Полный текст (1 211 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
بِالْحَجَرِ فَيُحَاذِيَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ جَمِيعَ الْحَجَرِ؛ وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ عَنْ يَمِينِ الْحَجَرِ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، ثُمَّ يَجْتَازُ بِجَمِيعِهِ عَلَى يَمِينِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا قَابَلَكَ كَانَ يَمِينُكَ حِذَاءَ يَسَارِهِ، وَيَسَارُكَ حِذَاءَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالطَّوَافِ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَلَا يَطُوفُ جَمِيعُهُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِلَّا بِذَلِكَ، فَإِنْ حَاذَى بَعْضَ الْحَجَرِ بِكُلِّ بَدَنِهِ، وَأَمْكَنَ هَذَا لِكَوْنِهِ دَقِيقًا: أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدِ ابْتَدَأَ بِطَوَافِ جَمِيعِهِ بِالْحَجَرِ؛ لِأَنَّ اسْتِيعَابَ .. . .
وَإِنْ حَاذَى بِبَعْضِ بَدَنِهِ كُلَّ الْحَجَرِ، أَوْ بَعْضَهُ فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .. .، فَإِنْ لَمْ يُجْزِئْهُ لَغِيَتِ الطَّوْفَةُ الْأُولَى، فَإِذَا حَاذَى الْحَجَرَ فِي الشَّوْطِ الثَّانِي فَهُوَ أَوَّلُ طَوَافِهِ.
وَالْكَمَالُ: أَنْ يُحَاذِيَ فِي الْأَخِيرِ بِكُلِّ بَدَنِهِ جَمِيعَ الْآخَرِ. فَعَلَى مَا قَالُوهُ: إِمَّا أَنْ يَذْهَبَ إِلَى يَمِينِ الْحَجَرِ بَعْدَ اسْتِقْبَالِ الرُّكْنِ وَاسْتِلَامِهِ، وَهَلْ يَسْتَقْبِلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ وَإِمَّا أَنْ يَبْدَأَ مِنْ يَمِينِ الْحَجَرِ فَيَسْتَقْبِلَهُ .. .، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالسُّنَّةِ؛ فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ: (أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: («وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ جَابِرٌ: أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى نَاحِيَةِ يَسَارِهِ قَلِيلًا بَعْدَ الِاسْتِلَامِ؛ وَلِأَنَّهُ مُحَاذِيًا
стр. 982
لِلْحَجَرِ مُسْتَقْبِلًا لَهُ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ: لَمْ يَكُنْ قَدْ خَبَّ عَقِبَ الِاسْتِلَامِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَمْشِي هَكَذَا لَا يَخُبُّ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَنَقْلُوهُ.
[مَسْأَلَةٌ الطائف يجعل البيت على يساره]
مَسْأَلَةٌ: (ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِينِهِ وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ فَيَطُوفُ سَبْعًا).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ الطَّائِفَ يَبْتَدِئُ فِي مُرُورِهِ بِوَجْهِ الْكَعْبَةِ، فَإِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ أَخَذَ إِلَى جِهَةِ يَمِينِهِ، فَيَصِيرُ الْبَيْتُ عَنْ يَسَارِهِ وَيُكْمِلُ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ. وَهَذَا مِنَ الْعِلْمِ الْعَامِّ، وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ عَنْ نَبِيِّهَا وَتَوَارَثَتْهُ فِيمَا بَيْنَهَا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] وَقَوْلِهِ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، كَمَا فَسَّرَ أَعْدَادَ الصَّلَاةِ، وَأَوْقَاتِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: («أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا»). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[مَسْأَلَةٌ الأصل في مشروعية الرمل]
مَسْأَلَةٌ: (يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ وَيَمْشِي فِي الْأَرْبَعَةِ).
الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْوَادِي إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ)». وَفِي رِوَايَةٍ («رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ
стр. 983
الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا») وَفِي رِوَايَةٍ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ، أَوِ الْعُمْرَةِ - أَوَّلَ مَا يَقْدُمُ - فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ وَيَمْشِي أَرْبَعَةً»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهِيَ آخِرُ نُسُكٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَفِي رِوَايَةٍ: («رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ»). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَأَصْلُ ذَلِكَ: مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: («قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ وَفْدٌ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.
وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: «(لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الْحُمَّى، وَلَقَوْا مِنْهَا شِدَّةً فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ،
стр. 984
وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ، هَؤُلَاءِ: أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ)» وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: («إِنَّمَا رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَكَانَ أَوَّلُ الرَّمَلِ هَذَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَرْمُلُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا مِنْ نَاحِيَةِ الْحَجَرِ عِنْدَ قُعَيْقُعَانَ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ مَنْ بَيْنِ الرُّكْنَيْنِ.
وَكَانَ هَذَا فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، ثُمَّ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ عُمْرَةَ الْجِعِرَّانَةِ وَمَكَّةُ دَارُ إِسْلَامٍ، ثُمَّ حَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَقَدْ نَفَى اللَّهُ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ، وَرَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ فَكَانَ هَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ. فَعُلِمَ أَنَّ الرَّمَلَ صَارَ سُنَّةً.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: («رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ وَفِي عُمَرِهِ كُلِّهَا، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَالْخُلَفَاءُ»). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْ
стр. 985
عَطَاءٍ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَعَى فِي عُمَرِهِ كُلِّهَا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵃ وَالْخُلَفَاءُ هَلُمَّ جَرًّا يَسْعَوْنَ كَذَلِكَ») قَالَ: وَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَهَذَا الصَّحِيحُ.
«وَعَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ: (مَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ وَإِنَّمَا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: هِيَ صَنِيعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ)». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الِاضْطِبَاعِ نَحْوَ ذَلِكَ.
فَصْلٌ
قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ لِلطَّائِفِ الدُّنُوُّ مِنَ الْبَيْتِ فِي الطَّوَافِ إِلَّا أَنْ يُؤْذِيَ غَيْرَهُ، أَوْ يَتَأَذَّى بِنَفْسِهِ، فَيَخْرُجُ إِلَى حَيْثُ أَمْكَنَهُ، وَكُلَّمَا كَانَ أَقْرَبَ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ الْأَبْعَدُ أَوْسَعَ مَطَافًا وَأَكْثَرَ خُطًى.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّمَلُ مَعَ الْقُرْبِ لِقُوَّةِ الِازْدِحَامِ: فَإِنْ رَجَا أَنْ تَخِفَّ الزَّحْمَةُ وَلَمْ يَتَأَذَّ أَحَدٌ بِوُقُوفِهِ انْتَظَرَ ذَلِكَ لِيَجْمَعَ بَيْنَ قُرْبِهِ مِنَ الْبَيْتِ وَبَيْنَ الرَّمَلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلَى مُبَادَرَتِهِ إِلَى تَمَامِ الطَّوَافِ، وَإِنْ كَانَ الْوُقُوفُ لَا يُشْرَعُ فِي الطَّوَافِ؛ قَالَ أَحْمَدُ: فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ أَنْ تَرْمُلَ فَقُمْ حَتَّى تَجِدَ مَسْلَكًا ثُمَّ تَرْمُلَ.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالرَّمَلِ: فَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: يَخْرُجُ إِلَى حَاشِيَةِ الْمَطَافِ؛ لِأَنَّ الرَّمَلَ أَفْضَلُ مِنَ الْقُرْبِ؛ لِأَنَّهُ هَيْئَتُهُ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ بِخِلَافِ الْقُرْبِ فَإِنَّهُ هَيْئَةٌ فِي مَكَانِهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَطُوفُ قَرِيبًا عَلَى حَسَبِ حَالِهِ؛ لِأَنَّ الرَّمَلَ هَيْئَةٌ فَهُوَ
стр. 986
كَالتَّجَافِي فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَلَا يُتْرَكُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ لِأَجْلِ تَعَذُّرِهَا، فَكَذَلِكَ هُنَا لَا يُتْرَكُ الْمَكَانُ الْقَرِيبُ مِنَ الْبَيْتِ لِأَجْلِ تَعَذُّرِ الْهَيْئَةِ.
وَالْأَوَّلُ ... ؛ لِأَنَّ الرَّمَلَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ بِحَيْثُ يُكْرَهُ تَرْكُهَا، وَالطَّوَافُ مِنْ حَاشِيَةِ الْمَطَافِ لَا يُكْرَهُ، بِخِلَافِ التَّأَخُّرِ إِلَى الصَّفِّ الثَّانِي فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَبَيْنَ دَاخِلِ الْمَطَافِ: أَنَّ الْمُصَلِّينَ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَمِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ إِتْمَامُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ: بِخِلَافِ الطَّائِفِينَ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَطُوفُ مُنْفَرِدًا فِي الْحُكْمِ فَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا فِي قُبُلِ الْمَسْجِدِ مَعَ عَدَمِ إِتْمَامِ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ فِي مُؤَخَّرِهِ مَعَ إِتْمَامِهَا أَوْلَى.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ تَرَاصَّ الصَّفِّ وَانْضِمَامَهُ سُنَّةٌ فِي نَفْسِهِ، فَاغْتُفِرَ فِي جَانِبِهَا زَوَالُ التَّجَافِي، بِخِلَافِ ازْدِحَامِ الطَّائِفِينَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مُسْتَحَبًّا وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ فَضِيلَةَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ ثَبَتَتْ بِنُصُوصٍ كَثِيرَةٍ بِخِلَافِ دَاخِلِ الْمَطَافِ، عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِيهَا نَظَرٌ.
فَأَمَّا إِنْ خَافَ إِنْ خَرَجَ أَنْ يَخْتَلِطَ بِالنِّسَاءِ: طَافَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ.
[مَسْأَلَةٌ يشرع استلام الركنين اليمانيين في كل طواف]
مَسْأَلَةٌ: (وَكُلَّمَا حَاذَى الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ اسْتَلَمَهُمَا، وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ، وَيَقُولُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] وَيَدْعُو فِي سَائِرِهِ بِمَا أَحَبَّ).
فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ خَاصَّةً، وَيُكْرَهُ اسْتِلَامُ .. .، قَالَ أَحْمَدُ
стр. 987
فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: «وَلَا تَسْتَلِمْ مِنَ الْأَرْكَانِ شَيْئًا إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَإِنْ زَحَمَكَ النَّاسُ، وَلَمْ يُمْكِنْكَ الِاسْتِلَامُ فَامْضِ وَكَبِّرْ»؛ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَمَسُّ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ)». رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ. وَفِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحِ: («لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَلَمَ مِنَ الْبَيْتِ») وَفِي لَفْظٍ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إِلَّا الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ»).
وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ»). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: («كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِمَا وَلَا يَسْتَلِمُ الْآخَرَيْنِ»).
وَعَنْهُ - أَيْضًا - قَالَ: («مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَرِ مُنْذُ
стр. 988
رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا - فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: («لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ»). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: («أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنَيْنِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّكَ تُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنَيْنِ زِحَامًا مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُزَاحِمُ عَلَيْهِ، قَالَ: إِنْ أَفْعَلْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ مَسَحَهُمَا كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ: كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً»). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
«وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: (مَا أَرَاكَ تَسْتَلِمُ إِلَّا هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّ مَسْحَهُمَا يَحُطُّ الْخَطِيئَةَ»). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ لَفْظُهُ.
стр. 989
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، فَالرُّكْنَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ لَيْسَا بِرُكْنَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُمَا بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْجِدَارِ، وَالِاسْتِلَامُ إِنَّمَا يَكُونُ لِلْأَرْكَانِ، وَإِلَّا لَاسْتَلَمَ جَمِيعَ جِدَارِ الْبَيْتِ فِي الطَّوَافِ.
وَأَمَّا تَقْبِيلُ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ: فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ -: أَنَّهُ لَا يُقَبِّلُهُ؛ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قُلْتُ لِأَبِي مَا يُقَبَّلُ؟ قَالَ: يُقَبَّلُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، قُلْتُ لِأَبِي فَالرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ؟، قَالَ: لَا، إِنَّمَا يُسْتَلَمُ وَلَا يُقَبَّلُ إِلَّا الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَحْدَهُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ -: لَا يُقَبَّلُ الْيَمَانِيُّ، وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا؛ مِثْلَ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ مِثْلَ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَأَبِي الْمَوَاهِبِ الْعُكْبَرِيِّ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ وَابْنُ أَبِي مُوسَى: يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ كَالْحَجَرِ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يَسْتَلِمُهُ بِفِيهِ إِنْ أَمْكَنَهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَبِيَدِهِ وَيُقَبِّلُهَا، قَالَ: وَلَا يُقَبِّلُ إِلَّا
стр. 990
الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: («كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ، وَيَضَعُ خَدَّهُ عَلَيْهِ»). رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسَلًا، وَمَدَارُهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ مُجَاهِدٍ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُ يَدَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : اسْتَلَمَ الْحَجَرَ فَقَبَّلَهُ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ فَقَبَّلَ يَدَهُ»). رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ.
وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ وَصَفُوا حَجَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعُمَرَهُ: ذَكَرُوا أَنَّهُ
стр. 991
كَانَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ وَيُقَبِّلُهُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَلَمْ يَذْكُرُوا تَقْبِيلًا، وَلَوْ قَبَّلَهُ لَنَقْلُوهُ، كَمَا نَقَلُوهُ فِي الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، لَا سِيَّمَا مَعَ قُوَّةِ اعْتِنَائِهِمْ بِضَبْطِ ذَلِكَ، وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ أَتْبَعُ النَّاسِ لِمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا الِاسْتِلَامَ
الْفَصْلُ الثَّانِي
مَا يَقُولُهُ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَيْنِ، وَتَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ، وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ -: إِنْ قَدَرَ عَلَى الْحَجَرِ اسْتَلَمَهُ، وَإِلَّا إِذَا حَاذَاهُ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَهُ وَمَضَى وَقَالَ .. . .
[مَسْأَلَةٌ الصلاة خلف المقام]
مَسْأَلَةٌ: (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ).
هَذِهِ السُّنَّةُ لِكُلِّ طَائِفٍ أُسْبُوعًا أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «(قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 992
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: " «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَعْبَةَ؟ قَالَ: لَا» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَهَذَا فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ.
[مَسْأَلَةٌ يَخْتِمَ الطَّوَافَ بِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ]
مَسْأَلَةٌ: (وَيَعُودُ إِلَى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ وَيَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنْ يَخْتِمَ الطَّوَافَ بِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ، ثُمَّ يَسْتَلِمُهُ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ، سَوَاءٌ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ وَالزِّيَارَةِ وَالْوَدَاعِ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ
стр. 993
أَيْ يَقُولُ: - وَلَا أَعْلَمُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ قَالَ: لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ: دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ لَا، بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
[مَسْأَلَةٌ الخروج إلى الصفا]
مَسْأَلَةٌ: (ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ فَيَأْتِيهِ فَيَرْقَى عَلَيْهِ وَيُكَبِّرُ اللَّهَ وَيُهَلِّلُهُ
стр. 994
وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي إِلَى الْعَلَمِ، ثُمَّ يَسْعَى إِلَى الْعَلَمِ الْآخَرِ ثُمَّ يَمْشِي إِلَى الْمَرْوَةِ فَيَفْعَلُ كَفِعْلِهِ عَلَى الصَّفَا، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ يَحْسِبُ بِالذَّهَابِ سَبْعَةً وَبِالرُّجُوعِ سَبْعَةً يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتَتِمُ بِالْمَرْوَةِ.
أَمَّا خُرُوجُهُ مِنْ بَابِ الصَّفَا وَهُوَ الْبَابُ الْأَعْظَمُ الَّذِي يُوَاجِهُ الصَّفَا ... ، وَأَمَّا رُقِيُّهُ عَلَى الصَّفَا ; فَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» " وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنَّهُ يَرْقَى عَلَى الصَّفَا حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، إِلَّا أَنَّ هَذَا كَانَ لَمَّا كَانَتِ الْأَبْنِيَةُ مُنْخَفِضَةً عَنِ الْكَعْبَةِ. فَأَمَّا الْآنَ فَإِنَّهُمْ قَدْ رَفَعُوا جِدَارَ الْمَسْجِدِ وَزَادُوا فِيهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّفَا حَتَّى صَارَ الْمَسْعَى يَلِي جِدَارَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْمَسْعَى بِنَاءٌ لِلنَّاسِ، فَالْيَوْمَ: لَا يَرَى أَحَدٌ الْبَيْتَ مِنْ فَوْقِ الصَّفَا، وَلَا مِنْ فَوْقِ الْمَرْوَةِ، نَعَمْ قَدْ يَرَاهُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ إِذَا خَفَضَ.
فَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الصَّفَا بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ لَوْ كَانَ الْبِنَاءُ عَلَى مَا كَانَ.
стр. 995
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، وَرَفَعَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيَدْعُو مَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْبَيْتَ فِي حَالِ وُقُوفِهِ عَلَى الصَّفَا وَعَلَى الْمَرْوَةِ، وَكَذَلِكَ فِي حَالِ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ وَبِمُزْدَلِفَةَ وَبِمِنًى، وَبَيْنَ الْجَمْرَتَيْنِ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» ".
وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: " «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَصْعَدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ حَتَّى يَبْدُوَ لَهُ الْبَيْتُ فَيَسْتَقْبِلَهُ» "
وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " اسْتَقْبِلِ الْبَيْتَ مِنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِقْبَالِهِ " رَوَاهُمَا أَحْمَدُ.
وَلِأَنَّهُ حَالُ مُكْثٍ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، فَاسْتُحِبَّ فِيهَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ كَسَائِرِ الْأَحْوَالِ وَأَوْكَدُ.
وَلِأَنَّ الْوُقُوفَ بِالْمَشَاعِرِ نَوْعٌ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ:
стр. 996
﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]-: إِنَّهَا عَرَفَةُ، وَمُزْدَلِفَةُ، وَمِنًى، وَنَحْوَهُنَّ: فَيُشْرَعُ فِيهَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ كَالصَّلَاةِ التَّامَّةِ.
وَلِأَنَّ الْمَنَاسِكَ: هِيَ حَجُّ الْبَيْتِ، فَكَانَ اسْتِقْبَالُ الْبَيْتِ وَقْتَ فِعْلِهَا تَحْقِيقًا لِمَعْنَى حَجِّ الْبَيْتِ وَقَصْدِهِ.
وَلِأَنَّ جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ ; مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ وَذَبْحِ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَةِ يُسَنُّ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ فِيهَا، فَمَا تَعَلَّقَ مِنْهَا بِالْبَيْتِ أَوْلَى.
وَأَمَّا التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ وَالدُّعَاءُ فَقَدْ ذَكَرَهُ جَابِرٌ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ
وَأَمَّا صِفَةُ ذَلِكَ فَفِي رِوَايَةٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : " «كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى الصَّفَا يُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَصْنَعُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَدْعُو، وَيَصْنَعُ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ ذَلِكَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ - مَعَ هَذَا التَّوْحِيدِ -: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» "، وَأَنَّهُ يَدْعُو بَعْدَ ذَلِكَ.
стр. 997
وَقَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ -: إِذَا قَدِمْتَ مَكَّةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثَنَا أَبِي قَالَ: " أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: «اسْتَلَمَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، ثُمَّ رَمَلَ ثَلَاثَةً وَمَشَى أَرْبَعَةً حَتَّى إِذَا فَرَغَ عَدَا إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ثُمَّ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، وَخَرَجَ إِلَى الصَّفَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، ثُمَّ قَالَ: نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَرَقَى عَلَى الصَّفَا حَتَّى إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَصَدَقَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا الْكَلَامِ، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا الْكَلَامِ، ثُمَّ نَزَلَ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي الْوَادِي رَمَلَ حَتَّى إِذَا صَعِدَ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَرَقَى عَلَيْهَا حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، فَقَالَ عَلَيْهَا مِثْلَ مَا قَالَ عَلَى الصَّفَا، فَلَمَّا كَانَ السَّابِعُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ».
فَعَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَحْمَدُ يُكَبِّرُ وَيُهِلُّ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ
стр. 998
يَدْعُو ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيُهِلُّ، ثُمَّ يَدْعُو ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيُهِلُّ، فَيَفْتَتِحُ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ، وَيَخْتِمُ بِهِ، وَيُكَرِّرُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالدُّعَاءَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَلَفْظُ التَّكْبِيرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ثَلَاثًا، كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَلَفْظُ التَّهْلِيلِ مَرَّتَيْنِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ.
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّكْبِيرُ تِسْعًا، وَالتَّهْلِيلُ سِتًّا، وَالدُّعَاءُ مَرَّتَيْنِ.
وَلَفْظُ الصَّحِيحِ: " «لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ".
وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقَى عَلَيْهَا حَتَّى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ، فَقَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَكَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَهُ ثُمَّ دَعَا بِمَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ نَزَلَ مَاشِيًا حَتَّى تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ فَسَعَى حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ، ثُمَّ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَصَعِدَ فِيهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ الْبَيْتُ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ وَسَبَّحَهُ وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهَا بِمَا شَاءَ اللَّهُ، فَعَلَ هَذَا حَتَّى فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ» ".
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ: " «أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيَدْعُو
стр. 999
بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ» ".
فَهَذَا الْحَمْدُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْحَمْدُ الَّذِي فِي ضِمْنِ التَّهْلِيلِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْمُفَسِّرَةُ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ أَحْمَدَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، قَالَ الْقَاضِي: يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: يُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا، ثُمَّ يَبْدَأُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، زَادَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَمَا جَاءَ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ.
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، زَادَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، ثُمَّ يُلَبِّي وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ مِنْ دِينٍ وَدُنْيَا، ثُمَّ يُعِيدُ الدُّعَاءَ، ثُمَّ يُلَبِّي وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ مِنْ دِينٍ وَدُنْيَا يَأْتِي بِذَلِكَ ثَلَاثًا.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ تِسْعًا تِسْعًا، وَالدُّعَاءُ ثَلَاثًا.
стр. 1000
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ ثَلَاثًا، وَالدُّعَاءَ مَرَّةً، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يُكَرِّرُ ذَلِكَ ثَلَاثًا.
وَقَدِ اسْتَحَبَّ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَذِيِّ وَغَيْرِهِ - لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ أَحْمَدُ: ثُمَّ اصْعَدْ عَلَى الصَّفَا وَقِفْ حَيْثُ تَنْظُرُ إِلَى الْبُنْيَانِ إِنْ أَمْكَنَكَ ذَلِكَ، وَقُلِ: اللَّهُ أَكْبَرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، تَرْفَعُ بِهِنَّ صَوْتَكَ، وَتَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّ آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ، اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ، وَذَكَرَ دُعَاءَ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِمَّا يَأْتِي، وَفِي آخِرِهِ: اللَّهُمَّ إِنَّا قَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتَنَا، وَاقْضِ لَنَا حَوَائِجَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَقَدْ رَوَى بِإِسْنَادٍ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: " «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا انْتَهَى إِلَى ذِي طَوًى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، ثُمَّ يُصَلِّي الْغَدَاةَ وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ ضُحًى، وَيَأْتِي الْبَيْتَ فَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، فَإِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ يَمْشِي مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَإِذَا أَتَى عَلَى الْحَجَرِ اسْتَلَمَهُ
стр. 1001
وَكَبَّرَ أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ مَشْيًا، ثُمَّ يَأْتِي الْمَقَامَ فَيُصَلِّي خَلْفَهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنَ الْبَابِ الْأَعْظَمِ، فَيَقُومُ عَلَيْهِ، فَيُكَبِّرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ثَلَاثًا ثَلَاثًا يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، ثُمَّ يَدْعُو يَقُولُ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ وَطَوَاعِيَتِكَ وَطَوَاعِيَةِ رَسُولِكَ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي حُدُودَكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُحِبُّكَ وَيُحِبُّ مَلَائِكَتَكَ وَيُحِبُّ رُسُلَكَ، وَيُحِبُّ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ حَبِّبْنِي إِلَيْكَ وَإِلَى مَلَائِكَتِكَ، وَإِلَى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ يَسِّرْنِي لِلْيُسْرَى وَجَنِّبْنِي الْعُسْرَى، وَاغْفِرْ لِي فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، اللَّهُمَّ إِذْ هَدَيْتَنِي لِلْإِسْلَامِ فَلَا تَنْزِعْهُ مِنِّي، وَلَا تَنْزِعْنِي مِنْهُ حَتَّى تَوَفَّانِي وَأَنَا عَلَى الْإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ لَا تُقَدِّمْنِي لِعَذَابٍ، وَلَا تُؤَخِّرْنِي لِسَيِّئِ الْفِتَنِ، وَيَدْعُو بِدُعَاءٍ كَثِيرٍ حَتَّى إِنَّهُ لِيُمِلُّنَا - وَإِنَّا لَشَبَابٌ -، وَكَانَ إِذَا أَتَى عَلَى الْمَسْعَى سَعَى وَكَبَّرَ» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَفِي لَفْظٍ: " «وَكَانَ يَدْعُو بِهَذَا مَعَ دُعَاءٍ لَهُ طَوِيلٍ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَبِعَرَفَاتٍ وَبَيْنَ الْجَمْرَتَيْنِ وَفِي الطَّوَافِ» ".
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ... يَدْعُو عَلَى الصَّفَا بِدُعَاءِ ابْنِ عُمَرَ، وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ أَجْزَأَهُ، وَقَالَ - فِي الْمَرْوَةِ -: وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: - أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، ثُمَّ يُهَلِّلُ، ثُمَّ يَدْعُو، يُكَرِّرُ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُكَبِّرَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُهَلِّلَ، ثُمَّ يَدْعُوَ فَقَطْ، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ
стр. 1002
الْمَرُّوذِيِّ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُكَبِّرَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا سَبْعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُهَلِّلَ ثُمَّ يَدْعُوَ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاسْتَحَبَّهُ.
وَعَلَى هَذَيْنِ هَلْ يُكَرِّرُ ذَلِكَ ثَلَاثًا؟ ... ، وَإِنَّمَا اسْتُحِبَّ هَذَا ; لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ شَدِيدَ الِاقْتِفَاءِ لِأَثَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُصُوصًا فِي النُّسُكِ ; فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَعْلَمِ الصَّحَابَةِ، فَالِاقْتِصَارُ عَلَى عَدَدٍ دُونَ عَدَدٍ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا فَعَلَهُ تَوْقِيفِيًّا ; وَلِأَنَّ عَدَدَ الْأَفْعَالِ سَبْعٌ فَاسْتُحِبَّ إِلْحَاقُ الْأَقْوَالِ بِهَا.
وَمَنْ رَجَّحَ هَذَا قَالَ: أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ لَيْسَ فِيهَا تَوْقِيتُ تَكْبِيرٍ، وَلَعَلَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ كَانَ فِي بَعْضِ عُمَرِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ لَعَلَّ قَوْلَ جَابِرٍ: " كَبَّرَ ثَلَاثًا " أَيْ ثَلَاثَ نَوْبَاتٍ، وَيَكُونُ كُلُّ نَوْبَةٍ سَبْعًا.
وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَقَدِ اسْتَحَبَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ دُعَاءَ ابْنِ عُمَرَ إِذْ لَيْسَ فِي الْبَابِ مَأْثُورٌ غَيْرُهُ.
وَالسُّنَّةُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ جَابِرًا سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَوْلَا جَهْرُهُ بِهِ لَمْ يَسْمَعُوهُ ; وَلِأَنَّهُ شَرَفٌ مِنَ الْأَشْرَافِ، وَالسُّنَّةُ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ عَلَى الْأَشْرَافِ.
стр. 1003
وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَلَا يَرْفَعُ بِهِ صَوْتَهُ ; لِأَنَّ سُنَّةَ الدُّعَاءِ: السِّرُّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ جَابِرٌ وَلَا غَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَفْظَ دُعَائِهِ، حَيْثُ لَمْ يَسْمَعُوهُ.
وَأَمَّا جَهْرُهُ بِذَلِكَ حَيْثُ يَسْمَعُ الْقَرِيبُ مِنْهُ فَجَائِزٌ، كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَقْصُودٌ صَالِحٌ وَإِلَّا إِسْرَارُهُ أَفْضَلُ.
وَأَمَّا التَّلْبِيَةُ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي أَثْنَاءِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ فَقَدِ اسْتَحَبَّهَا الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُمَا ; لِأَنَّ وَقْتَ التَّلْبِيَةِ بَاقٍ، وَهُوَ مَوْطِنُ ذِكْرٍ، فَاسْتُحِبَّ فِيهِ التَّلْبِيَةُ كَمَا لَوْ عَلَا عَلَى شَرَفٍ غَيْرِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَوْلَى لِامْتِيَازِ هَذَيْنِ الشَّرَفَيْنِ بِتَوْكِيدِ الذِّكْرِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ مِثْلُ الْأَثْرَمِ - هُنَا -: اسْتِحْبَابَ تَلْبِيَةٍ، وَهَذَا أَجْوَدُ ; لِأَنَّ الَّذِينَ أَخْبَرُوا عَنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ: ذَكَرُوا أَنَّهُ كَبَّرَ وَهَلَّلَ وَدَعَا وَحَمِدَ اللَّهَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ -: سَبَّحَ، وَلَوْ كَانَ قَدْ لَبَّى لَذَكَرُوهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُلَبِّ، وَلَوْ كَانَتِ التَّلْبِيَةُ مِنْ سُنَّةِ هَذَا الْمَوْقِفِ لَفَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا فَعَلَ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ.
стр. 1004
وَأَيْضًا: فَإِنَّ التَّلْبِيَةَ مَشْرُوعَةٌ فِي عُمُومِ الْإِحْرَامِ، وَلِهَذَا الْمَكَانِ ذِكْرٌ يَخُصُّهُ فَلَمْ يُزَاحَمْ بِغَيْرِهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ التَّلْبِيَةَ شِعَارُ الْمُجِيبِ لِلدَّاعِي، فَشُرِعَ لَهُ مَا دَامَ يَسِيرُ وَيَسْعَى إِلَى الْمَقْصِدِ، فَإِذَا بَلَغَ مَكَانًا مِنَ الْأَمْكِنَةِ الَّتِي دُعِيَ إِلَيْهَا فَقَدْ وَصَلَ إِلَى الْمَقْصِدِ فَلَا مَعْنَى لِلتَّلْبِيَةِ مَا دَامَ فِيهِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ وَقَصَدَ مَكَانًا آخَرَ لَبَّى، وَلِهَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَبَّى بِالْمَوَاقِفِ، وَإِنَّمَا لَبَّى حَتَّى بَلَغَ عَرَفَةَ، فَلَمَّا أَفَاضَ مِنْهَا لَبَّى إِلَى جَمْعٍ، ثُمَّ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ لَبَّى بِهَا إِلَى أَنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَعَلَى هَذَا هَلْ تُكْرَهُ التَّلْبِيَةُ؟ ... ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِيمَا إِذَا كَانَ فِي حَجٍّ أَوْ قِرَانٍ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا عُمْرَةً مُفْرَدَةً، أَوْ عُمْرَةَ تَمَتُّعٍ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، فَلَا يُلَبِّي بَعْدَ ذَلِكَ فِي طَوَافٍ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي - فِي الْمُجَرَّدِ - وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمَا: التَّلْبِيَةَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مُطْلَقًا، ثُمَّ قَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: فَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا أَوْ مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا، وَقَدْ رَوَى الْأَزْرَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: " قَدِمْتُ مُعْتَمِرًا مَعَ
стр. 1005
عَائِشَةَ ﵂ وَابْنِ مَسْعُودٍ، فَقُلْتُ: أَيُّهُمَا أَلْزَمُ؟ ثُمَّ قُلْتُ: أَلْزَمُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، ثُمَّ آتِي أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَاسْتَلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْحَجَرَ، ثُمَّ أَخَذَ عَلَى يَمِينِهِ، وَرَمَلَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، وَخَرَجَ إِلَى الصَّفَا فَقَامَ عَلَى صَدْعٍ فِيهِ فَلَبَّى، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَنْهَوْنَ عَلَى الْإِهْلَالِ هَاهُنَا، قَالَ: وَلَكِنِّي آمُرُكَ بِهِ هَلْ تَدْرِي مَا الْإِهْلَالُ؟ إِنَّمَا هِيَ اسْتِجَابَةُ مُوسَى ﵇ لِرَبِّهِ ، قَالَ: فَلَمَّا أَتَى الْوَادِيَ رَمَلَ، قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْبَرُ
وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ ; لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُلَبِّي فِي عُمْرَتِهِ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، وَأَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا ذَكَرَهُ مَسْرُوقٌ - وَإِذَا تَنَازَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتِ السُّنَّةُ قَاضِيَةً بَيْنَهُمْ، وَلَيْسَ هُوَ صَرِيحًا بِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ مُعْتَمِرًا وَإِنَّمَا الصَّرِيحُ فِيهِ أَنْ مَسْرُوقًا كَانَ هُوَ الْمُعْتَمِرَ ; لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَمِرًا أَيْضًا لِأَنَّهُمْ إِذْ ذَاكَ إِنَّمَا كَانُوا يُحْرِمُونَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرٍ، كَمَا كَانَ عُمَرُ قَدْ أَمَرَهُمْ بِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنِ الْإِهْلَالِ عَلَى الصَّفَا مُطْلَقًا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
стр. 1006
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا كَوْنُ الطَّوَافِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا وَأَنْ يَحْسِبَ بِالذَّهَابِ مَرَّةً وَبِالْعَوْدِ مَرَّةً، فَيَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِهِ ; فَيَكُونُ وُقُوفُهُ عَلَى الصَّفَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَعَلَى الْمَرْوَةِ أَرْبَعًا فَهِيَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَنْقُولَةُ نَقْلًا عَامًّا مُسْتَفِيضًا، كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ طَافَ سَبْعًا خَتَمَ بِالْمَرْوَةِ، وَعَلَيْهَا كَانَ التَّقْصِيرُ وَالْإِحْلَالُ، وَعِنْدَهَا أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْإِحْلَالِ مِنْ إِحْرَامِهِمْ.
وَأَمَّا صِفَةُ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «ثُمَّ نَزَلَ - يَعْنِي - مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي رَمَلَ حَتَّى إِذَا صَعِدْنَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: " «ثُمَّ نَزَلَ مَاشِيًا حَتَّى تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ فِي الْمَسِيلِ، فَسَعَى حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ ثُمَّ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَصَعِدَ فِيهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ الْبَيْتُ» ".
وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: " بَطْنِ الْمَسِيلِ ".
وَعَنْ عَلِيٍّ " «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْمَسْعَى كَاشِفًا عَنْ ثَوْبِهِ قَدْ بَلَغَ إِلَى رُكْبَتَيْهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
стр. 1007
وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ... وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الْقَاضِي وَمَنْ بَعْدَهُ: أَنَّهُ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ سَعْيًا شَدِيدًا، وَلَفْظُ أَحْمَدَ: وَامْشِ حَتَّى تَأْتِيَ الْعَلَمَ الَّذِي فِي بَطْنِ الْوَادِي فَارْمُلْ مِنَ الْعَلَمِ إِلَى الْعَلَمِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَثْرَمُ: يَسْعَى بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ أَشَدَّ مِنَ الرَّمَلِ قَلِيلًا، وَيَقُولُ فِي رَمَلِهِ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ.
وَقَدْ حَدَّدَ النَّاسُ بَطْنَ الْوَادِي الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْعَى فِيهِ بِأَنْ نَصَبُوا فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ أَعْلَامًا، وَتُسَمَّى أَمْيَالًا، وَيُسَمَّى وَاحِدُهَا: الْمِيلَ الْأَخْضَرَ ; لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا لَطَّخُوهُ بِلَوْنِ خُضْرَةٍ لِيَتَمَيَّزَ لَوْنُهُ لِلسَّاعِي، وَرُبَّمَا لَطَّخُوهُ بِحُمْرَةٍ.
فَأَوَّلُ الْمَسْعَى حَدُّ الْمِيلِ الْمُعَلَّقِ بِرُكْنِ الْمَسْجِدِ، هَكَذَا ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ، وَآخِرُهُ الْمِيلَانِ الْمُتَقَابِلَانِ ; أَحَدُهُمَا: بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ بِحِيَالِ دَارِ الْعَبَّاسِ، هَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ ; لِأَنَّهُ كَذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
стр. 1008
وَالْيَوْمَ: هِيَ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ ; مِيلَانِ مُتَقَابِلَانِ أَحْمَرَانِ، أَوْ أَخْضَرَانِ عَلَيْهِمَا كِتَابَةٌ، ثُمَّ مِيلَانِ أَخْضَرَانِ، وَالدَّارُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ الْيَوْمَ خَرِبَةٌ ; لَكِنَّ الْأَعْلَامَ ظَاهِرَةٌ مُعَلَّقَةٌ لَا يَدْرُسُ عَلَمُهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّ أَوَّلَ الْمَسْعَى مِنْ نَاحِيَةِ الصَّفَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمِيلِ بِنَحْوٍ مِنْ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، وَآخِرُهُ مُحَاذَاةُ الْمِيلَيْنِ الْآخَرَيْنِ، وَلَفْظُ أَحْمَدَ: ارْمُلْ مِنَ الْعَلَمِ إِلَى الْعَلَمِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ، وَهَكَذَا ذَكَرَ ... .
(فَصْلٌ)
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: ثُمَّ انْحَدِرْ مِنَ الصَّفَا وَقُلْ: اللَّهُمَّ اسْتَعْمِلْنِي بِسُنَّةِ نَبِيِّكَ، وَتَوَفَّنِي عَلَى مِلَّتِهِ، وَأَعِذْنِي مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ، وَامْشِ حَتَّى تَأْتِيَ الْعَلَمَ - الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي - فَارْمُلْ مِنَ الْعَلَمِ إِلَى الْعَلَمِ، وَقُلْ فِي رَمَلِكَ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، وَاهْدِنِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ، اللَّهُمَّ نَجِّنَا مِنَ النَّارِ سِرَاعًا سَالِمِينَ، وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ آمِنِينَ، وَامْشِ حَتَّى تَأْتِيَ الْمَرْوَةَ فَتَصْعَدَ عَلَيْهَا وَتَقِفَ مِنْهَا حَيْثُ تَنْظُرُ إِلَى الْبَيْتِ، ثُمَّ تُكَبِّرُ أَيْضًا وَتَدْعُو بِمَا دَعَوْتَ بِهِ عَلَى
стр. 1009
الصَّفَا، ثُمَّ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَمَا دَعَوْتَ بِهِ أَجْزَأَكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إِذَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَى عَلَى الْمَسْعَى سَعَى وَكَبَّرَ.
(فَصْلٌ)
وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ سَعْيٌ بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ وَلَا صُعُودٌ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِنَّ فِي الطَّوَافِ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَأْمُورَةٌ بِالسَّتْرِ مَا أَمْكَنَ، وَفِي رَمَلِهَا وَرُقِيِّهَا تَعَرُّضٌ لِظُهُورِهَا، فَإِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ ... .
وَمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَعْيٌ بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ كَمَا لَا رَمَلَ عَلَيْهِ فِي الطَّوَافِ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى.
[مَسْأَلَةٌ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ جَازَ أَنْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ]
مَسْأَلَةٌ: (ثُمَّ يُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهِ إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا، وَقَدْ حَلَّ إِلَّا الْمُتَمَتِّعُ إِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، وَالْقَارِنُ وَالْمُفْرِدُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ جَازَ أَنْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، أَوْ بِحَجٍّ، أَوْ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَمَا سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ; لَكِنْ إِنْ أَحَبَّ الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ أَنْ يُبْقِيَا عَلَى إِحْرَامِهِمَا فَلَهُمَا ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
стр. 1010
وَمَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ: إِلَّا الْمُتَمَتِّعُ السَّائِقُ وَالْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ، يَعْنِي لَا يُقَصِّرُونَ وَلَا يُحِلُّونَ ; لَكِنَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْإِحْلَالُ، وَالْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْإِحْلَالُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى كَلَامِهِ: أَنَّهُ مَا دَامَ نَاوِيًا لِلْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِحْلَالُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ الْإِحْلَالُ إِذَا نَوَى الْإِحْلَالَ بِعُمْرَةٍ وَفَسَخَ نِيَّةَ الْحَجِّ، وَحِينَئِذٍ لَا يَصِيرُ مُفْرِدًا وَلَا قَارِنًا.
وَأَمَّا الْمُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا بِأَنْ يَكُونَ قَدْ أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَهَذَا يُحِلُّ إِحْلَالًا تَامًّا ; فَيَحْلِقُ شَعْرَهُ، وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ بِقَاعِ مَكَّةَ، وَإِنْ قَصَّرَ جَازَ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَعُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ.
وَقَوْلُ الشَّيْخِ: ثُمَّ يُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهِ، عَلَى هَذَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ بَيَانَ أَدْنَى مَا يَتَحَلَّلُ بِهِ، أَوْ ذَكَرَ التَّقْصِيرَ لَمَّا اشْتَمَلَ كَلَامُهُ عَلَى الْمُعْتَمِرِ مُتَمَتِّعًا كَانَ أَوْ مُفْرِدًا لِعُمْرَتِهِ.
وَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ عُمْرَةَ التَّمَتُّعِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَإِنَّهُ يُحِلُّ إِحْلَالًا تَامًّا سَوَاءٌ كَانَ قَدْ نَوَى التَّمَتُّعَ فِي أَوَّلِ إِحْرَامِهِ، أَوْ فِي أَثْنَائِهِ، أَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ وَسَعَى، ثُمَّ بَدَا لَهُ التَّمَتُّعُ ; لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَصِّرَ مِنْ شَعْرِهِ، وَيُؤَخِّرَ الْحِلَاقَ إِلَى إِحْلَالِهِ مِنَ الْحَجِّ، فَيَكُونُ قَدْ قَصَّرَ فِي عُمْرَتِهِ وَحَلَقَ فِي حَجَّتِهِ، وَلَوْ حَلَقَ أَوَّلًا لَمْ يُمْكِنْهُ فِي الْحَجِّ حَلْقٌ، وَلَا تَقْصِيرٌ، وَبِذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ، فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: " «أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرِدًا، فَقَالَ لَهُمْ: أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافٍ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدَّمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً، فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ، فَقَالَ: افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ فَلَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَفَعَلُوا».
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ
стр. 1011
مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، ... الْحَدِيثَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يُحِلُّوا الْحِلَّ كُلَّهُ، وَأَنَّهُمْ لَبِسُوا الثِّيَابَ، وَأَتَوُا النِّسَاءَ.
وَلَوْ حَلَقَ جَازَ، وَقَدْ رَوَى يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحَجِّ فَلَمَّا قَدِمَ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يُقَصِّرْ وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ الْهَدْيِ، وَأَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَطُوفَ وَأَنْ يَسْعَى وَيُقَصِّرَ أَوْ يَحْلِقَ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ; إِحْدَاهُنَّ: لَا يَنْحَرُ هَدْيَهُ، وَلَا يَحِلُّ مِنْ إِحْرَامِهِ بِتَقْصِيرٍ وَلَا غَيْرِهِ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ سَوَاءٌ قَدِمَ مِنْ مَكَّةَ فِي الْعَشْرِ أَوْ قَبْلَهُ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ - حَنْبَلٍ: إِذَا قَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَقَدْ سَاقَ الْهَدْيَ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَهُ، وَالْعَشْرُ أَوْكَدُ إِذَا قَدِمَ فِي الْعَشْرِ لَمْ يَحِلَّ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ فِي الْعَشْرِ وَلَمْ يَحِلَّ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فَيُمْنَعُ مِنَ الْإِحْلَالِ وَالنَّحْرِ سَوَاءٌ كَانَ مُفْرِدًا لِلْحَجِّ، أَوْ مُتَمَتِّعًا، أَوْ قَارِنًا، وَهَذَا مِمَّا اسْتَفَاضَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ: " «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 1012
- ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، فَسَاقَ الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءِ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيَحِلَّ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ نَحْرُ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، وَالْبَرَاءِ، وَغَيْرِهِمْ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ جَمِيعَ أَصْحَابِهِ أَنْ يُحِلُّوا إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ».
وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ أَصْحَابُهُ بِحَجٍّ فَلَمْ يَحِلَّ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَحَلَّ بَقِيَّتُهُمْ، وَكَانَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فِيمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلَمْ يَحِلَّ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَقُمْ عَلَى إِحْرَامِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ فَحَلَلْتُ، وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ هَدْيٌ فَلَمْ يَحِلَّ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
стр. 1013
«وَعَنْ أَبِي مُوسَى: " أَنَّهُ أَهَلَّ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ».
وَكَانَ عَلِيٌّ قَدْ أَهَلَّ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَسَاقَ الْهَدْيَ فَلَمْ يَحِلَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ: نُصُوصٌ فِي أَنَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ لَا يَحِلُّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ سَوَاءٌ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أَوْ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَنَعَ كُلَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنَ الْإِحْلَالِ، وَقَدْ كَانَ فِيهِمُ الْمُتَمَتِّعُ وَالْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْمُتَمَتِّعَ، وَلَوْ جَازَ الْحِلُّ لِلْمُتَمَتِّعِ لَوَجَبَ اسْتِثْنَاؤُهُ وَبَيَانُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ ; وَلِأَنَّهُ جَعَلَ سَوْقَ الْهَدْيِ هُوَ الْمَانِعَ مِنَ الْإِحْلَالِ وَلَمْ يُعَلِّقِ الْمَنْعَ بِغَيْرِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ مَانِعٌ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ كَمَا أَنَّهُ مَانِعٌ مِنَ الْفَسْخِ فِي حَقِّ الْمُفْرِدِ وَالْقَارِنِ، إِذْ لَوْ كَانَ هُنَاكَ مَانِعٌ آخَرُ لَبَيَّنَهُ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ لَهُ الْفَسْخُ سَوَاءٌ كَانَ خَاصًّا فِي حَقِّ الصَّحَابَةِ أَوْ عَامًّا لِلْمُسْلِمِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَمَتِّعِ فِي جَوَازِ الْإِحْلَالِ، فَلَمَّا مُنِعَ أَصْحَابُ الْهَدْيِ مِنَ الْإِحْلَالِ عُلِمَ أَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ مَانِعٌ مِنَ الْإِحْلَالِ حَيْثُ يَجُوزُ الْحِلُّ لِغَيْرِ السَّائِقِ.
وَلِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ نَصٌّ خَاصٌّ فِي الْمُتَمَتِّعِ إِذَا سَاقَ الْهَدْيَ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ وَيَقْضِيَ حَجَّتَهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَالْحَلْقُ: هُوَ أَوَّلُ التَّحَلُّلِ بِمَنْزِلَةِ السَّلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أُحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ " وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: " مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلَا يُحِلُّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ» " فَعُلِمَ أَنَّ الْإِحْلَالَ وَالنَّحْرَ لَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِحْلَالُ حَتَّى يَحِلَّ نَحْرُ الْهَدْيِ، وَلَا يَحِلُّ نَحْرُ الْهَدْيِ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ كَمَا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ
стр. 1014
نَحْرَ الْهَدْيِ مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ، وَتَقْلِيدُهُ لَهُ وَسَوْقُهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَامِ لِلرَّجُلِ، وَنَحْرُهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْلَالِ لِلرَّجُلِ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَالْمَحِلُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْحِلِّ، وَذَاكَ بِإِزَاءِ الْحَرَمِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ ذُو حَرَمٍ، وَإِنَّمَا يَنْقَضِي الْإِحْرَامُ يَوْمَ النَّحْرِ; لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إِنَّمَا يُتِمُّ نُسُكَهُ بِالْحَجِّ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ سَائِقَ الْهَدْيِ يُحِلُّ لِيُقَصِّرَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ إِنْ شَاءَ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ فَلَا، قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - فِي الَّذِي يَعْتَمِرُ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا وَمَعَهُ الْهَدْيُ: قَصِّرْ مِنْ شَعْرِكَ وَلَا تَمَسَّ شَارِبَكَ وَلَا أَظْفَارَكَ وَلَا لِحْيَتَكَ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ وَهُوَ حَرَامٌ.
فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ يَحِلُّ مِنَ التَّقْصِيرِ فَقَطْ، وَلَا يَحِلُّ مِنْ جَمِيعِ الْمَحْظُورَاتِ كَمَا يَحِلُّ الْحَاجُّ إِذَا رَمَى مِنْ بَعْضِ الْمَحْظُورَاتِ ; وَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: " قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «قَالَ لِي مُعَاوِيَةُ: إِنِّي قَصَّرْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الْمَرْوَةِ بِمِشْقَصٍ، فَقُلْتُ لَهُ: لَا أَعْلَمُ هَذِهِ إِلَّا حُجَّةً عَلَيْكَ» ".
стр. 1015
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ: " «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى مَاتَ، وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى مَاتَ، وَعُمَرُ حَتَّى مَاتَ، وَعُثْمَانُ حَتَّى مَاتَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ نَهَى عَنْهَا مُعَاوِيَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَعَجِبْتُ مِنْهُ، وَقَدْ حَدَّثَنِي أَنَّهُ قَصَّرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِيهِ لَيْثُ بْنُ سُلَيْمٍ.
وَعَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: " «أَخَذْتُ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ كَانَ مَعِي بَعْدَمَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ، قَالَ قَيْسٌ: وَالنَّاسُ يُنْكِرُونَ هَذَا عَلَى مُعَاوِيَةَ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرَوَى أَحْمَدُ نَحْوَهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ قَضَاءَ الْعُمْرَةِ يَقْتَضِي الْإِحْلَالَ، وَسَوْقَ الْهَدْيِ يَقْتَضِي بَقَاءَ الْإِحْرَامِ، فَحَلَّ بِالتَّقْصِيرِ خَاصَّةً تَوْفِيَةً لِحَقِّ الْعُمْرَةِ وَلِتَتَمَيَّزَ عَنِ الْحَجِّ، وَبَقِيَ عَلَى إِحْرَامِهِ مِنْ سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ لِأَجْلِ سَوْقِ الْهَدْيِ، لَا سِيَّمَا وَالتَّقْصِيرُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ النُّسُكِ الْمَحْضِ وَبَيْنَ اسْتِبَاحَةِ الْمَحْظُورَاتِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: إِنْ قَدِمَ فِي الْعَشْرِ لَمْ يَنْحَرْ وَلَمْ يَحِلَّ، وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ الْعَشْرِ نَحَرَ
стр. 1016
وَحَلَّ إِنْ شَاءَ، ثُمَّ هَلْ يَحِلُّ فِي الْعَشْرِ بِالتَّقْصِيرِ؟ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ ; لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْهُ أَنَّهُ يَحِلُّ بِهِ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى وَحَرْبٍ - فِيمَنْ قَدِمَ مُتَمَتِّعًا وَسَاقَ الْهَدْيَ: فَإِنْ قَدِمَ فِي شَوَّالٍ نَحَرَ الْهَدْيَ وَحَلَّ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ، وَإِذَا قَدِمَ فِي الْعَشْرِ أَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ وَلَمْ يَحِلَّ، فَقِيلَ لَهُ: «مُعَاوِيَةُ يَقُولُ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ»؟ فَقَالَ: إِنَّمَا حَلَّ بِمِقْدَارِ التَّقْصِيرِ وَيَرْجِعُ حَرَامًا مَكَانَهُ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا كَانَ قَبْلَ الْعَشْرِ نَحْرٌ وَلَا يَضِيعُ، لَا يَمُوتُ، لَا يُسْرَقُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، قَالَ: لِأَنَّ لَهُ قَبْلَ الْعَشْرِ أَنْ يَنْحَرَ الْهَدْيَ وَيَبْقَى بِلَا هَدْيٍ، وَفِي الْعَشْرِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْحَرَ الْهَدْيَ فَلَا يَتَحَلَّلُ، وَعَامَّةُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الْإِحْلَالِ إِذَا قَدِمَ فِي الْعَشْرِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَقَالَ الْقَاضِي - فِي خِلَافِهِ -: هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَقْتَضِي أَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ لَا يَمْنَعُ التَّحَلُّلَ عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا اسْتُحِبَّ لَهُ الْمُقَامُ عَلَى إِحْرَامِهِ إِذَا دَخَلَ فِي الْعَشْرِ ; لِأَنَّهُ لَا يَطُولُ تَلَبُّسُهُ بِالْإِحْرَامِ، وَإِذَا دَخَلَ قَبْلَ الْعَشْرِ طَالَ تَلَبُّسُهُ فَلَا يَأْمَنُ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ.
وَالطَّرِيقَةُ الْمَشْهُورَةُ، هِيَ الصَّوَابُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ إِنَّمَا قَدِمُوا فِي الْعَشْرِ، وَمَنَعَهُمْ
стр. 1017
مِنَ الْإِحْلَالِ لِأَجْلِ سَوْقِ الْهَدْيِ، فَثَبَتَ الْحُكْمُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَمَنْ قَدِمَ قَبْلَ الْعَشْرِ لَا يُشْبِهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمُدَّةَ تَطُولُ فَيُخَافُ أَنْ يَمُوتَ الْهَدْيُ، أَوْ يَضِلَّ، أَوْ يُسْرَقَ ; وَلِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَهَى الْمُضَحِّيَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ شَعْرِهِ أَوْ بَشَرِهِ»، فَالْمُتَمَتِّعُ الَّذِي مَعَهُ الْهَدْيُ أَوْلَى أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ وَبَشَرَهِ، وَمَا قَبْلَ الْعَشْرِ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِمَنْعِ الْمُضَحِّي، فَجَازَ أَنْ لَا يَكُونَ وَقْتًا لِمَنْعِ الْمُهْدَى.
وَلِأَنَّ الْعَشْرَ مِنْ أَوَّلِ أَوْقَاتِ النُّسُكِ وَفِيهَا تُضَاعَفُ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، وَشُرِعَ التَّكْبِيرُ الَّذِي هُوَ شِعَارُ الْعِيدِ، وَهِيَ الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ الَّتِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهَا عَلَى مَا رَزَقَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَلَهَا خَصَائِصُ كَثِيرَةٌ، فَجَازَ أَنْ يُؤَخَّرَ النَّحْرُ وَالْحِلُّ فِيهَا إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا.
وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَنْحَرُ الْهَدْيَ قَبْلَ الْعَشْرِ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ دَمَ الْمُتْعَةِ لَا يُنْحَرُ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا فَائِدَةُ النَّحْرِ جَوَازُ إِحْلَالِهِ مِنَ الْعُمْرَةِ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَحْكِي رِوَايَةً: أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ عَنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: لَوْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا فَهَلْ يَنْحَرُ الْهَدْيَ قَبْلَ الْعَشْرِ؟ وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ؟
وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى: اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ بِذَلِكَ.
وَهُمْ وَإِنْ قَدِمُوا فِي الْعَشْرِ لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ عَامَّةٍ
стр. 1018
فَقَالَ: ... ، وَلِأَنَّهُ «قَالَ لِأَصْحَابِهِ: " مَنْ كَانَ أَهْدَى فَلَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ» وَهَذَا نَهْيٌ عَنِ التَّحَلُّلِ بِالتَّقْصِيرِ وَغَيْرِهِ ; فَإِنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَكَيْفَ يَجُوزُ؟!
وَأَمَرَ الَّذِينَ لَمْ يَسُوقُوا الْهَدْيَ أَنْ يَتَحَلَّلُوا بِالتَّقْصِيرِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ - فِي التَّقْصِيرِ - بَعْدَ إِذْنِهِ فِيهِ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ دُونَ مَنْ سَاقَ؟ وَقَالَ عَنْ نَفْسِهِ: " «لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» " وَهَذَا نَصٌّ فِي اجْتِنَابِهِ كُلَّ الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ التَّقْصِيرِ وَغَيْرِهِ.
ثُمَّ هُمْ إِنَّمَا أَنْكَرُوا أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالتَّقْصِيرِ وَلَمْ يُقَصِّرْ، فَلَوْ كَانَ قَدْ قَصَّرَ زَالَ هَذَا، ثُمَّ هُوَ ﷺ قَدْ خَطَبَهُمْ بِهَذَا وَأَمَرَهُمْ بِهِ - وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ - وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَلَوْ كَانَ قَدْ قَصَّرَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ لَمْ يَخْفَ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَشْهَدِ الْعَظِيمِ، وَكَيْفَ يُقَصِّرُ وَلَمْ يَأْمُرْ غَيْرَهُ مِمَّنْ سَاقَ الْهَدْيَ بِالتَّقْصِيرِ؟!
وَمَنْ تَأَمَّلَ أَحَادِيثَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَحْوَالَهَا كَانَ كَالْجَازِمِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحِلَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ.
فَأَمَّا حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ فَحَدِيثٌ شَاذٌّ، وَقَدْ طَعَنَ النَّاسُ فِيهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا كَمَا أَخْبَرَ قَيْسٌ: فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَصَّرَ.
وَيُشْبِهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَصَّرَ مِنْ رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ، فَإِنَّهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ بَعْدُ.
وَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ الْمُتَّصِلَةُ إِنَّمَا فِيهَا أَنَّهُ قَصَّرَ مِنْ رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمَرْوَةِ بِمِشْقَصٍ، وَكَانَتْ عُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ لَيْلًا، فَانْفَرَدَ مُعَاوِيَةُ بِعِلْمِ هَذَا.
стр. 1019
أَمَّا حَجَّةُ الْوَدَاعِ فَكَانَ وُقُوفُهُ عَلَى الْمَرْوَةِ ضُحًى، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ حَوْلَهُ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِرِوَايَتِهِ الْوَاحِدُ، وَكَانَتِ الْجِعْرَانَةُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ.
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا: أَنَّهُ قَصَّرَ مِنْ رَأْسِهِ فِي الْعَشْرِ فَرِوَايَةٌ مُنْقَطِعَةٌ ; لِأَنَّ عَطَاءً لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُعَاوِيَةَ، وَمَرَاسِيلُهُ ضِعَافٌ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي لَمَّا سَمِعَ «عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَصَّرَ مِنْ رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِشْقَصٍ» اعْتَقَدَ أَنَّهُ فِي حَجَّتِهِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ دُخُولَهُ مَكَّةَ كَانَ فِي الْعَشْرِ فَحَمَلَ هَذَا عَلَى هَذَا.
يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ احْتَجَّ عَلَى مُعَاوِيَةَ بِرِوَايَتِهِ هَذِهِ فِي جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَهُمْ قَدْ كَانُوا يُسَمُّونَ كُلَّ مُعْتَمِرٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ، وَلِهَذَا سُئِلَ سَعْدٌ عَنِ الْمُتْعَةِ قَالَ: فَعَلْنَاهَا وَهَذَا كَانَ كَافِرًا بِالْعَرْشِ - يَعْنِي مُعَاوِيَةَ -، وَمُعَاوِيَةُ قَدْ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ فَعَلْنَا الْعُمْرَةَ فِي
стр. 1020
أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ مُعَاوِيَةُ، يَعْنِي عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ، فَكَيْفَ يَنْهَى عَنِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؟!
(فَصْلٌ)
فَإِنْ أَرَادَ الْمُعْتَمِرُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَجُوزَ لَهُ النَّحْرُ وَالتَّحَلُّلُ ; لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ حُكْمِ التَّمَتُّعِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْعَوْدِ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ وَلَا يَحُجَّ.
وَمَنْ كَانَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَتَمَتَّعَ وَتَطَوَّعَ بِهَدْيٍ فَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: يَنْحَرُهُ عَقِيبَ عُمْرَتِهِ ; لِأَنَّهُ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنِ اعْتَمَرَ وَلَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ.
وَالصَّوَابُ: ... .
(فَصْلٌ)
وَكَمَا أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّحَلُّلِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ نَحْرِ الْهَدْيِ الَّذِي سَاقَهُ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا إِذَا قَدِمَ فِي الْعَشْرِ، وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَهُ فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ بِهِمَا ; لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ سَاقُوا الْهَدْيَ كَانَ فِيهِمُ الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ وَالْمُتَمَتِّعُ، وَقَدْ مَنَعَ الْجَمِيعَ مِنَ النَّحْرِ وَالْإِحْلَالِ.
следующие страницы →