الحجامة محرمة لما فعلها، ولما أعطى الحجام تلك الأجرة، ولذلك قال عبد الله بن عباس ﵄ بعد روايته الحديث: "ولو كان سحتًا لم يعطه النبي ﷺ " (١).
ب- دليلهم من العقل:
استدلوا بالعقل من أربعة أوجه وهي:
الوجه الأول:
تجوز الإجارة على الحجامة كما تجوز على الختان والفصد بجامع كون كل منهما منفعة مباحة (٢).
الوجه الثاني:
تجوز الإجارة على الحجامة كما تجوز على الخياطة والبناء بجامع كون كل منهما منفعة مباحة (٣).
الوجه الثالث:
تجوز الإجارة على الحجامة كما تجوز على الرضاع بجامع وجود الحاجة إلى فعل كل (٤).
الوجه الرابع:
أن الحاجة داعية إلى فعل الحجامة والتداوي بها، وليس كل
стр. 597
إنسان يبذلها بدون مقابل، ففي منع الإجارة عليها حرج (١).
وأما كراهة أكل الحر لأجرة الحجامة، فقد استدلوا لها بالسنة والعقل أيضًا:
أ- دليلهم من السنة:
حديث مُحَيّصَةَ بن مسعود ﵁ أنه استأذن النبي ﷺ في إجارة الحجام فنهاه عنها، ولم يزل يسأله، ويستأذنه حتى قال: "أعلِفْهُ نَاضحَك، أو أطعمه رقيقك" (٢).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ أمره بإطعامه الرقيق، والرقيق آدمي كالحر يمنع ما يمنع منه الحر، فكونه يبيح له إطعامه الرقيق فيه دليل على حل أكل أجرة الحجامة وكسبها، والأمر بإطعام ذلك الكسب للرقيق فيه دليل على كراهة أكل الحر له (٣).
ب- دليلهم من العقل:
يكره للحر أكل أجرة الحجامة والتكسب بها، كما يكره له الكسح بجامع دناءة الحرفة في كل (٤).
стр. 598
(٢) دليل القول الثاني:
استدل القائلون بصحة الإجارة على فعل الحجامة، وأنه يجوز أكل أجرتها بنفس الأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول في الفقرة الأولى من استدلالهم.
(٣) دليل القول الثالث:
استدل القائلون بتحريم الإجارة على فعل الحجامة بدليل السنة:
أ- حديث أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ نهى عن كسب الحجام ... " (١).
ب- حديث رافع بن خديج ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " ... كسب الحجام خبيث" (٢).
جـ- حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "حرم رسول الله ﷺ كسب الحجام" (٣).
وجه الدلالة من الأحاديث:
أنها نصت على حرمة كسب الحجام لأن الأصل في النهي أنه للتحريم، وكذلك وصفه كسب الحجام بالخبث ظاهر في الدلالة على حرمته، وأما حديث أنس فصريح في الدلالة على عدم جواز ذلك الكسب (٤).
стр. 599
سبب الخلاف:
سبب اختلافهم في هذه المسألة تعارض الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ (١).
الترجيح:
الذي يترجح في نظري، والعلم عند الله، هو القول بصحة الإجارة على فعل الحجامة، وكراهية أكل ثمنها للحر خاصة وذلك لما يأتي:
أولاً: لصحة دلالة النقل والعقل على ذلك، كما تقدم بيانه في استدلال أصحاب هذا القول.
ثانيًا: أن هذا القول فيه جمع بين الأدلة، ودفع لدعوى التعارض والجمع بين الأدلة أولى من العمل ببعضها، وترك البعض الآخر.
ثالثًا: وأما استدلال أصحاب القول الثالث فيجاب عنه من الوجوه التالية:
الوجه الأول:
أن حديث أبي هريرة ﵁ اشتمل على النهي عن كسب الحجام، والأصل في النهي أن يحمل على التحريم ولكن بشرط عدم وجود الصارف، وهنا قد وجد الصارف من قول النبي ﷺ وفعله.
стр. 600
فأما قوله فذلك في أمره لأبي رافع ﵁ في حديثه الصحيح. وأما فعله فذلك في إعطائه الحجام أجرته، إذ لا يصح أن يعطي النبي ﷺ الحرام أو يعين عليه (١).
الوجه الثاني:
أن وصف كسب الحجامة بالخبيث كما ورد في حديث أبي رافع ﵁ لا يستلزم التحريم. ولذلك ورد وصف الثوم والبصل بالخبيث، مع أنهما من المباحات (٢).
الوجه الثالث:
أن حديث أنس ﵁ لم أعثر على من صححه، وهو معارض بما ثبت عنه في الصحيحين أنه سئل عن كسب الحجام فذكر احتجام النبي ﷺ وإعطاءه لأبي طيبة الصاعين أجرة للحجامة، فكونه لم يذكر تحريم النبي ﷺ فيه إشارة إلى بعد صحة رواية التحريم، وإن كان التحريم واردًا من طرق صحيحة عن غيره من الصحابة.
إلا أن يقال إنه كان عالمًا بالتحريم، ولم يذكره لكونه منسوخًا وهذا هو مسلك بعض العلماء ﵏ في جمعهم بين هذه الأحاديث المختلفة فإنهم يرون أن النهي كان في أول الأمر ثم نسخ (٣).
وعلى كل فإن حديث أنس ﵁ هذا إما ضعيف، أو
стр. 601
صحيح منسوخ، أو صحيح محمول على ما حمل عليه حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم.
لهذا كله فإنه يترجح في نظري القول بصحة عقد الإجارة على فعل الحجامة وكراهة أكل أجرتها للحر خاصة ... والله أعلم.
مسألة: هل يلحق بالحجامة كسب غيرها من الجراحات فيكره اكله للحر أم لا ؟.
يختص هذا الحكم "أي كراهة أكل كسب الحجامة بجراحتها" ولا يلحق بها غيرها من أنواع الجراحة الطبية الأخرى.
فلا يكره للخاتن أكل كسبه من جراحة الختان، وهكذا الطبيب الجراح في عصرنا الحاضر لا يكره له أكل كسبه من الجراحات التي يقوم بفعلها.
قال الإمام ابن قدامة ﵀: "فأما استئجار الحجام لغير الحجامة كالفصد، وحلق الشعر، وتقصيره، والختان، وقطع شيء من الجسد للحاجة إليه فجائز؛ لأن قول النبي ﷺ : "كسب الحجام خبيث" يعني بالحجامة كما نهى عن مهر البغي أي في البغاء، وكذلك لو كسب بصناعة أخرى لم يكن خبيثًا بغير خلاف" (١) اهـ.
* * *
стр. 602
المطلب الثاني في (شروط صحة الإجارة على الجراحة)
للإجارة على الجراحة الطبية شروط لابد من توفرها لكي يحكم بصحة عقدها، وهذه الشروط منها ما يرجع إلى المتعاقدين، ومنها ما يرجع إلى العمل الجراحي ومستلزماته، ومنها ما يرجع إلى الأجرة المبذولة لقاء ذلك العمل.
وهذه الشروط مستمدة من الشروط المعتبرة في عقود الإجارات عمومًا والتي نص عليها الفقهاء ﵏ وبيانها فيما يلي:
الشرط الأول: أهلية العاقدين
المراد بالأهلية: أن يكون العاقد بالغًا عاقلاً.
والمراد بالعاقدين: الطرفان اللذان يتم بينهما إجراء عقد الإجارة، وهما:
١ - المستأجر.
٢ - والأجير.
فأما الطرف الأول:
فهو الشخص المريض، أو من يقوم مقامه سواء كان وليًا، أو وكيلاً.
стр. 603
وأما الطرف الثاني:
فهو الطبيب الجراح، ومساعدوه، وتارة يكون مسئول المستشفى الذي يفوض عادة في إجراء هذه العقود.
فلابد في هذين الطرفين من أن تتوفر فيهما أهلية التصرف حتى يعتد بقولهما وعليه فإنه لا يصح عقد الإجارة على فعل الجراحة إذا كان أحد الطرفين فاقدًا لأهلية التصرف بأن كان صبيًا أو مجنونًا.
وهذا الشرط مبني على ما نص عليه أهل العلم ﵏ من اشتراط أهلية التصرف في المتعاقدين علي الإجارة (١).
قال الإمام النووي ﵀ في معرض بيانه لأحكام الإجارة: "الركن الأول: العاقدان، ويعتبر فيهما العقل، والبلوغ كسائر التصرفات" (٢) اهـ.
ومن المعلوم أن عقد الإجارة يعتبر من عقود المعاوضات لاشتماله على بذل الثمن وهو المال عوضًا عن المثمن وهو العمل (٣).
وهنا في عقد الإجارة على الجراحة يبذل المريض الثمن في مقابل العمل الجراحي الذي سيقوم به الطبيب الجراح ومساعدوه، فهو على هذا داخل في عقود المعاوضات المالية.
ومعلوم أن الصبي والمجنون محجور عليهما في تصرفاتهما
стр. 604
المالية (١)، فلا تصح إجارتهما لاشتمالها على المعاوضة المالية كما لا يصح بيعهما.
قال الإمام الكاساني (٢) ﵀: "لا تنعقد الإجارة من المجنون، والصبي الذي لا يعقل كما لا ينعقد البيع منهما ... " (٣) اهـ.
الشرط الثاني: رضا المتعاقدين
والمراد بهذا الشرط أن تحصل موافقة الطرفين على عقد الإجارة بمحض اختيارهما دون إكراه من الغير.
وهذا الشرط مبني على ما نص عليه بعض الفقهاء ﵏ من اشتراط الرضا في المتعاقدين على الإجارة (٤).
قال الإمام الكاساني ﵀ عند بيانه لشروط صحة الإجارة ما نصه:
" ... أما الذي يرجع (٥) إلى التعاقد، فرضا المتعاقدين لقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ
стр. 605
تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، والإجارة تجارة ... إلخ" (٢) اهـ.
وبناء على ما سبق فإنه لا يصح عقد الإجارة على فعل الجراحة إذا أكره المريض أو الطبيب الجراح عليه، ويحرم على الطبيب أن يفعل الوسائل الموجبة لإكراه المريض علي الموافقة كإخباره بعزمه على الجراحة بعد الشروع في بعض مراحلها كما في جراحة الأسنان.
وكذلك ما يفعله بعض الأطباء من الضغط على المريض بالمبالغة الكاذبة في وصف المرض إلى درجة يشتد فيها خوف المريض، ويضطر للموافقة على التعاقد مع المستشفى لإجراء تلك الجراحة، وكذلك الكذب عليه بقولهم: إنه إذا لم يبادر فورًا بإجراء الجراحة فإنه مهدد بالموت، أو تلف عضو منه، ويكون الواقع بخلاف ذلك.
الشرط الثالث: أن تكون الجراحة مشروعة
مما يشترط لصحة عقد الإجارة على فعل الجراحة أن تكون الجراحة جائزة ومشروعة.
فلا يصح عقد الإجارة على فعل جراحة محرمة، كجراحة التجميل التحسينية، وجراحة تغيير الجنس والجراحة الوقائية، ونحوها من الجراحات المحرمة.
وقد أشار الفقهاء ﵏ إلى اعتبار هذا الشرط في الإجارة على فعل الجراحة.
قال الإمام النووي ﵀: "العجز الشرعي كالعجز
стр. 606
الحسي، فلا يصح الاستئجار لقلع سن صحيحة، أو قطع يد صحيحة" (١) اهـ.
وقال الشيخ موسى الحجاوي ﵀: "ويصح استئجاره لحلق شعره، وتقصيره، ولختان، وقطع شيء من جسده للحاجة إليه، ومع عدمها يحرم، ولا يصح" (٢).
أي مع عدم الحاجة يحرم القطع، ولا يصح الاستئجار عليه (٣).
وقال الخطيب الشربيني ﵀: ( ... قوله "فلا يصح استئجار لقلع سن صحيحة" لحرمة قلعها، وفي معناها كل عضو سليم من آدمي وغيره ... ) (٤) اهـ.
فقد نصوا على عدم صحة عقد الإجارة على فعل هذه الجراحات، وذلك لحرمة فعلها، كما صرح بذلك الشيخ سليمان الجمل الشافعي ﵀ فقال: " ... لا يصح استئجار لقطع أو قلع ما منع الشرع من قطعه أو قلعه من نحو سن صحيحة، وعضو سليم، وإن لم يكن من آدمي للعجز عنه شرعًا ... " (٥) اهـ.
واشتراط هؤلاء الفقهاء لهذا الشرط في الإجارة على فعل الجراحة يتفق مع ما نصوا عليه من أنه يشترط لصحة عقد الإجارة أن تكون المنفعة مباحة (٦)، ولذلك نصوا على عدم صحة الإجارة على فعل
стр. 607
المحرمات كالغناء، والنياحة، ونحوها من المحرمات.
وقد جعل الإمام ابن حجر الهيثمي ﵀ الحكم بحرمة عقد الإجارة على قلع سن صحيحة مبنيًا على هذا الأصل المقرر عند أهل العلم ﵏ في باب الإجارة، فقال ﵀: " ... ومن ثم بطلت الإجارة في قلع سن أن حَرُمَ قطعها ... للعجز عنه شرعًا، فهو كالاستئجار لسائر المحرمات كالنياحة والزمر ... " (١).
ِْ "فجعل الحكم ببطلان الإجارة على القلع المحرم ملحقًا بالإجارة على المحرمات.
واشتراط حل المنفعة لكي يحكم بصحة الإجارة مبني على القياس ووجهه: أنه لا تصح الإجارة على المنافع المحرمة كما لا يصح بيع الأعيان المحرمة بجامع كون كل منهما عقد معاوضة.
وقد أشار الإمام الشيرازي (٢) ﵀ إلى مسند هذا الحكم من وجه آخر بقوله: "ولا تجوز (٣) على المنافع المحرمة؛ لأنه يحرم، فلا يجوز أخذ العوض عليه كالميتة والدم" (٤) اهـ.
ومراده ﵀ أن حرمة الانتفاع بالشيء موجبة لحرمة أخذ العوض عليه كالحال في الميتة والدم فإنه لما حرم الانتفاع بهما حرم
стр. 608
أخذ العوض عليهما (١).
وإذا تقرر أن أخذ العوض حرام دل ذلك على حرمة عقد الإجارة الموجب لأخذ العوض.
الشرط الرابع: بيان العمل الجراحي ومستلزماته
اشترط الفقهاءُ ﵏ لصحة عقد الإجارة العلم بالمنفعة، وذلك قياسًا على البيع الذي يشترط فيه العلم بالمبيع، وكذلك قطعًا للجهالة المفضية إلى الخصومة والنزاع (٢).
والإجارة على فعل الجراحة الطبية يشملها هذا الشرط، فينبغي على كلا المتعاقدين أن يقوما بتحديد العمل الجراحي وبيانه على وجه ترتفع به الجهالة.
فيذكران اسم الجراحة المطلوبة، ومحلها، ونوعية الفحص الذي يجرى قبل مباشرتها، والوسائل التي يتم بها ذلك الفحص من أشعة وتحاليل تحدد نوعيتها، وكذلك يقومان بتحديد نوعية المخدر الذي سيتم إجراؤه هل هو عام أو موضعي، ثم يحددان مكان العمل الجراحي وحدوده، إن احتاج الأمر لذلك، كما في جراحة استئصال السرطان، والأكلة ونحوهما، ثم يقومان بتحديد نوعية الخدمة والعناية التي ستعقب الجراحة، ومدة الأيام التي يقيمها المريض في المستشفى لتلك
стр. 609
الفترة.
فبيان هذه الأمور وتوضيحها للمريض يجعله على بينة من أمره، الأمر الذي يؤدي إلى قطع النزاعات والخصومات مستقبلاً، ويجعل الأمور تسير في وضعها الطبيعي دون أن يستغل أحد الطرفين نظيره أو يظلمه.
فالطبيب يقوم بعمله المعين، والمريض معه على وفاق تام ينتقل به من مرحلة إلى مرحلة، ولو حدث بينهما أي خلاف أمكن إلزام المعتدي منهما بما اتفقا عليه في العقد المبرم بينهما.
وهذا هو مقصود الشرع الذي أشار إليه الفقهاء ﵏ عند بيانهم لشرط العلم بالمنفعة (١).
إذ لا يستطيع أحد الطرفين أن يؤذي الآخر أو يجحف به بمطالبته بأمر زائد عن ذلك القدر المتفق عليه بينهما.
كما أن علم المستأجر بطبيعة العمل الجراحي يمكنه من المقارنة بين الأطباء لمعرفة الأجر المناسب كما هو الحال في سائر الإجارات.
لهذا فإنه من المنبغي العناية ببيان العمل الجراحي ووصفه وصفًا ترتفع به الجهالة المؤثرة مع كتابة عقد بين الطرفين يشتمل على ذلك الوصف في كل جراحة بحسبها.
الشرط الخامس: أن يكون ثمن الجراحة معلوماً .
مما يشترط لصحة عاقد الإجارة على فعل الجراحة أن يكون الثمن معلومًا عند الطرفين، فلا تجوز الإجارة بثمن مجهول سواء جهله
стр. 610
الطرفان أو أحدهما.
وترتفع الجهالة عن الثمن بوصفه وبيان قدره، كأن يقول الطبيب -على سبيل المثال- عند تعاقده مع المريض على جراحة استئصال اللوزتين إنهما بخمسمائة ريال سعودي.
وهذا الشرط مبني على ما نص عليه الفقهاء ﵏ من اشتراط العلم بالثمن لصحة عقد الإجارة (١).
قال الإمام ابن قدامة ﵀: "يشترط في عوض الإجارة كونه معلومًا لا نعلم في ذلك خلافًا؛ لأنه عوض في عقد معاوضة فوجب أن يكون معلومًا كالثمن في البيع" (٢) اهـ.
وبناء على هذا فإنه لا يصح الإجارة على فعل الجراحة إذا كان الثمن مجهولاً مثل أن يقول المريض للطبيب الجراح: اقلع سني وأنا أرضيك، أو استأصل لي الزائدة الدودية وأنا أعطيك ما تحب ونحو ذلك مما لا يعلم به قدر الثمن ولا صفته.
ولو تم العقد بينهما بثمن مجهول فإنه يحكم بفساده، ولو فعل الطبيب الجراحة فإنه يستحق أجرة المثل، قال الإمام النووي ﵀: "لو قال: اعمل كذا لأرضيك، أو أعطيك شيئًا، وما أشبهه، فسد العقد، وإذا عمل استحق أجرة المثل" (٣) اهـ.
والجراحة الطبية تشتمل على العمل الجراحي، ولوازم أخرى
стр. 611
تعتبر تابعة له، وموجبة لنجاحه كالفحص قبل الجراحة، والتخدير، والعناية التي تتم بعد العمل وتشتمل على تدبير الجرح ومتابعة المريض.
وهذه المراحل تعتبر مختلفة عن ذات العمل، وتشتمل على منفعة يستحق القائمون بها في مقابلها الأجرة، فوجب حينئذ بيان تكاليفها، وأجرة العمل الذي يقوم به أصحابها قطعًا للنزاع والخصومة.
فهذه هي مجمل الشروط التي ينبغي توفرها لكي يحكم بصحة عقد الإجارة على فعل الجراحة الطبية ... والله أعلم.
* * *
стр. 612
المطلب الثالث في (استحقاق الأجرة على فعل الجراحة)
يستحق الأطباء ومساعدوهم الأجرة بمجرد انتهائهم من أداء المهمات المتعلقة بهم كل حسب اختصاصه ومهمته المطلوبة منه (١).
فيستحق طبيب الفحص الأجرة إذا توصل إلى معرفة نوعية المرض الجراحي، أي بعد انتهائه من مهمتي الفحص والتشخيص.
ويستحق مساعدوه الأجرة كل واحد منهم بمجرد انتهائه من مهمته المتعلقة به، فأخصائي المختبر يستحق أجرة التحاليل بعد قيامه بتحليل الدم والبول والبراز وكتابة التقارير عن نتيجة تحليلها.
وهكذا الحال بالنسبة للمصور بالأشعة، والمناظير الطبية.
وأخصائي التخدير يستحق الأجرة بعد انتهائه من آخر مرحلة من مراحل مهمة التخدير الجراحي، والتي تتمثل في إفاقة المريض بعد انتهاء العمل الجراحي.
والطبيب الجراح يستحق أجرة العمل الجراحي بعد انتهاء مهمته الجراحية، وذلك بخياطة الجرح وإغلاقه وهكذا الحال بالنسبة للممرضين، والممرضات كل واحد منهم يستحق الأجرة عن عمله
стр. 613
بمجرد انتهائه منه.
وهذا الحكم مبني على ما تقرر في الشرع من إلزام المستأجر بدفع الثمن إذا استوفى المنفعة المعقود عليها بالإجارة، وهو أصل شهدت نصوص الكتاب والسنة باعتباره، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١) فألزم الأزواج بدفع الأجرة لقاء منفعة الإرضاع المستوفاة.
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: قال الله تعالى: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره" (٢).
فقد دل هذا الحديث على حرمة منع الأجير أجرته بعد استيفاء المنفعة منه. والأطباء ومساعدوهم إذا انتهوا من أداء المهمات المتعلقة بهم كان المريض مستوفيًا للمنفعة منهم، فحرم عليه منعهم من الأجرة، ويعتبر كل واحد منهم بمثابة الشخص المنفرد بعد انتهائه من أداء مهمته.
وقد درجت المستشفيات الأهلية على أخذ الأجرة المتعلقة بجميع الجراحة دفعة واحدة قبل تنفيذها، وهذا أمر لا حرج فيه من الناحية الشرعية، إذ هو بمثابة تقديم رأس المال قبل المثمن كالحال في السلم.
وإذا اتفق الطرفان على التقديم، أو التأخير، أو تقديم شيء من الأجرة وتأخير الباقى فإنه لا حرج عليهما في ذلك (٣)، والمقصود من
стр. 614
بيان وقت الاستحقاق في الصورة المتقدمة بيان شرعية مطالبة المستشفيات والأطباء للأجرة على هذه المهمات في حال عدم التمكن من إنهاء المهمة فيما لو وجد العذر الشرعي الذي يمنع من ذلك كما في حالة موت المريض أثناء الجراحة، أو اتفاق الطرفين على فسخها قبل مهمة العمل وبعد أداء مهمة الفحص والتشخيص. والله تعالى أعلم.
стр. 615
المطلب الرابع في (فسخ الإجارة على فعل الجراحة)
الأصل في عقد الإجارة أنه من العقود اللازمة (١)، وذلك لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢) والإجارة عقد ولأنها كالبيع بجامع المعاوضة في كل (٣).
وعلى هذا فإنه إذا تعاقد المريض مع الطبيب والمستشفى على فعل الجراحة بالأجرة، فإنه ينبغي على كلا الطرفين الوفاء بذلك العقد، ما لم يوجد عذر شرعي يجيز لها الفسخ.
فإذا امتنع الطبيب عن تنفيذ عقدها بدون عذر ألزمه الحاكم بذلك، وأما المريض فإنه إذا امتنع عن الوفاء لم يجبر على فعلها، وإنما يجبره الحاكم على دفع الأجرة إذا مكنه الطبيب من نفسه مدة يمكنه فيها فعل الجراحة، وإذا حكم بالأجرة للطبيب وأخذها لم تستقر ملكية الطبيب لتلك الأجرة بمعنى أنه إذا وجد العذر الشرعي الموجب لفسخ عقد الإجارة بعد أخذ الطبيب للأجرة وجب عليه ردها.
قال الإمام شمس الدين أحمد بن محمد الرملي الشافعي -رحمه
стр. 616
الله-: "فإن منعه من قلعها ولم تبرأ لم يجبر عليه، ويستحق الأجرة بتسليم نفسه، ومضي مدة إمكان العمل، لكنها غير مستقرة حتى لو سقطت رد الأجرة كمن مكنت الزوج فلم يطأها ثم فارق.
ويفارق ذلك ما لو حبس الدابة مدة إمكان السير حيث تستقر الأجرة عليه لتلف المنافع تحت يده، وما تقرر هنا لا ينافي ما نقل عن الإمام من استقرارها، إذ هو مفروض فيما إذا تبين عدم تدارك الفعل المستأجر عليه، وما مر في إمكانه"اهـ (١).
فبين ﵀ أن المريض لا يجبر على فعل الجراحة إذا امتنع عنها بعد العقد، وأن الطبيب يستحق الأجرة إذا مكنه من نفسه المدة الكافية لفعل الجراحة، ولم يمكنه ذلك المريض من فعلها (٢)، ثم بين أن الحكم بالأجرة للطبيب على هذا الوجه لا يوجب استقرار ملكيته لها.
وعلى هذا فإن المريض لو تراجع عن الامتناع، وطالب الطبيب بفعل الجراحة ألزم الطبيب بفعلها.
ويجوز لكل من الطبيب والمريض فسخ عقد الإجارة على فعل الجراحة في الأحوال التالية:
الحالة الأولى: أن يتعذر فعل الجراحة لزوال موجبها.
الحالة الثانية: إذا مات أحد الطرفين.
стр. 617
الحالة الثالثة: إذا اتفق الطرفان على الفسخ.
وبيان هذه الحالات فيما يلي:
١ - أن يتعذر فعل الجراحة لزوال موجبها:
والمراد بذلك أن تزول الحاجة الموجبة لفعل الجراحة، وبزوال تلك الحاجة ينتفي الإذن الشرعي الموجب لإباحة فعلها، ومن ثم يحرم على الطبيب والمريض ذلك الفعل، وقد مثل الفقهاء ﵏ لهذه الحالة بزوال ألم الضرس المتفق على قلعه، واعتبروا زوال ذلك الألم عجزًا شرعيًا يقوم مقام العجز الحسي الموجب لفسخ عقد الإجارة على الدور والدواب ونحوها (١).
قال الإمام الكاساني ﵀: " ... إن استأجر رجلاً ليقصر له ثيابًا أو ليقطعها، أو يخيطها، أو ليقلع ضرسه، أو ليحجم، أو ليفصد ... ثم بدا له أن لا يفعل له أن يفسخ الإجارة، ولا يجبر على شيء من ذلك، لأن القصارة والقطع نقصان عاجل في المال بالغسل والقطع وفيه ضرر .. وقلع الضرس والحجامة، والفصد إتلاف جزء من البدن وفيه ضرر به، إلا أنه استأجره لها لمصلحة تأملها تربو على المضرة، فإذا بدا له علم أنه لا مصلحة فيه فبقي الفعل ضررًا في نفسه، فكان له الامتناع عن الضرر بالفسخ إذ الإنسان لا يجبر على الإضرار بنفسه" (٢).
فبين ﵀ أن وجه الفسخ هو تعذر الانتفاع من فعل
стр. 618
الجراحة، وأنه إذا زال موجبها صارت ضررًا محضًا، ولا يجبر الإنسان على الإضرار بنفسه.
وهذا إنما يتجه إذا زالت الحاجة إلى الجراحة، أما لو بقيت تلك الحاجة، وامتنع المريض من فعلها فإن الحكم ما تقدم بيانه من إجباره على دفع الأجرة للطبيب بتسليمه لنفسه وتمكينه إياه من فعل الجراحة.
ومن أمثلة فوات المنفعة بزوال الضرر في الجراحة خروج الحصاة فإذا تعاقد المريض مع المستشفى على إخراجها بالجراحة ثم خرجت بنفسها أو بوسيلة أخرى انفسخ عقد الإجارة الذي بينهما.
٢ - إذا مات أحد الطرفين:
وهذا مفرع على اعتبار الموت عذرًا موجبًا لفسخ الإجارة، فبموت المريض تزول الحاجة إلى فعل الجراحة ويحرم فعلها بجسده، ومن ثم يبطل عقد الإجارة، والمنفعة المقصودة من الإجارة يتعذر حصولها بعد موت الطبيب والمريض، فلا وجه لبقاء العقد الذي بينهما (١).
قال الشيخ علاء الدين علي بن سليمان المرداوي الحنبلي ﵀: "فإن استأجره مدة يكحله، أو يعالجه فيها، فلم يبرأ استحق الأجر، وإن برأ في أثناء المدة انفسخت الإجارة فيما بقى وكذا لو مات" (٢) اهـ.
فاعتبر ﵀ موت المريض موجبًا للحكم بانفساخ عقد الإجارة الذي بينه وبين الطبيب.
стр. 619
٣ - إذا اتفق الطرفان على الفسخ:
فكما أن ثبوت العقد مبني على رضاهما كذلك يفسخ برضاهما كالحال في البيع فإنه ينفسخ عقده بالإقالة (١)، والإجارة كالبيع بجامع المعاوضة (٢).
فإذا اتفق المريض مع الطبيب أو المستشفى على فسخ عقد الإجارة الذي بينهما وتراضيا على ذلك انفسخ عقدها ... والله أعلم.
* * *
стр. 620
الخاتمة
فقد توصلت من خلال هذا البحث- بفضل الله تعالى- إلى نتائج من أهمها ما يلي:
أ- النتائج الخاصة بموضوع الرسالة:
أولاً: الجراحة الطبية مشروعة من حيث الجملة.
ثانيًا: أن تعلم الجراحة الطبية، وتعليمها، وتطبيقها يعتبر فرضًا من فروض الكفاية.
ثالثًا: أن لعلماء الطب المسلمين فضلاً كبيرًا في تطوير علم الجراحة، والتأليف فيه وأن هذا الفضل يرجع إلى التزامهم بالشرع قولاً، وفعلاً، واعتقادًا.
رابعًا: يشترط لجواز فعل الجراحة الطبية ثمانية شروط:
أن تكون مشروعة، ويحتاج إليها المريض، ويأذن بفعلها، وأن يكون الطبيب الجراح أهلاً لفعلها، ويغلب على ظنه نجاحها، ولا يوجد البديل الذي هو أخف ضررًا منها، وأن تترتب المصلحة على فعلها، ولا يترتب عليها ضرر أعظم من ضرر المرض الجراحي.
خامسًا: تشرع من الجراحة الطبية الأنواع التالية:
стр. 621
الجراحة العلاجية، والكشفية، والولادة، والختان، والتشريح، والتجميل المحتاج إليه.
سادسًا: أن الجواز في هذه الأنواع مبني على وجود الحاجة الداعية إلى فعلها، وهي إما أن تبلغ إلى مقام الضروريات كما في الجراحة العلاجية الضرورية، وجراحة الولادة التي يقصد منها إنقاذ الأم، وجنينها، أو واحدًا منهما.
وإما أن تبلغ مقام الحاجيات كما في الجراحة العلاجية الحاجية، وجراحة الولادة الحاجية وجراحة التشريح بقصد تعلم الطب، وجراحة الكشف، وجراحة التجميل المحتاج إليها.
وإما أن تكون دون مقام الضروريات والحاجيات كما في الجراحة العلاجية الصغرى.
وقد يكون جواز الجراحة مبنيًا على ورود إذن خاص من الشرع بفعلها كما في جراحة الختان.
سابعًا: يحرم على الأطباء ومساعديهم فعل جراحة التجميل التحسينية (التي لم توجد فيها دوافع ضرورية ولا حاجية)، وجراحة تغيير الجنس، والجراحة الوقائية.
ويحرم على غيرهم الإذن بفعلها، والمعونة عليها.
ثامنًا: أن الحكم بحرمة هذه الأنواع مبني على عدم وجود الحاجة الداعية إلى فعلها، إضافة إلى ما تشتمل عليه من تغيير لخلق الله تعالى، وعبث فيها، وتَسخُّط على قضاء اللَّه وقدره
стр. 622
تاسعًا: يشرع للأطباء ومساعديهم القيام بمهمة الفحص الطبي بشرط أن تتوفر فيهم الأهلية المعتبرة للقيام بمهمتهم، ولا حرج عليهم، ولا على المرضى في الكشف عن العورة، ولمسها، والنظر إليها بشرط وجود الحاجة الداعية إلى ذلك، وعدم وجود البديل في الجنس والطريقة، وأن يتقيدوا بقدر الحاجة دون زيادة.
ولا حرج عليهم في الفحص بالأشعة السينية ونحوها من الوسائل الخطرة بشرط وجود الحاجة، وعدم وجود البديل الذي هو أخف ضررًا منها، وأن يقتصروا فيها على قدر الحاجة.
عاشرًا: يشرع للأطباء الحكم بوجود المرض الجراحي، إذا بلغ علمهم بوجوده مرتبة اليقين أو غلبة الظن.
ويجب عليهم التوقف في حال الشك (استواء الاحتمالين).
ويحرم عليهم الحكم بوجوده إذا كان علمهم مبنيًا على الوهم (الاحتمال المرجوح).
الحادي عشر:
أ- يستحق الإذن بالجراحة المريض، ووليه، فيعتبر إذنه إذا كان أهلاً بأن كان بالغًا عاقلاً، فلا يعتبر إذن صبي، ولا مجنون، ولا يعتبر إذن الولي إذا أمكن أخذ المريض الأهل، أو امتنع ذلك المريض من الإذن.
ب- ويشترط للحكم بصحة الإذن: أن يكون صادرًا ممن له الحق، وأن تتوفر فيه الأهلية، وأن يكون مختارًا، وأن يشتمل الإذن
стр. 623
على إجازة فعل الجراحة، وأن تكون دلالة صيغته صريحة أو قائمة مقام الصريح، وأن يكون المأذون به مشروعًا.
جـ- ويستحب للمريض أن يأذن بفعل الجراحة إلا إذا كانت ضرورية فإنه يجب عليه الإذن بها، ولا يعتبر قاتلاً لنفسه لو امتنع ومات بسبب المرض الجراحي.
د- ويجوز للأطباء فعل الجراحة بدون أخذ موافقة المريض في حالتين:
إذا كان مهددًا بالموت، أو تلف عضو أو أعضاء من جسده، ولم تسمح حالته بأخذ موافقته.
أو كان مصابًا بمرض معدي.
الثاني عشر:
الأصل في المخدرات أنها محرمة كالخمر، ولكن يجوز استعمالها في الجراحة المشروعة، بشرط أن يتقيد المخدر بالقدر المحتاج إليه دون زيادة عليه، ويتقيد بالحدود الشرعية في طريقة التخدير فلا يلجأ إلى التخدير عن طريق العورة، إلا إذا تعذر التخدير عن طريق غيرها.
الثالث عشر:
أ- يجوز قطع الأعضاء والأجزاء من جسم الآدمي عند وجود الحاجة مع وجوب التقيد بها كما يجوز قطع البواسير بلا كراهة خلافًا لمن قال بكراهته.
стр. 624
وأما الأصبع الزائدة فيجوز قطعها إن وجدت الحاجة الداعية إلى ذلك كالألم وأما إذا لم توجد فإنه يحرم قطعها.
ويجوز قطع العصب في جراحة التغلب على الألم إذا تعذر علاجه، وكان ضرر الألم أعظم من ضرر قطع العصب.
ويجوز للطبيب إذا قطع جزءًا من الجسم لوجود الحاجة أن يزيد عن الموضع المحتاج إليه على سبيل الاحتياط إذا غلب ظنه سريان الآفة إلى ذلك الجزء المقطوع.
ب- يجوز استئصال الأورام والغدد الملتهبة التي تهدد الجسم بضررها سواء كان خطرها مشتملاً عنى هلاك النفس أو على ما دون ذلك كالآلام والمضاعفات المؤذية في المستقبل.
جـ- يجوز الشق في الجراحة سواء كان ضروريًا كما في جراحة الولادة التي يقصد منها إنقاذ الأم وجنينها أو واحدًا منهما، أو كان حاجيًا كالشق عن موضع الداء لمعالجته أو معرفة حقيقته.
ويجوز شق بطن الحامل بعد موتها لإخراج جنينها إذا رجيت حياته على أصح أقوال أهل العلم ﵏.
د- نقل وزرع الأعضاء لا يخلو فيه المنقول منه إما أن يكون إنسانًا أو يكون حيوانًا.
١ - فإن كان إنساناً فإنه يجوز النقل منه إذا كان كافرًا، أما إذا كان مسلمًا فإنه لا يجوز النقل منه سواء كان حيًا أو ميتًا، أذن بذلك أو لم يأذن.
وتستثنى من الأعضاء التي يجوز نقلها من الكافر الخصيتان، فإنه
стр. 625
لا يجوز نقلها.
٢ - وأما إن كان حيوانًا فإنه لا يخلو إما أن يكون طاهرًا، أو يكون نجسًا فإن كان طاهرًا كبهيمة الأنعام المذكاة فإنه يجوز نقل العضو منه.
وأما إن كان غير طاهر فإنه لا يجوز الانتفاع بأجزائه ونقلها إلا عند الضرورة وبشرط أن لا يوجد البديل الطاهر.
هـ- يجوز الثقب المحتاج إليه كما في ثقب الفرج المسدود، ويجوز ثقب آذان النساء للحلي علي أصح أقوال أهل العلم ﵏.
و تجوز مهمة الكحت وتوسيع الرحم بشرط وجود الحاجة الداعية إلى فعلها ويتعذر البديل الذي هو أخف مفسدة وضررًا، كما في حالات النزيف الرحمي الحاد.
ويجب أن يتولى النساء مهمته فإذا تعذر وجودهن جاز للرجال القيام بمهمته ووجب عليهم أن يلتزموا بالحدود الشرعية في النظر والكشف.
ز- يشرع للأطباء أن يقوموا بمهمة إعادة العضو المقطوع إلى موضعه إلا أن يكون قطعه واجبًا بحد أو قصاص فإنه لا تجوز إعادته ولو أذن صاحب الحق على أصح القولين في المسألة.
ح- تشرع مهمة زرع الأعضاء المصنوعة في الجسم عند وجود الحاجة الموجبة لذلك.
ط- تشرع مهمة رتق الفتوق ونحوها من الآفات التي يحتاج فيها إلى الرتق إلا أن يكون الموضع المراد رتاقه غشاء بكارة فإنه يحرم على
стр. 626
الطبيب رتقه، وعلى المرأة طلب ذلك أو الإذن به مطلقًا،
ي- يشرع الكي لإيقاف النزف، ونحوه من الحالات التي يحتاج الأطباء فيها إلى فعله.
ك- تشرع خياطة الأجزاء المتمزقة من الجسم عند الحاجة.
الرابع عشر:
أ- المسئولية عن الجراحة الطبية معتبرة شرعًا.
ب- تنقسم هذه المسئولية إلى قسمين:
الأول: يتعلق بالآداب.
والثاني: يتعلق بالمهنة.
جـ- موجبات المسئولية الأدبية: الكذب، وخلف الوعد، وعدم الوفاء بالعقد، وغش المرضى، وكشف عوراتهم والنظر إليها من غير حاجة.
د- موجبات المسئولية المهنية: عدم اتباع الأصول العلمية، والخطأ، والجهل، والاعتداء.
هـ- ادعاء الموجب يفتقر إلى إثبات يشهد بصدقه، كما الحال في سائر الدعاوى، وعلى القاضي أن يرجع إلى شهادة المختصين من الأطباء، ويحكم بما تضمنته إن اتفقوا أو كملت البينة في جانب دون آخر فإن تساوت شهادتهم بحيث كمل نصاب البينة في الطرفين حكم باعتبار الشهادة الموجبة لبراءة الطبيب لكونها معتضدة بالأصل.
стр. 627
و الجهة المسئولة عن موجب المسئولية الأطباء، ومساعدوهم، والمستشفيات.
أما الأطباء ومساعدوهم فإنهم يتحملون المسئولية بنوعيها المباشرة والسببية، فمن باشر فعل الموجب تحمل النوع الأول كالمخدر إذا زاد في كمية المواد المخدرة، ومن لم يباشر ولكن تعاطى سببًا ترتب عليه وقوع الضرر من غيره فإنه يتحمل المسئولية السببية كما هو الحال في الطبيب إذا أحال المريض على مساعد لا تتوفر فيه الأهلية المعتبرة فيمن يقوم بمهمته.
ز- تترتب على موجب المسئولية الآثار التالية:
الضمان، القصاص، التعزير.
١ - فأما الضمان فإنه يترتب على فعل المهمة في أربع صور:
الأولى: أن يكون الأطباء ومساعدوهم جاهلين بها وينتفي فيهم قصد الضرر ولا يعلم المريض بجهلهم.
الثانية: أن يكونوا عالمين بالمهمة ولكن لا يتقيدوا بأصولها المعتبرة عند أدائها.
الثالثة: أن يكونوا عالمين بالمهمة، ويتقيدوا بأصولها ولكن تزل أيديهم خطأ أثناء العمل.
الرابعة: أن يكونوا عالمين بالمهمة ويتقيدوا بأصولها ولكن لم يأذن لهم المريض ولا وليه ولا السلطان بفعلها على أصح القولين عند
стр. 628
أهل العلم ﵏.
٢ - وأما القصاص فإنه يترتب على ثبوت قصد العدوان من الطبيب سواء تعلق الضرر بالنفس أو بالأطراف.
٣ - وأما التعزير فإنه يترتب على موجب الجهل، وعدم اتباع الأصول العلمية المعتبرة عند أهل الاختصاص.
الخامس عشر:
أ- الجراحة موجبة للترخيص في العبادات: فللمريض أن يعدل إلى التيمم إذا تعذر عليه الغسل لتفشي الجراحة في جسده، وله العدول عن غسل موضع الجراحة إلى مسحه عند خوف الضرر، وله ترك طهارة الخبث لخوف الضرر.
كما أنه يرخص له في ترك القيام والركوع والسجود في الصلاة إذا احتاج لذلك ويرخص له في ترك الصيام لمشقة المرض وخوف زيادته أو عدم البرء.
كما يرخص له في الحج بحلق موضع الجراحة، وفعلها ولو أدى فعلها إلى فوات الحج ما دام قد تعين وتعذر تأخير الجراحة.
(ب) ١ - لا يشترط إسلام الطبيب الجراح ومساعديه، والأولى أن يتولى مهمة الجراحة المسلمون وإذا عالجه الطبيب الكافر لم يعمل بقوله في رخص العبادات.
٢ - لا يجوز إجراء الجراحة عند استواء الاحتمالين (نجاحها وعدمه)، وعلى الأطباء التوقف والامتناع عنها إلى أن يترجح أحدهما فيقدموا على الفعل أو الترك بحسب ما ترجح.
٣ - تثبت الحاجة إلى الجراحة بشهادة طبيب واحد عدل، فإن
стр. 629
تعذر وجود العدل عمل بشهادة الأمثل فالأمثل كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم ﵏.
٤ - يشرع للأطباء الرجوع إلى ولي الأمر أو الجهة المفوضة من قبله لأخذ الموافقة على فعل الجراحة الخطيرة كما قرره الإمام مالك ﵀.
٥ - لا يجوز أن يقوم الرجال بفعل الجراحة للنساء ولا العكس إلا إذا تعذر وجود النظير من الرجال أو النساء، أو كان ذلك النظير موجودًا إلا أنه يخشى على المريض لو انتظر إلى حضوره.
وإذا قام الرجال بمداواة النساء أو العكس وجب عليهم التقيد بالضوابط الشرعية في الكشف والنظر واللمس.
(جـ) ١ - يجوز نقل الدم والتبرع به وقبوله بشروط أربعة هي:
الأول: أن يكون المريض محتاجًا إلى نقل الدم، ويثبت ذلك بشهادة الطبيبين العدلين، الطبيب العدل.
الثاني: أن يتعذر البديل الذي يمكن إسعافه به.
الثالث: أن لا يتضرر الشخص المنقول منه الدم بأخذه منه.
الرابع: أن يقتصر في نقل الدم على مقدار الحاجة.
ويجوز للإنسان المحتاج للدم أن يأخذه من الغير بعوض مالي إذا لم يجد متبرعًا، والإثم على الآخذ.
٢ - إذا فتح الأطباء الموضع الذي يراد فعل الجراحة فيه وتبين لهم أن الواقع بخلاف التقدير المسبق الذي توصلوا إليه من خلال التشخيص فإنه يجب عليهم الرجوع إلى أولياء المريض لأخذ موافقتهم على التغيير، فإذا تعذر ذلك أو خافوا على المريض إذا انتظروهم، فإنه يجوز لهم فعل الجراحة الجديدة إذا كان الداء الموجود فيها أعظم من الداء
стр. 630
الذي وافق عليه المريض أو مساويًا له، أما إذا كان دونه فإنه يجوز لهم في حالة واحدة، وهي إذا خافوا على المريض من ذلك الداء ويعسر فتح موضعه ثانية، وأما ما عداها فإنه يجب عليهم الرجوع إلى المريض أو وليه لأخذ موافقته.
(د) ١ - الأعضاء المبتورة يشرع دفنها، ولا ينبغي إحراقها، وإذا خشي من الداء الموجود فيها، فإنه تشرع إزالته بالمواد الموجبة لزواله ثم يدفن العضو بعد ذلك.
٢ - لا يجوز بيع الأعضاء الآدمية.
(هـ) لا يؤاخذ المريض المخدر بإقراره أثناء التخدير وقبل الإفاقة، ولا يصح طلاقه، وعليه قضاء الصلاة الفائتة.
(و) ١ - الإجارة على فعل الجراحة جائزة بدون كراهة.
٢ - وتجوز على فعل الحجامة مع الكراهة على أصح أقوال العلماء ﵏.
٣ - ويشترط لصحة عقد الإجارة على فعل الجراحة: أهلية العاقدين، ورضاهما، وأن تكون الجراحة مشروعة، والعلم بالعمل الجراحي، والأجرة المستحقة.
٤ - يستحق الأطباء ومساعدوهم الأجرة بانتهاء المهمة المتعلقة بكل واحد منهم بحسب اختصاصه ومجال عمله.
٥ - عقد الإجارة على فعل الجراحة عقد لازم، ويجوز فسخه في ثلاث حالات:
أن يتفق الطرفان على ذلك، أو يموت أحدهما، أو يتعذر فعل الجراحة لزوال موجبها.
стр. 631
ب- النتائج العامة:
أولاً: ازددت إيمانًا ويقينًا بصلاحية الشريعة الإسلامية، وكمال منهجها، وأنها شريعة خالدة صالحة لكل زمان ومكان، فقد اتسمت مادتها الفقهية بالثراء والوفاء بجميع متطلبات الحياة.
ثانيًا: ازددت إيمانًا ويقينًا برحمة الله تعالى، وعظيم لطفه بعباده، وذلك من خلال مطالعتي وبحثي في الكتب التي تحدثت عن علم الجراحة، وما تضمنته من علوم ومعارف ألهمهما الله الإنسان لكي تكون سببًا في نجاته من ضرر الأسقام ومشقة الآلام.
ثالثًا: أدركت عظيم فضل سلف هذه الأمة من الفقهاء والمحدثين والأصوليين وغيرهم من علماء الإسلام، وأنهم خدموا هذه الشريعة خدمة جليلة، فمهدوا بذلك السبيل لمن جاء بعدهم فجزاهم الله عني وعن أمة محمد ﷺ خير ما جزى سلفًا عن خلف.
هذه هي أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال بحثي فما كان صوابًا فمن الله وله الحمد والمنة وحده لا شريك له، وما كان خطئًا فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان.
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه.
* * *
стр. 632
ثبت المصادر والمراجع
أولاً: التفسير
(١) أحكام القرآن:
للإمام أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص المتوفى سنة ٣٧٠ هـ، مطبعة الأوقاف الإسلامية القسطنطينية سنة ١٣٣٨ هـ.
(٢) أحكام القرآن:
للإمام الفقيه عماد الدين بن محمد الطبري المعروف بالكيا الهراس المتوفى سنة ٥٠٤ هـ، مطبعة حسان بمصر القاهرة، تحقيق: موسى محمد علي، والدكتور عزت علي عيد عطية.
(٣) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم:
للقاضي أبي السعود محمد بن محمد العمادي المتوفى سنة ٩٥١ هـ، ط: الأولى، المطبعة المصرية سنة ١٣٤٧ هـ/١٩٢٨ م.
(٤) جامع البيان في تفسير القرآن:
للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ.
ط: الأولى المطبعة الكبرى الأميرية بمصر/القاهرة سنة ١٣٢٤ هـ، بهامشه غريب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري.
(٥) الجامع لأحكام القرآن:
للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار الكتب المصرية بمصر/القاهرة سنة ١٣٥٦ هـ.
(٦) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني:
للعلامة أبي الفضل شهاب الدين محمود الآلوسي البغدادي المتوفى سنة ١٤٢٧ هـ، ط. الثانية المطبعة المنيرية بمصر/القاهرة.
стр. 633
(٧) زاد المسير في علم التفسير:
للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ. ط. الأولى سنة ١٣٨٧ هـ، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، دمشق.
(٨) السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الخبير:
للشيخ الإمام محمد الشربيني المعروف بالخطيب الشربيني، المطبعة الخيرية بمصر/القاهرة، وبهامشه تفسير أنوار التنزيل، وأسرار التأويل للقاضي البيضاوي.
(٩) لباب التأويل في معاني التنزيل:
للإمام علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي، المتوفى سنة ٧٢٥ من الهجرة، مطبعة التقدم العلمية بمصر بهامشه تفسير البغوي.
(١٠) النكت والعيون "تفسير الماوردي":
للإمام أبي الحسن علي بن حبيب الماوردي البصري المتوفى سنة ٤٥٠ هـ/ط الأولى، مطابع مقهوي، الكويت سنة ١٤٠٢ هـ- ١٩٨٢ م، تحقيق خضر محمد خضر، راجعه د. عبد الستار أبو غدة.
ثانيًا: العقيدة
(١١) العقيدة الطحاوية:
لابن أبي العز الحنفي، تحقيق الشيخ الألباني - ط المكتب الإسلامي.
стр. 634
ثالًثا: الحديث وعلومه
أ- متون الحديث:
(١٢) صحيح البخاري "الجامع الصحيح":
للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري مطبعة دار إحياء الكتب العربية لمصطفى البابي الحلبى بمصر.
(١٣) صحيح الإمام مسلم:
للإمام أبي الحسن مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، المتوفى سنة ٢٦١ هـ/مطبعة البابي الحلبي.
(١٤) سنن ابن ماجة:
للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني المتوفى سنة ٢٧٥ هـ بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة البابي الحلبي بمصر سنة ١٣٧٢هـ.
(١٥) سنن أبي داود:
للحافظ أبي داود سليمان بن داود بن الأشعث السجستاني المتوفى سنة ٢٧٥ هـ ط. الأولى مطبعة البابي بمصر سنة ١٣٧١ هـ، بتعليقات الشيخ أحمد سعد علي.
(١٦) سنن الترمذي:
للحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي المتوفى سنة ٢٧٩ هـ. ط الثانية، مطبعة البابي الحلبي بمصر سنة ١٣٩٨ هـ/ ١٩٧٨ م، بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر.
(١٧) سنن الدارقطني:
للحافظ علي بن عمر الدارقطني المتوفى سنة ٣٨٥ هـ، شركة الطباعة الفنية بمصر، بتعليق الشيخ عبد الله هاشم يماني.
стр. 635
(١٨) سنن النسائي:
للحافظ أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي المتوفى سنة ٣٠٣ هـ، ط الأولى مطبعة البابي الحلبي بمصر سنة ١٣٨٤ هـ- ١٩٦٥ م، بهامشه زهر الربى على المجتبى للسيوطي مع تعليقات من حاشية السندي.
(١٩) السنن الكبرى:
للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين علي البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ. ط. الأولي مطبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الهند سنة ١٣٥٥ هـ بهامشه الجوهر النقي لابن التركماني.
(٢٠) المستدرك على الصحيحين فى الحديث:
للحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بالحاكم، المتوفي سنة ٤٠٥ هـ، مطبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الهند، بذيله تلخيص المستدرك للحافظ الذهبي.
(٢١) المسند للإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني:
المطبعة الميمنية بمصر سنة ١٣١٣ هـ، بهامشه منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، للمتقي الهندي.
ب- شروح الحديث:
(٢٢) إكمال المعلم شرح صحيح مسلم:
للإمام أبي عبد الله محمد بن خليفة الوشتاني الآبي المالكي المتوفى سنة ٨٢٨ من الهجرة، ط الأولى سنة ١٣٢٧ هـ مطبعة السعادة بمصر.
(٢٣) سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام:
للإمام محمد بن إسماعيل الكحلاني ثم الصنعاني المعروف "بالأمير"، المتوفى سنة ١١٨٢ هـ.