← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10810

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الحج

ابن تيمية

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤] الْآيَةَ. وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ: يُرَتِّبُ الْجَزَاءَ عَلَى أُمُورٍ، وَيَكُونُ بَعْضُهُ مُرَتَّبًا عَلَى بَعْضِهَا مُنْفَرِدًا. الْفَصْلُ الثَّالِثُ إِذَا حَلَقَ شَعَرًا وَقَلَّمَ ظُفْرًا نَاسِيًا، أَوْ مُخْطِئًا، أَوْ جَاهِلًا: فَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَصَالِحٍ، وَحَنْبَلٍ -: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ يَلْزَمُهُ لَوْ قَتَلَ صَيْدًا نَاسِيًا، أَوْ تَنَوَّرَ نَاسِيًا وَهُوَ مُحْرِمٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّهُ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَأَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ، وَحَلْقَ الشَّعْرِ، وَالْوَطْءَ يَسْتَوِي عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ، وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَالرِّوَايَةِ الَّتِي فِي قَتْلِ الصَّيْدِ وَأَوْلَى، لِأَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ إِتْلَافٌ مَحْضٌ بِخِلَافِ الْحَلْقِ، وَالتَّقْلِيمِ فَإِنَّهُ يُشْبِهُ التَّرَفُّهَ وَالِاسْتِمْتَاعَ. وَلِأَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ ضَمَانٌ كَضَمَانِ الْأَمْوَالِ فَتَقْدِيرُ كَفَّارَتِهِ بِقَدْرِهِ بِخِلَافِ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ كَكَفَّارَةِ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ. وَهَذَا قَوْلٌ قَوِيٌّ.

стр. 947

وَأَمَّا عَلَى الْمَشْهُورِ: فَقَدْ فَرَّقَ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الْكَفَّارَةَ فِي اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ إِذَا كَانَ خَطَأً. وَبَيْنَ هَذَا مِنْ أَصْحَابِنَا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَلْقَ وَالْقَلْمَ إِتْلَافٌ وَالْمَحْظُورُ مِنْهُ جِهَةُ الْإِتْلَافِ، وَلِهَذَا لَوْ نَتَفَ الشَّعْرَ، أَوْ أَحْرَقَهُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اسْتِمْتَاعٌ، وَبَابُ الْإِتْلَافِ يَسْتَوِي فِيهِ الْعَامِدُ وَالْمُخْطِئُ كَإِتْلَافِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ. وَاللِّبَاسُ وَالطِّيبُ: اسْتِمْتَاعٌ، وَالْمَحْظُورُ مِنْهُ الِاسْتِمْتَاعُ، وَلِهَذَا لَوْ أَحْرَقَ الطِّيبَ، أَوْ أَتْلَفَهُ: لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَالِاسْتِمْتَاعُ فِعْلٌ يَفْعَلُهُ الْمُحْرِمُ فَاعْتُبِرُ فِيهِ الْقَصْدُ إِلَيْهِ وَالْعِلْمُ بِتَحْرِيمِهِ جَرْيًا عَلَى قَاعِدَةِ الْمَحْظُورَاتِ؛ فِي أَنَّ مَا كَانَ مَقْصُودُهُ التَّرْكَ لَا يَأْثَمُ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا، وَقِيَاسًا عَلَى أَكْلِ الصَّائِمِ. وَهَذَا الْفَرْقُ لَا يَجِيءُ عَلَى أَصْلِنَا؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ اسْتِمْتَاعٌ مَحْضٌ، وَقَدِ اسْتَوَى فِيهِ الْعَامِدُ وَالسَّاهِي. وَالْفَرْقُ الثَّانِي: وَهُوَ فَرْقُ أَحْمَدَ -: أَنَّ الْحَلْقَ وَالتَّقْلِيمَ وَالْقَتْلَ وَالْوَطْءَ: قَدْ فَاتَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ وَتَلَافِيهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ، وَلَا عَلَى إِزَالَةِ أَثَرِهِ الْبَاقِي بَعْدَ زَوَالِهِ. وَأَمَّا اللِّبَاسُ وَالطِّيبُ: فَإِذَا ذَكَرَ أَمْكَنَهُ نَزْعُ الثِّيَابِ وَغَسْلُ الطِّيبِ فَكَانَ ذَلِكَ كَفَّارَةَ مَا فَعَلَهُ النَّاسِي فِي حَالِ النِّسْيَانِ. فَعَلَى مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ، وَالدَّهْنِ وَغَسْلِ

стр. 948

الرَّأْسِ بِالْخِطْمِيِّ وَالسِّدْرِ، وَكَذَلِكَ غَسْلُ الْبَدَنِ بِذَلِكَ، وَإِزَالَةُ الْوَسَخِ: يُلْحَقُ بِالْوَطْءِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يُلْحَقُ بِالطِّيبِ. فَصْلٌ وَإِنْ حَلَقَ حَلَالٌ رَأْسَ مُحْرِمٍ، وَهُوَ نَائِمٌ، أَوْ أَكْرَهُهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ حَلَقَهُ الْحَلَالُ وَلَمْ يَقْدِرِ الْمُحْرِمُ عَلَى الِامْتِنَاعِ لِضَبْطِهِ، أَوْ تَقْيِيدِهِ، أَوْ تَوَعُّدِهِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: هِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْفِدْيَةُ عَلَى الْحَلَالِ دُونَ الْمُحْرِمِ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: الْفِدْيَةُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْحَلَالِ. [مَسْأَلَةٌ أنواع الهدي] مَسْأَلَةٌ: (وَكُلُّ هَدْيٍ، أَوْ إِطْعَامٍ: فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ إِلَّا فِدْيَةَ الْأَذَى يُفَرِّقُهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حَلَقَ، وَهَدْيُ الْمَحْصَرِ يَنْحَرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَأَمَّا الصِّيَامُ فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ. فِيهِ فُصُولٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْهَدْيَ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا: هَدْيُ الْمَحْصَرِ. وَالثَّانِي: هَدْيُ الْمُتَمَتِّعِ. وَالثَّالِثُ: جَزَاءُ الصَّيْدِ. وَالرَّابِعُ: فِدْيَةُ الْأَذَى. وَالْخَامِسُ: مَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ.

стр. 949

وَالسَّادِسُ: هَدْيُ الْإِفْسَادِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ. وَالسَّابِعُ: هَدْيُ الْفَوَاتِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ. وَالثَّامِنُ: الْهَدْيُ الْمَنْذُورُ فِي الذِّمَّةِ. وَالتَّاسِعُ: الْهَدْيُ الْمُعَيِّنُ وَاجِبًا. وَالْعَاشِرُ: الْهَدْيُ الْمُعَيِّنُ تَطَوُّعًا. وَهَذِهِ كُلُّهَا لَا تُذْبَحُ إِلَّا بِالْحَرَمِ، وَكُلُّ مَا ذُبِحَ بِالْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا يُفَرَّقُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ لِلْمَسَاكِينِ الَّذِينَ بِهِ؛ مِنَ الْمُسْتَوْطِنِينَ وَالْمُقِيمِينَ وَالْوَارِدِينَ وَغَيْرِهِمْ، حَتَّى لَوْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحِلِّ أَحَدٍ فِي الْحَرَمِ جَازَ إِلَّا مَا اسْتَثْنَيْنَاهُ. أَمَّا هَدْيُ التَّمَتُّعِ فَإِنَّهُ هَدْيُ نُسُكٍ، وَإِنَّمَا يُذْبَحُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَالْحَاجُّ يَوْمَ النَّحْرِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْحَرَمِ؛ وَلِأَنَّ .. . . وَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ: فَلِقَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] .. . .

стр. 950

وَأَمَّا هَدْيُ الْإِفْسَادِ وَالْفَوَاتِ .. . . وَأَمَّا هَدْيُ الْمَحْصَرِ: فَيُذْبَحُ فِي مَوْضِعِ حَصْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا فِدْيَةُ الْأَذَى: فَقَدْ تَقَدَّمَ أَمْرُهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ وَيَهْدِيَ فِي الْحِلِّ قَبْلَ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ نُسُكًا، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ الْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّ الْإِطْعَامَ الْوَاجِبَ حَيْثُ يَجِبُ الْهَدْيُ: حُكْمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ الْهَدْيِ؛

стр. 951

كَالْإِطْعَامِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَالْإِطْعَامِ عَنْ صَوْمِ التَّمَتُّعِ، وَالْإِطْعَامِ لِتَرْكِ وَاجِبٍ، أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ .. . . الْفَصْلُ الثَّالِثُ أَنَّ الصَّوْمَ يُجْزِئُ بِكُلِّ مَكَانٍ، حَتَّى صَوْمِ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ فِي التَّمَتُّعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَهْلِ الْحَرَمِ حَظٌّ فِي الصَّوْمِ عِنْدَهُمْ، وَلِأَنَّ جِنْسَ الصَّوْمِ فِي الشَّرْعِ لَمْ يُخْتَصْ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَالذَّبْحِ، وَالصَّدَقَةِ. لَكِنْ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَهَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ؟ .. . . [بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ] [مَسْأَلَةٌ يستحب دخول مكة من أعلاها] [بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ] مَسْأَلَةٌ: (يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا). هَذَا عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ إِلَى مَكَّةَ سَوَاءٌ أَتَاهَا مِنْ نَاحِيَةِ التَّنْعِيمِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا. وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ دُخُولُ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا وَالْخُرُوجُ مِنْ أَسْفَلِهَا؛

стр. 952

وَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: («كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى») رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي عِنْدَ الْبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى»). وَهَذَا أَشَارَ إِلَى تَكْرَارِ دُخُولِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. وَعَنْ عَائِشَةَ: («أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ مَكَّةَ - دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا»)، وَفِي لَفْظٍ: («دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 953

وَلِأَبِي دَاوُدَ: («دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، وَدَخَلَ فِي الْعُمْرَةِ مِنْ كُدًى»). وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ، وَخَرَجَ مِنْ كُدًى مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ»). وَكَذَلِكَ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: («وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ - يَعْنِي يَوْمَ الْفَتْحِ - خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كُدًى»). وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الثَّنِيَّةَ الْعُلْيَا الَّتِي تُشْرِفُ عَلَى الْأَبْطُحِ وَالْمَقَابِرِ إِذَا دَخَلَ مِنْهَا الْإِنْسَانُ: فَإِنَّهُ يَأْتِي مِنْ وَجْهِ الْبَلَدِ وَالْكَعْبَةِ وَيَسْتَقْبِلُهَا اسْتِقْبَالًا مِنْ غَيْرِ انْحِرَافٍ، بِخِلَافِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنَ النَّاحِيَةِ السُّفْلَى، فَانْهُ يَدْخُلُ مِنْ دُبُرِ الْبَلَدِ وَالْكَعْبَةِ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى؛ لِأَنَّهُ يَسْتَدْبِرُ الْكَعْبَةَ وَالْبَلَدَ فَاسْتَحَبَّ أَنْ يَكُونَ مَا يَلِيهِ مِنْهَا مُؤَخَّرُهَا؛ لِئَلَّا يَسْتَدْبِرَ وَجْهَهَا، وَلِيَكُونَ قَدْ دَخَلَ مِنْ طَرِيقٍ، وَخَرَجَ مِنْ أُخْرَى كَالذَّاهِبِ إِلَى الْعِيدِ.

стр. 954

وَفِي خُرُوجِهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ دُبُرِهَا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجْهَ قَصْدِهِ. فَصْلٌ قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: فَإِذَا دَخَلَتَ الْحَرَمَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ هَذَا حَرَمُكَ وَأَمْنُكَ الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُحَرِّمَ لَحْمِي وَدَمِي عَلَى النَّارِ، اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ عَذَابِكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ. فَإِذَا دَخَلْتَ مَكَّةَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَالْبَلَدُ بَلَدُكَ جِئْتُ فَارًّا مِنْكَ إِلَيْكَ لِأُؤَدِّيَ فَرَائِضَكَ مُتَّبِعًا لِأَمْرِكَ، رَاضِيًا بِقَضَائِكَ، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمُضْطَرِّ إِلَى رَحْمَتِكَ الْمُشْفِقِ مِنْ عَذَابِكَ، الْخَائِفِ مِنْ عُقُوبَتِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تَسْتَقْبِلَنِي الْيَوْمَ بِعَفْوِكَ، وَاحْفَظْنِي بِرَحْمَتِكَ، وَتَجَاوَزْ عَنِّي بِمَغْفِرَتِكَ، وَأَعَنِّي عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِكَ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ. وَلَا بَأْسَ بِدُخُولِ مَكَّةَ لَيْلًا نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ دُخُولُهَا

стр. 955

لَيْلًا، وَيَجُوزُ نَهَارًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ نَهَارًا، وَكَذَلِكَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَعَامَ الْفَتْحِ، وَدَخَلَهَا فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ لَيْلًا .. . . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا قَالَ: " كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَدْخُلُ الْحَرَمَ مُشَاةً حُفَاةً، وَيَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، وَيَقْضُونَ الْمَنَاسِكَ حُفَاةً مُشَاةً " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [مَسْأَلَةٌ يستحب دخول المسجد من باب بني شيبة] مَسْأَلَةٌ: (وَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: " «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 956

وَدَخَلْنَا مَعَهُ مِنْ بَابِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّاسُ بَابَ بَنِي شَيْبَةَ، وَخَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ بَابِ الْحَزْوَرَةِ، وَهُوَ بَابُ الْحَنَّاطِينَ» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ.

стр. 957

وَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ فِي دُخُولِ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا؛ لِأَنَّ بَابَ بَنِي شَيْبَةَ أَقْرَبُ بَابٍ، إِذَا دَخَلَهُ الدَّاخِلُ اسْتَقْبَلَ وَجْهَ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ أَبْعَدُ بَابٍ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ عَنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَيَكُونُ مَمَرُّهُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْلَى مِنْ مَمَرِّهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ إِمَّا إِلَى نَاحِيَةِ الصَّفَا، أَوْ نَاحِيَةِ دَارِ النَّدْوَةِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ: مَا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ. [مَسْأَلَةٌ ما يستحب عند رؤية البيت] مَسْأَلَةٌ: (فَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَكَبَّرَ اللَّهَ وَحَمَدَهُ وَدَعَا). قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: إِذَا رَأَيْتَ الْبَيْتَ فَارْفَعْ يَدَيْكَ بِبَاطِنِ كَفَّيْكَ وَقُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالْإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ بَيْتَكَ هَذَا تَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَإِيمَانًا وَمَهَابَةً .. . . وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: " سَمِعْتُ مِنْ عُمَرَ كَلِمَةً لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ سَمِعَهَا غَيْرِي - حِينَ رَأَى الْبَيْتَ - قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ " وَفِي لَفْظٍ: " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ

стр. 958

قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ ". رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : («كَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ قَالَ: اللَّهُمَّ زِدْ بَيْتَكَ هَذَا تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً»). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ.

стр. 959

وَأَمَّا الْمَكَانُ الَّذِي يُرَى مِنْهُ الْبَيْتُ: فَقَدْ كَانَ قَدِيمًا يُرَى مِنْ مَوْضِعٍ يُقَالُ: لَهُ رَأْسُ الرَّدْمِ - بَعْدَ أَنْ يُدْخَلَ مَكَّةَ بِقَلِيلٍ، وَيُقَالَ: كَانَ يُرَى قَبْلَ دُخُولِ الْبَلَدِ عِنْدَ الْحُجُونِ. فَهَذَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ بِنَاءٌ أَعْلَى مِنَ الْكَعْبَةِ وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَمْكِنَةُ مُنْخَفِضَةً. فَأَمَّا الْيَوْمُ: فَإِنَّ الْبَيْتَ لَا يُرَى إِلَى أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ الْمَسْجِدَ، وَكَذَلِكَ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ.

стр. 960

[مَسْأَلَةٌ الطواف تحية المسجد الحرام] مَسْأَلَةٌ: (ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ إِنَّ كَانَ مُعْتَمِرًا، وَبِطَوَافِ الْقُدُومِ إِنَّ كَانَ مُفْرِدًا، أَوْ قَارِنًا). وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِنَّهُ لَا يَبْتَدِئُ بِشَيْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ هَذَا هُوَ .. . الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدِّمَ عَلَى الطَّوَافِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ، فَيُقَدِّمُ الْفَائِتَةَ عَلَى التَّحِيَّةِ. قَالَ: وَإِنَّمَا جَعَلْنَا التَّحِيَّةَ قَبْلَ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ إِلَى الْمَسْجِدِ قَبْلَ الْمُضِيِّ، فَيَبْدَأُ بِالْأَسْبَقِ فَالْأَسْبَقِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ تَحِيَّتُهُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَهِيَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ. وَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لَمْ يَبْدَءُوا بِشَيْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ؛ فَرَوَى أَبُو الْأَسْوَدِ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَ: " لَهُ سَلْ لِي عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُلٍ يُهِلُّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَيَحِلُّ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالَ لَكَ: لَا يَحِلُّ، فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا يَقُولُ ذَلِكَ، قَالَ: فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: لَا يَحِلُّ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إِلَّا بِالْحَجِّ، فَقُلْتُ: فَإِنَّ

стр. 961

رَجُلًا كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ، فَقَالَ: بِئْسَ مَا قَالَ: فَتَصَدَّانِي الرَّجُلُ فَسَأَلَنِي فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ وَمَا شَأْنُ أَسْمَاءَ وَالزُّبَيْرِ فَعَلَا ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: فَمَا بَالُهُ لَا يَأْتِينِي بِنَفْسِهِ يَسْأَلُنِي، أَظُنُّهُ عِرَاقِيًّا، قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ كَذَبَ، قَدْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ فَرَأَيْتُهُ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا بِعُمْرَةٍ، وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ أَفَلَا يَسْأَلُونَهُ، وَلَا أَحَدَ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ أَوَّلَ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالَتِي حِينَ تَقْدِمَانِ لَا يَبْدَآنِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ يَطُوفَانِ بِهِ ثُمَّ لَا يَحِلَّانِ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَقْبَلَتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ قَطُّ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا. قَدْ كَذَبَ فِيمَا ذَكَرَ» ". أَخْرَجَاهُ.

стр. 962

فَصْلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ ذَكَرَهَا حِينَ الدُّخُولِ، أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ: بَدَأَ بِهَا قَبْلَ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَهَا وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ حِينَ يَذْكُرُهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَدْرَكَ مَكْتُوبَةً فِي جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَخْشَى فَوْتَ الْجَمَاعَةِ، وَلَا يَخْشَى فَوَاتَ الطَّوَافِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ جَمَاعَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ. وَلَمْ يَسْتَثْنِ ابْنُ عَقِيلٍ إِلَّا الْفَرْضَ، وَاسْتَثْنَى الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: الْفَرِيضَةَ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ وَالْوَتْرَ إِذَا خَافَ فَوْتَ ذَلِكَ قَدَّمَهُ عَلَى الطَّوَافِ، وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْوَتْرَ مُؤَكَّدٌ، لَكِنَّ اسْتِثْنَاءَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ عَلَى أَصْلِنَا؛ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى الْفَجْرَ فَإِذَا خَافَ فَوْتَ سُنَّتِهَا فَهُوَ لِخَوْفِ الْمَكْتُوبَةِ أَشَدُّ، فَيَبْدَأُ بِالسُّنَّةِ وَالْمَكْتُوبَةِ، فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ، فَإِنْ يُؤَخِّرْ قَضَاءَ السُّنَّةِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ صَلَاتِهَا قَبْلَ طُلُوعِهَا، فَلَا مَعْنَى لِخَوْفِ فَوَاتِهَا. وَأَمَّا إِذَا خَافَ فَوْتَ سُنَّةِ الظُّهْرِ، أَوِ الْمَغْرِبِ بَعْدَهَا: فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي يُقَدِّمُ الطَّوَافَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مَتَى خَشِيَ فَوْتَ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ قَدَّمَهَا عَلَى الطَّوَافِ. فَصْلٌ وَالسُّنَّةُ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ .. . .

стр. 963

[مَسْأَلَةٌ معنى الاضطباع وحكمه] مَسْأَلَةٌ: (وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ، فَيَجْعَلُ وَسَطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَطَرَفَيْهِ عَلَى الْأَيْسَرِ). الِاضْطِبَاعُ: افْتِعَالٌ مِنَ الضَّبْعِ وَهُوَ الْعَضُدُ، وَيُسَمَّى الْيَابِطَةُ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ وَسَطَ الرِّدَاءِ تَحْتَ الْإِبِطِ وَيُبْدِئُ ضَبْعَهُ الْأَيْمَنَ. وَقِيلَ: يُبْدِئُ ضَبْعَاهُ وَأَصْلُهُ اضْتِبَاعٌ، وَإِنَّمَا قُلِبَتِ التَّاءُ طَاءً لِمُجَاوِرَةِ حَرْفِ الِاسْتِعْلَاءِ، كَمَا يُقَالُ: اضْطِبَاعٌ، وَاصْطِيَادٌ، وَاضْطِرَارٌ، وَاضْطِهَادٌ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: («أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : اضْطَبَعَ، فَكَبَّرَ فَاسْتَلَمَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ كَانُوا إِذَا بَلَغُوا الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَتَغَيَّبُوا مِنْ قُرَيْشٍ مَشَوْا، ثُمَّ يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِمْ يَرْمُلُونَ، تَقُولُ قُرَيْشٌ: كَأَنَّهُمُ الْغِزْلَانُ»). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكَانَتْ سُنَّةً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : اعْتَمَرَ مِنْ جِعِرَّانَةَ، فَاضْطَبَعُوا وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ وَوَضَعُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ، ثُمَّ رَمَلُوا»). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ، وَلِأَبِي دَاوُدَ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ:

стр. 964

اعْتَمَرُوا مِنْ جِعِرَّانَةَ، فَرْمَلُوا بِالْبَيْتِ وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ فَذَفَوْهَا عَلَى عَوَاتِهِمُ الْيُسْرَى»). وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ: («أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : لَمَّا قَدِمَ طَافَ بِالْبَيْتِ وَهُوَ مُضْطَبِعٌ بِبُرْدٍ لَهُ حَضْرَمِيٍّ»). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ، وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: («طَافَ النَّبِيُّ ﷺ مُضْطَبِعًا بِبُرَدٍ أَخْضَرَ») وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ: («طَافَ بِالْبَيْتِ مُضْطَبِعًا وَعَلَيْهِ بُرْدٌ») لَمْ يَقُلِ ابْنُ مَاجَهْ: بِالْبَيْتِ. فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوَّلُ مَا اضْطَبَعَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ لِيَسْتَعِينُوا بِذَلِكَ عَلَى الرَّمَلِ؛ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ قُوَّتَهُمْ، ثُمَّ اضْطَبَعَ فِي عُمْرَةِ الْجِعِرَّانَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمُشْرِكُونَ، ثُمَّ اضْطَبَعَ فِي .. . . وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: " فِيمَ الرَّمَلَانُ الْآنَ وَالْكَشْفُ عَنْ

стр. 965

الْمَنَاكِبِ وَقَدْ أَطَّأَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَدَعُ شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. فَبَيَّنَ أَنَّ الْعِبَادَةَ قَدْ تُشْرَعُ أَوَّلًا لِسَبَبٍ، ثُمَّ يَزُولُ ذَلِكَ وَيَجْعَلُهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ عِبَادَةً وَقُرْبَةً؛ كَمَا قَدْ رُوِيَ فِي الرَّمَلِ، وَالِاضْطِبَاعِ، وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ. وَأَوَّلُ مَا يَضْطَبِعُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَلِمَ فِيمَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ. وَقَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: يَضْطَبِعُ بَعْدَ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ؛ لِأَنَّ الِاضْطِبَاعَ إِنَّمَا يَكُونُ .. . . وَيَضْطَبِعُ فِي جَمِيعِ الْأَشْوَاطِ السَّبْعَةِ، فَإِذَا قَضَى طَوَافَهُ سَوَّى ثِيَابَهُ، وَلَمْ يَضْطَبِعْ فِي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ الِاضْطِبَاعَ فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهٌ، هَكَذَا قَالَ

стр. 966

الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ: إِنَّمَا يَضْطَبِعُ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي يَرْمُلُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الِاضْطِبَاعَ إِنَّمَا هُوَ مَعُونَةٌ عَلَى الرَّمَلِ، وَإِنَّمَا فُعِلَ تَبَعًا لَهُ، فَإِذَا لَمْ يَرْمُلْ: لَمْ يَضْطَبِعْ. فَأَمَّا الِاضْطِبَاعُ فِي السَّعْيِ: فَقَالَ أَحْمَدُ: مَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا، قَالَ أَصْحَابُنَا .. . . [مَسْأَلَةٌ السنة أن يبدأ الطواف من الحجر الأسود] مَسْأَلَةٌ: (وَيَبْدَأُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمُهُ، وَيُقَبِّلُهُ، وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ ). وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ السُّنَّةَ لِلطَّائِفِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمَهُ بِيَدِهِ، وَالِاسْتِلَامُ: هُوَ مَسْحُهُ بِيَدِهِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ؛. . . وَالتَّقْبِيلُ بِالْفَمِ ... ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ - فِي صِفَةِ حَجَّةِ النَّبِيِّ

стр. 967

- ﷺ قَالَ: («حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا»)؛ وَفِي رِوَايَةٍ: لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ: («أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا»). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: («فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ، وَمَشَى أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ - عِنْدَ الْمَقَامِ - رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ») مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. «وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَ الْحَجَرَ)، وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ». وَعَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُمَرَ: («أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.

стр. 968

وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ قَالَ: («رَأَيْتُ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا»). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ قَالَ: («سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ عَنِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ، وَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ، قَالَ: اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِالْيَمَنِ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ»). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ تَقْبِيلُهُ: اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ. ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا لِمَا رَوَى نَافِعٌ قَالَ: («رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 969

وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَلِمُهُ بِالْمِحْجَنِ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ، فَتَقْبِيلُ الْيَدِ إِذَا اسْتَلَمَهُ بِهَا أَوْلَى. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: " قُلْتُ لِعَطَاءٍ: هَلْ رَأَيْتَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَلَمُوا قَبَّلُوا أَيْدِيَهُمْ؟، قَالَ: نَعَمْ رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنَ عُمَرَ، وَأَبَا سَعِيدٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ إِذَا اسْتَلَمُوا قَبَّلُوا أَيْدِيَهُمْ ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. فَإِنْ كَانَ رَاكِبًا اسْتَلَمَهُ بِعَصًا وَنَحْوِهَا، وَهَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ رَاجِلًا؟ .. . . لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: («طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجِّهِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ»). رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ وَالنَّسَائِيَّ.

стр. 970

وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ: («طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ»). وَمَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَنَّهُ يُشِيرُ إِلَيْهِ إِشَارَةً يَمَسُّ بِهَا الْحَجَرَ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا أَنَّهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ، وَلَوْ لَمْ يَمَسَّ الْمِحْجَنُ الْحَجَرَ لَكَانَتِ الْإِشَارَةُ بِالْيَدِ أَوْلَى. وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: («رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ»). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَحْمَدُ وَلَمْ يَذْكُرْ تَقْبِيلَ الْمِحْجَنِ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ لَيْلَةَ الْإِفَاضَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ»). يَعْنِي يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ. وَيُسْتَحَبُّ لَهُ: أَنْ يُقَبِّلَ مَا يَسْتَلِمُهُ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّصِّ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ

стр. 971

التَّقْبِيلُ وَلَا الِاسْتِلَامُ بِيَدِهِ، وَلَا شَيْءٍ، فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُشِيرُ إِلَيْهِ بِيَدِهِ مِنْهُمُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: ثُمَّ ائْتِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، فَاسْتَلِمْهُ إِنِ اسْتَطَعْتَ، وَقَبِّلْهُ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقُمْ بِحِيَالِهِ، وَارْفَعْ يَدَيْكَ وَقُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ تَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ وَاتِّبَاعًا لِسُنَّتِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِلَيْكَ بَسَطْتُ يَدِي، وَفِيمَا لَدَيْكَ عَظُمَتْ رَغْبَتِي، فَاقْبَلْ دَعْوَتِي وَأَقِلْنِي عَثْرَتِي، وَارْحَمْ تَضَرُّعِي وَجَدَلِي بِمَغَفِرَتِكَ يَا إِلَهِي آمَنْتُ بِكَ وَكَفَرْتُ بِالطَّاغُوتِ. وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُهُ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيُكَبِّرُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي: إِنْ لَمْ يُمْكِنِ اسْتِلَامُهُ لِأَجْلِ الزَّحْمَةِ: قَامَ حِيَالَهُ، وَرَفَعَ يَدَهُ وَكَبَّرَ. هَكَذَا قَالَ: فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ. وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ يُقَبِّلُ. وَهَذَا أَصَحُّ لِمَا رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: (يَا عُمَرُ، إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ لَا تَزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ فُرْجَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ)». رَوَاهُ أَحْمَدُ.

стр. 972

وَرَوَى الْأَزْرَقِيُّ - فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ - عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، «عَنْ أَبِي يَعْفُورَ الْعَبْدِيِّ قَالَ (: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ - كَانَ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ مُنْصَرَفَ الْحَاجِّ عَنْ مَكَّةَ - يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: يَا عُمَرُ، إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، وَإِنَّكَ تُؤْذِي الضَّعِيفَ، فَإِذَا وَجَدْتَ خَلًّا فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَامْضِ وَكَبِّرْ»). هَذَا مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ.

стр. 973

وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ: (أَنَّ عُمَرَ ﵁: كَانَ يَسْتَلِمُهُ إِذَا وَجَدَ فَجْوَةً، فَإِذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ كَبَّرَ كُلَّمَا حَاذَاهُ). رَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ. وَلِأَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَيْهِ بِالِاسْتِلَامِ مِنْ غَيْرِ مُمَاسَّةٍ لَيْسَ فِيهِ، وَلَا مَعْنَى فِيهِ فَأَشْبَهَ الْإِشَارَةَ إِلَيْهِ بِالْقُبْلَةِ. وَبِكُلِّ حَالٍ: فَلَا يُقَبِّلُ يَدَهُ إِذَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِالِاسْتِلَامِ مِنْ غَيْرِ اسْتِلَامٍ؛ لِأَنَّ التَّقْبِيلَ إِنَّمَا هُوَ لِلْحَجَرِ، أَوْ لِمَا مَسَّ الْحَجَرَ. وَأَمَّا رَفْعُ الْيَدِ فَهُوَ مَسْنُونٌ عِنْدَهُ. وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَيْهِ: فَقَدْ ذَكَرَ لِأَحْمَدَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي السُّجُودِ عَلَى الْحَجَرِ فَحَسَّنَهُ. وَقَدْ رَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: («رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ جَاءَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ مُرَجِّلًا رَأْسَهُ: فَقَبَّلَ الْحَجَرَ وَسَجَدَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا»). وَرَوَاهُ أَبُو

стр. 974

يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عُثْمَانَ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: («رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَبَّلَ الْحَجَرَ، وَسَجَدَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: رَأَيْتُ خَالِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ»). وَحَدِيثُ عُمَرَ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: («أَنَّهُ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا») يُؤَيِّدُ هَذَا. وَرَوَى الْأَزْرَقِيُّ: " «أَنْ طَاوُسًا أَتَى الرُّكْنَ فَقَبَّلَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّكَ حَجَرٌ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ») وَهَلْ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ غَيْرَ الْحَجَرِ؟ .. . . وَأَمَّا الذِّكْرُ الَّذِي يُقَالُ عِنْدَهُ: فَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الصَّحِيحُ: («أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ») وَقَالَ لِعُمَرَ: («اسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ»، وَفِي لَفْظٍ: كَبِّرْ وَامْضِ). فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ: هَلْ بَلَغَكَ مِنْ قَوْلٍ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ؟، قَالَ: لَا، وَكَأَنَّهُ يَأْمُرُ بِالتَّكْبِيرِ. ذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيُّ.

стр. 975

وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا أَصْحَابُنَا: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: (أَنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ). رَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ: (أَنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ )، وَرَوَى الْأَزْرَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ

стр. 976

الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَقُولُ - إِذَا كَبَّرَ لِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ -: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَكَفَرْتُ بِالطَّاغُوتِ، وَبِاللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَا يُدْعَى مِنْ دُونِ اللَّهِ. ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]. قَالَ عُثْمَانُ: بَلَغَنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ اسْتِلَامِ الرُّكْنِ: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ وَتَصْدِيقًا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ . فَصْلٌ وَأَمَّا الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، وَاسْتِلَامُهُ، وَتَقْبِيلُهُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («يَأْتِي هَذَا الْحَجَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ»). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ وَابْنَ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ»). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ

стр. 977

وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْهُ: («الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ»). وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: («إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»). رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاسِكِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، قَالَ: وَيُرْوَى مَوْقُوفًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَوْلُهُ. وَقَدْ رَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (لَيْسَ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ وَالْمَقَامُ، فَإِنَّهُمَا جَوْهَرَتَانِ مِنْ جَوَاهِرِ الْجَنَّةِ، وَلَوْلَا مَا مَسَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ: مَا مَسَّهُمَا ذُو عَاهَةٍ إِلَّا شَفَاهُ اللَّهُ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («مَنْ فَاوَضَهُ - يَعْنِي الرَّكْنَ

стр. 978

الْأَسْوَدَ - فَإِنَّمَا يُفَاوِضُ يَدَ الرَّحْمَنِ»). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (إِنَّ هَذَا الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ مُصَافَحَةَ الرَّجُلِ أَخَاهُ). رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ السَّعْدَنِيُّ، وَالْأَزْرَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَيْضًا - قَالَ: (الرُّكْنُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا خَلْقَهُ، وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِيَدِهِ مَا مِنَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَسْأَلُ اللَّهَ عِنْدَهُ شَيْئًا إِلَّا

стр. 979

أَعْطَاهُ إِيَّاهُ). رَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِطَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. وَرَوَى الْأَزْرَقِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: (إِنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ بَيْعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ الرُّكْنَ فَقَدْ بَايَعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ). وَرَوَى الْأَزْرَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَرَ السَّعْدَنِيِّ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِيُّ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: («خَرَجْنَا مَعَ عُمَرَ ﵁ إِلَى مَكَّةَ فَلَمَّا دَخَلْنَا الطَّوَافَ قَامَ عِنْدَ الْحَجَرِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ»). ثُمَّ قَبَّلَهُ؛ يَعْنِي فِي الطَّوَافِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: (بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هُوَ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ، قَالَ: وَأَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: وَأَيْنَ

стр. 980

ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] قَالَ: فَلَمَّا خَلَقَ آدَمَ ﵇ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ صُلْبِهِ، فَقَرَّرَهُمْ أَنَّهُ الرَّبُّ وَهُمُ الْعَبِيدُ، ثُمَّ كَتَبَ مِيثَاقَهُمْ فِي رَقٍّ، وَكَانَ هَذَا الْحَجَرُ لَهُ عَيْنَانِ وَلِسَانٌ، فَقَالَ لَهُ: افْتَحْ فَاكَ فَأَلْقَمَهُ ذَلِكَ الرَّقَّ، وَجَعَلَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَالَ: تَشْهَدُ لِمَنْ وَافَاكَ: بِالْمُوَافَاةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَعِيشَ فِي قَوْمٍ لَسْتَ فِيهِمْ يَا أَبَا حَسَنٍ). فَصْلٌ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْحَجَرِ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ، وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الرُّكْنَ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ سَوَاءٌ اسْتَلَمَهُ، وَقَبَّلَهُ، أَوْ لَمْ يَفْعَلْ وَهَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - لِلَّهِ - قَالَ لِعُمَرَ: («إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ»). قَالَ الْقَاضِي: مِنْ شَرْطِ الطَّوَافِ الِاسْتِقْبَالُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ الطَّوَافَ غَيْرَ مُسْتَقْبِلٍ لِلرُّكْنِ .. . . قَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: وَكَمَالُ الطَّوَافِ أَنْ يَبْتَدِئَ

стр. 981

بِالْحَجَرِ فَيُحَاذِيَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ جَمِيعَ الْحَجَرِ؛ وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ عَنْ يَمِينِ الْحَجَرِ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، ثُمَّ يَجْتَازُ بِجَمِيعِهِ عَلَى يَمِينِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا قَابَلَكَ كَانَ يَمِينُكَ حِذَاءَ يَسَارِهِ، وَيَسَارُكَ حِذَاءَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالطَّوَافِ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَلَا يَطُوفُ جَمِيعُهُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِلَّا بِذَلِكَ، فَإِنْ حَاذَى بَعْضَ الْحَجَرِ بِكُلِّ بَدَنِهِ، وَأَمْكَنَ هَذَا لِكَوْنِهِ دَقِيقًا: أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدِ ابْتَدَأَ بِطَوَافِ جَمِيعِهِ بِالْحَجَرِ؛ لِأَنَّ اسْتِيعَابَ .. . . وَإِنْ حَاذَى بِبَعْضِ بَدَنِهِ كُلَّ الْحَجَرِ، أَوْ بَعْضَهُ فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .. .، فَإِنْ لَمْ يُجْزِئْهُ لَغِيَتِ الطَّوْفَةُ الْأُولَى، فَإِذَا حَاذَى الْحَجَرَ فِي الشَّوْطِ الثَّانِي فَهُوَ أَوَّلُ طَوَافِهِ. وَالْكَمَالُ: أَنْ يُحَاذِيَ فِي الْأَخِيرِ بِكُلِّ بَدَنِهِ جَمِيعَ الْآخَرِ. فَعَلَى مَا قَالُوهُ: إِمَّا أَنْ يَذْهَبَ إِلَى يَمِينِ الْحَجَرِ بَعْدَ اسْتِقْبَالِ الرُّكْنِ وَاسْتِلَامِهِ، وَهَلْ يَسْتَقْبِلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ وَإِمَّا أَنْ يَبْدَأَ مِنْ يَمِينِ الْحَجَرِ فَيَسْتَقْبِلَهُ .. .، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالسُّنَّةِ؛ فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ: (أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: («وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ جَابِرٌ: أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى نَاحِيَةِ يَسَارِهِ قَلِيلًا بَعْدَ الِاسْتِلَامِ؛ وَلِأَنَّهُ مُحَاذِيًا

стр. 982

لِلْحَجَرِ مُسْتَقْبِلًا لَهُ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ: لَمْ يَكُنْ قَدْ خَبَّ عَقِبَ الِاسْتِلَامِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَمْشِي هَكَذَا لَا يَخُبُّ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَنَقْلُوهُ. [مَسْأَلَةٌ الطائف يجعل البيت على يساره] مَسْأَلَةٌ: (ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِينِهِ وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ فَيَطُوفُ سَبْعًا). وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ الطَّائِفَ يَبْتَدِئُ فِي مُرُورِهِ بِوَجْهِ الْكَعْبَةِ، فَإِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ أَخَذَ إِلَى جِهَةِ يَمِينِهِ، فَيَصِيرُ الْبَيْتُ عَنْ يَسَارِهِ وَيُكْمِلُ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ. وَهَذَا مِنَ الْعِلْمِ الْعَامِّ، وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ عَنْ نَبِيِّهَا وَتَوَارَثَتْهُ فِيمَا بَيْنَهَا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] وَقَوْلِهِ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، كَمَا فَسَّرَ أَعْدَادَ الصَّلَاةِ، وَأَوْقَاتِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: («أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا»). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [مَسْأَلَةٌ الأصل في مشروعية الرمل] مَسْأَلَةٌ: (يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ وَيَمْشِي فِي الْأَرْبَعَةِ). الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْوَادِي إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ)». وَفِي رِوَايَةٍ («رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ

стр. 983

الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا») وَفِي رِوَايَةٍ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ، أَوِ الْعُمْرَةِ - أَوَّلَ مَا يَقْدُمُ - فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ وَيَمْشِي أَرْبَعَةً»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهِيَ آخِرُ نُسُكٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَفِي رِوَايَةٍ: («رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ»). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأَصْلُ ذَلِكَ: مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: («قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ وَفْدٌ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: «(لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الْحُمَّى، وَلَقَوْا مِنْهَا شِدَّةً فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ،

стр. 984

وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ، هَؤُلَاءِ: أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ)» وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: («إِنَّمَا رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَكَانَ أَوَّلُ الرَّمَلِ هَذَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَرْمُلُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا مِنْ نَاحِيَةِ الْحَجَرِ عِنْدَ قُعَيْقُعَانَ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ مَنْ بَيْنِ الرُّكْنَيْنِ. وَكَانَ هَذَا فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، ثُمَّ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ عُمْرَةَ الْجِعِرَّانَةِ وَمَكَّةُ دَارُ إِسْلَامٍ، ثُمَّ حَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَقَدْ نَفَى اللَّهُ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ، وَرَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ فَكَانَ هَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ. فَعُلِمَ أَنَّ الرَّمَلَ صَارَ سُنَّةً. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: («رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ وَفِي عُمَرِهِ كُلِّهَا، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَالْخُلَفَاءُ»). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْ

стр. 985

عَطَاءٍ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَعَى فِي عُمَرِهِ كُلِّهَا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵃ وَالْخُلَفَاءُ هَلُمَّ جَرًّا يَسْعَوْنَ كَذَلِكَ») قَالَ: وَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَهَذَا الصَّحِيحُ. «وَعَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ: (مَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ وَإِنَّمَا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: هِيَ صَنِيعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الِاضْطِبَاعِ نَحْوَ ذَلِكَ. فَصْلٌ قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ لِلطَّائِفِ الدُّنُوُّ مِنَ الْبَيْتِ فِي الطَّوَافِ إِلَّا أَنْ يُؤْذِيَ غَيْرَهُ، أَوْ يَتَأَذَّى بِنَفْسِهِ، فَيَخْرُجُ إِلَى حَيْثُ أَمْكَنَهُ، وَكُلَّمَا كَانَ أَقْرَبَ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ الْأَبْعَدُ أَوْسَعَ مَطَافًا وَأَكْثَرَ خُطًى. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّمَلُ مَعَ الْقُرْبِ لِقُوَّةِ الِازْدِحَامِ: فَإِنْ رَجَا أَنْ تَخِفَّ الزَّحْمَةُ وَلَمْ يَتَأَذَّ أَحَدٌ بِوُقُوفِهِ انْتَظَرَ ذَلِكَ لِيَجْمَعَ بَيْنَ قُرْبِهِ مِنَ الْبَيْتِ وَبَيْنَ الرَّمَلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلَى مُبَادَرَتِهِ إِلَى تَمَامِ الطَّوَافِ، وَإِنْ كَانَ الْوُقُوفُ لَا يُشْرَعُ فِي الطَّوَافِ؛ قَالَ أَحْمَدُ: فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ أَنْ تَرْمُلَ فَقُمْ حَتَّى تَجِدَ مَسْلَكًا ثُمَّ تَرْمُلَ. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالرَّمَلِ: فَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: يَخْرُجُ إِلَى حَاشِيَةِ الْمَطَافِ؛ لِأَنَّ الرَّمَلَ أَفْضَلُ مِنَ الْقُرْبِ؛ لِأَنَّهُ هَيْئَتُهُ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ بِخِلَافِ الْقُرْبِ فَإِنَّهُ هَيْئَةٌ فِي مَكَانِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَطُوفُ قَرِيبًا عَلَى حَسَبِ حَالِهِ؛ لِأَنَّ الرَّمَلَ هَيْئَةٌ فَهُوَ
следующие страницы →