدَ: إِذَا وَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَوْجُودِ الْمَمْلُوكُ وَالْمُبَاحُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] وَلَعَلَّ كَلَامَهُ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَحْصُلُ بِالْمَالِ الْمُبَاحِ، كَمَا تَحْصُلُ بِالْمَالِ الْمَمْلُوكِ، قَالَ: وَلَوْ بَذَلَ لَهُ الرَّقَبَةَ فِي الْكَفَّارَةِ: لَمْ يَجُزْ لَهُ الصِّيَامُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ وَجَدَ كَنْزًا عَادِيًّا وَنَحْوَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا

стр. 63

يَحُجُّ بِهِ، وَلَوْ عَرَضَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ حَقَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَوْ لَمْ يَبْذُلْ لَهُ الِابْنُ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَحُجُّ؟ فَإِنَّ الْجَوَازَ لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدَنَا، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، عَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَحُجِّي عَنْهُ») رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيَّ وَهُوَ ... . وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: «وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَةَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَقَالَتْ: (إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ أَفْنَدَ، وَقَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، فَهَلْ يُجْزِي أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَدِّي عَنْ أَبِيكِ)، قَالَ: وَلَوَى عُنُقَ الْفَضْلِ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَخِفْتُ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا، وَفِي لَفْظٍ: (فَهَلْ يُجْزِي عَنْهُ أَنْ أُؤَدِّيَ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَدِّي عَنْ أَبِيكِ») وَفِي لَفْظٍ: («إِنَّ أَبِي كَبِيرٌ وَقَدْ أَفْنَدَ، وَأَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَدَاءَهَا فَيُجْزِي عَنْهُ أَنْ أُؤَدِّيَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ».) رَوَاهُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَحْمَدُ،

стр. 64

وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رَوَى بَعْضَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ لَمَّا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : («إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ، فَقَالَ: حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ»). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَلَى وُجُوبِ الْعُمْرَةِ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (إِنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا يَسْتَطِيعُ رُكُوبَ الرَّحْلِ، وَالْحَجُّ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: أَنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ عَنْهُ، أَكَانَ ذَلِكَ يُجْزِي عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَحُجَّ عَنْهُ»). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ. فَقَدْ أَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ هَؤُلَاءِ السُّؤَّالَ عَلَى أَنَّ الْمَعْضُوبَ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِفِعْلِهَا عَنْهُ، وَشَبَّهَهَا بِالدَّيْنِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ هَلْ لَهُ مَالٌ يَحُجُّ بِهِ أَوْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ، وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ دَلِيلٌ عَلَى عُمُومِ الْجَوَابِ لَا سِيَّمَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَالِ، بَلْ أَوْجَبَ الْحَجَّ بِمُجَرَّدِ بَذْلِ الْوَلَدِ أَنْ يَحُجَّ، فَدَلَّ

стр. 65

ذَلِكَ عَلَى أَنَّ بَذْلَ الِابْنِ مُوجِبٌ، وَإِنَّمَا أَقَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْإِخْبَارِ بِفَرْضِ الْحَجِّ عَلَى الْمَعْضُوبِ لَمَّا رَأَى الْوَلَدَ قَدْ بَذَلَ الْحَجَّ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَحْصُلُ بِالْمُبَاحِ كَمَا تَحْصُلُ بِالْمَمْلُوكِ، وَيَحْصُلُ بِهِ الْوُجُوبُ، كَمَا يَحْصُلُ بِالْمَمْلُوكِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ بِالْمَاءِ الْمَبْذُولِ وَالْمُبَاحِ، وَالصَّلَاةَ تَجِبُ فِي السُّتْرَةِ الْمُعَارَةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَحْصُلَ الْحَجُّ أَيْضًا - بِالِاسْتِطَاعَةِ الْمَبْذُولَةِ مِنْ مَالٍ أَوْ عَمَلٍ. نَعَمْ مَا عَلَيْهِ فِيهِ مِنَّةٌ لَا يَبْذُلُ بَذْلًا مُطْلَقًا، لَكِنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ بَاذِلُهُ نَوْعَ عِوَضٍ، وَلَوْ بِالثَّنَاءِ أَوِ الدُّعَاءِ، وَيَحْصُلُ عَلَيْهِ بِهِ مِنَّةٌ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُهُ، كَمَا لَوْ بُذِلَتِ السُّتْرَةُ مِلْكًا، أَوْ بَذَلَ لَهُ أَجْنَبِيٌّ مَالًا يَحُجُّ بِهِ، أَوْ يُكَفِّرُ بِهِ. وَبَذْلُ الِابْنِ لَيْسَ فِيهِ مِنَّةٌ، وَلَا عِوَضٌ بَلْ هُوَ مِنْ كَسْبِهِ وَعَمَلِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : («إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ»).

стр. 66

وَقَالَ: («أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»)، وَكَذَلِكَ دُعَاءُ الِابْنِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ جُمْلَةِ عَمَلِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : («إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ»). فَكَيْفَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ مَعَ بَذْلِ الِابْنِ لَهُ ذَلِكَ؟ وَلَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِ فِيهِ أَصْلًا. وَطَرْدُ هَذَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأَبِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ مَا يُؤَدِّي بِهِ دَيْنَهُ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مُسَلَّمًا بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ فِي الْبَاذِلِ ... . وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ السَّبِيلَ: بِأَنَّهُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ، وَفِي لَفْظٍ: «سُئِلَ: مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: (الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ»)، وَفِي لَفْظٍ: («مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا)». فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ لَا يُوجِبُهُ إِلَّا مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ.

стр. 67

فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: (مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟) يَعْنِي: حَجَّ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِحَجِّ غَيْرِهِ عَنْهُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً أَوْ مُبَاحَةً، وَإِنَّمَا قَالَ: (الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ) أَيْ: وُجُودُ ذَلِكَ يَعُمُّ مَا وُجِدَ مُبَاحًا وَمَمْلُوكًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦]. وَأَيْضًا فَإِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ صِفَةُ الْمُسْتَطِيعِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْحَجِّ، وَهُوَ لَا يَصِيرُ قَادِرًا بِبَذْلِ غَيْرِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَرْجِعَ الْبَاذِلُ، وَذَلِكَ أَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الْعِبَادَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَمِرَّ إِلَى حِينِ انْقِضَائِهَا، فَإِنْ أَوْجَبَ عَلَى الْبَاذِلِ الْتِزَامَ مَا بَذَلَ: صَارَ الْوَعْدُ فَرْضًا، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ فَكَيْفَ يَجِبُ فَرْعٌ لَمْ يَجِبْ أَصْلُهُ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي إِيجَابِ قَبُولِ بَذْلِ الْغَيْرِ عَلَيْهِ ضَرَرًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُفْضِي إِلَى الْمِنَّةِ عَلَيْهِ، وَطَلَبِ الْعِوَضِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَاذِلُ وَلَدًا فَإِنَّهُ قَدْ يَقُولُ الْوَلَدُ: أَنَا لَا يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ عَنْكَ، وَلَا أَنْ أُعْطِيَكَ مَا تَحُجُّ بِهِ، وَمَنْ فَعَلَ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْإِحْسَانِ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ فِي مَظِنَّةِ أَنْ يَمُنَّ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا ... . وَأَمَّا حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ، وَأَبِي رَزِينٍ وَنَحْوِهِمَا: فَهُوَ صَرِيحٌ بِأَنَّ الْوُجُوبَ كَانَ قَدْ ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ قَبْلَ اسْتِفْتَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاسْتِفْتَاؤُهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى بَذْلِ الْوَلَدِ الطَّاعَةَ فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْحَجَّ يُجْزِئُ عَنِ الْعَاجِزِ حَتَّى اسْتَفْتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَكَيْفَ يَبْذُلُونَ الْحَجَّ عَنِ الْغَيْرِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ جَوَازَ ذَلِكَ؟ فَإِذَا كَانُوا إِنَّمَا بَذَلُوا الْحَجَّ عَنِ الْوَالِدِ بَعْدَ الْفَتْوَى، وَالْوُجُوبُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْفَتْوَى: عُلِمَ أَنَّ هَذَا الْبَذْلَ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْحَجِّ، وَلَا شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ

стр. 68

الشَّرْطَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ حُكْمِهِ، وَصَارَ هَذَا كَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ بُرَيْدَةَ فِي الَّتِي قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : («إِنَّ أُمِّي كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: صُومِي عَنْهَا، قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا»). رَوَاهُ مُسْلِمٌ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَشَبَّهَهُ النَّبِيُّ ﷺ -

стр. 69

بِالدَّيْنِ، وَلَمْ يَكُنِ الْبَذْلُ هُوَ الْمُقَرِّرَ لِلْوُجُوبِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ إِجْزَاءِ الْحَجِّ عَنِ الْمَعْضُوبِ، وَعَنْهُ وَقَعَ الْجَوَابُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْوُجُوبِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ. وَبِاتِّفَاقٍ لَا يَجِبُ عَلَى الْبَاذِلِ أَنْ يَحُجَّ. وَنَحْنُ إِنَّمَا اسْتَدْلَلْنَا بِحَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ عَلَى وُجُوبِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَى أَبِيهِ؛ لِتَبْرَأَ ذِمَّةُ الْأَبِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرَ، فَعُلِمَ أَنَّ كِلَاهُمَا كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْأَبِ، وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَأْمُرَهُ [بِهِ كَمَا لَمْ يَأْمُرْهُ] بِتَكْرَارِ الْحَجِّ وَالطَّوَافِ، فَعِنْدَ هَذَا يَكُونُ قَوْلُ السَّائِلِ: عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ إِذَا أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ كَانَ لِمِلْكِهِ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، وَقَدْ بَلَغَ هَؤُلَاءِ أَنَّ مَنْ مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ فَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، وَلَمْ يَعْلَمُوا حُكْمَ الْعَاجِزِ عَنِ الرُّكُوبِ أَيَسْقُطُ عَنْهُ أَمْ يَتَجَشَّمُ الْمَشَاقَّ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ وَهَلَكَ فِي الطَّرِيقِ، أَمْ يَسْتَخْلِفُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ؟ وَلِهَذَا جَزَمَتِ السَّائِلَةُ فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ رُكُوبَ الرَّحْلِ، وَالْحَجُّ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ، وَلَنْ يَقُولَ هَذَا إِلَّا مَنْ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ وَوَاجِبٌ. فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحَجِّ عَنِ الْآبَاءِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْهُمْ هَلْ مَلَكُوا مَالًا أَمْ لَا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ جَوَازِ النِّيَابَةِ وَإِسْقَاطِهَا فَرْضَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا لَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ الْوَاجِدِ وَالْمُعْدِمِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِفْصَالِ وَجْهٌ. وَكُلُّ مَعْضُوبٍ إِذَا حَجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ أَسْقَطَ عَنْهُ الْفَرْضَ، حَتَّى لَوْ مَلَكَ بَعْدَ هَذَا مَالًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حِجَّةٌ أُخْرَى، وَشَبَّهَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالدَّيْنِ فِي جَوَازِ الْأَدَاءِ عَنِ الْغَيْرِ. فَإِنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى

стр. 70

وَفَائِهِ مِنْ مَالِهِ، أَوْ عَاجِزٌ عَنْهُ إِذَا أَدَّاهُ غَيْرُهُ عَنْهُ بِإِذْنِهِ جَازَ، كَذَلِكَ الْحَجُّ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الْحَجَّ وَجَبَ عَلَى الْآبَاءِ بِمِلْكِ الْمَالِ، إِمَّا بِعِلْمِهِ ﷺ بِأَنَّ أَمَاكِنَ أُولَئِكَ السُّوَّالِ قَرِيبَةٌ، وَأَنَّ غَالِبَ الْعَرَبِ لَا يَعْدَمُ أَحَدُهُمْ بَعِيرًا يَرْكَبُهُ، وَزَادًا يُبْلِغُهُ، أَوْ لِأَنَّهُ رَأَى جَزْمَ السَّائِلِينَ بِالْوُجُوبِ، مُخَصِّصِينَ لِهَؤُلَاءِ مِنْ دُونِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا جَزَمُوا لِوُجُودِ الْمَالِ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَنَّهُ هُوَ السَّبِيلُ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السُّوَّالُ عَنُوا بِقَوْلِهِ: - أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، وَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، وَالْحَجُّ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ -: الْوُجُوبَ الْعَامَّ، وَهُوَ أَنَّ الْحَجَّ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ أَوْجَبَهُ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ عَاقِلٍ بَالِغٍ، وَهُوَ مُخَاطَبٌ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا أَوْ عَاجِزًا، وَلِهَذَا لَوْ فَعَلَهُ، أَوْ فُعِلَ عَنْهُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْ غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ السَّيْرُ لِلْعُذْرِ، لَا لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ؛ وَلِهَذَا يُفَرَّقُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهِمَا بَيْنَ أَهْلِ الْأَعْذَارِ فِي كَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْهُمُ السَّعْيُ إِلَيْهَا لِلْمَشَقَّةِ وَالْعُذْرِ؛ وَلِهَذَا إِذَا حَضَرُوا وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ، وَانْعَقَدَتْ بِهِمْ، وَبَيْنَ الْعَبْدِ

стр. 71

وَالْمُسَافِرِ وَالْمَرْأَةِ وَنَحْوِهِمْ فِي كَوْنِهِمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ؛ وَلِهَذَا إِذَا حَضَرُوا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ، وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ. وَسَبَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ: أَنَّ الْوُجُوبَ يَعْتَمِدُ كَمَالَ الْفَاعِلِ الَّذِي بِهِ يَسْتَعِدُّ لِحَمْلِ الْأَمَانَةِ، وَيَعْتَمِدُ إِمْكَانُ الْفِعْلِ الَّذِي بِهِ يُمْكِنُ أَدَاؤُهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِنْسَانُ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ لِنَقْصِ عَقْلِهِ أَوْ سِنِّهِ أَوْ حُرِّيَّتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُخَاطَبْ بِذَلِكَ الْوُجُوبِ أَصْلًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ هَلْ يَفْعَلُ أَوْ لَا يَفْعَلُ، وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَإِذَا كَانَ كَامِلًا تَأَهَّلَ لِلْخِطَابِ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى الْأَدَاءِ إِذَا قَدَرَ، وَأَنْ يَنْظُرَ فِي نَفْسِهِ هَلْ هُوَ قَادِرٌ أَوْ عَاجِزٌ، وَلَوْ تَجَشَّمَ وَفَعَلَ لَحَصَلَ الْمَقْصُودُ، فَالْمَعْضُوبُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ. فَقَوْلُ السَّائِلِ: أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ: يَجُوزُ أَنْ يَعْنِيَ بِهِ أَنَّهُ حُرٌّ عَاقِلٌ بَالِغٌ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، لَكِنْ هُوَ عَاجِزٌ عَنِ الْأَدَاءِ، فَإِنِ اسْتَنَابَ فَهَلْ يَقُومُ فِعْلُ النَّائِبِ مَقَامَ فِعْلِهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَعَلَ أَمْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ، فَيَبْقَى غَيْرَ فَاعِلٍ؟ وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الْكَلَامِ.

стр. 72

(فَصْلٌ) وَمَنْ لَمْ يَجِدِ الزَّادَ أَوِ الرَّاحِلَةَ: إِذَا اكْتَسَبَ حَتَّى حَصَّلَ زَادًا وَرَاحِلَةً فَقَدْ أَحْسَنَ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ يَعْمَلُ صَنْعَتَهُ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ يَكْرِي نَفْسَهُ بِطَعَامِهِ وَعُقْبَتِهِ. وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْحَجُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَيُجْزِئُ عَنْهُ، وَإِنِ اسْتَقْرَضَ وَكَانَ لَهُ وَفَاءٌ ... . وَإِنْ كَانَ يَسْأَلُ فِي الْمِصْرِ، أَوْ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ لَهُ الْحَجُّ بِالسُّؤَالِ. وَالنُّصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ السُّؤَالَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ حَرَامٌ. وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْ لَكِنْ بُذِلَ لَهُ مَالٌ يَحُجُّ بِهِ، أَوْ بُذِلَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَ وَيُطْعَمَ ... . وَإِنْ حَجَّ بِغَيْرِ مَالٍ، وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ لَا يَسْأَلَ وَيَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ، وَيَقْبَلَ مَا يُعْطَاهُ، فَإِنْ وَثِقَ بِالْيَقِينِ وَالصَّبْرِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، وَالِاسْتِشْرَافِ إِلَى النَّاسِ، وَلَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ ... .

стр. 73

وَأَمَّا إِنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَتَوَكَّلُ ... . وَإِنْ حَجَّ مَاشِيًا، وَلَهُ زَادٌ مَمْلُوكٌ أَوْ مُبَاحٌ أَوْ مُكْتَسَبٌ أَوْ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا فَقَدْ أَحْسَنَ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِ الْحَجِّ.

стр. 74

(فَصْلٌ) وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الرَّاحِلَةُ فِي حَقِّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، فَأَمَّا الْقَرِيبُ وَالْمَكِّيُّ وَنَحْوُهُمَا مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ: فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ كَمَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ. فَإِنْ كَانَ زَمِنًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ: لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحُجَّ حَبْوًا. وَأَمَّا الزَّادُ فَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَجِدَ الزَّادَ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَا يَأْكُلُهُ، وَلَوْ بِكَسْبِهِ، فَإِنْ كَانَ مَتَى تَشَاغَلَ بِالْحَجِّ انْقَطَعَ كَسْبُهُ وَتَعَذَّرَ الزَّادُ عَلَيْهِ: لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ. وَإِنْ قَدَرَ عَلَى السُّؤَالِ ... .

стр. 75

(الْفَصْلُ الثَّالِثُ) أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَجِدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ بِالْآلَةِ الَّتِي تَصْلُحُ لِمِثْلِهِ مِنَ الْغَرَائِرِ، وَأَوْعِيَةِ الْمَاءِ، وَأَنْ يَكُونَ الزَّادُ مِمَّا يَقْتَاتُهُ مِثْلُهُ فِي هَذَا الطَّرِيقِ طَعَامًا وَأُدْمًا، وَأَنْ تَكُونَ آلَاتُ الرَّاحِلَةِ مِمَّا تَصْلُحُ لِمِثْلِهِ. فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ الرُّكُوبُ إِلَّا فِي مَحْمِلٍ وَنَحْوِهِ بِحَيْثُ يَخَافُ السُّقُوطَ اعْتُبِرَ وُجُودُ الْمَحْمِلِ، وَإِنْ كَانَ يَكْفِيهِ الرَّحْلُ وَالْقَتَبُ بِحَيْثُ لَا يَخْشَى السُّقُوطَ أَجْزَأَهُ وُجُودُ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَتْ عَادَتُهُ السَّفَرَ فِي الْمَحَامِلِ، أَوْ عَلَى الْأَقْتَابِ وَالزَّوَامِلِ وَالرِّحَالِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَحِي مِنَ الرُّكُوبِ عَلَى الزَّوَامِلِ لِكَوْنِهِ كَانَ مِنَ الْأَشْرَافِ وَالْأَغْنِيَاءِ ... .
следующие страницы →