← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10815

أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (672 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها إعداد الدكتور محمد بن محمد المختار الشنقيطي رسالة الدكتوراة بقسم الجامعة الإسلامية - بالمدينة المنورة الناشر مكتبة الصحابة جدة - الشرقية هاتف ٦٥٢١٠٦٠ فاكس ٦٥٣٤٤٨٩

стр. 2

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فقد أذنت لإخوانى القائمين على مكتبة الصحابة بإعادة طباعة رسالتي للدكتوراه بعنوان: [أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها] وقد أذنت لهم بذلك على أن يلتزموا بتكاليف الطباعة وصف الكتاب من جديد, ونشره بمعرفتهم في دور النشر, وتكون لهم نسبه معينه يتفقون عليها بين الطرفين, على أنني لا أريد من الكتاب وقيمته شيئاً سوى الأجر والمثوبة من الله, حرر ذلك والله على ما نقول وكيل, على أن تكون هذة النسخة هي الطبعة الموافق عليها من قبلي دون غيرها حالياً. كتبه د/ محمد بن المختار بن محمد الشنقيطي ٢٥/ ١٢/١٤١٤ جمادى * * * حقوق الطبع محفوظة الطبعة الثانية ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شكر وتقدير الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن تبعه وبعد: فلا يسعني بعد إكمال هذه الرسالة إلا أن أحمد الله ﵎ وأشكره على عظيم نعمته، وجليل منَّته، وأسأله تعالى أن يبارك لي فيها وأن يجعلها عوناً لي على طَاعَته، ومحبته، ومرضاته وإنني لأشكر بعد شكر الله الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية على عظيم ما تقدمه من تعليم وتوجيه، سائلاً المولى أن يبقيها صرحاً من صروح العلم والإيمان، ومعقلاً من معاقل المعرفة والبيان. ثم إنني أتوجه بخالص شكري إلى فضيلة شيخي الجليل الدكتور محمد بن حمود الوائلي، الذي أفادني كثيرًا من علمه، وآرائه القيمة، سائلاً الله أن يحفظه وأن يبارك في علمه، وأن يجزيه عنا خير الجزاء. كما أتوجه بالشكر إلى لجنة المناقشة على ما أبدوه من ملاحظات وتوجيهات.

стр. 4

وإلى أصحاب الفضيلة العلماء جزيل الشكر على ما أفادوني به من آراء واقتراحات قيمة، وأخص منهم صاحب الفضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبا زيد الذي أفادني بآرائه القيمة، ومؤلفاته المفيدة، فله مني جزيل الشكر، ومن الله عظيم المثوبة والأجر. كما أتوجه بالشكر إلى جميع الأطباء ومساعديهم، وكل من أفادني برأي، أو معلومة سائلاً الله تعالى أن يجزي الجميع خيرًا. وإلى الإخوة القائمين على مكتبة الصحابة بمدينة جدة جزيل الشكر على قيامهم بطبع الرسالة ونشرها. وختامًا أسأل الله العظيم أن يتقبل مني هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، موجبًا للفوز بجنانه ورضوانه العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه.

стр. 5

المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فإن من أهم المهمات، وآكد الفرائض والواجبات، أن يعرف العبد حكم رب العالمين، ويتفقه فيما نزل به من مسائل الشرع والدين، حتى يعبد الله على بصيرة المهتدين، فيكون بذلك على نهج الأنبياء والمرسلين: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف (١٠٨)]. والناس في حاجة ماسة إلى من يعينهم على ذلك من العلماء والباحثين، فيسهل لهم السبيل إلى معرفة حكم الشرع في المسائل، خاصة فيما جدَّ منها من نوازل.

стр. 6

أهمية الموضوع وسبب اختياره: ولقد وجدت الفرصة مناسبة، حينما أكرمني الله تعالى بفضله؛ فالتحقت بشعبة الفقه من قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية في مرحلة الدكتوراة، فأحببت أن يكون لي نصيب، وإن كنت لا أرى نفسي أهلاً لذلك، ولا من فرسان تلك المسالك، ولكن من الله أستمد العون، وأستلهم الصواب والتوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل. ولقد نظرت في مسائل الفقه بغية اختيار موضوع منها، فوجدت موضوع الجراحة الطبية من أهم تلك المسائل، وتتعلق به مباحث، كثيرًا ما سمعت من الأطباء والمختصين أنهم بحاجة ماسة إلى جمع شتاتها وبيان حكم الشرع فيها. فاستشرت من يوثق بعلمه، فحثَّني على ذلك وحضَّني، واستخرت الله تعالى فانشرح لذلك صدري، فعزمت مستعينًا بالله على اختياره والكتابة فيه، وقد تلخصت دوافع الاختيار فيما يلي: أولاً: حاجة الناس عامةً، والأطباء خاصة، إلى معرفة حكم الشرع في كثير من مسائل الجراحة الطبية الحديثة. ثانيًا: أنني لم أجد، حسب علمي واطلاعي، مَنْ أفردَ أحكام الجراحة الطبية ببحث مستقل على الوجه المطلوب.

стр. 7

ثالثاً: أن الأطباء إذا لم تتوفر لهم الدراسات والبحوث الشرعية المتعلقة بهذا الموضوع وأمثاله؛ فإنهم سيلجئون إلى القوانين الوضعية، والعرف الطبي طلبًا للخروج من المشاكل التي يعانون منها. رابعًا: أن طرْقَ مثل هذا الموضوع، والعناية ببيان أحكامه الشرعية فيه معونة على البر والتقوى، وذلك مندوب إليه شرعًا. خامسًا: تحقق الفائدة العلمية المرجوة في طَرْقِ هذا الموضوع نظرًا لما يشتمل عليه من مسائل وقواعد وأصول يستفيد الباحث من دراستها وبيانها. خطة البحث: قسمت مادة هذا البحث إلى مقدمة، وأربعة أبواب، وخاتمة. أما المقدمة فقد بينت فيها أسباب اختياري للموضوع، وأهميته وخطَّة البحث، ومنهجي فيه، وأهم الصعوبات التي واجهتني. وأما الأبواب الأربعة فهي مشتملة على ما يلي: الباب الأول: في التعريف بالجراحة الطبية، وفيه ثلاثة

стр. 8

فصول: الفصل الأول: في تعريف الجراحة الطبية، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في تعريف الجراحة لغة واصطلاحًا. المبحث الثاني: في تعريف الطب لغة واصطلاحًا. المبحث الثالث: في تعريف الجراحة الطبية الحديثة. الفصل الثاني: في تاريخ الجراحة الطبية، وفيه مبحثان: المبحث الأول: في الجراحة الطبية في العصور القديمة. المبحث الثاني: في فضل علماء الطب المسلمين في تطوير الجراحة ونماذج من إسهاماتهم. الفصل الثالث: في مشروعية الجراحة الطبية، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في موقف الشريعة الإسلامية من تعلم الطب والجراحة الطبية. المبحث الثاني: في الأدلة الشرعية على جواز الجراحة الطبية. المبحث الثالث: في شروط جواز الجراحة الطبية.

стр. 9

الباب الثاني: في الجراحة المشروعة، والجراحة المحرمة، وفيه فصلان: الفصل الأول: في الجراحة المشروعة، وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: في الجراحة العلاجية. المبحث الثاني: في جراحة الكشف. المبحث الثالث: في جراحة الولادة. المبحث الرابع: في جراحة الختان. المبحث الخامس: في جراحة التشريح. المبحث السادس: في جراحة التجميل الحاجية. الفصل الثاني: في الجراحة المحرمة، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في جراحة التجميل التحسينية. المبحث الثاني: في جراحة تغيير الجنس. المبحث الثالث: في الجراحة الوقائية. الباب الثالث: في أحكام الممهدات والعمل الجراحي، وفيه فصلان: الفصل الأول: في أحكام المراحل الممهدة للعمل الجراحي، وفيه أربعة مباحث:

стр. 10

المبحث الأول: في أحكام الفحص الطبي. المبحث الثاني: في أحكام التشخيص. المبحث الثالث: في أحكام الإذن بفعل الجراحة. المبحث الرابع: في أحكام التخدير. الفصل الثاني: في أحكام العمل الجراحي، وفيه أحد عشر مبحثًا: المبحث الأول: في القطع. المبحث الثاني: في الاستئصال. المبحث الثالث: في الشق. المبحث الرابع: في نقل وزرع الأعضاء. المبحث الخامس: في الثَّقْب. المبحث السادس: في الكحْت وتوسيع الرحم. المبحث السابع: في إعادة العضو المبتور. المبحث الثامن: في زرع الأعضاء المصنوعة. المبحث التاسع: في الرَّتْق. المبحث العاشر: في الكَيّ. المبحث الحادي عشر: في الخياطة.

стр. 11

الباب الرابع: في المسئولية والمسائل الجراحية، وفيه فصلان: الفصل الأول: في المسئولية عن الجراحة، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في أركان المسئولية، وأقسامها، ومشروعيتها. المبحث الثاني: في المسئولية الأخلاقية في الجراحة. المبحث الثالث: في المسئولية المهنية في الجراحة. الفصل الثاني: في مسائل الجراحة الطبية، وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: في رخص العبادات. المبحث الثاني: في مسائل الشروط. المبحث الثالث: في مسائل الطواريء. المبحث الرابع: في مسائل الأعضاء. المبحث الخامس: في مسائل التخدير. المبحث السادس: في مسائل الإجارة. وأما الخاتمة فإنها تشتمل على أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث.

стр. 12

منهجى فى البحث: أولاً: اعتنيت ببيان نوعي الجراحة، المشروع والمحرم، ثم فصَّلت فيهما ببيان صور كل منهما مع الأمثلة، والأدلة على المشروعية، والحرمة. ثانيًا: بينت مراتب الحاجة الداعية إلى فعل الجراحة في النوع المشروع، وقسّمتها إلى مرتبة ضرورية، وحاجية، وصُغرى، مع التمثيل لها، وبيان حكمها. ثالثًا: اعتنيت بالتمهيد لكل مرحلة من مراحل الجراحة الطبية بما يعين على تصوّرها؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقد استفدت كثيرًا من ذلك التمهيد، ثم بينت تلك المراحل مرتبة على حسب واقع الجراحة حتى يسهل على الأطباء الرجوع إلى الأحكام المتعلقة بكل مرحلة. رابعًا: اعتنيت بتخريج المهمات والأعمال الجراحية على القواعد الفقهية المقررة عند أهل العلم، ﵏، عند تعذر وجود النصوص الشرعية الدالة على حكمها. خامساً: اعتنيت ببيان المسائل الخلافية المتعلقة بجزئيات البحث، سواء كانت من المسائل القديمة التي اشتهر فيها الخلاف بين أهل العلم ﵏ أو كانت من المسائل النازلة

стр. 13

التي جدت، وطرأت في العصر الحاضر. وأعتني عند بيانها بذكر الأقوال مع النسبة، ثم أذكر الأدلة مع بيان وجه دلالتها، ثم القول الراجح وسبب رجحانه. وأعتني بمناقشة القول المرجوح عند بيان سبب الترجيح إلا في مسألة نقل وزرع الأعضاء الأَدمية حيث اعتنيت بذكرها قبل الترجيح وبعد الأدلة. سادسًا: اعتنيت ببيان المهمات المتعلقة بالعمل الجراحي، واخترت منها ما كان مشهورًا، ويعتبر أصلاً لغيره، ثم ذكرت المسائل الخلافية المتعلقة به. سابعًا: وأما آثار الجراحة فقد تعرضت لها في مباحث المسائل والمسئولية، فبينت ما يتعلق منها بالعبادات كالرخص وإيجاب القضاء للصلوات، وإسقاط المؤاخذة عن المريض أثناء تخديره، ومصير الأعضاء بعد بترها، وآثار عقد الإجارة عليها، من حيث اللزوم، والفسخ، واستحقاق الأجرة. ثامنًا: وأما المسئولية فقد تكلمت على نوعيها: الأدبي، والمهني، واعتبرت النوع المهني أساسًا لها، نظرًا لعناية العلماء ﵏ به، فذكرت فيه الجهة المسئولة ومشروعية إثبات الموجب، والآثار المترتبة على ثبوته من إيجاب القصاص والضمان والتعزير.

стр. 14

تاسعًا: اعتنيت بعزو الآيات القرآنية بذكر اسم السورة، ورقمها في الترتيب، ورقم الآية المستشهد بها. عاشراً: اعتنيت بتخريج الأحاديث النبوية من مصادرها، فإن كان الحديث متفقًا عليه أو في أحد الصحيحين اعتنيت بعزوه إليهما أو إلى أحدهما دون ذكر لكتب السنة الأخرى التي أخرجته، وأما إن كان في غيرهما فإنني أعتني ببيان من أخرجه، وقد أشير إلى حكم العلماء ﵏ عليه من حيث الصحة والضعف. حادي عشر: اعتنيت بتعريف الألفاظ والمصطلحات الطبية في أكثر المواضع، وقد يفوتني شيء من ذلك، لعدم تيسر المصادر التي اعتنت بتعريفه، وقد رجعت في تلك التعريفات إلى كتب الموسوعات الطبية في الغالب. ثاني عشر: إذا عزوت القول بالحكم في مسألة اعتنيت بأخذه من مصادره المعتمدة ككتب المؤلف أو الأبحاث التي اعتنت بنقله، ولا أذكر قولاً بدون بيان مصدره المثبت لصحة نسبته. ثالث عشر: اعتنيت بذكر تراجم الأعيان والأشخاص المذكورين في صلب الرسالة ماعدا رواة الأحاديث من الصحابة، وأعتني بذكر ترجمة العَلَم الوارد في غير النقل، وقد

стр. 15

أعتني بترجمته إذا ورد في النقل ولا ألتزم بذلك. رابع عشر: اعتنيت بالنقل الحرفي لإثبات صحة النسبة؛ نظراً إلى أن هذا الموضوع ليس كغيره من المواضيع الشرعية التي يمكن الاقتصار فيها على العزو دون ذكر النص، ثم اعتنيت بالتعليق لإيضاح موضع الشاهد نظراً لحاجة المستفيدين من الأطباء إلى ذلك. أهم الصعوبات التى واجهتني: لقد واجهتني في كتابة البحث صعوبات أهمها ما يلي: أولاً: عدم وجود كتابات سابقة خاصة من المؤلفين المتأخرين؛ فتعبت كثيرًا في تحديد معالم الموضوع ومجال الكتابة فيه. ثانيًا: عدم وجود مراجع عربية متخصصة في المملكة العربية السعودية، مما دفعني إلى السفر إلى الخارج حيث انتدبت من قبل الجامعة الإسلامية للسفر إلى جمهورية مصر العربية؛ بغية الحصول على ما تيسر منها هناك، وأما المراجع الموجودة بداخل المملكة العربية السعودية فقد تعبت كثيرًا في البحث عنها وجمعها. ثالثًا: التزمت بالنقل من الكتب والمصادر دون الاعتماد

стр. 16

على الأقوال الشخصية، نظراً لاختلاف الأطباء؛ وهذا الأمر دفعني إلى كثرة القراءة في الكتب الطبية، ثم الرجوع إلى الأطباء المختصين لإثبات المعلومة التي توصلت إليها بعد فهمها بواسطتهم. فوجدت في ذلك صعوبة كبيرة خاصة في مسألة الحكم على كون صورة الجراحة أو العمل من الصور الضرورية، أو الحاجية، وقد أخذ ذلك مني وقتًا طويلاً .. رابعًا: تفرق المادة العلمية في الكتب الشرعية، وقد مكثت قرابة نصف العام، في بداية البحث، لجمعها، ولمِّ شتاتها. ونظرًا لاختلاف مناهج العلماء ﵏ في ذكرها في المظانِّ؛ فقد تعبت كثيرًا في التوصل إليها، ثم في تقسيمها على جزئيات البحث ومسائله. خامساً: عدم وجود بحوث في المسائل المستجدة كمسألة أحوال التشخيص، ومخالفة الواقع لنتيجته، ومصير الأعضاء، وغيرها من المسائل التي لم أجد من تكلم عليها وأشار إلى حكمها؛ فاضطررت إلى بيان حكمها، ويعلم الله كم ترددت في ذلك، ولولا خوف كتمان العلم لما جرؤت على بيان تلك الأحكام المتعلقة بها. وأحمد الله ﵎ على ما منَّ به عليَّ من التيسير والتسهيل، وأسأله جل وعلا أن يتجاوز عن زللي وخطئي وأن

стр. 17

يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم نافعًا يوم العرض عليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 18

الباب الأول في (التعريف بالجراحة الطبية) ويشتمل هذا الباب على ثلاثة فصول: الفصل الأول: فى تعريف الجراحة الطبية. الفصل الثانى: في الجراحة الطبية قديماً وحديثاً. الفصل الثالث: في مشروعية الجراحة الطبية.

стр. 19

الفصل الأول في (تعريف الجراحة الطبية)

стр. 20

تمهيد يشتمل المعرَّف "الجراحة الطبية" على صفة وموصوف؛ لذلك لابد من تعريف الصفة ثم الموصوف، ثم بعد ذلك يمكن تعريفهما باللقب. والتعريف اللقبي سيكون مرتبطًا بمعنى الجراحة الطبية في العصر الحديث. وبعد إيراد هذه التعاريف سأتكلم على بعض الجوانب التي يمكن معها تصور معالم موضوع الرسالة، سائلاً المولى جلت قدرته أن يمدني بالتوفيق والسداد. وبيان جميع ما تقدم في مباحث ثلاثة على النحو التالي: المبحث الأول: تعريف الجراحة لغة واصطلاحًا. المبحث الثاني: تعريف الطب لغة واصطلاحًا. المبحث الثالث: تعريف الجراحة الطبية الحديثة. وبيان هذه المباحث فيما يلي:

стр. 21

المبحث الأول في (تعريف الجراحة لغة واصطلاحًا) ويشتمل هذا المبحث على مطلبين: المطلب الأول: في تعريف الجراحة لغة. المطلب الثاني: في تعريف الجراحة اصطلاحًا. وبيان كل منهما يتضح فيما يلي:

стр. 22

المطلب الأول في (تعريف الجراحة في اللغة) الجراحة في اللغة مأخوذة من الجرح، يقال: جَرَحَهُ، يَجْرَحُه، جَرْحًا، إذا أثر فيه بالسلاح، وهي اسم للضربة؛ والطَّعنة، وجمعها جراح كدجاجة جمعها دجاج، وتجمع على جراحات أيضًا (١). وتستعمل مادة جرح في الدلالة على معنى الكسب، فيقال: جرح الشيء، واجترحه بمعنى كسبه (٢)، ومنه قولهم: " فلان جارح أهله" بمعنى كاسبهم (٣). وفي التنزيل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُِِم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ... ﴾ (٤). أي يعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار (٥).

стр. 23

كما يستعمل الجرح بمعنى العيب، والانتقاص، فيقال: جرحه بلسانه جرحًا أي عابه وانتقصه، ومنه جرحت الشاهد إذا أظهرت فيه ما ترد به شهادته (١). إلا أن هذا الاستعمال الأخير -أعني العيب والانتقاص- يعتبر من قبيل المجاز فهو جرح معنوي، وليس بحسي كجرح السلاح (٢). والمعنى الأول للجرح وهو أثر السلاح هو المعنى المناسب لعنوان هذه الرسالة وذلك لأن الجراحة الطبية مشتملة على شق الجلد، واستئصال الداء، وبتر الأعضاء وقطعها بمبضع الجراح وآلته التي هي في حكم السلاح وأثرها كأثره ... والله أعلم. * * *

стр. 24

المطلب الثانى في (تعريف الجراحة اصطلاحًا) تعتبر الجراحة عند الأطباء فرعًا مستقلاً من الفروع الطبية، يشتمل على مهام معينة، ويتقيد بضوابط محدودة؛ لذلك اصطلح الأطباء على تعريف الجراحة بتعريف مستقل يحدد المفهوم منها عند أهل الاختصاص، وقد أشار ابن القف (١) إلى ذلك التعريف بقوله: "صناعة ينظر بها في تعريف أحوال بدن الإنسان من جهة ما يعرض لظاهره من أنواع التفرق في مواضع مخصوصة، وما يلزمه" (٢). اهـ. ثم شرح هذا التعريف بقوله: قولنا: "صناعة": يجري مجرى الجنس (٣) لجميع الصنائع. وقولنا: "في تعريف": لأن المدرك منها أمور جزئية.

стр. 25

وقولنا: "ينظر بها في تعريف أحوال بدن الإنسان" تمييز لها عن التي لا ينظر بها في أحوال بدن الإنسان (١). وقولنا: "من جهة ما يعرض لظاهره من أنواع التفرق" تمييز لها عن نظر الطبائعي (٢) في أحوال بدن الإنسان الغير التفرقية، والتفرقية الباطنية كدبيلات الكبد (٣). والمعدة، وقرحة الرئة، وغيرها مما قد عرف في صناعة الطب (٤).

стр. 26

وقولنا: "في مواضع مخصوصة": تمييز لها عن نظر الكحال في تفرقات العين. وقولنا: "وما يلزمه": أي من معرفة المفردات (١) والمركبات (٢) التي لا تتم معالجته إلا بمعرفتها " (٣).اهـ. وفي هذا التعريف وشرحه بيان لاختصاص الجراحة بالتفرقات الظاهرة في مواضع مخصوصة، وهذا إنما كان في العصور القديمة حيث لم تكن الجراحة بالشكل المتطور حاليًا، فلم يكن هناك تدخل جراحي لعلاج كثير من الأمراض الجراحية التي في داخل جسد الإنسان، وإنما كان ذلك من اختصاص الطبائعي الذي يقتصر على علاجها بالعقاقير. كما دل التعريف وشرحه على خروج نظر الكحال الذي كان من اختصاصه علاج جراحات العين وتفرقاتها، على عكس الجراحة الطبية الحديثة التي تشمل ضمن اختصاصاتها جراحة العيون. * * *

стр. 27

المبحث الثاني في (تعريف الطب لغة واصطلاحًا) يشتمل هذا المبحث على مطلبين: المطلب الأول: تعريف الطب لغة. المطلب الثاني: تعريف الطب اصطلاحًا. وبيان كل منهما يتضح فيما يلي:

стр. 28

المطلب الأول في (تعريف الطب فى اللغة) الطب: بطاء مثلثة هو علاج الجسم، والنفس، يقال: طَبَّهُ، طبّاً إذا داواه (١). وأصل الطب الحذق في الأشياء، والمهارة فيها، ولذلك يقال لمن حذق بالشيء وكان عالمًا به: طبيباً (٢). وجمع الطبيب أطباء، وأطبَِّة، الأول جمع كثرة، والثاني جمع قلة (٣). وتستعمل مادة طب في اللغة بمعنى سحر فيقال: فلان مطبوب: أي مسحور (٤). وهذا على سبيل التفاؤل، فإن العرب تطلق بعض الألفاظ الدالة على السلامة، وتستعملها فيما يضادها من باب الفأل، فسموا اللديغ سليماً، والمهلكة مفازة، تفاؤلاً بالسلامة والفوز، وهكذا هنا سموا المسحور مطبوبًا. كما تستعمل مادة طب في الدلالة على الشأن، والعادة، والدهر، فيقال: ما ذاك بطبي، أي بشأني، وعادتي، ودهري، وهو استعمال مجازي أيضًا (٥).

стр. 29

وقد تستعمل مادة طب في الدلالة على نية الإنسان وإرادته كما ورد ذلك في قول الشاعر: " إن يكُنْ طِبُّكِ الفِرَاقَ فَإِن البَـ ... ـيْنَ أنْ تَعْطِفِي صُدور الجمَال " (١) أي أن تكن نيتُك، وإرَادتُك. والمعنى المتعلق من هذه المعاني بعنوان البحث هو المعنى الأول، وهو علاج الجسم، والنفس ... والله تعالى أعلم. * * *

стр. 30

المطلب الثاني في (تعريف الطب اصطلاحا) اختلف الأطباء فى بيان حد الطب، وتعريفه الاصطلاحي على ثلاثة أقوال هي: القول الأول: هو "علم يعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يعرض لها من صحة وفساد" (١). ونُسب هذا القول لقدماء الأطباء، ولابن رشد الحفيد (٢). القول الثاني: هو "علم بأحوال بدن الإنسان يحفظ به حاصل الصحة، ويسترد زائلها" (٣). ونسب هذا القول لجالينوس (٤)، ...................

стр. 31

واختاره داود الأنطاكي (١) في تذكرته (٢). القول الثالث: هو "علم يعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصح، ويزول عن الصحة ليحفظ الصحة حاصلة، ويستردها زائلة". وهذا القول لابن سينا (٣). وهذه التعريفات وإن اختلفت ألفاظها وعباراتها، إلا أنها متقاربة في المعنى والمضمون، لكن يؤخذ على التعريف الأول أنه اعتبر الصحة والمرض فرعين عارضين، والحقيقة والواقع بخلاف ذلك، فإن الصحة تعتبر أصلاً والمرض وحده هو الفرع والعارض الذي يطرأ

стр. 32

عليها (١). وقد اعتبر هذا أصحاب التعريف الثاني والثالث وسلموا من ورود الاعتراض عليهم فأشاروا إلى أن الصحة أصل بقولهم: "يحفظ به حاصل الصحة، ويسترد زائلها"، وقولهم: "ليحفظ الصحة حاصلة، ويستردها زائلة". وهذه ميزة لكلا التعريفين الثاني والثالث على التعريف الأول. وامتاز التعريف الثالث بالجمع بين دلالة التعريفين الأول والثاني دون ما اعتراض به على التعريف الأول. كما امتاز على التعريف الثاني بتحديد وجهة التعرف على أحوال بدن الإنسان حيث خصها بقوله: "من جهة ما يصح، ويزول عن الصحة"، وهذا أبلغ لأنه قيد في المعرف كما سيأتي عند شرح هذا التعريف -إن شاء الله تعالى- ولهذا فإنه من المناسب اختيار هذا التعريف دونهما لشرح مفرداته وبيان محترزاته وبالله التوفيق. * * *

стр. 33

شرح التعريف المختار: قوله: "علم يتعرف منه": العلم ضد الجهل، ومعناه إدراك الشيء على حقيقته وهو هنا شامل لفرعي الطب: النظري، والعملي لأنه جنس (١). قوله: "يتعرف": أي يتوصل به إلى المعرفة، وهي ضرب من العلم. وقوله: "منه": أي بسببه، والضمير عائد إلى العلم، فكأنه قال: "علم يتوصل بسببه إلى معرفة ... ". وقوله: "أحوال بدن الإنسان": الأحوال: جمع حال، وحال الشيء طبعه وصفته (٢). والمراد به هنا: الصحة والمرض كما درج عليه صاحب التعريف (٣)، ويكون جمعها من باب إطلاق الجمع على الاثنين. وقيل: أحوال بدن الإنسان ثلاثة: صحة، ومرض، وحالة متوسطة بينهما (٤). والمراد بهذه العبارة بيان محل المعرفة، وهي قيد تخرج به العلوم

стр. 34

الأخرى التي لا تتعلق ببدن الإنسان. وقوله: "من جهة": أي من ناحية. وقوله: "ما يصح": أي صحته، فما مصدرية، والصحة ضد المرض، وهي هيئة بدنية تكون الأفعال بها لذاتها سليمة (١). وقوله: "ويزول عن الصحة": أي ينحرف ويميل عنها، لأن الزوال عن الشيء معناه الميل عنه (٢). والمراد بهذه العبارة القسم الثاني من أقسام أحوال بدن الإنسان وهو المرض الذي يعرض للبدن فيخرجه عن حال الاعتدال والصحة (٣). وهذه العبارة إن قيل: إن أحوال بدن الإنسان حالان فلا إشكال، لأنها دالة على الحالة الثانية المقابلة لحالة الصحة التي أشار لها المعرف في الجملة السابقة، وهي على هذا التقدير موافقة لمذهب المعرف الذي يرى أن أحوال بدن الإنسان حالتان الصحة والمرض (٤). وإن قيل إن أحوال بدن الإنسان ثلاثة فإنها تكون متضمنة للحالتين

стр. 35

الباقيتين وهما: المرض، والحالة المتوسطة بين الصحة والمرض. ووجه تضمنها: أن كلتا الحالتين يصح وصفهما بالزوال عن الصحة، وبهذا يندفع الاعتراض الوارد على المعرف من قبل مخالفيه الذين يقولون إن أحوال بدن الإنسان ثلاثة (١). وخرج بقيد: "من جهة ما يصح ويزول عن الصحة": النظر في بدن الإنسان من حيث طبيعته وهو ما يسمى بالنظر في الطبيعيات (٢). وقوله: "ليحفظ الصحة حاصلة": اللام للتعليل، أي من أجل حفظ الصحة. وحفظ الصحة: صيانتها ببذل الأسباب الموجبة لبقائها بإذن الله تعالى. وحاصلة: حال، أي حفظ الصحة حال وجودها. وقوله: "ويستردها زائلة": يستردها: يسترجعها، وذلك ببذل الأسباب الموجبة لرجوعها بإذن الله تعالى، والضمير في "يستردها" عائد إلى الصحة. وزائلة: حال من قوله يستردها، وزوال الصحة عبارة عن فقدها، والمعنى: يسترد الصحة حال فقدها.

стр. 36

والمقصود بعبارة: "ليحفظ الصحة حاصلة، ويستردها زائلة". بيان الغاية من النظر في بدن الإنسان وهي المحافظة على صحة الإنسان حال وجودها، والسعي في ردها حال فقدها، وكل ذلك بتعاطي الأسباب المؤثرة والموجبة لذلك بإذن الله تعالى، وهذه هي غاية الطب وهدفه. * * *

стр. 37

المبحث الثالث في (تعريف الجراحة الطبية الحديثة) الجراحة الطبية الحديثة أو ما يسمى في عرف الأطباء والناس اليوم باسم "العملية الجراحية" تعتبر إحدى فروع الطب المختصة بعلاج الأمراض بالعمل الجراحي, وما يستلزمه من عناية بعده (١). وقد جاء تعريفها في الموسوعة الطبية التي أشرف على تأليفها مجموعة من الأطباء المختصين بما يلي: "إجراء جراحي بقصد إصلاح عاهة، أو رَتْقِ تَمَزُّق، أو عطب أو بقصد إفراغ صديد أو سائلٍ مَرَضيٍّ آخر أو لاستئصَال عضو مريض، أو شاذ" (٢). شرح التعريف: قولهم " إجراء جراحي": أي عمل جراحي، وقد تقدم تعريف الجراحة (٣). وقولهم "جراحي": قيد يخرج الفروع الطبية الأخرى التي يتم فيها علاج الأمراض بغير الجراحة. وقولهم " بقصد إصلاح عاهة": الباء للتعليل، أي لقصد، وقصد الشيء طلبه (٤)، والإصلاح ضد الإفساد، والعاهة الآفة (٥).

стр. 38

والمراد بهذه العبارة بيان جزء من هدف الإجراء الجراحي المتقدم وهو علاج الآفة التي تصيب موضعاً من جسد الإنسان مثل القرحة التي تصيب المعدة، ويتم علاجها بالجراحة (١). قولهم " أو رتق تمزق": أو للتنويع، والمراد بهذا الإشارة إلى نوع آخر من مقاصد الجراحة، والرتق: الضم والالتحام (٢)، والتمزق: التفرق (٣)، وعلى هذا يكون المراد برتق التمزق ضم ما تفرق من العضو المصاب بجرح ونحوه، ومن أمثلة ذلك جروح الأسلحة التي يقوم الطبيب الجراح بعلاجها، وذلك بتنظيفها ثم ضم أطرافها وخياطتها لتلتحم ببعضها فيرجع الموضع المصاب لحالته الطبيعية (٤). ويدخل في رتق التمزق رتق الفتوق (٥) كما هو حادث في علاج فتوق البطن التي تقع بسبب ضعف أنسجة جدار البطن وتمزقها (٦). قولهم "أو عطب": هكذا في النسخة المطبوعة، ولعل الصواب أو عصب لتعذر إرادة معنى العطب الذي هو الهلاك (٧) في هذا الموضع، ومن رتق العصب بالجراحة ما يجري في علاج الفتوق المؤثرة على الجهاز العصبي كفتق النواة اللبية الرقبية، وفتق النواة اللبية القطنية (٨).

стр. 39

قولهم "أو بقصد إفراغ صديد، أو سائل مرضي آخر": الإفراغ: الإخلاء يقال فرغ الشيء إذا خلا (١)، والصديد: هو السائل الأصفر المائع الذي يوجد داخل الأنسجة الملتهبة (٢). وقولهم "أو سائل مرضي ... ": معطوف على صديد، أي إفراغ سائل مرضي آخر. والمراد بقولهم "أو بقصد إفراغ صديد ... إلخ": الإشارة إلى نوع آخر من مقاصد الجراحة وهو إفراغ السوائل المرضية سواء كانت صديدًا أو غيره. ومن أمثلة هذا النوع من الجراحة ما يجري في تنظيف الجروح الملتهبة المشتملة على القيح والصديد حيث يقوم الطبيب الجراح بإفراغها من تلك المواد المضرة وتنظيف الجروح منها، وخياطتها بعد ذلك (٣). ومن أمثلته في الجراحة التي في داخل الجسد الأكياس المائية التي تسمى بالأكياس الكلبية وهي تشتمل على مادة سائلة شبيهة بالماء، وتعتبر مرضًا من الأمراض التي لا تعالج إلا بالجراحة (٤). وقولهم "أو لاستئصال عضو مريض أو شاذ": أو للتنويع، كما

стр. 40

تقدم وهذه الجملة تشتمل على مقصد آخر من مقاصد الجراحة. واستئصال الشيء قلعه من أصوله (١)، والعضو: كل عضو وافر من الجسد (٢) ومريض صفة لعضو وقد تقدم تعريف المرض (٣). ومن أمثلة استئصال العضو المريض استئصال الزائدة الملتهبة، والعضو الشاذ (٤) مثل الناب الزائد إذا تضرر منه صاحبه .... والله أعلم. * * *
следующие страницы →