Полный текст (1 211 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَالْمُسَافِرِ وَالْمَرْأَةِ وَنَحْوِهِمْ فِي كَوْنِهِمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ؛ وَلِهَذَا إِذَا حَضَرُوا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ، وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ.
وَسَبَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ: أَنَّ الْوُجُوبَ يَعْتَمِدُ كَمَالَ الْفَاعِلِ الَّذِي بِهِ يَسْتَعِدُّ لِحَمْلِ الْأَمَانَةِ، وَيَعْتَمِدُ إِمْكَانُ الْفِعْلِ الَّذِي بِهِ يُمْكِنُ أَدَاؤُهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِنْسَانُ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ لِنَقْصِ عَقْلِهِ أَوْ سِنِّهِ أَوْ حُرِّيَّتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُخَاطَبْ بِذَلِكَ الْوُجُوبِ أَصْلًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ هَلْ يَفْعَلُ أَوْ لَا يَفْعَلُ، وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَإِذَا كَانَ كَامِلًا تَأَهَّلَ لِلْخِطَابِ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى الْأَدَاءِ إِذَا قَدَرَ، وَأَنْ يَنْظُرَ فِي نَفْسِهِ هَلْ هُوَ قَادِرٌ أَوْ عَاجِزٌ، وَلَوْ تَجَشَّمَ وَفَعَلَ لَحَصَلَ الْمَقْصُودُ، فَالْمَعْضُوبُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ.
فَقَوْلُ السَّائِلِ: أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ: يَجُوزُ أَنْ يَعْنِيَ بِهِ أَنَّهُ حُرٌّ عَاقِلٌ بَالِغٌ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، لَكِنْ هُوَ عَاجِزٌ عَنِ الْأَدَاءِ، فَإِنِ اسْتَنَابَ فَهَلْ يَقُومُ فِعْلُ النَّائِبِ مَقَامَ فِعْلِهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَعَلَ أَمْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ، فَيَبْقَى غَيْرَ فَاعِلٍ؟ وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الْكَلَامِ.
стр. 72
(فَصْلٌ)
وَمَنْ لَمْ يَجِدِ الزَّادَ أَوِ الرَّاحِلَةَ: إِذَا اكْتَسَبَ حَتَّى حَصَّلَ زَادًا وَرَاحِلَةً فَقَدْ أَحْسَنَ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ يَعْمَلُ صَنْعَتَهُ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ يَكْرِي نَفْسَهُ بِطَعَامِهِ وَعُقْبَتِهِ. وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْحَجُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَيُجْزِئُ عَنْهُ، وَإِنِ اسْتَقْرَضَ وَكَانَ لَهُ وَفَاءٌ ... .
وَإِنْ كَانَ يَسْأَلُ فِي الْمِصْرِ، أَوْ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ لَهُ الْحَجُّ بِالسُّؤَالِ.
وَالنُّصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ السُّؤَالَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ حَرَامٌ.
وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْ لَكِنْ بُذِلَ لَهُ مَالٌ يَحُجُّ بِهِ، أَوْ بُذِلَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَ وَيُطْعَمَ ... .
وَإِنْ حَجَّ بِغَيْرِ مَالٍ، وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ لَا يَسْأَلَ وَيَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ، وَيَقْبَلَ مَا يُعْطَاهُ، فَإِنْ وَثِقَ بِالْيَقِينِ وَالصَّبْرِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، وَالِاسْتِشْرَافِ إِلَى النَّاسِ، وَلَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ ... .
стр. 73
وَأَمَّا إِنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَتَوَكَّلُ ... .
وَإِنْ حَجَّ مَاشِيًا، وَلَهُ زَادٌ مَمْلُوكٌ أَوْ مُبَاحٌ أَوْ مُكْتَسَبٌ أَوْ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا فَقَدْ أَحْسَنَ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِ الْحَجِّ.
стр. 74
(فَصْلٌ)
وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الرَّاحِلَةُ فِي حَقِّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، فَأَمَّا الْقَرِيبُ وَالْمَكِّيُّ وَنَحْوُهُمَا مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ: فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ كَمَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ. فَإِنْ كَانَ زَمِنًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ: لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحُجَّ حَبْوًا.
وَأَمَّا الزَّادُ فَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَجِدَ الزَّادَ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَا يَأْكُلُهُ، وَلَوْ بِكَسْبِهِ، فَإِنْ كَانَ مَتَى تَشَاغَلَ بِالْحَجِّ انْقَطَعَ كَسْبُهُ وَتَعَذَّرَ الزَّادُ عَلَيْهِ: لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ.
وَإِنْ قَدَرَ عَلَى السُّؤَالِ ... .
стр. 75
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَجِدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ بِالْآلَةِ الَّتِي تَصْلُحُ لِمِثْلِهِ مِنَ الْغَرَائِرِ، وَأَوْعِيَةِ الْمَاءِ، وَأَنْ يَكُونَ الزَّادُ مِمَّا يَقْتَاتُهُ مِثْلُهُ فِي هَذَا الطَّرِيقِ طَعَامًا وَأُدْمًا، وَأَنْ تَكُونَ آلَاتُ الرَّاحِلَةِ مِمَّا تَصْلُحُ لِمِثْلِهِ. فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ الرُّكُوبُ إِلَّا فِي مَحْمِلٍ وَنَحْوِهِ بِحَيْثُ يَخَافُ السُّقُوطَ اعْتُبِرَ وُجُودُ الْمَحْمِلِ، وَإِنْ كَانَ يَكْفِيهِ الرَّحْلُ وَالْقَتَبُ بِحَيْثُ لَا يَخْشَى السُّقُوطَ أَجْزَأَهُ وُجُودُ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَتْ عَادَتُهُ السَّفَرَ فِي الْمَحَامِلِ، أَوْ عَلَى الْأَقْتَابِ وَالزَّوَامِلِ وَالرِّحَالِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَحِي مِنَ الرُّكُوبِ عَلَى الزَّوَامِلِ لِكَوْنِهِ كَانَ مِنَ الْأَشْرَافِ وَالْأَغْنِيَاءِ ... .
стр. 76
وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَحُجَّ عَلَى الرَّحْلِ وَالزَّامِلَةِ دُونَ الْمَحْمِلِ إِذَا أَمْكَنَ، لِمَا رَوَى عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: («حَجَّ أَنَسٌ عَلَى رَحْلٍ وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ، وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ»). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَالزَّامِلَةُ: هِيَ الْبَعِيرُ الَّذِي يَحْمِلُ مَتَاعَ الرَّجُلِ وَطَعَامَهُ، وَازْدَمَلَهُ: احْتَمَلَهُ، وَالزَّمِيلُ: الرَّدِيفُ، وَالْمُزَامَلَةُ: الْمُعَادَلَةُ عَلَى بَعِيرٍ.
وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صَبِيحٍ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: («حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ، وَقَطِيفَةٍ تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ لَا تُسَاوِي، ثُمَّ قَالَ:
стр. 77
(اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا، وَلَا سُمْعَةَ»). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِمَا كَلَامٌ.
وَهَلْ يُكْرَهُ الْحَجُّ فِي الْمَحْمِلِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: لَا يُكْرَهُ، قَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: وَالْمَحَامِلُ قَدْ رَكِبَهَا الْعُلَمَاءُ وَرُخِّصَ فِيهَا.
وَالثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ، قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: عَطَاءٌ كَانَ يَكْرَهُ الْمَحَامِلَ لِلرَّجُلِ
стр. 78
وَلَا يَرَى بِهَا لِلنِّسَاءِ بَأْسًا، وَقَالَ عَطَاءٌ: الْقِبَابُ عَلَى الْمَحَامِلِ بِدْعَةٌ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَخْدِمُهُ فِي رُكُوبِهِ وَطَعَامِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: اعْتُبِرَتِ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ بِكِرَاءٍ، أَوْ شِرَاءٍ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَجِدَهُمَا فِي مِلْكِهِ، أَوْ هُمَا بِكِرَاءٍ، أَوْ شِرَاءٍ إِذَا كَانَ ذَلِكَ عِوَضَ مِثْلِهِمَا فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَهُوَ وَاجِدٌ لَهُ.
وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ عَلَى عِوَضِ الْمِثْلِ لَزِمَهُ الشِّرَاءُ وَالْكِرَاءُ. وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً تُجْحِفُ بِمَالِهِ: لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
وَإِنْ كَانَ السِّعْرُ غَالِيًا فِي ذَلِكَ الْعَامِ غَلَاءً خَارِجًا عَنِ الْأَمْرِ الْغَالِبِ فَقِيلَ: يُعْتَبَرُ ثَمَنُ مِثْلِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا يُمْكِنُهُ اقْتِضَاؤُهُ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى مُوسِرٍ بَاذِلٍ، أَوْ غَائِبٍ يُمْكِنُ إِحْضَارُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ.
стр. 79
ثُمَّ إِنْ كَانَ يَجِدُ الزَّادَ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ، أَوْ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ: لَمْ يَلْزَمْهُ حَمْلُهُ مِنْ مِصْرِهِ، بَلْ عَلَيْهِ حَمْلُهُ مِنْ مَوْضِعِ وُجُودِهِ إِلَى مَوْضِعِ وُجُودِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ حَمْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ، أَوْ لَا.
وَأَمَّا الْمَاءُ لَهُ وَلِدَوَابِّهِ وَعَلَفُ الرَّوَاحِلِ، فَمِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ فَعَلَيْهِ حَمْلُهُ مِنْ مَوْضِعِ وُجُودِهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الطَّرِيقِ مَاءٌ وَلَا عَلَفٌ، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَ عَلَيْهِ حَمْلُهُ مِنْ بَلَدِهِ، وَلَا مِنْ أَقْرَبِ الْأَمْصَارِ إِلَى مَكَّةَ؛ لِأَنَّ هَذَا يَشُقُّ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ حَمْلِ الْمَاءِ لِبَهَائِمِهِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ ... .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: حُكْمُ عَلَفِ الْبَهَائِمِ: حُكْمٌ زَادَهُ فِي وُجُوبِ حَمْلِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي الطَّرِيقِ.
стр. 80
(الْفَصْلُ الرَّابِعُ)
أَنْ يَجِدَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ، وَمُؤْنَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ.
فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِلَّهِ، أَوْ لِآدَمِيٍّ، وَقَدْ مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ بَعْدَ وُجُوبِهِ، أَوْ حِينَ وُجُوبِهِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ قَضَاءِ دَيْنِهِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ، وَلِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ.
فَإِنْ كَانَ قَدْ مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، ثُمَّ لَزِمَهُ الدَّيْنُ بَعْدَ ذَلِكَ ... . [وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، أَوْ مَتْرُوكًا.
]
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ... .
فَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ عَلَى أَبِيهِ أَوْ غَيْرِهِ: قَدَّمَ الْحَجَّ. قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا كَانَ مَعَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَحُجَّ قَطُّ فَإِنَّهُ يَقْضِي دَيْنَهُ، وَلَا يَحُجُّ، فَإِنْ كَانَ عَلَى أَبِيهِ دَيْنٌ فَلْيَحُجَّ الْفَرِيضَةَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَجَّ الْفَرِيضَةَ يَقْضِي دَيْنَ
стр. 81
أَبِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ لَمْ يَحُجَّ دَفَعَ إِلَى أَبِيهِ حَتَّى يَحُجَّ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: وَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ الْحَجُّ، إِذْ كَانَ مَعَهُ نَفَقَةٌ تُبَلِّغُهُ إِلَى مَكَّةَ وَيَرْجِعُ، وَيُخَلِّفُ نَفَقَتَهُ لِأَهْلِهِ مَا يَكْفِيهِمْ حَتَّى يَرْجِعَ.
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: السَّبِيلُ فِي الطَّرِيقِ السَّالِكَةِ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ الْمُبَلِّغَانِ إِلَى مَكَّةَ، وَإِلَى الْعَوْدِ إِلَى مَنْزِلِهِ، مَعَ نَفَقَةِ عِيَالِهِ لِمُدَّةِ سَفَرِهِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ وُجُودُ مَا يُنْفِقُهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ.
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الْكَسْبِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ وَابْنَ أَبِي مُوسَى صَرَّحَا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعُ الْمَنَازِلِ الَّتِي يُؤَجِّرُهَا لِكِفَايَتِهِ، وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ، وَإِنَّمَا يَبِيعُ مَا يَفْضُلُ عَنْ كِفَايَتِهِ، وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَتْرُكَ لِعَائِلَتِهِ - الَّذِينَ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ - مَا يَكْفِيهِمْ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ آكَدُ، وَلِهَذَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَسْبِ بِخِلَافِ الْحَجِّ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: («كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ
стр. 82
يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ»). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ - بِعَيْنِهِ - نَفَقَتُهُ لَكِنْ يَخَافُ عَلَيْهِ الضَّيَاعَ كَيَتِيمٍ وَأَرْمَلَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ... .
وَلَا بُدَّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى كِفَايَةٍ لَهُ، وَلِعِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ إِمَّا رِبْحِ تِجَارَةٍ، أَوْ صِنَاعَةٍ، أَوْ أُجُورِ عَقَارٍ، وَدَوَابَّ، أَوْ رَيْعٍ وُقِفَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ لِأَنَّ ... .
فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ وَقْفِ الْفُقَرَاءِ، أَوِ الْفُقَهَاءِ، أَوْ بَيْتِ الْمَالِ وَنَحْوِهِ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ ... .
وَالْمُرَادُ بِالْكِفَايَةِ: مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِثْلُهُ مِنْ طَعَامٍ وَكِسْوَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِنْ مَسْكَنٍ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ السُّكْنَى، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ مَسْكَنَهُ، ثُمَّ يَسْكُنَ بِأَجْرٍ، أَوْ فِي وَقْفٍ.
لَكِنْ إِنْ كَانَ وَاسِعًا يُمْكِنُهُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ بِمَا دُونَهُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ لَزِمَهُ أَنْ يَحُجَّ بِالتَّفَاوُتِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ كُتُبُ عِلْمٍ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ بَيْعُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهَا فَرْضًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْعَالِمِ إِلَى عِلْمِهِ ... .
стр. 83
فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، أَوْ كَانَ لَهُ بِكِتَابٍ نُسْخَتَانِ يَسْتَغْنِي عَنْ إِحْدَاهُمَا: بَاعَ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ كُتُبَ عِلْمٍ، أَوْ يُنْفِقَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ رَجُلٍ مَلَكَ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ رَجُلٌ جَاهِلٌ، أَيَحُجُّ بِهَا أَمْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ؟ فَقَالَ: يَحُجُّ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ فَرِيضَةٌ، وَلَيْسَ الْحَدِيثُ عَلَيْهِ فَرِيضَةً، وَيَنْبَغِي أَنْ يَطْلُبَ الْعِلْمَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا هَذَا لَمْ يَتَعَلَّمْ فَالِابْتِدَاءُ بِفَرْضِ الْعَيْنِ قَبْلَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ أَوِ النَّافِلَةِ: مُتَعَيِّنٌ، وَالْأَوَّلُ قَدْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالْكِتَابِ، فَفِي بَيْعِ كُتُبِهِ إِخْلَالٌ بِمَا قَدْ عَلِمَهُ مِنْ عِلْمِهِ.
وَإِذَا كَانَ لَهُ خَادِمٌ يَحْتَاجُ إِلَى خِدْمَتِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ بَيْعُهَا. قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ وَالشَّيْءُ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ كِفَايَةٌ لِأَهْلِهِ: فَلَا يُبَاعُ، فَإِذَا خَرَجَ عَنْ كِفَايَتِهِ وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ: يُبَاعُ.
وَإِذَا كَانَ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى النِّكَاحِ فَقَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ -: إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ مَالٌ فَإِنْ تَزَوَّجَ بِهِ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ فَضْلٌ، وَإِنْ حَجَّ خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ صَبْرٌ عَنِ التَّزْوِيجِ: تَزَوَّجَ، وَتَرَكَ الْحَجَّ. وَكَذَلِكَ نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ إِنْ خَشِيَ الْعَنَتَ قَدَّمَ النِّكَاحَ
стр. 84
؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَلَا غِنًى بِهِ عَنْهُ فَهُوَ كَالنَّفَقَةِ.
وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْحَجِّ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ عِنْدَهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَيَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ، وَلَمْ يَحُجَّ، وَأَبَوَاهُ يَأْمُرَانِهِ بِالتَّزْوِيجِ، قَالَ: يَحُجُّ وَلَا يُطِيعُهُمَا فِي ذَلِكَ، هَكَذَا ذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي زَادِ الْمُسَافِرِ، ثُمَّ فَصَّلَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَحْمَدَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ بِوُجُودِ السَّبِيلِ إِلَيْهِ.
وَالْعَنَتُ الْمَخُوفُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَهُوَ نَادِرٌ، وَالْغَالِبُ عَلَى الطِّبَاعِ خِلَافُ ذَلِكَ، فَلَا يُفَرِّطُ فِيمَا تَيَقَّنَ وُجُوبَهُ بِمَا يَشُكُّ فِيهِ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ: قَدَّمَ الْحَجَّ.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ النِّكَاحَ وَاجِبٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ سُرِّيَّةٌ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَيْعُهَا، وَاسْتِبْدَالُ مَا هُوَ دُونَهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِيَسْتَفْضِلَ نَفَقَتَهَا.
стр. 85
(فَصْلٌ)
وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَسِيرُ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الْمَسِيرِ بِأَنْ يَكُونَ يَتَّسِعُ الْوَقْتُ لِلسَّيْرِ وَالْأَدَاءِ. فَلَوْ وَجَدَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّحْرِ بِأَيَّامٍ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ شَهْرٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْمَسِيرُ لِلْحَجِّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسِيرَ إِلَّا السَّيْرَ الْمُعْتَادَ وَمَا يُقَارِبُهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَسِيرَ سَيْرًا يُجَاوِزُ الْعَادَةَ، أَوْ يَعْجِزُ مَعَهُ عَنْ تَحْصِيلِ آلَةِ السَّفَرِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَشَقَّةِ الَّتِي لَا يَجِبُ مَعَهَا مِثْلُ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ مِنَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ خَالِيًا مِنَ الْعَوَائِقِ الْمَانِعَةِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْ يَصُدُّهُ عَنِ الْحَجِّ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ كَالْأَعْرَابِ وَالْأَكْرَادِ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى الْقَوَافِلِ، أَوْ كُفَّارٍ، أَوْ بُغَاةٍ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ السَّعْيُ إِلَى الْحَجِّ. فَإِنْ أَمْكَنَ قِتَالُهُمْ ... .
وَإِنْ أَمْكَنَ بَذْلُ خُفَارَةٍ لَهُمْ، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: لَا يَجِبُ بَذْلُهَا، وَإِنْ
стр. 86
كَانَتْ يَسِيرَةً لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا رِشْوَةٌ فَلَا يَلْزَمُ بَذْلُهَا فِي الْعِبَادَةِ كَالْكَثِيرَةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ لَا يُؤْمَنُونَ مَعَ أَخْذِهَا، فَإِنَّ مَنِ اسْتَحَلَّ أَكْلَ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ مِنْ وَفْدِ اللَّهِ: لَمْ يُؤْمَنْ عَلَى اسْتِحْلَالِ قَتْلِهِمْ، أَوْ نَهْبِهِمْ، أَوْ سَرِقَتِهِمْ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ بَذْلُ الْخُفَارَةِ الْيَسِيرَةِ، قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهَا نَفَقَةٌ يَقِفُ إِمْكَانُ الْحَجِّ عَلَى بَذْلِهَا، فَلَمْ يَمْتَنِعِ الْوُجُوبُ مَعَ إِمْكَانِ بَذْلِهَا كَالْأَثْمَانِ وَالْأَكْرِيَةِ، وَقَدْ بَذَلَ صُهَيْبٌ لِلْكُفَّارِ جَمِيعَ مَالِهِ الَّذِي بِمَكَّةَ حَتَّى خَلَّوْهُ
стр. 87
يُهَاجِرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ لَوِ احْتَاجَ أَنْ يَرْشُوَ الْوُلَاةَ لِتَخْلِيَتِهِ، أَوْ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِهِ.
وَلَوِ احْتَاجَ أَنْ يَبْذُلَ مَالًا لِمَنْ يَخْرُجُ مَعَهُ لِيَحْرُسَهُ فَهَذَا لَيْسَ بِرِشْوَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ جُعَالَةٌ أَوْ إِجَارَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْخُرُوجُ مَعَهُ وَحِفْظُهُ. وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ هَذَا وَاجِبٌ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ نَفَقَةُ مَحْرَمِهَا؛ لِأَنَّهُ الْحَافِظُ لَهَا، وَكَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ مَنْ يَحْفَظُ رَحْلَهُ مِنَ السُّرَّاقِ.
وَسَوَاءٌ كَانَتِ الطَّرِيقُ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً يَبْقَى فِيهَا سِنِينَ ... .
وَسَوَاءٌ كَانَتِ الطَّرِيقُ بَرًّا أَوْ بَحْرًا إِذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ السَّلَامَةَ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَى الْبَحْرِ الْهَلَاكَ: لَمْ يَجِبِ السَّعْيُ إِلَى الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ يَسْلَمُ قَوْمٌ
стр. 88
وَيَتْلَفُ قَوْمٌ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ سُلُوكُهُ.
стр. 89
(فَصْلٌ)
وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الرُّكُوبِ، فَمَتَى قَدَرَ عَلَى الرُّكُوبِ عَلَى حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ لَزِمَهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ لِمَرَضٍ، أَوْ كِبَرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ: أَنْ يُخْشَى مِنْ رُكُوبِهِ سُقُوطُهُ، أَوْ مَرَضٌ، أَوْ زِيَادَةُ مَرَضٍ، أَوْ تَبَاطُؤُ بُرْءٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَأَمَّا إِنْ كَانَ تَوَهُّمًا وَجُبْنًا، أَوْ مَرَّةً يَعْتَرِيهِ أَحْيَانًا، وَيَقْدِرُ أَنْ يَسْتَطِبَّ ... .
ثُمَّ إِنْ كَانَ مَيْئُوسًا مِنْ بُرْئِهِ فَإِنَّهُ يَحُجُّ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: يَحُجُّ الرَّجُلُ عَنِ الرَّجُلِ وَهُوَ حَيٌّ وَعَنِ الْمَرْأَةِ، وَإِذَا كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ يَحُجُّ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَإِذَا كَانَتِ امْرَأَةً ثَقِيلَةً لَا يَقْدِرُ مِثْلُهَا يَرْكَبُ، وَالْمَرِيضُ الَّذِي قَدْ أُويِسَ مِنْهُ أَنْ يَبْرَأَ: فَيَحُجُّ عَنْهُمْ وَلِيُّهُمْ، «وَهَذَا الَّذِي أَمَرَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ الْخَثْعَمِيَّةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَقَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: (نَعَمْ حُجِّي عَنْ أَبِيكِ»).
فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ لَا يَقْدِرَانِ عَلَى الْحَجِّ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْحَجُّ: حَجَّ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا.
стр. 90
وَإِحْجَاجُهُ عَنْ نَفْسِهِ: وَاجِبٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَوَاءٌ بَلَغَ وَهُوَ مَعْضُوبٌ، أَوْ عُضِبَ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ وُجُودِ الْمَالِ، أَوْ بَعْدَ وُجُودِ الْمَالِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ ابْنَ أَبِي مُوسَى ذَكَرَ أَنَّ شُرُوطَ الْوُجُوبِ: الْحُرِّيَّةُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالصِّحَّةُ، وَالزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ، وَالْمَحْرَمُ لِلْمَرْأَةِ، وَخُلُوُّ الطَّرِيقِ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَّ الْحَجَّ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ بِثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ: بِالزَّادِ، وَالرَّاحِلَةِ، وَالصِّحَّةِ. وَعَلَى الْمَرْأَةِ بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ: الزَّادُ، وَالرَّاحِلَةُ، وَالصِّحَّةُ، وَالْمَحْرَمُ.
لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْخَثْعَمِيَّةَ وَغَيْرَهَا أَخْبَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهُ، وَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالدَّيْنِ الْمَقْضِيِّ. وَلَوْلَا أَنَّ الْحَجَّ قَدْ وَجَبَ عَلَى هَذَا الْمَعْضُوبِ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْحَجِّ ... .
وَأَيْضًا: «فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ فَقَالَ: (الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ») وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَادِرِ بِنَفْسِهِ وَالْعَاجِزِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ فَرَائِضَ اللَّهِ إِذَا قَدَرَ أَنْ يَفْعَلَهَا بِأَصْلٍ أَوْ بَدَلٍ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَمَا يَجِبُ بَدَلُ الصَّوْمِ، وَهُوَ الْإِطْعَامُ، وَبَدَلُ الْكَفَّارَاتِ، وَبَدَلُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ.
стр. 91
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْحَجِّ، وَهَذِهِ الْحَجَّةُ تُجْزِئُ عَنْهُ، وَيَسْقُطُ بِهَا عَنْهُ فَرْضُ الْإِسْلَامِ، بِنَصِّ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَمْكَنَتْهُ الِاسْتِنَابَةُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فِي دِينِهِ وَلَا دُنْيَاهُ؛ لِأَنَّ النَّائِبَ إِنْ كَانَ أَجِيرًا فَلَا ضَرَرَ مِنْهُ عَلَيْهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ يَقَعُ مُسْتَحَقًّا لِلْمُسْتَأْجِرِ كَالِاسْتِيجَارِ عَلَى الْبِنَاءِ وَالْخِيَاطَةِ وَالْكِتَابَةِ. وَإِنْ كَانَ نَائِبًا مَحْضًا فَإِنَّ النَّفَقَةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِي مَالِ الْمُسْتَنِيبِ، فَلَا مِنَّةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، يَبْقَى عَمَلُ النَّائِبِ فَقَطْ وَذَلِكَ لَا مِنَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَهُ عِوَضًا صَحِيحًا فِي شُهُودِ الْمَشَاعِرِ، وَعَمَلِ الْمَنَاسِكِ، وَحُضُورِ الْمَوْسِمِ، وَلَهُ بِذَلِكَ عَمَلٌ صَالِحٌ غَيْرُ إِبْرَاءِ ذِمَّةِ الْمُنِيبِ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ، وَإِنَّمَا بَلَغَ ذَلِكَ بِمَالِ الْمُسْتَنِيبِ فَيَصِيرَانِ مُتَعَاوِنَيْنِ عَلَى إِقَامَةِ الْحَجِّ، هَذَا بِمَالِهِ، وَهَذَا بِبَدَنِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مِنَّةٌ عَلَى الْآخَرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَجَّ عَنْهُ بِمَالِ نَفْسِهِ.
لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْحَاجُّ وَلِيَّهُ، فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ
стр. 92
صِلَةً لِرَحِمِهِ، وَقَضَاءً لِحَقِّهِ، كَمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِالْعَقْلِ عَنْهُ، وَوِلَايَتِهِ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، وَلَا مِنَّةَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وَإِذَا حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَجْزَأَ عَنْهُ وَإِنْ عُوفِيَ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، وَأَبِي طَالِبٍ -: إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَجِّ فَحُجُّوا عَنْهُ، ثُمَّ صَحَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدَرَ: فَقَدْ قُضِيَ عَنْهُ الْحَجُّ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ أَصْحَابِنَا.
فَإِنْ وَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ عَاقَهُ عَائِقٌ، أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ هَلْ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ فِي ذِمَّتِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
стр. 93
(فَصْلٌ)
وَإِنْ كَانَ الْعَاجِزُ عَنِ الْحَجِّ يَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ كَالْمَرِيضِ وَالْمَحْبُوسِ، وَمَنْ قُطِعَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ، أَوْ مَنَعَهُ سُلْطَانٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ: لَمْ تَجُزْ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِي فَرْضِ الْحَجِّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، كَمَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا أَذِنَ فِي النِّيَابَةِ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَأُلْحِقَ بِهِ مَنْ فِي مَعْنَاهُ. وَالَّذِي يُرْجَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْحَجِّ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ لِوُجُوهٍ: -
أَحَدُهَا: أَنَّ ذَاكَ عَاجِزٌ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ عَاجِزٌ فِي الْحَالِ فَقَطْ، وَالْبَدَلُ إِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَصْلِ بِكُلِّ حَالٍ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ عَجَزَ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ بِكُلِّ حَالٍ انْتَقَلَ إِلَى الْبَدَلِ وَهُوَ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ عَجَزَ فِي الْحَالِ فَقَطْ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى الْبَدَلِ، وَلَزِمَهُ الصَّوْمُ إِذَا قَدَرَ. فَالْحَجُّ مِثْلُهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يُحَجَّ عَنِ الْفَقِيرِ، فَتَسْقُطَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ
стр. 94
مِنْ ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ فِي الْحَالِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْخِطَابِ بِالْوُجُوبِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ لَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْأَزْمِنَةِ دُونَ بَعْضٍ، فَإِذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ دَوَامُ الْعَائِقِ جَازَ أَنْ يُخَاطَبَ فِيمَا بَعْدُ، وَجَازَ أَنْ لَا يُخَاطَبَ، فَلَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى فِعْلِ ... .
стр. 95
(فَصْلٌ)
إِمْكَانُ الْمَسِيرِ وَالْأَدَاءِ بِسَعَةِ الْوَقْتِ، وَخُلُوِّ الطَّرِيقِ، وَالصِّحَّةِ: هَلْ هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ، أَوْ لِلُزُومِ الْأَدَاءِ فَقَطْ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَأَمَّا الْعَائِقُ الْخَاصُّ، مِثْلُ الْحَبْسِ وَالْمَرَضِ الَّذِي يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَمَنْعِ السُّلْطَانِ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَعَاقَةِ الطَّرِيقِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إِذَا عَرَضَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ فِدْيَةٌ، فَإِذَا قُلْنَا: هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ فَمَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، أَوْ أَنْفَقَ مَالَهُ، أَوْ هَلَكَ: لَمْ يَكُنْ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي لُزُومِ السَّعْيِ فَإِنَّ الْحَجَّ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِذَا أَنْفَقَ الْمَالَ فِيمَا بَعْدُ بَقِيَ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ. [وَإِذَا مَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، لَكِنْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ] وَعَلَيْهِ الْإِثْمُ بِإِنْفَاقِ الْمَالِ مَعَ إِمْكَانِ إِبْقَائِهِ لِلْحَجِّ. وَإِذَا اسْتَقَرَّ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ فَعَلَيْهِ فِعْلُهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ يُمَكِّنُهُ مِنَ اكْتِسَابٍ مَالٍ، أَوْ مَشْيٍ.
فَإِنْ قُلْنَا: هُمَا شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى؛ فَلِأَنَّ
стр. 96
اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] بَلْ هُوَ أَعْجَزُ مِنْ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْمَشْيِ وَاكْتِسَابِ الْمَالِ، وَأَعْجَزُ مِنَ الْمَعْضُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَحُجَّ لَا بِنَفْسِهِ وَلَا بِنَائِبِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَكَيْفَ يَبْقَى الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ؟! وَنَحْنُ وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْعِبَادَةَ تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ فَإِنَّمَا ذَاكَ فِيمَا أُطْلِقَ وُجُوبُهُ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ.
فَأَمَّا الْحَجُّ: فَقَدْ خَصَّ وُجُوبَهُ بِمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَامْتَنَعَ إِيجَابُهُ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ السَّبِيلَ فِي الْأَصْلِ: هُوَ الطَّرِيقُ وَالسَّبَبُ، وَكُلُّ مَا يُوَصِّلُ إِلَى الشَّيْءِ فَهُوَ طَرِيقٌ إِلَيْهِ وَسَبَبٌ فِيهِ، فَالتَّقْدِيرُ: مَنِ اسْتَطَاعَ التَّسَبُّبَ وَالتَّوَصُّلَ إِلَيْهِ، أَوْ مَنِ اسْتَطَاعَ فِعْلَ سَبِيلٍ، أَوْ سُلُوكَ سَبِيلٍ، وَيَخْتَصُّ الْوُجُوبُ بِمَنْ كَانَ السَّبِيلُ مُسْتَطَاعًا لَهُ أَوْ مَقْدُورًا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ قَدْ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ، وَلَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ
стр. 97
- ﷺ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَصُدُّونَهُمْ عَنِ الْبَيْتِ، وَيُقِيمُونَ الْمَوْسِمَ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ فِعْلِهِ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَطَرْدِ الْمُشْرِكِينَ، مَعَ قُدْرَةِ أَكْثَرِهِمْ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ. فَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ لَوَجَبَ أَنْ يُحَجَّ عَمَّنْ مَاتَ فِي تِلْكَ السِّنِينَ مِنْهُمْ، وَلَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ وُجُوبَ ذَلِكَ فِي تَرِكَاتِهِمْ، أَوْ سَأَلَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، كَمَا سَأَلُوهُ عَمَّنْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ وَهُوَ مَعْضُوبٌ.
وَإِنْ كَانَتْ فَرِيضَةُ الْحَجِّ قَدْ تَأَخَّرَتْ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ، أَوْ عَشْرٍ فَإِنَّمَا سَبَبُ تَأْخِيرِهَا صَدُّ الْمُشْرِكِينَ عَنِ الْبَيْتِ، وَاسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَيْهِ، وَعَدَمُ تَمَكُّنِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ إِقَامَتِهِ، فَامْتَنَعَ أَصْلُ إِيجَابِ الْحَجِّ فِي حَقِّ الْكَافَّةِ فَهُوَ بِالْمَنْعِ فِي حَقِّ الْخَاصَّةِ أَوْلَى.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَوْ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَمْ يَلْزَمْهُ إِتْمَامُ الْحَجِّ، وَلَا يَجِبُ
стр. 98
الْقَضَاءُ فِي ذِمَّتِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ مَعَ أَنَّ إِتْمَامَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ أَوْكَدُ مِنَ ابْتِدَاءِ الشُّرُوعِ فِيهِ بَعْدَ وُجُوبِهِ. فَإِذَا لَمْ يَجِبِ الْقَضَاءُ فِي ذِمَّةِ الْمَصْدُودِ عَنْهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَأَنْ لَا يَجِبَ الْأَدَاءُ فِي ذِمَّةِ الْمَصْدُودِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَوْلَى.
وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَا بِشَرْطٍ فِي الْوُجُوبِ وَهُوَ قَوْلُ ... .
فَلِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ فَقَالَ: (الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ)» وَفَسَّرَ الِاسْتِطَاعَةَ بِذَلِكَ كَمَا ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ يُعْلَمُ أَنَّ وُجُودَ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْحَجِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي الذِّمَّةِ إِنَّمَا يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْفِعْلِ فِي الْحَالِ، أَوْ فِي الْمَآلِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِنَائِبِهِ كَوُجُوبِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ. وَهَذَا يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ الْحَجُّ لِيَفْعَلَهُ فِيمَا بَعْدُ بِنَفْسِهِ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا بِنَائِبِهِ كَالْمَعْضُوبِ. حَتَّى لَوْ فُرِضَ مَنْ لَا يُمْكِنُ الْحَجُّ عَنْهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِثْلُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ بَعْدَ آخِرِ سَنَةٍ يَحُجُّ النَّاسُ فِيهَا لَمْ يَجِبْ فِي ذِمَّتِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمَعْضُوبِ، إِلَّا أَنَّ الْمَعْضُوبَ يُمْكِنُهُ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الْمَصْدُودِ.
وَالتَّمَكُّنُ مِنْ فِعْلِ الْعِبَادَةِ إِذًا لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِوُجُوبِهَا فِي الذِّمَّةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ، لَا سِيَّمَا عَلَى أَصْلِنَا الْمَشْهُورِ فِي الصَّلَاةِ
стр. 99
وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ. فَإِنَّ كُلَّ مَنْ أَمْكَنَهُ قَضَاءُ الْعِبَادَةِ وَجَبَتْ فِي ذِمَّتِهِ إِذَا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهَا.
وَالزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ بِمَنْزِلَةِ شُهُودِ الشَّهْرِ فِي رَمَضَانَ، وَبِمَنْزِلَةِ حُؤُولِ الْحَوْلِ فِي الزَّكَاةِ، فَمَنْ مَلَكَ ذَلِكَ وَأَمْكَنَ فِعْلُ الْحَجِّ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً وَجَبَ عَلَيْهِ.
стр. 100
[مَسْأَلَةٌ وجوب المحرم في سفر المرأة]
مَسْأَلَةٌ:
(وَيُعْتَبَرُ لِلْمَرْأَةِ وُجُودُ مَحْرَمِهَا، وَهُوَ زَوْجُهَا، وَمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ، أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ).
فِي هَذَا الْكَلَامِ فَصْلَانِ: -
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُسَافِرَ لِلْحَجِّ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ إِلَّا مَعَ زَوْجٍ، أَوْ ذِي مَحْرَمٍ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : [(«لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّا مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ]: («لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ»). وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : («نَهَى أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ، أَوْ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْجَمَاعَةِ إِلَّا الْبُخَارِيَّ وَالنَّسَائِيَّ: («لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا، أَوِ ابْنُهَا، أَوْ زَوْجُهَا، أَوْ أَخُوهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا»).
стр. 101
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: («لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: («مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»). وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِغَيْرِهِ: («لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا»). وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: (بَرِيدًا).
стр. 102
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: («لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَانْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: («لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلْ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنِّي أُرِيدُ جَيْشَ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ، قَالَ: اخْرُجْ مَعَهَا»).
فَهَذِهِ نُصُوصٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَحْرِيمِ سَفَرِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَلَمْ يُخَصِّصْ سَفَرًا مِنْ سَفَرٍ، مَعَ أَنَّ سَفَرَ الْحَجِّ مِنْ أَشْهَرِهَا وَأَكْثَرِهَا. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغْفِلَهُ، وَيُهْمِلَهُ وَيَسْتَثْنِيَهُ بِالنِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ، بَلْ قَدْ فَهِمَ الصَّحَابَةُ مِنْهُ دُخُولَ سَفَرِ الْحَجِّ فِي ذَلِكَ لَمَّا سَأَلَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَنْ سَفَرِ الْحَجِّ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ،
стр. 103
وَأَمَرَهُ أَنْ يُسَافِرَ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَيَتْرُكَ الْجِهَادَ الَّذِي قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِالِاسْتِنْفَارِ فِيهِ، وَلَوْلَا وُجُوبُ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرُ الْحَجِّ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، وَهُوَ أَغْلَبُ أَسْفَارِ النِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُسَافِرُ فِي الْجِهَادِ، وَلَا فِي التِّجَارَةِ غَالِبًا، وَإِنَّمَا تُسَافِرُ فِي الْحَجِّ، وَلِهَذَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ جِهَادَهُنَّ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا السَّفَرُ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ يُؤْمَنُ فِيهِ الْبَلَاءُ، ثُمَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ذَكَرَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَا اعْتَقَدَهُ حَافِظًا لَهَا وَصَايِنًا،
стр. 104
كَنِسْوَةٍ ثِقَاتٍ، وَرِجَالٍ مَأْمُونِينَ، وَمَنَعَهَا أَنْ تُسَافِرَ بِدُونِ ذَلِكَ.
فَاشْتِرَاطُ مَا اشْتَرَطَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ، وَحِكْمَتُهُ ظَاهِرَةٌ، فَإِنَّ النِّسَاءَ لَحْمٌ عَلَى وَضَمٍ إِلَّا مَا ذُبَّ عَنْهُ، وَالْمَرْأَةُ مُعَرَّضَةٌ فِي السَّفَرِ لِلصُّعُودِ وَالنُّزُولِ وَالْبُرُوزِ، مُحْتَاجَةٌ إِلَى مَنْ يُعَالِجُهَا، وَيَمَسُّ بَدَنَهَا، تَحْتَاجُ هِيَ وَمَنْ مَعَهَا مِنَ النِّسَاءِ إِلَى قَيِّمٍ يَقُومُ عَلَيْهِنَّ، وَغَيْرُ الْمَحْرَمِ لَا يُؤْمَنُ وَلَوْ كَانَ أَتْقَى النَّاسِ؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ سَرِيعَةُ التَّقَلُّبِ، وَالشَّيْطَانَ بِالْمِرْصَادِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : («مَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا»). قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: «لَا تَحُجَّ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى أَنْ تَحُجَّ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».
وَلَيْسَ يُشْبِهُ أَمْرُ الْحَجِّ الْحُقُوقَ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ لَازِمَةٌ وَاجِبَةٌ
стр. 105
مِثْلُ الْحُدُودِ وَمَا أَشْبَهَهَا، وَأَمْرُ النِّسَاءِ صَعْبٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ الَّذِي يُذَبُّ عَنْهُ، وَكَيْفَ تَسْتَطِيعُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَحُجَّ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ؟ فَكَيْفَ بِالضَّيْعَةِ وَمَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنَ الْحَوَادِثِ؟!
وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ إِلَّا فِي الْهِجْرَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي تَهْرُبُ مِنْهُ شَرٌّ مِنَ الَّذِي تَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهَا، وَقَدْ خَرَجَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَفِي حُضُورِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ
стр. 106
ضَرُورَةٌ يُخَافُ مِنْهُ أَنْ يَضِيعَ حَقُّ الْمُدَّعِي، وَفِي التَّغْرِيبِ لِأَنَّهُ حَدٌّ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا.
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ... .
وَالْعَجُوزُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى ... .
стр. 107
وَهَلِ الْمَحْرَمُ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلُّزُومِ وَالْأَدَاءِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ -: الْمَحْرَمُ لِلْمَرْأَةِ مِنَ السَّبِيلِ ... .
стр. 108
(الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْمَحْرَمِ).
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ: هُوَ زَوْجُهَا وَمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ، أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ.
وَتَسْمِيَةُ الزَّوْجِ مَحْرَمًا تَمَسُّكٌ بِقَوْلِهِ: («لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ»). وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ (ذُو مَحْرَمٍ). وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا تُسَافِرُ مَعَ الزَّوْجِ، فَيَتَنَاوَلُهُ اسْمُ مَحْرَمٍ، وَرُبَّمَا لَمْ يُسَمَّ مَحْرَمًا عَلَى مَا جَاءَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ: (إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا).
وَسَبَبُ هَذَا أَنَّ الْمَحْرَمَ إِمَّا صِفَةٌ أَوْ مَصْدَرٌ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ إِمَّا مِنَ التَّحْرِيمِ، أَوْ مِنَ الْحُرْمَةِ. . فَأَمَّا الزَّوْجُ فَإِنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ، فَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا مُعْتَدَّةً مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ مُحَرَّمَةً وَهُوَ مُحَلٌّ، أَوْ هُمَا مُحَرَّمَانِ قَدْ وَجَبَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا؛ لِكَوْنِهِمَا فِي قَضَاءِ حَجٍّ فَاسِدٍ، وَفِي مَعْنَاهُ سَيِّدُ الْأَمَةِ، فَإِنْ كَانَتْ حَرَامًا عَلَيْهِ ... .
وَأَمَّا مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالنَّسَبِ مِنْ وَلَدِهَا وَآبَائِهَا، وَأُخْوَتِهَا، وَبَنِي أُخْوَتِهَا، وَأَعْمَامِهَا، وَأَخْوَالِهَا فَكُلُّهُمْ مَحَارِمُ لَهَا سَوَاءٌ كَانَ سَبَبُ النَّسَبِ نِكَاحًا صَحِيحًا، أَوْ فَاسِدًا، أَوْ وَطْءَ شُبْهَةٍ؛ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْأَنْسَابِ الثَّابِتَةَ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ سَوَاءٌ فِي الْأَحْكَامِ.
فَأَمَّا بِنْتُهُ مِنَ الزِّنَا وَأُخْتُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَا نَسَبَ بَيْنَهُمَا - وَإِنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ
стр. 109
- فَلَيْسَ بِمَحْرَمٍ لَهَا فِي الْمَنْصُوصِ بِخِلَافِ أُمِّهِ. وَكَذَلِكَ ابْنَتُهُ الَّتِي لَاعَنَ عَلَيْهَا لَيْسَ هُوَ مَحْرَمًا لَهَا، وَلَا ابْنُهُ، وَلَا أَبُوهُ.
وَأَمَّا السَّبَبُ فَقِسْمَانِ: صِهْرٌ، وَرَضَاعٌ، أَمَّا الصِّهْرُ فَأَرْبَعٌ: زَوْجُ أُمِّهَا، وَابْنَتُهَا، وَأَبُو زَوْجِهَا، وَابْنُهُ.
وَأَمَّا الرَّضَاعُ: فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنْهُ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مَحَارِمُ.
وَأَمَّا مَنْ يَحْرُمُ نِكَاحُهَا تَحْرِيمًا عَارِضًا كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَأُخْتِ امْرَأَتِهِ وَسُرِّيَّتِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَلَيْسَ هُوَ مَحْرَمًا لَهُنَّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَحْرَمًا لَهُنَّ: لَكَانَ مَنْ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا قَدْ صَارَ مَحْرَمًا لِجَمِيعِ بَنَاتِ آدَمَ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إِذَا حَرُمَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ يَئِسَتِ النَّفْسُ مِنْهَا، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا طَمَعٌ فِي
стр. 110
أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهَا نَظَرَ شَهْوَةٍ فِي الْحَالِ، وَلَا فِي الْمَآلِ، بِخِلَافِ مَنْ تَحْرُمُ فِي الْحَالِ فَقَطْ، فَإِنَّ اعْتِقَادَ حِلِّهَا بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ تُطْمِعُ النَّفْسَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا، وَيَصِيرُ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ التَّحْرِيمِ كَافِيًا فِي ذَلِكَ لَكَانَ مَحْرَمًا لِسَائِرِ الْمُحْصَنَاتِ، بَلْ لِسَائِرِ النِّسَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَلَوْ حَجَّتِ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ أَجْزَأَتْهَا الْحَجَّةُ عَنْ حَجَّةِ الْفَرْضِ مَعَ مَعْصِيَتِهَا، وَعَظِيمِ الْإِثْمِ عَلَيْهَا.
следующие страницы →