← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10810

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الحج

ابن تيمية

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَالتَّحَلُّلُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنِيَّةِ الْإِحْلَالِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْإِحْرَامِ. فَلَوْ حَلَقَ، أَوْ ذَبَحَ، أَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنَ الْمَحْظُورَاتِ غَيْرَ نَاوٍ لِلتَّحَلُّلِ: لَمْ يَصِرْ حَلَالًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ إِتْمَامِ النُّسُكِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَمَّ نُسُكُهُ صَارَ حَلَالًا بِالشَّرْعِ حَتَّى لَوْ نَوَى دَوَامَ الْإِحْرَامِ لَمْ يَصِحَّ، كَالصِّيَامِ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ؛ وَالْمُصَلِّي إِذَا سَلَّمَ. وَإِذَا لَمْ يُتِمَّ: فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِتْمَامِ وَالْإِحْلَالِ كَالْمَرِيضِ الصَّائِمِ وَالْمُصَلِّي الَّذِي يَجُوزُ لَهُ قَطْعُ الصَّلَاةِ. لَا يَخْرُجُ مِنَ الْعِبَادَةِ إِلَّا بِمَا يُنَافِيهَا مِنَ النِّيَّةِ وَنَحْوِهَا، لَكِنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَفْسُدُ إِحْرَامُهُ إِلَّا بِالْوَطْءِ وَلَا بُدَّ مِنْ .. . . وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيًا إِنْ أَمْكَنَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَأَمَرَ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَجَعَلَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ قَائِمًا مَقَامَ الْإِتْمَامِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْهَدْيِ مِنْ وُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّ التَّقْدِيرَ: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَعَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، أَوْ فَفَرْضُكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ فَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، تُرِكَ ذِكْرُ الْمَحْذُوفِ لِدَلَالَةِ سِيَاقِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَكَمَا قَالَ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. الثَّانِي: أَنَّهُ أَمَرَ بِالْإِتْمَامِ وَجَعَلَ الْهَدْيَ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ قَائِمًا مَقَامَ الْإِتْمَامِ. وَالْإِتْمَامُ وَاجِبٌ فَمَا قَامَ مَقَامَهُ يَكُونُ وَاجِبًا؛ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ حَتَّى يَنْحَرَ

стр. 912

الْهَدْيَ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ تَمَامِ النُّسُكِ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ حَتَّى يُتِمَّ النُّسُكَ. الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِحْصَارَ الْمُطْلَقَ هُوَ الَّذِي يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْوُصُولُ إِلَى الْبَيْتِ، وَهَذَا يُوجِبُ الْهَدْيَ لَا مَحَالَةَ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهَذَا عَامٌّ .. . فَإِنْ أَرَادَ التَّحَلُّلَ قَبْلَ النَّحْرِ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. حَتَّى لَوْ رَفَضَ إِحْرَامَهُ وَفَعَلَ شَيْئًا مِنَ الْمَحْظُورَاتِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى إِحْرَامِهِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ تَحَلَّلَ قَبْلَ الْهَدْيِ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِأَجْلِ إِحْلَالِهِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَإِنْ نَوَى التَّحَلُّلَ قَبْلَ الْهَدْيِ وَالصِّيَامِ وَرَفَضَ الْإِحْرَامَ: لَزِمَهُ دَمٌ وَهُوَ عَلَى إِحْرَامِهِ. وَمَعْنَاهُ: إِذَا كَانَ الرَّفْضُ بِالْحَلْقِ وَنَحْوِهِ. فَأَمَّا إِنْ تَعَدَّدَتِ الْمَحْظُورَاتُ .. . . وَإِذَا نَحَرَ الْهَدْيَ: صَارَ حَلَالًا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ مَعَ نِيَّةِ الْإِحْلَالِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ اخْتَارَهَا الْقَاضِي. وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْحِلَاقَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْمُحْرِمِ الْمُتِمِّ. فَعَلَى الْمُحْصَرِ أَوْلَى، وَيَنْبَنِي أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ .. . .

стр. 913

قَالَ الْقَاضِي: فَعَلَى هَذَا يَحِلُّ مِنْ إِحْرَامِهِ بِأَدْنَى مَا يَحْظُرُهُ الْإِحْرَامُ مِنْ طِيبٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَالْأَشْبَهُ: أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ بَلْ بِنَفْسِ الذَّبْحِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّ الْحِلَاقَ وَاجِبٌ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ حَلَقُوا رُءُوسَهُمْ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ. فَصْلٌ وَيَنْحَرُ الْهَدْيَ فِي مَوْضِعِ حَصْرِهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ حِلٍّ، أَوْ حَرَمٍ، هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ - فِي مَوَاضِعَ - وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَبْعَثَ بِالْهَدْيِ حَتَّى يُنْحَرَ بِمَكَّةَ فِي الْمَوْضِعِ بَعَثَ بِهِ، وَإِلَّا حَلَّ يَوْمَ النَّحْرِ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُنْحَرُ هَدْيُ الْإِحْصَارِ إِلَّا بِالْحَرَمِ.

стр. 914

لِقَوْلِهِ ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَالْهَدْيُ الْمُطْلَقُ: إِنَّمَا هُوَ مَا أُهْدِيَ إِلَى الْحَرَمِ بِخِلَافِ النُّسُكِ، ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَهَدْيُ الْمُحْصَرِ دَاخِلٌ فِي هَذَا، لَا سِيَّمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَمَحِلُّ الْهَدْيِ: الْحَرَمُ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَحِلُّهُ مَوْضِعَ الْحَصْرِ لَكَانَ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ، وَمَنْ قَالَ هَذَا زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا نَحَرَ بِالْحَرَمِ، وَأَنَّ طَرَفَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنَ الْحَرَمِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لَمَّا صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْعُمْرَةِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ: نَحَرُوا وَحَلَقُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ عِنْدَ الشَّجَرَةِ وَهِيَ مِنَ الْحِلِّ.

стр. 915

وَلِأَنَّ الْحِلَّ: مَوْضِعٌ لِلتَّحَلُّلِ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ، فَيَكُونُ مَوْضِعًا لِلنَّحْرِ كَالْحَرَمِ، وَهَذَا لِأَنَّ مَحِلَّ شَعَائِرِ اللَّهِ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْهَدْيِ، فَمَتَى طَافَ الْمُحْرِمُ بِالْبَيْتِ: فَقَدْ شَرَعَ فِي التَّحَلُّلِ، وَمَتَى وَصَلَتِ الْهَدَايَا إِلَى الْحَرَمِ: فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا. وَهَذَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَالِاخْتِيَارِ. فَأَمَّا فِي مَوْضِعِ الْعَجْزِ: فَقَدْ جَوَّزَ اللَّهُ لِلْمُحْصَرِ أَنْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ بِالْحِلِّ، وَصَارَ مَحِلًّا لَهُ فَكَذَلِكَ يَصِيرُ مَحِلًّا لِهَدْيِهِ، وَلَا يُقَالُ: الْهَدْيُ قَدْ يُمْكِنُ إِرْسَالُهَا .. . . وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَإِنَّ مَحِلَّهُ الْمَكَانُ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ؛ وَهَذَا فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ هُوَ الْحَرَمُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. فَأَمَّا حَالُ الِاضْطِرَارِ فَإِنَّهُ قَدْ حَلَّ ذَبْحُهُ لِلْمُحْصَرِ حَيْثُ لَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ. وَأَمَّا وَقْتُ الذَّبْحِ وَالْإِحْلَالِ: فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَذْبَحُهُ وَقْتَ الْإِحْصَارِ وَيَحِلُّ عَقِيبَهُ، نَقَلَهَا الْمَيْمُونِيُّ، وَأَبُو طَالِبٍ، وَابْنُ مَنْصُورٍ، وَهَذِهِ

стр. 916

اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَذْبَحُ وَيَحِلُّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ - فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ: أَقَامَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ الْحَجَّ قَدْ فَاتَهُ، فَإِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ نَحَرَ الْهَدْيَ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، وَإِنْ كَانَ إِحْصَارُهُ بِمَرَضٍ لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - فِي مُحْرِمٍ أُحْصِرَ بِحَجٍّ وَمَعَهُ هَدْيٌ قَدْ سَاقَهُ: لَا يَنْحَرُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ يَئِسَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، فَقَالَ: وَإِنْ يَئِسَ كَيْفَ يَنْحَرُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَا يَحِلَّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَالْمَحِلُّ: اسْمٌ لِلْمَكَانِ، وَلِلْوَقْتِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ ذَبْحُهُ. وَلِهَذَا الْقَوْلِ مَأْخَذَانِ ذَكَرَهُمَا أَحْمَدُ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُحْرِمَ بِالْحَجِّ لَا يَحِلُّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَإِذَا كَانَ قَدْ صُدَّ عَنِ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ: فَهُوَ لَمْ يُصَدَّ عَنِ الْإِحْرَامِ: فَيَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا أَمْكَنَهُ، وَهُوَ بَقَاؤُهُ مُحْرِمًا إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَحِينَئِذٍ يَتَيَقَّنُ فَوْتَ الْحَجِّ، فَيَتَحَلَّلُ بِالْهَدْيِ كَمَا يَتَحَلَّلُ الْمُفَوِّتُ الْمُهِلُّ بِعُمْرَةٍ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ. الثَّانِي: أَنَّ الْهَدْيَ الْمَسُوقَ لَا يَجُوزُ نَحْرُهُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَإِذَا لَمْ

стр. 917

يُمْكِنُ إِيصَالُهُ إِلَى الْحَرَمِ وَجَبَ أَنْ يَبْقَى إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَإِنَّهُ وَقْتُ ذَبْحِهِ كَدَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْمَسُوقِ، فَإِنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ يَسْتَفِيدُ بِهِ التَّحَلُّلَ كَدَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، فَيَجِبُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَبْحَهُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهَذَا مُطْلَقٌ وَمَحِلُّهُ: هُوَ مَا يَحِلُّ ذَبْحُهُ فِيهِ مِنْ مَكَانٍ وَزَمَانٍ، وَالشَّأْنُ فِيهِ: أَنَّ هَذَا إِنْ سَلَّمَ أَنَّ الْوَقْتَ مَحِلٌّ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمَحِلَّ هُوَ الْمَكَانُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْمَحِلَّ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَهَدْيُ الْعُمْرَةِ لَا وَقْتَ لَهُ يَخْتَصُّ بِهِ. وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَجُزِ التَّحَلُّلُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَالْمُفَوِّتُ: لَا يَتَحَلَّلُ إِلَّا بِالْعُمْرَةِ كَالْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا فَاتَ الْحَجُّ يَبْقَى كَالْمُحْرِمِ بِعُمْرَةٍ، وَالْعُمْرَةُ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ تَفُوتُ فِيهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى مُحْرِمًا إِلَى أَنْ يَصِلَ كَالْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ، وَلَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ التَّحَلُّلُ لِلْمُحْرِمِ إِلَّا بِعُمْرَةٍ إِذْ لَيْسَ لِإِحْرَامِهِ غَايَةٌ فِي الزَّمَانِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ هَدْيَ الْمُحْصَرِ لَيْسَ بِنُسُكٍ مَحْضٍ، وَإِنَّمَا هُوَ دَمُ جُبْرَانٍ لِمَا يَسْتَبِيحُهُ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ، وَيَتْرُكُهُ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَلِهَذَا لَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا فَلَمْ يَنْفُذْ بِوَقْتٍ كَفِدْيَةِ الْأَذَى وَتَرْكِ الْوَاجِبِ. وَعَكْسُهُ دَمُ الْمُتْعَةِ. فَصْلٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ؛ فَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَابْنِ مَنْصُورٍ - إِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أُحْصِرَ وَقَدْ سَاقَ مَعَهُ هَدْيًا فَلَا يَحِلَّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَا يَنْحَرْ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَإِنْ لَمْ

стр. 918

يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ. الْقَارِنُ، وَالْمُتَمَتِّعُ: يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ، وَهَذَا يَصُومُهُنَّ كُلَّهُنَّ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ -: إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُحْصَرِ هَدْيٌ يَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ حَلَّ، فَإِنْ كَانَ إِحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ يَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَحِلُّ. وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ: أَنَّ الْمُحْصَرَ يَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَقْتِ صَوْمِهِنَّ، وَأَكْثَرُهُمْ أَنَّهُ يَصُومُهَا قَبْلَ التَّحَلُّلِ كَالْهَدْيِ، وَلَا يَتَحَلَّلُ حَتَّى يَصُومَهَا كَالْمَنْصُوصِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - فِي التَّنْبِيهِ -: يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ، وَلَا يَصُومُ الْعَشَرَةَ أَيَّامٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ هَدْيَ الْمُحْصَرِ كَهَدْيِ الْمُتَمَتِّعِ، لِأَنَّ سَبَبَهَا التَّمَتُّعُ فَالصَّوْمُ بِالْإِحْلَالِ عَنْهُ كَالصَّوْمِ عَنِ التَّمَتُّعِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَمَّا صُدُّوا .. . . وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ هَذَا الصَّائِمَ قَائِمٌ مَقَامَ تَمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ: فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ قَبْلَ الْحِلِّ كَالْهَدْيِ بِخِلَافِ صَوْمِ التَّمَتُّعِ، وَهَدْيِهِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُهْدِي بَعْدَ انْقِضَاءِ عُمْرَتِهِ وَحَجِّهِ، فَكَانَ قِيَاسُ الصَّوْمِ يَفْعَلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتِ الثَّلَاثَةُ؛ لِأَنَّهَا

стр. 919

مَأْمُورٌ بِهَا فِي الْحَجِّ. فَعَلَى هَذَا إِنْ قُلْنَا: يَتَحَلَّلُ بِذَبْحِ الْهَدْيِ قَبْلَ النَّحْرِ فَتَحَلُّلُهُ بِالصَّوْمِ قَبْلَهُ أَوْلَى. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَحَلَّلُ بِالْهَدْيِ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ: فَفِي الصَّوْمِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: لَا يَتَحَلَّلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَيَصُومُ الْعَشَرَةَ الْأَيَّامِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ مَتَى شَاءَ مِنْ حِينِ الْحَصْرِ، وَلَا يَحِلُّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ نَقَلَهَا أَبُو الْحَارِثِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ لَا يَحِلُّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ كَالْمُطْلَقِ؛ لِيَسْتَدِيمَ الْإِحْرَامُ، وَلِيَدْخُلَ وَقْتُ الْفَوَاتِ. وَالثَّانِيَةُ: يَصُومُ وَيَتَحَلَّلُ قَبْلَ النَّحْرِ نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ وَابْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ مُفَرِّقًا بَيْنَ الْهَدْيِ وَالصِّيَامِ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ لِنَحْرِهِ وَقْتٌ يَخْتَصُّ بِهِ، فَتَأَخَّرَ حِلُّهُ لِأَجْلِهِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا وَقْتَ لَهُ وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ مُفَرَّعَتَانِ عَلَى الْمَأْخَذَيْنِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمَا. فَصْلٌ وَإِذَا أُحْصِرَ عَنِ الْبَيْتِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ: فَهُوَ مُحْصَرٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا. قَالَ أَحْمَدُ - فِي الْمُحْصَرِ عَنْ مَكَّةَ -: فِيهِ اخْتِلَافٌ، فَإِنْ حُصِرَ بِعَدُوٍّ يَنْحَرِ الْهَدْيَ وَيَحِلَّ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ .. . .

стр. 920

فَصْلٌ وَالْمُحْصَرُ فِي الْعُمْرَةِ كَالْمُحْصَرِ فِي الْحَجِّ سَوَاءً، نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَأَخَّرُ التَّحَلُّلُ هُنَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَالْأَصْلُ فِيهِ: الْآيَةُ، وَقِصَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهَا سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَهِيَ السُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ فِي الْمُحْصَرِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِنْ كَانَ الْمُحْصَرُ مُعْتَمِرًا أَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْبَيْتِ إِذْ لَا وَقْتَ لَهَا يَفُوتُ.

стр. 921

فَصْلٌ قَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا: إِذَا كَانَ لِلْمُحْصَرِ طَرِيقٌ لَزِمَهُ قَصْدُهَا سَوَاءٌ قَرُبَتْ، أَوْ بَعُدَتْ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ بَرًّا، أَوْ بَحْرًا، وَسَوَاءٌ رَجَا الْإِدْرَاكَ، أَوْ خَشِيَ الْفَوَاتَ. وَإِنْ خُلِّيَ عَنْ طَرِيقِهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ لَزِمَهُ السَّعْيُ، وَإِنْ خَشِيَ الْفَوَاتَ وَلَوْ لَمْ يُخَلَّ عَنْهُ حَتَّى فَاتَ الْحَجُّ، وَلَمْ يَتَحَلَّلْ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْفَوَاتِ، فَإِنْ خُلِّيَ عَنْ طَرِيقِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ السَّعْيُ وَالتَّحَلُّلُ بِعُمْرَةِ الْفَوَاتِ وَقَضَاهَا. إِذَا قُلْنَا: يَقْضِي مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَإِنِ اسْتَمَرَّ الْإِحْصَارُ بَعْدَ الْفَوَاتِ: فَلَهُ التَّحَلُّلُ مِنْ هَذِهِ الْفَائِتَةِ وَعَلَيْهِ دَمَانِ؛ دَمُ الْإِحْصَارِ، وَدَمُ الْفَوَاتِ، وَالْقَضَاءُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِذَا بَقِيَ مُحْرِمًا مُحْصَرًا حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا دَمٌ وَاحِدٌ دَمُ الْإِحْصَارِ، وَعِنْدَهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَجِبُ عَلَى الْمُحْصَرِ تَأْخِيرُ الْإِحْلَالِ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ. وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَقَالَ: حُرْمَةُ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْفَوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ بَعْدَ الْفَوَاتِ، فَإِذَا كَانَ لَهُ التَّحَلُّلُ قَبْلَ الْفَوَاتِ بِالدَّمِ، فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ بَعْدَ

стр. 922

فَصْلٌ قَالَ أَصْحَابُنَا؛ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: إِنْ كَانَ الْعَدُوُّ الصَّادُّ مُسْلِمًا .. . فَصْلٌ وَلَا يَجِبُ قَضَاءُ النُّسُكِ الَّذِي أُحْصِرَ عَنْهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا قَبْلَ الْإِحْرَامِ كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالنَّذْرِ وَالْقَضَاءِ فَعَلَهُ بِالْوُجُوبِ السَّابِقِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرُ حَجٍّ مُطْلَقٍ، أَوْ نَذْرُ الْحَجِّ ذَلِكَ الْعَامَ. قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ -: وَلَا يُعِيدُ مَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا لَمْ يَحُجَّ قَطُّ. وَكَذَلِكَ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ وَالْمَيْمُونِيُّ. وَالثَّانِيَةُ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي الْحَارِثِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ

стр. 923

فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ نَحَرَهُ وَإِلَّا فَلَا يَنْحَرْ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ مُنِعَ بِالْحُدَيْبِيَةِ. وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا يَنْحَرْ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ إِذَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ: لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ الْهَدْيَ فِي عَامِ الْإِحْصَارِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ عَلَيْهِ الصِّيَامَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَى الْعَادِمِ بِحَالٍ. وَإِذَا قَضَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، أَوْ غَيْرَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ عُمْرَةٌ مَعَهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي قَوْلِهِ: بِقَضَاءِ التَّطَوُّعِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي - فِي خِلَافِهِ - وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي - فِي الْمُجَرَّدِ - وَابْنُ عَقِيلٍ - فِي الْفُصُولِ -: أَنَّا إِذَا قُلْنَا: يَجِبُ قَضَاءُ التَّطَوُّعِ فَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُحْصَرَ قَدْ فَوَّتَ الْحَجَّ، وَمَنْ فَوَّتَ الْحَجَّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحِلَّ بِعُمْرَةٍ فَيَلْزَمَهُ قَضَاءُ هَذِهِ الْعُمْرَةِ كَمَا لَزِمَهُ قَضَاءُ الْحَجِّ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ عُمْرَةٌ وَإِنْ أَوْجَبْنَا قَضَاءَ التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّ هَدْيَ الْمُحْصَرِ قَامَ مَقَامَ بَقِيَّةِ الْأَفْعَالِ، كَمَا قَامَتْ عُمْرَةُ الْمُفَوِّتِ، وَعَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُفَوِّتٍ إِنْ خَرَجَ مِنْ إِحْرَامِهِ قَبْلَ الْفَوَاتِ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ الْفَوَاتِ فَقَدْ تَقَدَّمَ، فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ الْقَضَاءُ؛ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَبَيَّنَ اللَّهُ أَنَّ الشَّهْرَ الْحَرَامَ الَّذِي قَضَوْا فِيهِ الْعُمْرَةَ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ الَّذِي أُحْصِرُوا فِيهِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى الْعُمْرَةَ مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ، وَسُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ.

стр. 924

وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ وَهُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا -: فَلِأَنَّ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، فَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ ﷺ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِالْقَضَاءِ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ إِلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ، وَقَدْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ نَاسٌ .. . . [مَسْأَلَةٌ حكم تكرار المحظور] مَسْأَلَةٌ: (وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسٍ غَيْرَ قَتْلِ الصَّيْدِ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ، فَعَلَيْهِ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ، وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُورًا مِنْ أَجْنَاسٍ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ). فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِذَا كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ غَيْرَ قَتْلِ الصَّيْدِ، مِثْلَ أَنْ يَلْبَسَ، أَوْ يَخْلَعَ ثُمَّ يَلْبَسَ، أَوْ يَتَطَيَّبَ ثُمَّ يَتَطَيَّبَ فِي وَقْتٍ آخَرَ، أَوْ يُجَامِعَ ثُمَّ يُجَامِعَ، أَوْ يَحْلِقَ ثُمَّ يَحْلِقَ ثُمَّ يَحْلِقَ، أَوْ يُقَلِّمَ ثُمَّ يُقَلِّمَ: فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يَكُنْ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ - وَقَدْ حُكِيَ لَهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ فِي لِبَاسٍ، أَوْ طِيبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ عَادَ بِمِثْلِهِ: فَعَلَيْهِ

стр. 925

الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى عَادَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ: إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ: هُوَ هَكَذَا إِذَا لَمْ يُكَفِّرْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ -: فِيمَنْ وَقَعَ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَيَّامٍ مُتَفَرِّقَةٍ: فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ .. . . وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: إِنْ كَانَ السَّبَبُ مُخْتَلِفًا مِثْلَ مَرَضٍ، ثُمَّ مَرَضٍ، ثُمَّ حَرٍّ ثُمَّ بَرْدٍ: فَعَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - فِي مُحْرِمٍ اعْتَلَّ فَلَبِسَ جُبَّةً: ثُمَّ بَرَأَ، ثُمَّ اعْتَلَّ فَلَبِسَ جُبَّةً يُكَفِّرُ كَفَّارَتَيْنِ، فَإِنِ اعْتَلَّ عِلَّةً وَاحِدَةً فَلَبِسَ عِمَامَةً، وَاحْتَاجَ فِي عِلَّتِهِ فِي الْغَدِ إِلَى جُبَّةٍ وَبَعْدَ غَدٍ قَمِيصٍ: فَإِذَا كَانَتْ عِلَّةً وَاحِدَةً وَكَانَ شَيْئًا مُتَقَارِبًا فَكَفَّارَةٌ، وَإِنْ تَدَاوَى بِأَدْوِيَةٍ دَوَاءً بَعْدَ دَوَاءٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ اللِّبَاسِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ مُتَقَارِبًا: أَيْ فَعَلَ أَشْيَاءَ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ مُتَقَارِبَةَ الْمَقْصُودِ حَتَّى يَكُونَ جِنْسًا وَاحِدًا؛ مِثْلَ الْعِمَامَةِ، وَالْجُبَّةِ وَالْقَمِيصِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ تَدْخُلْ كَفَّارَتُهُ فِي غَيْرِهِ كَمَا لَوْ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ، لَكِنْ إِذَا كَانَ السَّبَبُ وَاحِدًا: فَالْفِدْيَةُ تُبِيحُ لَهُ مَا اقْتَضَاهُ ذَلِكَ السَّبَبُ؛ وَلِهَذَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى فِعْلِ الْمَحْظُورِ، فَلَا يَصِيرُ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ مَحْظُورًا فِي حَقِّهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى فِدْيَةٍ ثَانِيَةٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَعَدَّدَ السَّبَبُ، أَوْ فَعَلَ الْمَحْظُورَاتِ عَامِدًا. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: إِذَا لَبِسَ لِلْبَرْدِ فِي طَرَفَيِ النَّهَارِ وَبِاللَّيْلِ: فَإِنَّهُ يَخْلَعُ وَقْتَ الْحَرِّ، وَكَذَلِكَ إِنْ لَبِسَ لِلْحَرِّ وَسَطَ النَّهَارِ فَإِنَّهُ يَخْلَعُ وَقْتَ الْبَرْدِ وَيَكُونُ سَبَبًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَهُ أَوْقَاتٌ مَعْلُومَةٌ، فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ مَرَضًا وَاحِدًا إِذَا لَمْ يَبْرَأْ،

стр. 926

وَلَكِنْ يَحْتَاجُ إِلَى اللِّبَاسِ فِي أَوْقَاتِ الْحُمَّى وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا: إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ دُفْعَةً وَاحِدَةً؛ مِثْلَ أَنْ يَلْبَسَ وَيَتَعَمَّمَ وَيَحْتَذِيَ، أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ كُلَّهُ: لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ أَيْضًا. وَالثَّالِثَةُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ مُطْلَقًا، قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مُحْرِمٍ مَسَّ طِيبًا، وَلَبِسَ ثَوْبًا، وَحَلَقَ رَأَسَهُ، وَلَبِسَ الْخُفَّيْنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ، قَالَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ: فَعَلَيْهِ دَمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ، فَقَدْ سَوَّى بَيْنَ الْجِنْسِ وَالْجِنْسَيْنِ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ وَالْخُفَّ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا أَفْعَالٌ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لَا تَتَفَاوَتُ كَفَّارَاتُهَا بِكَثْرَتِهَا فَتَدَاخَلَتْ كَمَا لَوْ فَعَلَهَا مُتَّصِلَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاتِّصَالَ وَالِانْفِصَالَ لَا يُغَيِّرُ مُوجِبَ الشَّيْءِ وَمُقْتَضَاهُ. بِدَلِيلِ قَتْلِ الصَّيْدِ، وَقَتْلِ النُّفُوسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمَّا كَانَتْ مُتَبَايِنَةً اسْتَوَى فِيهَا الِاتِّصَالُ وَالِانْفِصَالُ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ مُتَدَاخِلَةً عِنْدَ الِاتِّصَالِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُتَدَاخِلَةً عِنْدَ الِانْفِصَالِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْكَفَّارَاتِ كَالْحُدُودِ تُشْرَعُ زَاجِرَةً وَمَاحِيَةً، فَإِنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا، وَالْكَفَّارَاتُ حُدُودٌ عَنِ الْمَحْظُورَاتِ، فَوَجَبَ أَنْ تَتَدَاخَلَ كَالْحُدُودِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ: فَعَلَيْهِ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، هَكَذَا أَطْلَقَ أَصْحَابُنَا. .

стр. 927

وَهَذَا يَنْبَغِي إِذَا لَمْ يَدْخُلِ الثَّانِي فِي كَفَّارَةِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْفِعْلِ إِذَا أُبِيحَ؛ فَلَوْ مَرِضَ فَاحْتَاجَ إِلَى اللُّبْسِ، أَوِ الطِّيبِ، فَافْتَدَى لِذَلِكَ، ثُمَّ لَبِسَ بَعْدَ ذَلِكَ مَرَّاتٍ، أَوْ تَطَيَّبَ مَرَّاتٍ: لَمْ يَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ بِلَا تَرَدُّدٍ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ أَبَاحَتِ اللُّبْسَ الثَّانِيَ كَمَا أَبَاحَتِ اللُّبْسَ الْأَوَّلَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَلِهَذَا أَطْلَقَ أَحْمَدُ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ إِذَا لَبِسَ مَرَّاتٍ لِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يُكَفِّرَ، أَوْ لَا يُكَفِّرَ، اللَّهُمَّ إِلَّا يَنْوِي أَنَّهُ يَسْتَبِيحُ اللُّبْسَ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَلَوْ كَفَّرَ ثُمَّ اسْتَدَامَ الْمَحْظُورَ: فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ كَمَا لَوِ ابْتَدَأَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - فِيمَنْ لَبِسَ قَمِيصًا عَشَرَةَ أَيَّامٍ نَاسِيًا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ. وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِعُذْرٍ .. . . الْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّ الصَّيْدَ تَتَعَدَّدُ كَفَّارَتُهُ بِتَعَدُّدِ قَتْلِهِ، فَكُلَّمَا قَتَلَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، سَوَاءٌ جَزَى الْأَوَّلَ، أَوْ لَمْ يَجْزِ. هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَوَاهَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٌّ وَحَنْبَلٌ فِي مَوْضِعٍ. قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ -: وَإِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ فَحُكِمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَادَ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ كَمَا عَادَ. وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنْ عَادَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ:

стр. 928

إِنَّمَا ذَهَبُوا إِلَى التَّأْوِيلِ فِيهِ. وَالْأَمْرُ عَلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُمْ حَكَمُوا فِي الْخَطَأِ وَفِيمَنْ قَتَلَ، وَلَمْ يَسْأَلُوهُ هَلْ كَانَ قَتَلَ قَبْلَ هَذَا أَمْ لَا؟ وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِتَعْظِيمِ الْإِحْرَامِ مَكَانَةً، وَالْكَفَّارَةُ تَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ عَمْدًا، أَوْ خَطَأً فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَقَدْ رَوِيَ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ حَكَمُوا فِي الْخَطَأِ. وَرَوَى حَنْبَلٌ عَنْهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الْأَوَّلِ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ كَسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ. وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيمَا جَزَاؤُهُ وَاحِدٌ، فَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَ الْجَزَاءُ هَكَذَا ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فِي مَوْضِعٍ. وَلَفْظُهُمَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ عَنِ الصَّيْدِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنْ قَتَلَهُ ثَانِيًا لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ، أَوْ لَمْ يُكَفِّرْ. وَهُوَ الصَّوَابُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَجْعَلُهَا عَلَى ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ. وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْعَمْدِ.

стр. 929

فَأَمَّا الْخَطَأُ .. . . وَهَلْ يُفَرِّقُ بَيْنَ إِحْرَامٍ، أَوْ إِحْرَامَيْنِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥] فَتَوَعَّدَ الْعَائِدَ إِلَى قَتْلِهِ بِالِانْتِقَامِ وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَادِئِ، بَلْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؛ فَجَعَلَ عَلَى الْبَادِئِ الْجَزَاءَ، وَعَلَى الْعَائِدِ الِانْتِقَامَ. وَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْجَزَاءَ لِيَذُوقَ الْقَاتِلُ وَبَالَ أَمْرِهِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ، وَذَلِكَ بِإِخْرَاجِ الْجَزَاءِ، ثُمَّ جَعَلَ الْعَائِدَ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا ذَاكَ بِعَذَابٍ يُنْزِلُهُ اللَّهُ بِهِ لَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ فِعْلٌ وَالْجَزَاءُ هُوَ يُخْرِجُهُ. وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ جَعَلَ الطَّعَامَ كَفَّارَةً لِلْقَتْلِ، وَمَنْ يَنْتَقِمُ مِنْهُ لَمْ يُكَفِّرْ ذَنْبَهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ، ثُمَّ عَادَ قِيلَ لَهُ: اذْهَبْ فَيَنْتَقِمَ اللَّهُ مِنْكَ " رَوَاهُ النَّجَّادُ.

стр. 930

وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ - فِي الْمَنَاسِكِ - عَنْ قَتَادَةَ: " إِنْ أَصَابَ الصَّيْدَ مِرَارًا خَطَأً حُكِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ مُتَعَمِّدًا حُكِمَ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا عَادَ فِي عَمْدٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَارًا فَأَكَلَتْهُ ". وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الْقَتْلُ: فَقَدْ تَغَلَّظَ الذَّنْبُ وَلَحِقَ بِالْكَبَائِرِ الْغَلِيظَةِ وَتِلْكَ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا كَقَتْلِ الْعَمْدِ وَالزِّنَا، وَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ بِخِلَافِ أَوَّلِ مَرَّةٍ فَإِنَّهُ قَدْ يُعْذَرُ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: ٩٥] وَهَذَا نَهْيٌ عَنْ قَتْلِهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ؛ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥] وَهَذَا يَعُمُّ جَمِيعَ الصَّيْدِ، وَجَمِيعَ الْقَتْلَاتِ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ وَالْبَدَلِ، كَمَا يَعُمُّ جَمِيعَ الْقَاتِلِينَ، كَمَا عَمَّ قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]. وَيُوجِبُ أَيْضًا تَكَرُّرَ الْجَزَاءِ بِتَكَرُّرِ شَرْطِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَكَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] هَذَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي خِطَابِ الشَّرْعِ. وَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ خِطَابُ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ. عَلَى أَنَّ

стр. 931

الشَّرْطَ فِي خِطَابِ النَّاسِ إِذَا تَعَلَّقَ بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ لَمْ يَتَكَرَّرْ بِتَكَرُّرِهِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ، كَقَوْلِهِ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِمَحَالٍّ: تَكَرَّرَ بِتَكَرُّرٍ، فِي تِلْكَ الْمَحَالِّ كَمَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ دُورِي فَلَهُ بِكُلِّ دُخُولٍ دِرْهَمٌ. وَهُنَا مَحَلُّ الْقَتْلِ هُوَ الصَّيْدُ وَهُوَ مُتَعَدِّدٌ. وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ أَوْجَبَ فِي الْمَقْتُولِ مِثْلَهُ مِنَ النَّعَمِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِذَا قَتَلَ كَثِيرًا وَجَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّعَمِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ بَدَلُ مُتْلَفٍ مُتَعَدِّدٌ بِتَعَدُّدِ مُبْدَلِهِ كَدِيَةِ الْآدَمِيِّ وَكَفَّارَتِهِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْجَزَاءَ شُرِعَ جَابِرًا لِمَا فَوَّتَ، وَمَاحِيًا لِمَا ارْتَكَبَ، وَزَاجِرًا عَنِ الذَّنْبِ. وَهَذَا يُوجِبُ تَكَرُّرَهُ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهِ كَسَائِرِ الْمُكَفِّرَاتِ مِنَ الظِّهَارِ، وَالْقَتْلِ، وَالْأَيْمَانِ، وَمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْآيَةُ: فَقَدْ قَالَ: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]. ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥]- فِي الْجَاهِلِيَّةِ ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ [المائدة: ٩٥] فِي الْإِسْلَامِ ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]. وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥]

стр. 932

إِخْبَارٌ عَنْ عَفْوِهِ عَمَّا مَضَى حِينَ نُزُولِ الْآيَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدٌ صَيْدًا يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِيهِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا مَا قَتَلُوهُ قَبْلَ الْآيَةِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْعَفْوَ يَقْتَضِي عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ وَاللَّوْمِ، وَلَوْ كَانَ الْعَفْوُ عَمَّا يَقْتُلُهُ فِي الْإِسْلَامِ لَمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ خَطِيئَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمِثْلُ هَذِهِ لَا يَقَعُ الْعَفْوُ عَنْهَا عُمُومًا؛ فَإِنَّ الْعَفْوَ عَنْهَا عُمُومًا يَقْتَضِي أَنْ لَا تَكُونَ ذَنْبًا. أَلَا تَرَى أَنَّ السَّيِّئَاتِ لَمَّا كَفَّرَهُنَّ اللَّهُ كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، فَإِنَّ الْعَفْوَ عَنِ الشَّيْءِ وَالنَّهْيَ عَنْهُ لَا يَجْتَمِعَانِ. وَوُجُوبُ الْجَزَاءِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ مُتَعَمِّدًا لَا يَقْتَضِي رَفْعَ الْمَآثِمِ، بَلْ هُوَ فَاسِقٌ بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] يُوجِبُ تَوَعُّدَ قَاتِلِ الصَّيْدِ بِالِانْتِقَامِ مِنْهُ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ وُجُوبَ الدِّيَةِ وَالْقَوَدِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَقَوْلُهُ - فِي الْمُحَارِبِينَ -: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ﴾ [المائدة: ٣٣]

стр. 933

﴿فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ وُجُوبَ رَدِّ الْمَسْرُوقِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا وَقِيمَتِهِ إِنْ كَانَ تَالِفًا، وَقَوْلُهُ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ وُجُوبَ رَجْمٍ، وَنَفْيٍ. وَهَذَا كَثِيرٌ: قَدْ يَذْكُرُ اللَّهُ وَعِيدَ الذُّنُوبِ فِي مَوْضِعٍ، وَيَذْكُرُ جَزَاءَهَا فِي الدُّنْيَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، ثُمَّ يُقَالُ: مِنْ جُمْلَةِ الِانْتِقَامِ وُجُوبُ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَيَكُونُ قَدْ عَفَا عَمَّا سَلَفَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ فَلَا عِقَابَ فِيهِ وَلَا جَزَاءَ، وَمَنْ عَادَ بَعْدَهَا فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ بِالْعُقُوبَةِ وَالْجَزَاءِ. الْفَصْلُ الثَّالِثُ إِذَا فَعَلَ مَحْظُورَاتٍ مِنْ أَجْنَاسٍ مِثْلَ أَنْ يَلْبَسَ، وَيَتَطَيَّبَ، وَيَحْلِقَ: فَعَنْهُ عَلَيْهِ بِكُلِّ جِنْسٍ كَفَّارَةٌ سَوَاءٌ فَعَلَهَا فِي مَرَّاتٍ لِسَبَبٍ، أَوْ أَسْبَابٍ. قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ قَالَ سُفْيَانُ: فِي الطِّيبِ كَفَّارَةٌ، وَفِي الثِّيَابِ كَفَّارَةٌ، وَفِي الشَّعَرِ كَفَّارَةٌ. قَالَ أَحْمَدُ: جَيِّدٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ - فِي مُحْرِمٍ مَرِضَ فِي الطَّرِيقِ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ

стр. 934

وَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَاطَّلَى: عَلَيْهِ هَدْيَانِ. وَهَذَا اخْتِيَارٌ .. . . وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ مَنْصُورٍ - فِي مُحْرِمٍ مَسَّ طِيبًا، وَلَبِسَ الْخُفَّيْنِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ، قَالَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ. فَقَدْ نَصَّ: عَلَى أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ وَوَقْتٍ وَاحِدٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً: لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَهَكَذَا حَرَّرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمْ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، قَالَ: وَلَوْ لَبِسَ الْمُحْرِمُ ثِيَابَهُ، وَمَسَّ طِيبًا، وَلَبِسَ الْخُفَّيْنِ، وَحَلَقَ شَعَرَهُ، وَأَتَى بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ: لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَقِيلَ عَنْهُ: كَفَّارَتَانِ إِلَّا أَنْ يُفَرِّقَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ لِكُلِّ فِعْلٍ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا. وَأَطْلَقَ الْقَاضِي - فِي خِلَافِهِ- وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ الْقَوْلَ بِأَنَّ عَنْهُ رِوَايَةً: بِالتَّدَاخُلِ فِي الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ مُطْلَقًا، وَحَكَى الْقَاضِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ. وَلَفْظُ الْمَنْصُوصِ يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِي الْمُجَرَّدِ رِوَايَةً ثَالِثَةً .. . .

стр. 935

فَصْلٌ وَأَمَّا صِفَةُ الْأَجْنَاسِ: فَإِنَّ الطِّيبَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَاللِّبَاسَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَيَدْخُلُ فِيهِ تَظْلِيلُ الْمَحْمِلِ. وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَحَلْقُ الشَّعَرِ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَالْمُبَاشَرَةُ كُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ يَعْنِي إِذَا اتَّحَدَ مُوجِبُهَا هَكَذَا ذَكَرُهُ أَصْحَابُنَا؛ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَيَحْتَمِلُ كَلَامُهُ أَنْ يَكُونَ الْحَلْقُ وَالتَّقْلِيمُ جِنْسًا وَاحِدًا. وَهَلْ شَعَرُ الرَّأْسِ وَشَعَرُ الْبَدَنِ جِنْسٌ، أَوْ جِنْسَانِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ مَنْصُوصَتَيْنِ؛ - إِحْدَاهُمَا: هُوَ جِنْسَانِ وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا؛ قَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْمَرُّوذِيِّ، وَابْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: فِي الرَّأْسِ كَفَّارَةٌ، وَفِي الْبَدَنِ كَفَّارَةٌ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: جِنْسٌ وَاحِدٌ اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ؛ قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - فِي الطِّيبِ كَفَّارَةٌ، وَفِي الشَّعَرِ كَفَّارَةٌ، وَلَمْ يُفَصِّلْ.

стр. 936

وَقَالَ - أَيْضًا فِي رِوَايَةِ سِنْدِيٍّ -: شَعَرُ الرَّأْسِ، وَاللِّحْيَةِ، وَالْإِبِطِ سَوَاءٌ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا فَرَّقَ بَيْنَهَا، إِلَّا أَنَّ هَذَا فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ، وَلَيْسَ صَرِيحًا بِالتَّدَاخُلِ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ - فِي مُحْرِمٍ مَرِضَ فِي الطَّرِيقِ فَحَلَقَ رَأَسَهُ وَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَاطَّلَى: عَلَيْهِ هَدْيَانِ. وَلَوْ كَانَا جِنْسَيْنِ لَأَوْجَبَ ثَلَاثَةَ دِمَاءٍ؛ لِأَنَّ اللِّبَاسَ وَحْدَهُ فِيهِ هَدْيٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ حَلْقَ الشَّعَرِ كُلِّهِ يَشْتَرِكُ فِي الِاسْمِ الْخَاصِّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ جِنْسًا وَاحِدًا كَالطِّيبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ شَعَرَ الرَّأْسِ يُخَالِفُ شَعَرَ الْبَدَنِ فَإِنَّ النُّسُكَ يَتَعَلَّقُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ، وَلِذَلِكَ قَدْ اخْتَلَفَا فِي تَغْطِيَةِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَفِي دَهْنِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَفِي غَسْلِ أَحَدِهِمَا بِالسِّدْرِ وَالْخِطْمِيِّ دُونَ الْآخَرِ. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، وَلُبْسُ الْمَخِيطِ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ التَّطَيُّبُ فِيهِمَا فِي رِوَايَةٍ فِيمَنْ لَبِسَ عِمَامَةً وَجُبَّةً: فَهُوَ كَفَّارَةٌ إِذَا لَمْ يُفَرِّقْ. وَقَدْ

стр. 937

تَقَدَّمَ نَصُّهُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَبِسَ الْيَوْمَ عِمَامَةً، وَغَدًا جُبَّةً، وَبَعْدَ غَدٍ قَمِيصًا - لِمَرَضٍ وَاحِدٍ - فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إِنَّمَا اتَّحَدَتِ الْكَفَّارَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجِنْسَيْنِ إِذَا فَعَلَهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً، أَوْ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ اتَّحَدَتْ كَفَّارَتُهُمَا، لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْهُ خِلَافُهُ. وَعَنْهُ: أَنَّ كَفَّارَةَ الرَّأْسِ لَا تَدْخُلُ فِي كَفَّارَةِ الْبَدَنِ مُطْلَقًا قَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْمَرُّوذِيِّ وَابْنِ إِبْرَاهِيمَ - فِي الرَّأْسِ كَفَّارَةٌ، وَفِي الْجَسَدِ كَفَّارَةٌ وَإِذَا حَلَقَ وَلَبِسَ الْعِمَامَةَ وَإِذَا تَنَوَّرَ وَلَبِسَ الْقَمِيصَ: فَفِي الرَّأْسِ فِدْيَةٌ وَفِي الْجَسَدِ فِدْيَةٌ كَفَّارَتَانِ. وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيمَنْ لَبِسَ الثِّيَابَ، وَغَطَّى رَأْسَهُ مَكَانَهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: قَالَ - فِي إِحْدَاهُمَا -: عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَالَ فِي الْأُخْرَى: فِي لُبْسِ الرَّأْسِ فِدْيَةٌ وَفِي الْبَدَنِ فِدْيَةٌ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ: إِنَّهُ إِذَا فَرَّقَ لُبْسَهُ أَنَّ عَلَيْهِ لِكُلِّ لُبْسَةٍ كَفَّارَةً، وَيَخْلَعُ مَا لَبِسَهُ، فَإِنْ لَبِسَ وَكَفَّرَ ثُمَّ عَادَ فَلَبِسَ: فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ مِنْ طِيبٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَكَفَّرَ ثُمَّ عَادَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ: فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى، فَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى عَاوَدَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ: فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَهَذَا صَرِيحٌ مِنَ ابْنِ أَبِي مُوسَى: أَنَّ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ، وَلُبْسَ الْمَخِيطِ: جِنْسَانِ رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَتَانِ إِذَا فَعَلَهُمَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ

стр. 938

ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ وُجِدَتْ بِهِ عِلَّةٌ احْتَاجَ مَعَهَا إِلَى لُبْسِ الْمَخِيطِ، لَبِسَ وَكَفَّرَ كَفَّارَةً وَاحِدَةً وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا. فَإِنْ حَدَثَ بِهِ عِلَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، إِحْدَاهُمَا فِي رَأْسِهِ وَالْأُخْرَى فِي بَدَنِهِ، فَلَبِسَ ثَوْبًا لِأَجْلِ الْعِلَّةِ، وَغَطَّى رَأْسَهُ لِأَجْلِ الْأُخْرَى: فَكَفَّارَتَانِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الَّذِي أَقُولُ بِهِ: فِي الرَّأْسِ كَفَّارَةٌ، وَفِي الْبَدَنِ كَفَّارَةٌ، فَأَيْنَمَا صَنَعَ فِي جَسَدِهِ مِنْ فِعْلٍ تَكَرَّرَ، أَوِ اخْتَلَفَ: فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ ثُمَّ يَعُودُ. فَإِذَا كَانَ فِي الرَّأْسِ وَالْجَسَدِ وَلَمْ يَتَكَرَّرْ: فَكَفَّارَةٌ فِي الرَّأْسِ، وَكَفَّارَةٌ فِي الْجَسَدِ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: فَالتَّعَدُّدُ: لِتَعَدُّدِ الْمَحَلِّ، وَالِاتِّحَادُ: لِاتِّحَادِهِ فَكُلُّ مَا يُصْنَعُ فِي الرَّأْسِ مِنْ تَغْطِيَةٍ وَحَلْقٍ وَغَيْرِهِ: فَفِيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمَا يُصْنَعُ فِي الْبَدَنِ: فَفِيهِ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الرَّأْسِ فِي الْحَلْقِ وَاللِّبَاسِ وَالطِّيبِ خَالَفَتْ أَحْكَامَ الْبَدَنِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَدْخُلَ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ، فَصَارَا كَالشَّخْصَيْنِ. وَأَمَّا دُخُولُ بَعْضِ أَفْعَالِ الرَّأْسِ فِي بَعْضٍ: فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَدَاخُلِ الْأَجْنَاسِ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ التَّدَاخُلَ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْأَجْنَاسَ تَتَدَاخَلُ، كَفَّارَتُهَا .. .، وَأَمَّا الدُّهْنُ إِذَا أَوْجَبْنَا بِهِ الْكَفَّارَةَ، أَوْ إِزَالَةُ الْوَسَخِ مِثْلَ السِّدْرِ وَالْخِطْمِيِّ، وَالرَّأْسِ، وَالْبَدَنِ، أَوِ التَّزَيُّنُ .. . . [مَسْأَلَةٌ ما لا يمكن إزالته من المحظورات لا فرق بين سهوه وعمده] مَسْأَلَةٌ: (وَالْحَلْقُ وَالتَّقْلِيمُ وَالْوَطْءُ وَقَتْلُ الصَّيْدِ يَسْتَوِي عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَسَائِرُ الْمَحْظُورَاتِ: لَا شَيْءَ فِي سَهْوِهِ). فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ؛ -

стр. 939

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَحْظُورَ الَّذِي يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، وَإِزَالَتُهُ عِنْدَ الذِّكْرِ؛ مِثْلَ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ، إِذَا فَعَلَهُ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ، أَوْ جَاهِلًا بِأَنَّهُ حَرَامٌ: فَإِذَا ذَكَرَ، أَوْ عَلِمَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُزِيلَهُ فِي الْحَالِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - إِذَا وَطِئَ يَعْنِي نَاسِيًا - بَطَلَ حَجُّهُ، وَإِذَا قَتَلَ صَيْدًا، وَحَلَقَ شَعَرَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهِ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ: الْعَمْدُ وَالنِّسْيَانُ سَوَاءٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ النِّسْيَانِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ فَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ؛ مِثْلَ إِذَا غَطَّى رَأْسَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَلْقَاهَا عَنْ رَأْسِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، أَوْ لَبِسَ ثَوْبًا، أَوْ خُفًّا وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ -: إِنْ تَعَمَّدَ التَّغْطِيَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ وَالنَّاسِي يَفْزَعُ إِلَى التَّلْبِيَةِ وَنَحْوَهُ نَقَلَ حَرْبٌ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْخَرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَأَكْثَرِ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ.

стр. 940

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - فِيمَنْ لَبِسَ قَمِيصًا نَاسِيًا عَشَرَةَ أَيَّامٍ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتَارَهَا الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ مِثْلُ الشَّرِيفِ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْظُورٌ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْعَامِدُ وَالسَّاهِي فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ كَالْحَلْقِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ وَالْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ فَاسْتَوَى فِيهِ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ كَتَرْكِ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ. وَلِأَنَّ مَا يَحْظُرُهُ الْإِحْرَامُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ كَتَفْوِيتِ الْحَجِّ، وَلِأَنَّ النِّسْيَانَ وَالْجَهْلَ إِنَّمَا هُوَ عُذْرٌ فِي فِعْلِ الْمَحْظُورِ، وَمَحْظُورَاتُ الْإِحْرَامِ إِذَا فَعَلَهَا لِعُذْرٍ، أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ. وَوَجْهُ الْأُولَى: مَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ: («أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : جَاءَهُ رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟، فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: أَيْنَ الَّذِي سَأَلَنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا، فَالْتَمَسَ الرَّجُلَ فَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ: أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي الْعُمْرَةِ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَقَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِنَزْعِ الْمَخِيطِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِفِدْيَةٍ لِمَا مَضَى؛ لِأَنَّهُ كَانَ جَاهِلًا، وَكَذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِفِدْيَةٍ لِأَجْلِ الطِّيبِ إِنْ كَانَ النَّهْيُ عَنْهُ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ. فَإِنْ قِيلَ: التَّحْرِيمُ إِنَّمَا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْتَظَرَ الْوَحْيَ حِينَ سُئِلَ .. . .

стр. 941

وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ - لِلَّذِي أَكَلَ نَاسِيًا -: («اللَّهُ أَطْعَمَكَ وَسَقَاكَ») فَعُلِمَ أَنَّ فِعْلَ النَّاسِي مُضَافٌ إِلَى اللَّهِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْعِبَادَةِ، وَمِثْلُهُ يُقَالُ لِلْكَاسِي: اللَّهُ كَسَاكَ، بَلْ مُنَافَاةُ الْأَكْلِ لِلصَّوْمِ أَشَدُّ مِنْ مُنَافَاةِ اللُّبْسِ لِلْإِحْرَامِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ: أَنْ لَا يُؤَثِّرَ فِعْلُهُ مَعَ النِّسْيَانِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا قَالُوا: "رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا، أَوْ أَخْطَأْنَا، قَالَ اللَّهُ: قَدْ فَعَلْتُ "، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : («عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ») بِخِلَافِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْفُوا عَنْ حُقُوقِهِمْ. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ اللِّبَاسِ وَالْحَلْقِ فَسَيَأْتِي. الْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّهُ إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا: فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا عَلَى الْعَامِدِ. هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ نَقَلَهَا صَالِحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ، وَحَنْبَلٌ، وَالْأَثْرَمُ، وَأَبُو طَالِبٍ، وَابْنُ الْقَاسِمِ. وَرَوَى عَنْهُ صَالِحٌ - أَيْضًا -: لَا كَفَّارَةَ فِي الْخَطَأِ وَالنَّاسِي وَالْجَاهِلِ

стр. 942

بِالتَّحْرِيمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِي الْخَطَأِ مِنْ وُجُوهٍ؛ - أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ نَهَى الْمُحْرِمَ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ، وَالنَّاسِي وَالْمُخْطِئُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَلَا يَكُونُ مَنْهِيًّا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَنْهِيًّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ الْمَضْمُونَ هُوَ الْقَتْلُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ. الثَّانِي أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. فَقَدْ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ فَيَبْقَى الْمُخْطِئُ بَرِيءَ الذِّمَّةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهِ الشَّيْءَ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ خَصَّ الْمُتَعَمِّدَ بِإِيجَابِ الْجَزَاءِ بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْقَتْلِ الَّذِي يَعُمُّ الْمُتَعَمِّدَ وَغَيْرَهُ، وَمَتَى ذُكِرَتِ الصِّفَةُ الْخَاصَّةُ بَعْدَ الِاسْمِ الْعَامِّ: كَانَ تَخْصِيصُهَا بِالذِّكْرِ دَلِيلًا قَوِيًّا عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِالْحُكْمِ، أَبْلَغَ مِنْ لَوْ ذُكِرَتِ الصِّفَةُ مُبْتَدَأَةً. إِذْ لَوْ لَمْ يَخْتَصَّ بِالْحُكْمِ: كَانَ ذِكْرُ الْمُتَعَمِّدِ زِيَادَةً فِي اللَّفْظِ، وَنَقْصًا فِي الْمَعْنَى. وَمِثْلُ هَذَا يُعَدُّ عِيًّا فِي الْخِطَابِ، وَهَذَا الْمَفْهُومُ لَا يَكَادُ يُنْكِرُهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى ذَوْقٍ بِمَعْرِفَةِ الْخِطَابِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُتَعَمِّدَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَمْدِ مُنَاسِبٌ كَانَ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ عِلَّةَ الْحُكْمِ فَيَكُونُ وُجُوبُ الْجَزَاءِ لِأَجْلِ التَّعَمُّدِ، فَإِذَا زَالَ التَّعَمُّدُ: زَالَ وُجُوبُ الْجَزَاءِ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ أَوْجَبَ الْجَزَاءَ لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ وَالْمُخْطِئُ لَيْسَ عَلَيْهِ وَبَالٌ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِيجَابِ الْجَزَاءِ. وَأَيْضًا: فَضَمَانُ الصَّيْدِ لَيْسَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ. وَمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ إِذَا

стр. 943

فَعَلَهَ نَاسِيًا، أَوْ مُخْطِئًا لَا مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِ وَلَا جَزَاءَ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: لَوْ تَعَمَّدَ رَمْيَهُ بِآلَةٍ تَقْتُلُ غَالِبًا، وَلَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ: فَهُوَ مُتَعَمِّدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَهُوَ مُؤَاخَذٌ بِذَلِكَ. وَيَحْتَمِلُ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَمْدٍ. وَلَوْ قَتَلَ صَبِيٌّ، أَوْ مَجْنُونٌ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ، أَوْ قَتْلَهُ الصَّبِيُّ وَهُوَ مُحْرِمٌ .. . . وَوَجْهُ الْأَوَّلِ .. .، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا [قُلْتُ لَهُ: فَمَنْ قَتَلَهُ خَطَأً أَيَغْرَمُ؟، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْغُرْمُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا] قَالَ: نَعَمْ يُعَظِّمُ بِذَلِكَ حُرُمَاتِ اللَّهِ، وَمَضَتْ بِهِ السُّنَنُ. وَلِئَلَّا يَدْخُلَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ عَلَى قَاتِلِ الصَّيْدِ حَرَامًا خَطَأً غُرْمٌ، أَوْ شَكَّ الَّذِي يَقْتُلُهُ عَمْدًا يَقُولُ: إِنَّمَا قَتَلْتُهُ خَطَأً، قَالَ: وَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥] قَالَ: وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: رَأَيْتُ النَّاسَ أَجْمَعِينَ يُغَرِّمُونَ فِي الْخَطَأِ. وَعَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَتْلِ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ خَطَأً؟، فَقَالَ:

стр. 944

زَعَمُوا أَنَّ كَفَّارَةَ ذَلِكَ خَطَأً فِي السُّنَّةِ، وَكَفَّارَةَ الْعَمْدِ فِي الْقُرْآنِ. رَوَاهُنَّ ابْنُ دُحَيْمٍ وَغَيْرُهُ. فَقَدْ ذَكَرَ هَؤُلَاءِ التَّابِعُونَ: مَضَى السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ بِالْكَفَّارَةِ فِي الْخَطَأِ، وَالسُّنَّةُ إِذَا أُطْلِقَتْ: فَإِمَّا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ سُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَبِكُلِّ حَالٍ فَذَلِكَ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ. وَالْمُرْسَلُ إِذَا أُرْسِلَ مِنْ وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ: صَارَ حُجَّةً وِفَاقًا. وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ عَنِ الْحَكَمِ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ أَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ سَوَاءٌ. رَوَاهُ دُحَيْمٌ، وَالنَّجَّادُ وَلَفْظُهُ: أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ: أَحْكُمُ

стр. 945

عَلَيْهِ فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ. قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُمْ حَكَمُوا فِي الْخَطَأِ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - فِي رَجُلٍ أَلْقَى جَوَالِقَ عَلَى ظَبْيٍ فَأُمِرَ بِالْجَزَاءِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، قَالَ: هَذَا لَا يَكُونُ عَمْدًا إِلَّا أَنَّ هَذَا شِبْهُ عَمْدٍ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَعَمَّدُهُ. وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] قَالَ: إِنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا، أَوْ نَاسِيًا حُكِمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ مُتَعَمِّدًا عُجِّلَتْ لَهُ الْعُقُوبَةُ إِلَّا أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ ﵎. رَوَاهُ جَمَاعَةٌ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَوْجَبَ فِي قَتْلِ الْمَعْصُومِ خَطَأً دِيَةً وَكَفَّارَةً، وَالدِّيَةُ حَقٌّ لِوَرَثَتِهِ وَالْكَفَّارَةُ حَقٌّ لِلَّهِ وَلَمْ يَسْقُطْ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُخْطِئًا، فَقَتْلُ الصَّيْدِ خَطَأً فِي مَعْنَى ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ قَتْلُ حَيَوَانٍ مَعْصُومٍ مَضْمُونٍ بِكَفَّارَةٍ، وَكَوْنُهُ مَعْفُوًّا عَنْهُ، وَلَا يُؤَاخَذُ بِالْخَطَأِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ، كَالْكَفَّارَةِ فِي قَتْلِ الْآدَمِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَعَمِّدَ يَسْتَحِقُّ الِانْتِقَامَ مِنَ اللَّهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فَالْمُخْطِئُ قَدْ عُفِيَ لَهُ عَنْ الِانْتِقَامِ أَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلَا. وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْمُتَعَمِّدِ فِي الْآيَةِ: فَلِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ وُجُوبَ الْجَزَاءِ: لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ وَأَنَّهُ عَفَا عَمَّا سَلَفَ، وَأَنَّ مَنْ عَادَ انْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُ، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ مَجْمُوعُهَا لَا تَثْبُتُ إِلَّا لِمُتَعَمِّدٍ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ بَعْضِهَا فِي حَقِّ الْمُخْطِئِ، بَلْ يَجِبُ تَرْتِيبُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهَا مِنْ تِلْكَ الْأَفْعَالِ، فَالْجَزَاءُ بَدَلُ الْمَقْتُولِ وَالِانْتِقَامُ عُقُوبَةُ الْقَاتِلِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الْآيَتَيْنِ وَقَوْلِهِ

стр. 946

﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤] الْآيَةَ. وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ: يُرَتِّبُ الْجَزَاءَ عَلَى أُمُورٍ، وَيَكُونُ بَعْضُهُ مُرَتَّبًا عَلَى بَعْضِهَا مُنْفَرِدًا. الْفَصْلُ الثَّالِثُ إِذَا حَلَقَ شَعَرًا وَقَلَّمَ ظُفْرًا نَاسِيًا، أَوْ مُخْطِئًا، أَوْ جَاهِلًا: فَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَصَالِحٍ، وَحَنْبَلٍ -: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ يَلْزَمُهُ لَوْ قَتَلَ صَيْدًا نَاسِيًا، أَوْ تَنَوَّرَ نَاسِيًا وَهُوَ مُحْرِمٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّهُ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَأَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ، وَحَلْقَ الشَّعْرِ، وَالْوَطْءَ يَسْتَوِي عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ، وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَالرِّوَايَةِ الَّتِي فِي قَتْلِ الصَّيْدِ وَأَوْلَى، لِأَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ إِتْلَافٌ مَحْضٌ بِخِلَافِ الْحَلْقِ، وَالتَّقْلِيمِ فَإِنَّهُ يُشْبِهُ التَّرَفُّهَ وَالِاسْتِمْتَاعَ. وَلِأَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ ضَمَانٌ كَضَمَانِ الْأَمْوَالِ فَتَقْدِيرُ كَفَّارَتِهِ بِقَدْرِهِ بِخِلَافِ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ كَكَفَّارَةِ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ. وَهَذَا قَوْلٌ قَوِيٌّ.

стр. 947

وَأَمَّا عَلَى الْمَشْهُورِ: فَقَدْ فَرَّقَ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الْكَفَّارَةَ فِي اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ إِذَا كَانَ خَطَأً. وَبَيْنَ هَذَا مِنْ أَصْحَابِنَا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَلْقَ وَالْقَلْمَ إِتْلَافٌ وَالْمَحْظُورُ مِنْهُ جِهَةُ الْإِتْلَافِ، وَلِهَذَا لَوْ نَتَفَ الشَّعْرَ، أَوْ أَحْرَقَهُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اسْتِمْتَاعٌ، وَبَابُ الْإِتْلَافِ يَسْتَوِي فِيهِ الْعَامِدُ وَالْمُخْطِئُ كَإِتْلَافِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ. وَاللِّبَاسُ وَالطِّيبُ: اسْتِمْتَاعٌ، وَالْمَحْظُورُ مِنْهُ الِاسْتِمْتَاعُ، وَلِهَذَا لَوْ أَحْرَقَ الطِّيبَ، أَوْ أَتْلَفَهُ: لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَالِاسْتِمْتَاعُ فِعْلٌ يَفْعَلُهُ الْمُحْرِمُ فَاعْتُبِرُ فِيهِ الْقَصْدُ إِلَيْهِ وَالْعِلْمُ بِتَحْرِيمِهِ جَرْيًا عَلَى قَاعِدَةِ الْمَحْظُورَاتِ؛ فِي أَنَّ مَا كَانَ مَقْصُودُهُ التَّرْكَ لَا يَأْثَمُ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا، وَقِيَاسًا عَلَى أَكْلِ الصَّائِمِ. وَهَذَا الْفَرْقُ لَا يَجِيءُ عَلَى أَصْلِنَا؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ اسْتِمْتَاعٌ مَحْضٌ، وَقَدِ اسْتَوَى فِيهِ الْعَامِدُ وَالسَّاهِي. وَالْفَرْقُ الثَّانِي: وَهُوَ فَرْقُ أَحْمَدَ -: أَنَّ الْحَلْقَ وَالتَّقْلِيمَ وَالْقَتْلَ وَالْوَطْءَ: قَدْ فَاتَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ وَتَلَافِيهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ، وَلَا عَلَى إِزَالَةِ أَثَرِهِ الْبَاقِي بَعْدَ زَوَالِهِ. وَأَمَّا اللِّبَاسُ وَالطِّيبُ: فَإِذَا ذَكَرَ أَمْكَنَهُ نَزْعُ الثِّيَابِ وَغَسْلُ الطِّيبِ فَكَانَ ذَلِكَ كَفَّارَةَ مَا فَعَلَهُ النَّاسِي فِي حَالِ النِّسْيَانِ. فَعَلَى مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ، وَالدَّهْنِ وَغَسْلِ

стр. 948

الرَّأْسِ بِالْخِطْمِيِّ وَالسِّدْرِ، وَكَذَلِكَ غَسْلُ الْبَدَنِ بِذَلِكَ، وَإِزَالَةُ الْوَسَخِ: يُلْحَقُ بِالْوَطْءِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يُلْحَقُ بِالطِّيبِ. فَصْلٌ وَإِنْ حَلَقَ حَلَالٌ رَأْسَ مُحْرِمٍ، وَهُوَ نَائِمٌ، أَوْ أَكْرَهُهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ حَلَقَهُ الْحَلَالُ وَلَمْ يَقْدِرِ الْمُحْرِمُ عَلَى الِامْتِنَاعِ لِضَبْطِهِ، أَوْ تَقْيِيدِهِ، أَوْ تَوَعُّدِهِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: هِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْفِدْيَةُ عَلَى الْحَلَالِ دُونَ الْمُحْرِمِ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: الْفِدْيَةُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْحَلَالِ. [مَسْأَلَةٌ أنواع الهدي] مَسْأَلَةٌ: (وَكُلُّ هَدْيٍ، أَوْ إِطْعَامٍ: فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ إِلَّا فِدْيَةَ الْأَذَى يُفَرِّقُهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حَلَقَ، وَهَدْيُ الْمَحْصَرِ يَنْحَرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَأَمَّا الصِّيَامُ فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ. فِيهِ فُصُولٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْهَدْيَ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا: هَدْيُ الْمَحْصَرِ. وَالثَّانِي: هَدْيُ الْمُتَمَتِّعِ. وَالثَّالِثُ: جَزَاءُ الصَّيْدِ. وَالرَّابِعُ: فِدْيَةُ الْأَذَى. وَالْخَامِسُ: مَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ.

стр. 949

وَالسَّادِسُ: هَدْيُ الْإِفْسَادِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ. وَالسَّابِعُ: هَدْيُ الْفَوَاتِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ. وَالثَّامِنُ: الْهَدْيُ الْمَنْذُورُ فِي الذِّمَّةِ. وَالتَّاسِعُ: الْهَدْيُ الْمُعَيِّنُ وَاجِبًا. وَالْعَاشِرُ: الْهَدْيُ الْمُعَيِّنُ تَطَوُّعًا. وَهَذِهِ كُلُّهَا لَا تُذْبَحُ إِلَّا بِالْحَرَمِ، وَكُلُّ مَا ذُبِحَ بِالْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا يُفَرَّقُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ لِلْمَسَاكِينِ الَّذِينَ بِهِ؛ مِنَ الْمُسْتَوْطِنِينَ وَالْمُقِيمِينَ وَالْوَارِدِينَ وَغَيْرِهِمْ، حَتَّى لَوْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحِلِّ أَحَدٍ فِي الْحَرَمِ جَازَ إِلَّا مَا اسْتَثْنَيْنَاهُ. أَمَّا هَدْيُ التَّمَتُّعِ فَإِنَّهُ هَدْيُ نُسُكٍ، وَإِنَّمَا يُذْبَحُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَالْحَاجُّ يَوْمَ النَّحْرِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْحَرَمِ؛ وَلِأَنَّ .. . . وَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ: فَلِقَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] .. . .

стр. 950

وَأَمَّا هَدْيُ الْإِفْسَادِ وَالْفَوَاتِ .. . . وَأَمَّا هَدْيُ الْمَحْصَرِ: فَيُذْبَحُ فِي مَوْضِعِ حَصْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا فِدْيَةُ الْأَذَى: فَقَدْ تَقَدَّمَ أَمْرُهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ وَيَهْدِيَ فِي الْحِلِّ قَبْلَ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ نُسُكًا، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ الْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّ الْإِطْعَامَ الْوَاجِبَ حَيْثُ يَجِبُ الْهَدْيُ: حُكْمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ الْهَدْيِ؛
следующие страницы →