← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10815

أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (672 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والمقصود بعبارة: "ليحفظ الصحة حاصلة، ويستردها زائلة". بيان الغاية من النظر في بدن الإنسان وهي المحافظة على صحة الإنسان حال وجودها، والسعي في ردها حال فقدها، وكل ذلك بتعاطي الأسباب المؤثرة والموجبة لذلك بإذن الله تعالى، وهذه هي غاية الطب وهدفه. * * *

стр. 37

المبحث الثالث في (تعريف الجراحة الطبية الحديثة) الجراحة الطبية الحديثة أو ما يسمى في عرف الأطباء والناس اليوم باسم "العملية الجراحية" تعتبر إحدى فروع الطب المختصة بعلاج الأمراض بالعمل الجراحي, وما يستلزمه من عناية بعده (١). وقد جاء تعريفها في الموسوعة الطبية التي أشرف على تأليفها مجموعة من الأطباء المختصين بما يلي: "إجراء جراحي بقصد إصلاح عاهة، أو رَتْقِ تَمَزُّق، أو عطب أو بقصد إفراغ صديد أو سائلٍ مَرَضيٍّ آخر أو لاستئصَال عضو مريض، أو شاذ" (٢). شرح التعريف: قولهم " إجراء جراحي": أي عمل جراحي، وقد تقدم تعريف الجراحة (٣). وقولهم "جراحي": قيد يخرج الفروع الطبية الأخرى التي يتم فيها علاج الأمراض بغير الجراحة. وقولهم " بقصد إصلاح عاهة": الباء للتعليل، أي لقصد، وقصد الشيء طلبه (٤)، والإصلاح ضد الإفساد، والعاهة الآفة (٥).

стр. 38

والمراد بهذه العبارة بيان جزء من هدف الإجراء الجراحي المتقدم وهو علاج الآفة التي تصيب موضعاً من جسد الإنسان مثل القرحة التي تصيب المعدة، ويتم علاجها بالجراحة (١). قولهم " أو رتق تمزق": أو للتنويع، والمراد بهذا الإشارة إلى نوع آخر من مقاصد الجراحة، والرتق: الضم والالتحام (٢)، والتمزق: التفرق (٣)، وعلى هذا يكون المراد برتق التمزق ضم ما تفرق من العضو المصاب بجرح ونحوه، ومن أمثلة ذلك جروح الأسلحة التي يقوم الطبيب الجراح بعلاجها، وذلك بتنظيفها ثم ضم أطرافها وخياطتها لتلتحم ببعضها فيرجع الموضع المصاب لحالته الطبيعية (٤). ويدخل في رتق التمزق رتق الفتوق (٥) كما هو حادث في علاج فتوق البطن التي تقع بسبب ضعف أنسجة جدار البطن وتمزقها (٦). قولهم "أو عطب": هكذا في النسخة المطبوعة، ولعل الصواب أو عصب لتعذر إرادة معنى العطب الذي هو الهلاك (٧) في هذا الموضع، ومن رتق العصب بالجراحة ما يجري في علاج الفتوق المؤثرة على الجهاز العصبي كفتق النواة اللبية الرقبية، وفتق النواة اللبية القطنية (٨).

стр. 39

قولهم "أو بقصد إفراغ صديد، أو سائل مرضي آخر": الإفراغ: الإخلاء يقال فرغ الشيء إذا خلا (١)، والصديد: هو السائل الأصفر المائع الذي يوجد داخل الأنسجة الملتهبة (٢). وقولهم "أو سائل مرضي ... ": معطوف على صديد، أي إفراغ سائل مرضي آخر. والمراد بقولهم "أو بقصد إفراغ صديد ... إلخ": الإشارة إلى نوع آخر من مقاصد الجراحة وهو إفراغ السوائل المرضية سواء كانت صديدًا أو غيره. ومن أمثلة هذا النوع من الجراحة ما يجري في تنظيف الجروح الملتهبة المشتملة على القيح والصديد حيث يقوم الطبيب الجراح بإفراغها من تلك المواد المضرة وتنظيف الجروح منها، وخياطتها بعد ذلك (٣). ومن أمثلته في الجراحة التي في داخل الجسد الأكياس المائية التي تسمى بالأكياس الكلبية وهي تشتمل على مادة سائلة شبيهة بالماء، وتعتبر مرضًا من الأمراض التي لا تعالج إلا بالجراحة (٤). وقولهم "أو لاستئصال عضو مريض أو شاذ": أو للتنويع، كما

стр. 40

تقدم وهذه الجملة تشتمل على مقصد آخر من مقاصد الجراحة. واستئصال الشيء قلعه من أصوله (١)، والعضو: كل عضو وافر من الجسد (٢) ومريض صفة لعضو وقد تقدم تعريف المرض (٣). ومن أمثلة استئصال العضو المريض استئصال الزائدة الملتهبة، والعضو الشاذ (٤) مثل الناب الزائد إذا تضرر منه صاحبه .... والله أعلم. * * *

стр. 41

الفصل الثاني في (الجراحة الطبية قديمًا وحديثاً)

стр. 42

تمهيد لما كان المقصود من هذا الباب إعطاء صورة واضحة عن الجراحة الطبية يمكن من خلالها التعرف عليها وعلى مراحلها، كان من المناسب بيان شيء من تاريخها، مع العناية بإبراز فضل علماء الطب المسلمين في تطوير علم الجراحة، والوسائل التي يتم بها تطبيقه. ثم يتبع ذلك الحديث عن الجراحة الطبية الحديثة، والذي يشتمل على بيان اختصاصاتها، ومهمة الفريق الجراحي التي يقوم بها، والمراحل التي تمر بها الجراحة، حتى يتسنى بعد ذلك بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بها. فالحديث في هذا الفصل عن جميع ما تقدم سيكون في المبحثين التاليين: المبحث الأول: الجراحة الطبية في العصور القديمة، وفضل علماء الطب المسلمين في تطويرها. المبحث الثاني: الجراحة الطبية في العصر الحديث.

стр. 43

المبحث الأول في [الجراحة الطبية في العصور القديمة وفضل علماء الطب المسلمين فى تطويرها] يشتمل هذا المبحث على مطلبين: المطلب الأول: الجراحة الطبية في العصور القديمة. المطلب الثاني: فضل علماء الطب المسلمين في تطوير الجراحة ونماذج من إسهاماتهم.

стр. 44

المطلب الأول في (الجراحة الطبية في العصور القديمة) من المعلوم بداهة أن الإنسان في مختلف العصور معرض للإصابة بالآفات والأمراض الجراحية المختلفة، وذلك بسبب وجود الأشياء الموجبة لحدوثها من حروب، وحوادث، وحيوانات مفترسة، لذلك فإنه يحتاج إلى علاجها وتدبيرها بالجراحة اللازمة. وقد ذكرت بعض المراجع العلمية التي تحدثت عن تاريخ الطب أن الإنسان في العصور القديمة كان له إلمام بالجراحة الطبية، وأنه قام بتطبيقها، ولكن بصورة تعتبر بداية لما وصلت إليه الجراحة في العصر الحاضر من رقي وازدهار (١). وقد استندت هذه المراجع في إثبات ذلك على جملة من الدلائل التي توصل إليها من خلال الآثار القديمة التي تم اكتشافها. فقد تبين منها أن الإنسان في تلك العصور قام بفعل عدد من الجراحات لعلاج بعض الآفات الجراحية التي تصيب العين، والأنف، والأذن، والجمجمة، وغيرها من أجزاء الجسم. ففي مصر اكتشفت بعض الآثار المنقوشة، والصور المنحوتة تبين من خلالها أن قدماء المصريين كانوا على معرفة ببعض المهام الجراحية خاصة ما يتعلق منها بجراحة الأسنان، حيث وصفت تلك الآثار عملية

стр. 45

تصريف خراجات الأسنان عن طريق الثقب، وعملية حشو الأسنان، وزرعها التي يعتبر قدماء المصريين هم أول من عرفها ووصفها ثم أخذها عنهم اليونانيون بعد ذلك، كما وصفت تلك الآثار عملية تثبيت الأسنان بالأسلاك وجراحة الأسنان التعويضية (١). كما عرف قدماء الهنود الجراحة الطبية حيث وصفوا عددًا من مهامها في كتبهم، ومن أشهر ما وصفوا عملية التربنة المشهورة، وهي إزالة جزء من عظم القحف نتيجة إصابة الرأس. وكذلك اعتنوا بوصف عملية إصلاح الأنف، والأذن المقطوعة، واليد المتآكلة بسبب الآفة المرضية (٢). وكذلك وجدت بعض الآثار القديمة التي ترجع إلى العصر البابلي، ومن جملتها بعض القوانين المكتوبة تشتمل بعض موادها على أحكام تتعلق بالجراحة، ومنها أن الطبيب الجراح لو عالج مريضًا بالجراحة ثم مات ذلك المريض أو تلف عضو من أعضائه بسبب الجراحة فإنه يعاقب بقطع يده. وكذلك اشتملت بعض فقرات تلك القوانين على بيان حد الأجرة التي تعطى للطبيب الجراح إذا عالج مريضًا بالجراحة ثم شفي ذلك المريض من علته (٣).

стр. 46

ومن خلال هذه العبارات تبين أن الجراحة الطبية كانت موجودة في تلك العصور، وأنها لقيت بعض الاهتمام نظرًا لما يترتب عليها من المصالح والمنافع ... وفي العهد اليوناني كانت الجراحة الطبية موجودة، واعتنى أطباء اليونان بتطويرها وأسهموا في تآليفهم ببيانها والحديث عن بعض أنواعها التي لم يسبقوا إلى معرفتها وتطبيقها، ومن أشهر الأطباء المبرزين الذين ساهموا في الكتابة عن الجراحة في مؤلفاتهم "أبقراط" (١) حيث اعتنى في مؤلفاته الطبية بالكتابة عن عدد من المهام الجراحية، فتكلم عن علاج الأورام بالجراحة خاصة الأورام الموجودة في الأنف وكذلك اعتنى بالحديث عن علاج الكسور بالجراحة، وأفرد جانبًا من جوانب الجراحة بالتأليف المستقل وهو علاج القروح، والجروح الموجودة في الرأس، فألف كتابه المسمى "بالقروح وجراحات الرأس"، كما ألف كتابًا آخر في الخلع والجبر (٢). وكذلك اعتنى غيره من أطباء اليونان بالكتابة عن بعض أنواع

стр. 47

الجراحة التي لم تسبق الكتابة عنها في العصور السابقة للعصر اليوناني، ومن تلك الأنواع التي أسهموا في بيانها والكتابة عنها جراحة المسالك، والفتوق، وكذلك جراحة البتر (١). ولما جاء جالينوس اعتنى عناية فائقة بالطب فألف فيه التآليف التي سار عليها من بعده، واعتنى بعلم الجراحة الطبية، فكان أول من كتب في علم التشريح الذي هو من أهم العلوم التي تعين على فهم الجراحة وتطبيقها (٢). * * *

стр. 48

المطلب الثاني فضل علماء الطب المسلمين في تطوير الجراحة ونماذج من إسهاماتهم عاشت أوربا في العصور الوسطى سنوات طويلة في ظلام دامس من الجهل وتعتبر هذه الفترة فترة ركود حضاري بالنسبة لها. وفي الوقت نفسه كانت البلاد الإسلامية تعيش حياة علمية مزدهرة، حتى أصبحت في ذلك الحين محط الرحل لطلاب العلم والمعرفة الذين يقصدونها، خاصة من البلاد الأوربية طمعًا في الحصول على المعارف والفنون التي نبغ المسلمون فيها نبوغًا عظيمًا. وتفجرت ينابيع المعرفة على أيدي جهابذة العلماء المسلمين في شتى العلوم والمعارف، حتى شمل ذلك علوم الطب، والحساب، والفلك، وغيرها من العلوم الأخرى. وأمسكت تلك الأيدي الأمينة بزمام الحضارة العلمية، وقادتها بعقولها الفذة التي صقلتها روحانية الكتاب، والسنة، فسمت بها إلى ذروة المجد والعلياء. وكان من ضمن ما نبغ فيه علماء المسلمين في تلك العصور المزدهرة علم الطب على اختلاف تخصصاته، والتي من ضمنها

стр. 49

الجراحة الطبية. فقد كانت الجراحة الطبية في العصور الإسلامية الأولى تعتبر صنعة ممتهنة، وكان علماء الطب المسلمين من الأوائل يترفعون عن القيام بها وأدائها، وكانوا يسمونها "عمل اليد"، وكانت آنذاك من مهمة الحجامين الذين يقومون بالكي، والفصد والحجامة، وبتر الأعضاء تحت إشراف الأطباء وإرشاداتهم (١). ثم لم تمضِ مدة حتى نبغ علماء الطب المسلمون في تطوير الجراحة الطبية والإسهام في تقدمها حتى وصلت إلى درجة عالية من الدقة والمهارة، وذلك بفضل الله تعالى، ثم بفضل جهودهم المخلصة التي تمثلت في جوانب عديدة ساعدت على الوصول إلى هذه الغاية. فقد كانوا أول من أفرد علم الجراحة الطبية بالكتابة عنه في مواضع مخصوصة من كتبهم الطبية، ثم بالتأليف المستقل الذي يجمع شتاته، ويعتني بصياغته في أسلوب علمي بديع، وقد اعتنوا في تلك المؤلفات ببيان عدد من أنواع الجراحة الطبية التي لم يسبقوا إلى معرفتها، وقاموا بوصف مراحلها في كتبهم لأول مرة في التاريخ، ومن تلك الأنواع التي بينوها ما يلي: (١) عملية تفتيت الحصى الموجود في المثانة. (٢) عملية تجبير الكسور الموجودة في الأنف.

стр. 50

(٣) عملية فتح القصبة الهوائية (١). (٤) عملية استئصال اللوزتين (٢). (٥) عملية فتح الخراج الموجود في اللهاة (٣) (٦) عملية قطع اللحم النابت في الأذن. (٧) عملية ثقب الأذن المسدود. ومع اكتشافهم لهذه الأنواع ووصفهم لها لأول مرة في التاريخ نجدهم أيضًا قد تكلموا على بعض المعلومات المهمة جدًا في علم الجراحة، وكانوا أول من نبه عليها، ومن تلك المعلومات تفريقهم بين الأورام الخبيثة (السرطانية) (٤) والزوائد اللحمية، حيث وضعوا بعض الأمارات والعلامات التي يمكن للطبيب أن يستهدي بها لمعرفة نوعية الورم هل هو خبيث فيتجنبه، أم هو من الزوائد اللحمية التي يمكن استئصالها ومداواتها بالجراحة.

стр. 51

ويعتبر عبد الملك بن زهر ﵀ (١) أول طبيب جراح قام بوصف جراحة الجهاز التنفسي، وذلك في كتابه الفريد في الطب "التيسير في المداواة والتدبير" (٢). كما كان الرازي ﵀ (٣) أول من تكلم على الفوارق التي يميز بها بين نوعي النزيف (النزيف الشرياني، والوريدي)، كما تكلم على جراحة الكسور والجبائر فجاء بآراء في غاية الصحة. كما نبه على الطرق التي يمكن بواسطتها إيقاف النزيف الشرياني والسيطرة عليه. وكان أيضًا أول من استعمل الفتائل في أثناء العمل الجراحي، وكذلك الأنابيب التي يمر فيها الصديد والقيح، والإفرازات السامة.

стр. 52

ويعتبر الأطباء المسلمون أول من استعمل التخدير في الجراحة الطبية، حيث اخترعوا الأسفنجة المخدرة (١)، وكذلك كانوا أول من استعمل الخيوط المصنوعة من أمعاء الحيوان في تخييط الجروح (٢). وإضافة إلى ما سبق فإننا نجد الأطباء المسلمين قد اعتنوا بجانب آخر له أهمية كبيرة في علم الجراحة الطبية، ويعتبر مفتاحًا لفهمها، وإتقانها، وهو جانب التشريح الذي إذا تعلمه الطبيب، وأتقنه تمكن من أداء مهمة الجراحة بيسر وسهولة دون أن يعرض حياة المريض للخطر، ولذا قال الزهراوي (٣) ﵀ "من لا يبرع في التشريح لابد أن

стр. 53

يقع في خطأ قد يؤدي بحياة المريض" اهـ (١). ويعتبر الزهراوي أحد أعلام الجراحة الطبية المبرزين، الذين كانت لهم الخبرة الواسعة في معلوماتها وتطبيقاتها وكان علم الجراحة قبل ظهوره من العلوم الممتهنة، حتى كان الأطباء يترفعون عن أداء بعض المهام ويكلونها إلى الحجامين، والحلاقين، ويقتصرون على الإشراف والتوجيه، وكانوا يسمون مهمته: (بعمل اليد) (٢) وقد أشار الزهراوي ﵀ إلى ذلك بقوله: " ... رأيت أن أكمله لكم بهذه المقالة التي هي جزء من العمل باليد، لأن العمل باليد مخسة في بلادنا، وفي زماننا معدوم البتة حتى كاد أن يندرس عمله وينقطع أثره ... " (٣) اهـ. ولكن ما إن ظهر كتابه "التصريف" حتى احتل علم الجراحة الصدارة بين الفروع والعلوم الطبية الأخرى، وكان لمؤلفه الزهراوي فضل السبق إلى إحيائه بعد أن كاد أن يدرس رسمه، وينقطع أثره (٤).

стр. 54

قال الشيخ أحمد بن محمد المقري (١) ﵀: "وكتاب التصريف لأبي القاسم خلف بن عياش الزهراوي، وقد أدركناه وشاهدناه، ولئن قلنا: إنه لم يؤلف في الطب أجمع منه، ولا أحسن للقول، والعمل في الطبائع لنصدقن" اهـ (٢). ونظرًا لما له من الفضل الكبير بعد الله تعالى في تقدم الجراحة الطبية من بعده، رأيت من المناسب الكلام على نماذج من إسهاماته في علم الجراحة الطبية. نماذج من إسهامات الزهراوي في علم الجراحة الطبية: إن الحديث عن هذا العَلَم الإسلامي، وذكر نماذج من إسهاماته في علم الجراحة الطبية ليس هو من باب التعصب والحياد، ولكنه من باب المعرفة أولاً، ثم من باب إظهار فضل ذي الفضل، لكي يعرف بفضله فينصف بإعطائه قدره، وحقه خاصة إذا جحد الأعداء ذلك الفضل، وغمطوه حقه حسدًا، ونسبوه إلى أنفسهم زورًا وبهتانًا فحينئذ يكون الحديث عن فضله فيه إظهار للحق، وإبطال للباطل، وكشف عن زيف الأعداء وكذبهم حتى لا ينخدع به أبناء المسلمين (٣).

стр. 55

وإضافة إلى ما سبق فإن إظهار فضل علماء الطب المسلمين في هذا الجانب أو غيره إنما هو في الحقيقة إظهار لفضل الإسلام نفسه وفيه دعوة للتمسك به، والالتزام الكامل لمبادئه وآدابه وشرائعه، لأن السلف ﵏ إنما نبغوا وفاقوا غيرهم بسبب ذلك. وقد كان للزهراوي ﵀ إلمام كبير بعلم الجراحة الطبية لم يقف عند معرفته لما سبقه إليه غيره من علماء الطب وحُذَّاقه، بل تعدى ذلك كله إلى درجة الاكتشاف وعمل المهام الجراحية التي لم يسبق إلى عملها من قبل، ثم وصفه لها وصفًا دقيقًا في مؤلفه. كما ابتكر بعض الآلات الجراحية ورسمها وبين كيفية استعمالها، وتطبيق المعلومات الجراحية بواسطتها، وهذا أسلوب لم يسبقه إليه أحد غيره ممن كتب في العلوم الطبية، أو تحدث عن آلاتها. فقد كان الأطباء من قبله يعتنون بالوصف الكتابي دون الرسم الإيضاحي الذي انتهجه الزهراوي ﵀ في كتابه "التصريف" واعتنى به عناية فائقة، ويعتبر كتابه هذا رائدًا في علم الجراحة الطبية، وقد استفاد منه علماء الطب والجراحون الأوربيون وغيرهم على مدى

стр. 56

قرون عديدة (١). وقد تحدث ﵀ في كتابه "التصريف" عن العلوم الطبية بمختلف فروعها ومجالاتها، وأفرد للجراحة الطبية موضعًا معينًا من ذلك الكتاب النفيس، وهو [المقالة الثلاثون]، ويعد ذلك أول من اعتبر الجراحة فرعًا مستقلاً، وأول من أفرد معلوماتها بمبحث مستقل بعد أن كانت متناثرة ومندرجة تحت أبواب الفروع الطبية الأخرى (٢). وقد مهد ﵀ بهذه المقالة الطريق أمام المشتغلين بعلم الجراحة، وكان له فضل كبير على جميع الجراحين الذين جاءوا من بعده سواء كانوا من المسلمين أو من غيرهم (٣)، وقد تأثر به من كتب في

стр. 57

علم الجراحة من بعده فأفردها بمباحثها حتى جاء ابن القف فألف فيها كتابًا مستقلاً وهو "العمدة في الجراحة". ومع جمع الزهراوي ﵀ لمادة علم الجراحة في هذه المقالة، فإنه قد جاء فيها بالعجب في الجراحات المبتكرة التي لم يسبقه أحد إلى فعلها والكتابة عنها (١).

стр. 58

فها هو في جراحة العيون يتكلم عن علاج الناصور الدمعي ويصف الدواء المتمثل في ثلاث طرق: الكي، وسكب الرصاص الذائب في قاعه، والجراحة التي يتم بها الشفاء من علته بإذن الله تعالى. ونصح بإجراء الجراحة بعد فشل الطريقتين السابقتين، وهذه الجراحة تتمثل في إجراء فتحة بين الكيسيه الدمعية، وغشاء الأنف المخاطي عبر عظم الأنف، وهي طريقة -كما يقول بعض المختصين- توصف لأول مرة في التاريخ (١). وفي هذا النوع من الجراحة -جراحة العيون- ذكر عددًا من الآلات الجراحية التي لم يسبقه أحد لوصفها، مثل المكواة التي تختص بكي الجلد الذي تحت الحاجب والمبضع الأملس الذي استحدثه لأول مرة في التاريخ لإجراء الجراحات المتعلقة بتسليح الصنفرة (٢). وفي جراحة الأنف والأذن والحنجرة تكلم على نماذج من جراحة الأنف ومنها استئصال الزوائد اللحمية الموجودة في الأنف، فبين أولاً أنواعها، وما الذي يستأصل منها والذي لا يستأصل، ثم بين الطريقة التي يسلكها الجراح لاستئصاله ولم يقف عند ذلك الحد، بل اعتنى بذكر الطواريء التي قد تطرأ في بعض الأحوال أثناء قيام الجراح بمهمته

стр. 59

مثل النزف، والورم الحار، ثم بين له ما ينبغي عليه فعله عند حدوثها، ولم يقف عند ذلك بل فرض احتمال العجز عن التمكن من الاستئصال فاقترح طريقًا بديلاً عن سابقه، فدلل بذلك كله على شخصيته الفذة التي أحكمتها التجارب وامتازت بالمعرفة الواسعة. وفي جراحة الحنجرة تكلم عن عملية استئصال اللوزتين، وذلك في الفصل الخامس والثلاثين كما تكلم عن شق الحنجرة بسبب الورم الذي يحدث في داخل الحلق، وذلك في الفصل الثالث والثلاثين ووصف في جميع ذلك الآلات الجراحية التي يستعملها الجراح، وكان وصفه في جميع ذلك في غاية الوضوح والدقة (١) مع عنايته المستمرة بتنبيه الجراح على الأمور التي تنبغي مراعاتها أثناء قيامه بمهمته، والمخاطر والصعوبات التي قد تواجهه وكيفية التغلب عليها عند حدوثها (٢). وفي جراحة الفم والأسنان تكلم ﵀ عن هذا النوع من الجراحة في أكثر من ثلاثة فصول من تلك المقالة، ووصف لأول مرة -كما شهد ذلك بعض المختصين- عملية جرد الأسنان والطريقة التي تتم بها، والآلات التي يحتاجها الجراح في مهمتها.

стр. 60

كما تحدث عن عملية قلع الأضراس، وأصولها، وإخراج الفكوك المكسورة وفي ذلك يقول بعض الأطباء المختصين: "والفصل الحادي والثلاثون في قلع أصول الأضراس، وإخراج عظام الفكوك المكسورة يظهر لنا عبقرية الزهراوي وقدرته على الابتكار، فلم يسبق لأحد أن كتب عن هذا الموضوع بهذا التفصيل وتلك الدقة التي تدل على خبرة هائلة" (١) اهـ. ويقول أيضًا: "والفصل الثاني والثلاثون هو أول ما كتب في تاريخ الطب عن تقويم الأسنان الذي أصبح الأن علمًا قائمًا بذاته ... " (٢) اهـ. وفي جراحة الفم يصف عملية استئصال الورم المتولد تحت اللسان على شكل الضفدعة، ويقرر بعض الأطباء الغربيين أن هذه الحالة لم يسبق لأحد أن وصفها قبل الزهراوي" (٣). وفي جراحة المسالك البولية ابتكر الزهراوي ﵀ عملية غسل المثانة واستحدث لها بعض الآلات التي لم تزل تستخدم إلى يومنا هذا. ويعتبر أول من وصف ما يسمى الآن بعملية تفتيت الحصاة، وفي الفصل الثاني والستين تكلم عن الطريقة التي يتم بها الشق على الأدرة المائية، ويقول بعض الأطباء المعاصرين بعد ذكره لمحتوى تلك الجراحة: "أما طريقة إجراء العملية الجراحية في يومنا هذا فلا تكاد

стр. 61

تفترق عما وصفه الزهراوي من عشرة قرون" اهـ (١). وفي الجراحة الباطنية تكلم عن علاج الفتوق، فبين الطريقة التي يتم بها علاج فتق السرة بعد بيان أسباب ذلك الفتق، وذكر المخاطر التي قد تعترض الجراح أثناء قيامه بمهمته وكيفية التغلب عليها ولا يزال المبدأ الأساسي في جراحة الفتق السري باقياً إلى يومنا هذا كما وصفه الزهراوي منذ عشرة قرون كما يقول بعض الأطباء المعاصرين (٢). كما تحدث عن نماذج عديدة من الجراحة المتعلقة بالبطن، ووصفها وصفًا دقيقًا. وفي الجراحة العامة تكلم ﵀ عن علاج الأورام بالبط، والشق، ووصف العمل الجراحي اللازم لعلاجها، وأرسى ثلاثة مباديء تعتبر في غاية من الأهمية، وما زالت تُتَّبع إلى يومنا هذا وتدرس لطلاب الطب ومتعلمي الجراحة، ثم (٣) تكلم على نماذج من هذا النوع من الجراحة فوصف لأول مرة في التاريخ عملية جراحية لم يسبقه إليها أحد، وهي تتعلق بإزالة الورم الذي يعرض في الحلقوم من خارجه ويسمى فيلة الحلقوم، ويعرف في العصر الحاضر بتضخم الغدة

стр. 62

الدرقية (١) وهذا النوع من الجراحة من أغرب أنواع الجراحة الطبية وأشدها خطرًا حتى قال بعض الأطباء الجراحين الأمريكيين الكبار في بعض بحوثه الطبية: " ... هل يمكن إزالة الغدة الدرقية المتضخمة بالجراحة؟ إن التجربة تبين لنا أن الإجابة هي على وجه التأكيد بالنفي، أما إذا كان الجراح طائشًا لدرجة محاولة هذه الجراحة فسوف يكون محظوظاً لو عاش ضحيته حتى يكمل هذه المجزرة" (٢) اهـ. ومع هذا كله فإن الزهراوي ﵀ قام بإجراء هذه الجراحة، ووصفها وصفًا دقيقًا في الفصل الرابع والأربعين من مقالته (٣). هذا غيض من فيض، وقليل من الكثير الذي منحه الله لهذا الطبيب الجراح المسلم الذي أنار الطريق ومهده لمن جاء من بعده، إلى أن وصلت الجراحة الطبية في عصرنا الحاضر إلى هذه الدرجة العالية من التطور والرقي، ولذلك يقول بعض من كتب عن أثره في الجراحة: "لولا أن أوربا سارت على دربه ما وصلت الجراحة إلى ما

стр. 63

هي عليه الآن. فما وصلت إليه الجراحة الآن ما هو إلا جهد قرون من الزمان، وآلاف من الباحثين رسم لهم الزهراوي الطريق فساروا عليه ... ومن سار على الدرب وصل ... ويكفي أن نقول البداية نصف النجاح" (١) اهـ. ويقول بعض الأطباء الغربيين المعاصرين: " ... غي دي شولياك ١٢٦٧ م- ١٣٠٠ م تأثر بالزهراوي، وبهذا الجراح الفرنسي تبتدي سلسلة طويلة من الجراحين الفرنسيين وغيرهم ... وقد أثر تأثيرًا كبيرًا في الجراحين الذين جاءوا من بعده، فقد أقلع عن استعمال المبيدات، وعاد إلى استعمال المراهم، والزيت، والفتيل، مقتفيًا بذلك أثر الزهراوي" (٢) اهـ. فرحم الله الزهراوي برحمته الواسعة، وجزاه عن هذه الآثار الحميدة التي خفت بها الآلام، وزالت بها العلل خير الجزاء، والحمد لله أولاً وآخرًا. * * *

стр. 64

المبحث الثاني في (الجراحة الطبية في العصر الحديث) يشتمل هذا المبحث على مطلبين: المطلب الأول: في تخصصات الجراحة الطبية الحديثة. المطلب الثاني: في مهمة الفريق الجراحي.

стр. 65

المطلب الأول في (تخصصات الجراحة الطبية الحديثة) بلغت الجراحة الطبية في العصر الحاضر درجة عالية من الدقة والمهارة والنبوغ الذي لم يسبق له مثيل، حيث أمكن بفضل الله تعالى تحقيق كثير من الآمال في علم الجراحة، والتي كانت منذ عهد قريب يعد تحقيقها ضربًا من الخيال والمستحيل، ووصل العمل الجراحي إلى أعماق جسم الإنسان، وإلى أخطر شيء فيه وهو القلب. فقد تمكن الأطباء الجرَّاحون بفضل الله تعالى من إجراء الجراحات الدقيقة المتعلقة بصمام القلب، والشرايين التاجية، وقد كان من المستحيل إجراء هذه الجراحات الدقيقة المتعلقة بهذين الموضعين نظرًا لخطورتها وصعوبتها. كما أمكن بفضل الله إجراء الجراحات الدقيقة الخطيرة في الدماغ الذي يعتبر أعقد شيء في جسم الإنسان، وكان من المستحيل دخول الجراحة إليه منذ عهد قريب جدًا (١). كل ذلك تحقق بفضل الله تعالى ثم بفضل التخصص الجراحي الذي كان له أعظم الأثر في تطور الجراحة الطبية نظريًا وتطبيقيًا، وذلك لأنه يمكن الطبيب من الاستيعاب التام، والتصور الشامل لما تخصص فيه، الأمر الذي يثمر الإتقان، ويساعد على الإلمام بالجوانب المهمة ذات الصلة، ويمهد السبيل أمامه لاكتشاف الجديد المفيد.

стр. 66

والتخصص في علم الجراحة في العصر الحاضر أصبح منتشرًا في جميع الكليات، والأقسام العلمية، والمستشفيات الحكومية والأهلية، وشمل أغلب أجزاء الجسم، ولا يزال تخصص الدراسات الطبية بالفروع المهمة والتوسع في ذلك موجودًا، إلا أنه منحصر في الدول المتقدمة والمستشفيات العالمية التي تمتلك الإمكانيات المساعدة على ذلك، وأشهر التخصصات الجراحية التي توجد في كثير من الكليات والمستشفيات الحكومية والأهلية حاليًا ما يلي: (١) الجراحة العصبية. (٢) جراحة العيون. (٣) جراحة الأنف والأذن والحنجرة. (٤) جراحة الفم والأسنان. (٥) جراحة القلب والأوعية الدموية. (٦) جراحة الصدر. (٧) جراحة البطن. (٨) جراحة المسالك البولية والأعضاء التناسلية. (٩) جراحة العظام. (١٠) الجراحة العامة. (١١) جراحة الأطفال. (١٢) جراحة النساء والولادة. (١٣) جراحة التجميل.

стр. 67

وقد تتوسع بعض المستشفيات فتفرد بعض الأمراض الجراحية بقسم خاص، مثل الأمراض السرطانية يتم إفراد جراحتها بمسمى "جراحة السرطان"، وإن كانت في الحقيقة مندرجة في هذه الفروع السابقة بحسب الموضع الذي يوجد فيه السرطان فتكون مندرجة في جراحة البطن إذا كان السرطان موجودًا في المعدة مثلاً، ونحو ذلك، إلا إنهم يفردونها بالتخصص فيها نظرًا لأهميتها والتخصص بهذه الدرجة لا يوجد إلا في بعض الدول المتطورة كما تقدم. * * *

стр. 68

المطلب الثاني في (مهمة الفريق الجراحي) تستلزم الجراحة وجود الطبيب الجراح (١) الذي يقوم بالعمل الجراحي، إضافة إلى أشخاص آخرين يقومون بمساعدته بأداء مهام أخرى لها صلة وثيقة بعمله الجراحي، وهم أخصائي التخدير، والممرضون أو الممرضات (٢). والطبيب الجراح هو الذي يتحمل المسئولية الكاملة عن العمل الجراحي، ولا يعتبر أخصائيًا له حق إجراء الجراحة الطبية وتحمل مسئولياتها إلا بعد أن يمضي سنوات معينة في حقل التعليم الطبي والتطبيق، حيث يمضي سنة كاملة يتدرب فيها بعد دراسته الطبية، ثم سنتين أو ثلاث طبيبًا مقيمًا بقسم الجراحة في المستشفى يحصل أثناءها على دبلوم التخصص، ويعد بعد ذلك أخصائيًا جراحيًا لكن ليس له الحق في القيام بالعمل الجراحي وحده إلا بعد مدة أخرى يقضيها تحت إشراف أحد الجراحين القدامى حسب العادة المتبعة في العرف الطبي (٣). وأما أخصائي التخدير فإنه يعتبر عضوًا من أعضاء الفريق الجراحي، ويتم تأهيله لذلك عن طريق التعليم الطبي، حيث يقوم

стр. 69

بدراسة علم التخدير والإنعاش والذي يعتبر من فروع التعليم الطبي في الكليات والمعاهد الطبية حاليًا. ويقوم أخصائي التخدير بفحص المريض قبل إجراء الجراحة وتخديره ليتعرف من خلال ذلك على حالة المريض الصحية ومدى كفاءة الجهاز التنفسي، وحساسيته تجاه المواد المخدرة، ليستطيع بعد ذلك أن يحدد نوعية المخدر وكميته التي سيعطيها للمريض، وله الحق في إبداء رأيه عن عدم صلاحية المريض، وامتناعه من تخديره بناء على ذلك (١). وإذا قام بتخدير المريض فإنه يتحمل المسئولية عن مراقبته وملاحظة حركات التنفس وقياس ضغط الدم، ويتخذ الحيطة اللازمة دون حصول أي تغير يضر بالمريض ويعرض حياته للهلاك، فيمنع لسان المريض من الاندفاع للخلف لئلا يختنق فيموت ويتخذ الاستعدادات الكافية للحيلولة دون الهبوط المفاجيء في ضغط الدم عند المريض وفي حالة توقف عمل القلب يقوم بتدليكه عن طريق خارجي، أو من خلال الحجاب الحاجز (٢). وبعد أن تنتهي الجراحة الطبية تبدأ مرحلة أخرى لعمل طبيب التخدير، وهي إفاقة المريض، وإعادته إلى حالته الطبيعية. وتستمر رعاية طبيب التخدير لمريضه لمدة أربع وعشرين ساعة على الأقل بعد إجراء الجراحة، بحيث يمكن تلافي أي مضاعفات قد تحدث للمريض بعد إجراء الجراحة (٣).

стр. 70

وأما الممرضون والممرضات فمهمتهم في الجراحة تقوم على التحضير لها قبل إجرائها، ومساعدة الجراحين أثناء قيامهم بمهتهم. فأما تحضيرهم للجراحة، فذلك يشمل تحضير المريض نفسيًا وجسديًا، وتحضير الأدوات والآلات اللازمة أثناء العمل الجراحي حسب الجراحة المطلوبة، ثم الإشراف على تمريض المريض بعد انتهاء الجراحة. أما تحضيرهم للمريض فإنه يشتمل على تهدئته، وتهيئته لتحمل مشاق الجراحة من الناحية النفسية. كما يشتمل على فحصه قبل الجراحة بيوم، فيقوم الممرض بقياس درجة حرارة المريض، ومعدل نبضه، وتنفسه، وضغط دمه، ثم يقوم بتسجيل جميع المعلومات في بطاقة المريض الخاصة. وفي هذه الحالة يتحمل مسئولية الإخبار عن كل حالة غير طبيعية يخشى من ضررها في المستقبل. ثم يقوم بإعطاء المريض الأدوية الخاصة واللازمة قبل الجراحة، كما يقوم بتفريغ مثانة المريض من البول قبل إدخاله للغرفة التي ستجرى فيها الجراحة (١). ويشتمل تحضير المريض -أيضًا- على تعقيم الموضع الذي ستجرى فيه الجراحة وتهيئته للعمل الجراحي بحلقه مثلاً إن كان فيه شعر كما يحدث ذلك في بعض أنواع الجراحة (٢).

стр. 71

ثم يقوم الممرض بتحضير جميع الأدوات والآلات الجراحية المطلوبة حسب نوعية الجراحة، ويعتني بتنظيفها وتعقيمها (١). وفي أثناء العمل الجراحي ينقسم الممرضون حسب المهمات المطلوبة منهم، فمنهم من يقوم بمناولة الطبيب الجراح آلات الجراحة التي يحتاجها، ومنهم من يقوم بتنظيفها، وإعادة تعقيمها بعد استعمال الطبيب الجراح لها تهيئة لاستعمالها ثانية، ومنهم من يقوم بمهمة إحضار ما يلزم من خارج غرفة الجراحة ويسمى بالممرض الدوار، أو الممرضة الدوارة. وتتخذ في حقه بعض الاحتياطات خشية أن يتسبب في تلويث الغرفة بالجراثيم نظرًا لخروجه إلى الأماكن غير المعقمة، ثم دخوله لغرفة الجراحة (٢). ويعتبر الممرض مسئولاً عن عد الآلات الجراحية، والقطع التي تم تحضيرها للجراحة قبل وبعد انتهاء العمل الجراحي، ولا يخيط الطبيب الجراح الجرح إلا بعد أن يقوم ذلك الممرض بِعَدِّ تلك القطع والآلات، وذلك خشية نسيان شيء منها داخل جسم المريض (٣) كما يحدث ذلك في بعض الأحيان (٤). * * *

стр. 72

الفصل الثالث في (مشروعية الجراحة الطبية)

стр. 73

تمهيد في هذا الفصل سيكون الحديث عن ثلاث جزئيات مهمة: الأولى: تتعلق ببيان موقف الشريعة الإسلامية من تعلم الطب عمومًا والجراحة الطبية على وجه الخصوص. والثانية: تتعلق ببيان موقفها من العمل الجراحي نفسه (أي تطبيق الجراحة وفعلها) من حيث الجملة. والثالثة: تتعلق بالشروط المعتبرة لجواز الجراحة الطبية. وعليه فإن الحديث في هذا الفصل عن هذه الجزئيات سيكون في ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في موقف الشريعة الإسلامية من تعلم الطب والجراحة الطبية. المبحث الثاني: في الأدلة الشرعية على جواز الجراحة الطبية. المبحث الثالث: في شروط جواز الجراحة الطبية. وبيانها فيما يلي:

стр. 74

المبحث الأول في (موقف الشريعة الإسلامية من تعلم الطب والجراحة الطبية) يعتبر علم الطب من العلوم المهمة في الحياة البشرية، وبتطبيقه تتحقق كثير من المصالح العظيمة والمنافع الجليلة، التي منها حفظ الصحة، ودفع ضرر الأسقام والأمراض عن بدن الإنسان، فيتقوى المسلم بذلك على طاعة ربه تعالى ومرضاته. ولعظيم ما فيه من المصالح والمنافع أباحت الشريعة الإسلامية تعلمه وتعليمه، وتطبيقه. قال الإمام محمد القرشي المعروف بابن الإخوة (١) ﵀: "الطب علم نظري عملي أباحت الشريعة تعلمه لما فيه من حفظ الصحة، ودفع العلل والأمراض عن هذه البنية الشريفة ... " (٢) اهـ. والناس في مختلف العصور والأزمنة محتاجون إلى وجود الطبيب الذي يسعى في معالجة مرضاهم، فيقوم برعايتهم، ودفع ضرر الأسقام والأمراض والجراحات عن أبدانهم بإذن الله تعالى، ولا يمكن لمجتمع

стр. 75

أن يعيش سالمًا بدون وجود الطبيب خاصة في حال انتشار الأمراض الوبائية التي تفتك في الظرف اليسير بالأمم والجماعات الكثيرة. فلابد للمجتمع من وجود الطبيب، وتختلف حاجته إليه بحسب اختلاف الظروف والأحوال وإذا لم تسد حاجة المجتمع إلى الأطباء فإن حياة الناس وأرواحهم ستكون مهددة بخطر الأمراض وجراحات الحروب والحوادث التي تفضي بهم إلى الموت والهلاك في الغالب. ولما كانت شريعتنا الإسلامية مبنية على الرحمة بالخلق، ودفع المشقة والحرج عنهم في التكاليف والتشريعات التي جاءت بها (١)، فإنها راعت تلك الحاجة التي لابد من سدها في المجتمعات المسلمة، فأجازت تعلم الطب، وتعليمه. قال الإمام النووي (٢) ﵀ "وأما العلوم العقلية فمنها ما هو فرض كفاية كالطب، والحساب المحتاج إليه. قال الغزالي (٣): ولا يستبعد عد الطب، والحساب من فروض
следующие страницы →