بالحاجة ضرب من الشهادة، لكن يرد السؤال عن الحالة التي عمت بها الآن من قلة العدول من الأطباء وغيرهم هل يجب البقاء على هذا الأصل وفي ذلك حرج عظيم، أم يرخص للناس في تركه؟.
والجواب: أنه بناء على ما قرره شيخ الإسلام - ابن تيمية ﵀ من اعتبار شهادة الأمثل فالأمثل من الفساق عند تعذر العدل (١) يمكن أن يتخرج عليه اعتبار شهادة الأمثل فالأمثل من الأطباء في هذه المسألة ... والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 562
المطلب الرابع هل يشترط إذن الوالي بفعل الجراحة الخطيرة ؟
لما كان المقصود من نصب الوالي رعايته لمصالح الأمة بتحصيلها عند فقدها، والمحافظة عليها حال وجودها، فإنه لا شك في شرعية استئذانه في فعل الجراحة الطبية الخطيرة، وذلك لأن هذا النوع من الجراحة يشتمل على أخطار توجب الرجوع إلى ولي الأمر لكي ينظر في عظيم الغرر الموجود فيها، فإن كانت مشتملة على ما يوجب الضرر والمفسدة العامة كان من حقه منع الطبيب، وإذا كانت مشتملة على المصلحة الراجحة أذن له بفعلها.
وقد صح عن النبي ﷺ في حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه "بعث إلى أبي بن كعب ﵁ طبيبًا فقطع منه عرقًا ثم كواه عليه" (١). ومع ذلك لم يستأذن أبيًا.
فدل هذا على أحقية ولي الأمر في الإذن بفعل الجراحة وعدمه.
والمريض قد يتعجل في الإذن بالجراحة الخطيرة، نظرًا لتعجله الشفاء وحرصه على تحصيله، ومن ثم قد يستدرك عليه ولي الأمر بنظره في هذا النوع من الجراحة ما قد يفوت بسبب استعجاله وإقدامه على فعلها بدون ترو وتأمل.
ثم إن الجراحة الخطيرة من شأنها أنها تفضي إلى النزاع إذا انتهت بوفاة المريض -لا سمح الله- وهذا النوع من حق ولي الأمر أن يتحفظ
стр. 563
في دفعه قبل وقوعه لئلا يؤدي إلى ضرر بالمجتمع، ونظرًا لذلك فإننا نجد من الفقهاء المتقدمين ﵏ من اعتبر إذن ولي الأمر في الجراحة الخطيرة واستحبه. قال الإمام مالك (١) ﵀: " ... إني لأحب للإمام أن يتقدم إلى هؤلاء الأطباء في قطع العروق، وما أشبهه، ألا يقدم أحد منهم على عمله إلا بإذنه، فإني لا أزال أسمع بطبيب قد عالج رجلاً فقطع عرقه، أو صنع به شيئًا فأعنته فمات منه، ولم أره يجعل على الذي عرف بالعلاج فيعالج بما يعرف شيئًا، ولكنه يستحب أن ينهى عن الأشياء التي فيها هلاك الناس إلا بإذن الإمام .. " (٢) اهـ.
فبين ﵀ شرعية الرجوع إلى ولي الأمر في الجراحة الطبية الخطيرة، نظرًا لما يترتب عليها من هلاك الناس، وأن له الحق في نهي الأطباء عن الأشياء التي فيها هلاك للناس، ويعرف ذلك عن طريق سؤاله لأهل الخبرة، كما بين ذلك الإمام ابن رشد الجد ﵀ في شرحه لكلام الإمام مالك المتقدم بقوله ﵀:
"وإذا تقدم السلطان إلى الأطباء ألا يداوي أحدهم ما يخاف منه، وفيه غرر إلا بإذنه فوجه العمل في ذلك إذا استؤذن أن يجمع أهل تلك الصناعة، فإن رأوا أن يداوي العليل بذلك الدواء المخوف داواه به، ولم يكن عليه شيء ولا على عاقلته، إن مات منه، وإن رأوا ألا يجبر عليه بذلك الدواء المخوف نهاه عن سقيه إياه، فإن تعدى ضمن في
стр. 564
ماله، وقيل على العاقلة" (١) اهـ.
فاعتبر ﵀ شهادة أهل الخبرة، وعلق حكم السلطان بالإذن للطبيب وعدمه على حكمهم، فإن أجازوا أذن، وإن لم يجيزوا لم يأذن.
ثم نص على اعتبار نهي السلطان للطبيب عن أن يداوي بما فيه خطر وغرر حيث ألزمه بالضمان.
ونظرًا لما تيسر في العصر الحاضر من تنظيم الطب وفروعه، فإنه ينبغي اعتبار إذن ولي الأمر بالجراحة الطبية الخطيرة، وتعتبر إدارات الشئون الصحية مخولة في النظر في ذلك نظرًا لكونها الجهة المسئولة عن الشئون الصحية، ومن ثم كان لها الحق في منع الأطباء من فعل هذا النوع من الجراحة الخطيرة والإذن لهم بذلك حسب ما يظهر الأطباء المختصين والله تعالى أعلم.
стр. 565
المطلب الخامس هل يجوز للرجال أن يقوموا بمعالجة النساء بالجراحة والعكس ؟
دلت النصوص الشرعية على وجوب استتار النساء، وحفظهن لعوراتهن، وعدم إبدائها للرجال إلا لمن استثنى الله تعالى منهم (١).
والمداواة بالجراحة تستلزم النظر إلى المرأة الأجنبية، وعورتها، وعورة الرجل الأجنبي، واللمس، والكشف عن تلك المواضع، ومن ثم فإنه يرد السؤال:
هل يجوز قيام الرجال بمداواة النساء بالجراحة، والعكس؟ وإذا كان ذلك جائزًا فما هو دليل جوازه؟ ثم ما هي القيود والضوابط التي ينبغي مراعاتها في ذلك؟.
والجواب: أنه تجوز مداواة الرجال للنساء بالجراحة والعكس بشرط عدم وجود النظير، وأن توجد الحاجة الداعية للمداواة.
وأما دليل ذلك ما ثبت في الصحيح من حديث الرُّبَيع بنت مُعَوِّذ ﵂ أنها قالت: "كنا نغزوا مع النبي ﷺ نسقي ونداوي الجرحى" (٢)، ولفظ الجرحى المراد به الرجال، وهم بلا شك أجانب
стр. 566
عنها، ومن ثم قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرحه لهذا الحديث: "فيه جواز معالجة المرأة الأجنبية للرجل الأجنبي للضرورة" (١) اهـ.
وفي الصحيح من حديث أنس ﵁ أنه قال: "كان النبي ﷺ يغزو بأمِّ سُلَيْم ونسوة من الأنصار معه، إذا غزا فيسقين الماء ويداوين الجرحى" (٢).
فدل هذا على مشروعية معالجة المرأة للرجل عند وجود الحاجة، وأما الكشف عن العورة فهو مستثنى لمكان السبب الموجب للترخيص به، وهو وجود الحاجة الداعية إليه، وقد عهدنا من الشريعة أنها رخصت فيه عند وجودها، ويشهد لذلك حديث عطية القرظي في قصة بني قريظة لما حكم سعد ﵁ بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم كان الصحابة ﵃ ينظرون إلى العانة فمن وجدوه أنبت قتلوه، ومن لم يجدوه كذلك تركوه (٣).
وهذا يدل دلالة واضحة على جواز الكشف عن العورة للحاجة.
وكما دلت السنة المطهرة على جواز مداواة النساء للرجال، كذلك دل دليل العقل على جوازها وهو الاستحسان الموجب لاستثنائها من الأصل المقتضي لحرمة اللمس، والنظر، والكشف للعورة والمرأة الأجنبية (٤).
стр. 567
ووجهه: أننا لو قلنا بعدم جواز ذلك لأدَّى إلى مفسدة الهلاك المترتبة على المرض، أو على الأقل يؤدي إلى حصول مشقة الآلام الموجودة في المرض، ودرء المفسدة معتبر شرعًا، فجاز قصده بالحكم بالرخصة واستثناء حالة التداوي من الأصل المقتضي للمنع.
ثم إن قواعد الشريعة الإسلامية نصت على أن المشقة تجلب التيسير (١)، وأن الضرر يزال (٢) والمشقة مترتبة على الحكم بالمنع فجاز التيسير بالرخصة، والضرر موجود في المرض فجازت إزالته بالمداواة مع اشتمالها على محظور الكشف والنظر واللمس (٣).
وشرط الحكم بجواز مداواة الرجال للنساء، والعكس أن لا يوجد الأطباء من الرجال في حال كون المريض رجلاً، ولا يوجد العكس في حال العكس، فإذا وجد النظير من الرجال والنساء امتنع الترخيص لعدم وجود الحاجة الموجبة له.
وقد نص الفقهاء المتقدمون ﵏ على جواز معالجة النساء للرجال، والعكس، وذلك عند وجود الحاجة.
قال الإمام موفق الدين عبد اللطيف البغدادي ﵀: "ونص أحمد أن الطبيب يجوز أن ينظر إلى المرأة الأجنبية إلى ما تدعو إليه الحاجة، وإلى العورة، وكذلك للمرأة أن تنظر إلى عورة الرجل عند الحاجة نص عليه" (٤).
стр. 568
أما القيود والضوابط التي ينبغي على الرجال والنساء مراعاتها عند اختلاف الجنس فهي تتلخص في وجوب التقيد بالحاجة، ومن ثم لا يجوز للمرضى أن يكشفوا عن موضع زائد عن القدر المحتاج إليه للجراحة، ولا يجوز للطبيب أن يصرف بصره إلى أي موضع غير الموضع الذي يحتاج لمداواته، وكذلك ينبغي أن يتقيد بالزمان المحتاج إليه ولا يزيد على ذلك.
قال قاضي زاده الحنفي (١) ﵀: "ويجوز للطبيب أن ينظر إلى موضع المرض منها للضرورة، وينبغي أن يعلم امرأة مداواتها، لأن نظر الجنس إلى الجنس أسهل، فإن لم يقدروا يستر كل عضو منها سوى موضع المرض، ثم ينظر ويغض بصره ما استطاع، لأن ما ثبت بالضرورة يُقَّدر بقَدرهَا" (٢) اهـ.
فبين ﵀ أنه لا تجوز المداواة في حال اختلاف الجنس إلا بعد تعذر وجود الجنس المثيل، فإذا تعذر وجوده جازت المداواة، ووجب على المريض ستر المواضع الزائدة عن قدر الحاجة، ووجب على الطبيب أن يقتصر في نظره على ذلك الموضع المحتاج إلى مداواته.
ثم بين أن هذا الحكم يستند إلى القاعدة الشرعية: "ما أبيح للضرورة يُقدرُ بقدرها" (٣).
стр. 569
وعلى هذا فإنه ينبغي ستر المرضى، ومواضع الجراحة إلى حين الجراحة ثم بعد انتهاء المهمة الجراحية يجب على الأطباء والممرضين ستر عورة المريض، وصرف أبصارهم عن النظر إليها وهكذا العكس ... والله أعلم.
* * *
стр. 570
المبحث الثالث في (مسائل الطواريء)
تتعلق بهذا المبحث مسألتان مشهورتان:
الأولى: عن حكم نقل الدم لإسعاف المريض أثناء الجراحة.
الثانية: عن حكم الشرع في مخالفة الواقع للتقدير المسبق.
وبيان هاتين المسألتين يتضح في المطلبين التاليين:
стр. 571
المطلب الأول هل يجوز نقل الدم (١) لإسعاف المريض في الجراحة؟
يلجأ الأطباء إلى عملية نقل الدم لمعالجة كثير من الحالات الطارئة التي يصاب فيها المريض بالصدمة الدموية الناشئة عن نزيف الدم من موضع الجراحة.
وفي جل هذه الحالات يعتبر المريض مهددًا بالموت (٢)، الأمر الذي يستدعي إسعافه الفوري بنقل دم من شخص آخر ينبغي أن تتوفر فيه من الناحية الطبية شروط معينة، ولهذا ينشأ السؤال عن حكم نقل الدم في هذه الحالات الضرورية هل هو جائز أم لا؟ وإذا كان جائزًا فما هي شروط جوازه؟ وهل يجوز للإنسان إذا لم يجد من يتبرع له بالدم أن يدفع إليه المال؟.
والجواب: أنه نظرًا لوجود الضرورة الداعية إلى هذا النقل فإنه لا حرج فيه على المريض ولا على الأطباء ولا على الشخص المتبرع (٣)
стр. 572
وذلك لما يأتي:
أولاً: لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (١)، فقد دلت هذه الآية الكريمة على فضل التسبب في إحياء النفس المحرمة، ولا شك في أن الأطباء، والأشخاص المتبرعين بدمائهم يعتبرون متسببين في إحياء نفس ذلك المريض التي تعتبر مهددة بالموت في حالة تركها بدون إسعافها بذلك الدم ونقله.
ثانيًا: لورود النص باستثناء حالات الاضطرار ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
وجه الدلالة:
أن هذه الآية الكريمة وأمثالها من الآيات الأخرى دالة على نفي الإثم عمن اضطر إلى المحرم، والمريض مضطر إلى إسعافه بالدم فيعتبر داخلاً في هذا الاستثناء، ومن ثم لا حرج عليه في طلبه وقبوله، ولا حرج على الغير في تبرعه وبذله، ولا حرج على الأطباء في قيامهم
стр. 573
بتحقيق ذلك عن طريق عملية النقل (١).
ثالثًا: أن المريض لو امتنع من نقل الدم إليه كان متعاطياً للسبب الموجب لهلاكه، وقد حرم الله تعالى عليه تعاطي ذلك السبب كما أشار إلى ذلك سبحانه بقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٣) فلذلك ينبغي عليه قبول التبرع (٤).
رابعًا: أنه لا حرج على الشخص المتبرع في إخراج سائل الدم من جسمه، بل إن خروجه يعتبر علاجًا ودواء، ففيه منفعة ومصلحة لبدنه، ولذلك وردت السنة بمشروعية التداوي بالحجامة كما ثبت ذلك بقوله ﵊ وفعله (٥).
خامسًا: أن نقل الدم في هذه الحالات وأمثالها يعتبر داخلاً في عموم الأمر بالتداوي الذي ثبت في السنة الصحيحة عنه ﵊، لأن علاج الصدمة الدموية يتوقف على النقل فقط، ومن ثم أصبح مندرجًا في عموم قوله ﵊: "تداووا عباد الله فإن الله ما أنزل داءً إلا وضع لَهُ دواء" (٦) فيشرع فعله.
سادسًا: أن بعض الفقهاء ﵏ نصوا في كتبهم على جواز التداوي بالدم عند الحاجة إليه، والحاجة موجودة هنا، بل هي أعلى مراتب الحاجة الموجبة للترخيص شرعًا وهي الضرورة (٧).
стр. 574
سابعًا: أن قواعد الشريعة الإسلامية تقتضي جواز التبرع، إذ من قواعدها أن الضرورات تبيح المحظورات، والضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، والمريض مضطر، ومتضرر، وقد لحقته المشقة الموجبة للهلاك فيجوز نقل الدم إليه (١).
لهذا كله فإنه يجوز نقل الدم والتبرع به للغير، ويعتبر المتبرع والطبيب محسنًا بفعله لما فيه من إنقاذ النفس المحرمة من الهلاك.
وأما شروط جوازه فهي تنحصر في الشروط الأربعة التالية:
الشرط الأول: أن يكون المريض محتاجًا إلى نقل الدم، ويثبت ذلك بشهادة الطبيب العدل.
الشرط الثاني: أن يتعذر البديل الذي يمكن إسعافه به.
الشرط الثالث: أن لا يتضرر الشخص المنقول منه الدم بأخذه منه.
الشرط الرابع: أن يقتصر في نقل الدم على مقدار الحاجة للقاعدة الشرعية: "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها" (٢).
وأما إذا لم يجد الإنسان من يتبرع له بالدم إلا بمقابل فإنه يجوز له دفع ذلك المقابل، ويكون الإثم على الآخذ لأن بيع الدم محرم شرعًا لما ثبت في الحديث الصحيح عنه ﵊ أنه نهى عن ثمن الدم (٣)، وإنما جاز للمريض دفع المقابل لمكان الإضرار.
стр. 575
قال الإمام النووي ﵀ عند بيانه لحكم أخذ الأجرة على فعل المحرم: "وكما يحرم أخذ الأجرة في هذا يحرم إعطاؤها وإنما يباح الإعطاء دون الأخذ في موضع ضرورة" (١) اهـ.
فاستثنى ﵀ من تحريم الإعطاء للحرام ما كان الإنسان مضطرًا إليه، وهذا ينطبق على مسألتنا هنا إذا لم يجد المريض من يتبرع له بالدم إلا بمقابل فيجوز له دفع المقابل والإثم على الآخذ والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 576
المطلب الثاني في (حكم الشرع في مخالفة الواقع للتقدير المسبق)
هذه المسألة من أهم المسائل المتعلقة بطواريء الجراحة الطبية، ويعتبر موقف الأطباء فيها من أحرج المواقف طبيًا وشرعيًا.
وهي تتمثل في كون الأطباء يقدمون على الجراحة، ثم بعد فتح الموضع الذي يراد فعل الجراحة فيه يتبين أن الواقع بخلاف التقدير المسبق الذي توصلوا إليه من خلال التشخيص، وحينئذ يرد السؤال عن حكم الشرع في هذه الحالة هل يقوم الأطباء بقفل موضع الجراحة لكي يرجعوا إلى المريض بعد إفاقته من التخدير فينظروا رأيه؟ أو يقوموا بمعالجة الوضع بما يستحقه من علاج، ولو كان في ذلك زيادة عن القدر الذي وافق عليه المريض أو خروجًا عنه بالكلية؟.
والجواب: أن الأصل يقتضي وجوب أخذ موافقة المريض كما سبق عند بيان شروط جواز الجراحة الطبية.
وعليه فإنه ينبغي على الأطباء أن يحتاطوا بأخذ الإذن المطلق كما هو الحال في كثير من المستشفيات وبهذا الإذن يرتفع الإشكال، ويصبح الأطباء في مأمن من تحمل المسئولية عن فعل الجراحة بدون إذن.
أما لو فرض أنهم لم يحتاطوا بذلك فحينئذ لا يخلو الأمر من حالتين:
стр. 577
الحالة الأولى: أن يمكنهم الرجوع إلى أولياء المريض، وأخذ موافقتهم على فعل الجراحة أو عدم فعلها.
الحالة الثانية: أن لا يمكنهم ذلك بأن خافوا على المريض الهلاك لو تأخروا إلى حضور الأولياء وإخبارهم وحينئذ لا يخلو الوضع من ثلاثة أضرب:
الضرب الأول:
أن يستلزم علاج داء أشد خطرًا من الداء المتوقع، ومن أمثلته أن يكون المقصود من فعل الجراحة استئصال الزائدة فيتضح أنه مصاب بسرطان في أمعائه.
وحكمه: يجوز للأطباء أن يقدموا على استئصال ذلك الداء، وعلاجه، لأن إذن المريض بما هو أخف منه دال ضمنيًا على الإذن بما هو أشد منه ضررًا.
الضرب الثاني:
أن يستلزم علاج داء مماثل في الخطر والضرر، ومن أمثلته أن يكون المقصود من فعل الجراحة استئصال السرطان الموجود في الأمعاء فيتضح أن المريض مصاب به في القولون.
وحكمه: يجوز للأطباء أن يقدموا على استئصاله لأنه في حكم الداء الذي من أجله أذن المريض بالجراحة ومساويًا له في الخطورة والضرر.
стр. 578
الضرب الثالث:
أن يستلزم علاج داء أقل خطرًا وضررًا من الداء المأذون بفعل جراحته، ومن أمثلته: أن يكون المقصود من فعل الجراحة استئصال السرطان فيظهر أنه التهاب في الزائدة.
وحكمه: أن الأصل يقتضي عدم جواز فعله بدون إذن، لكن إن خشي على المريض من ذلك الداء بحيث لو قفل الموضع عسر فتحه ثانية، واشتمل الداء على خطر قد يهدد المريض لو ترك بدون معالجته كما هو الحال في المثال: فإنه يظهر القول بجواز علاجه بالجراحة بدون إذن، ويسقط الإذن قياسًا على الحالات الاضطرارية بجامع الخوف على حياة المريض وتعذر استئذانه في كل.
وأما إذا لم يُخْشَ على المريض الضرر، وأمكن فتح الموضع ثانية فإنه لا يجوز للطبيب أن يقوم بفعل الجراحة ... والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 579
المبحث الرابع في (مسائل الأعضاء)
تتعلق بهذا المبحث مسألتان:
الأولى: كيف يتصرف في الأعضاء المبتورة؟.
الثانية: هل يجوز بيع الأعضاء الآدمية؟.
وبيانهما سيكون في المطلبين التاليين:
стр. 580
المطلب الأول كيف يتصرف في الأعضاء المبتورة ؟
يتساءل الأطباء عن المصير الذي ينبغي أن يكون للأعضاء المبتورة من المرضى هل لهم الخيار في إتلافها بأي وسيلة أم أنهم مطالبون بدفنها؟.
والجواب: أنه ينبغي دفن تلك الأعضاء، إعمالاً للأصل الشرعي الموجب لدفن الإنسان (١) , فكما شرع دفن الجسم كله، كذلك يشرع دفن بعضه.
وإعمالاً لهذا الأصل نجد الفقهاء ﵏ ينصون على أن ما نتف من شعر الميت أثناء غسله يوضع في كفنه إكرامًا للميت (٢).
قال الإمام شمس الدين محمد بن أحمد الرملي الشافعي ﵀: " ... ويرد المنتف إليه استحباباً بأن يضعه في كفنه ليدفنه معه إكرامًا له" (٣) اهـ.
стр. 581
والدفن للأعضاء المبتورة أولى من إحراقها، فإن اشتملت على داء أو مرض معد فإنه تشرع إزالته بالمواد المتلفة للجراثيم الناقلة للمرض، ثم تدفن بعد ذلك، وبناء عليه فإنه ينبغي على المستشفيات دفن تلك الأعضاء أو إعطائها للمرضى بدلاً من إتلافها بالحرق، لما في دفنها من تكريم للآدمي وذلك موافق لمقصود الشرع الحنيف (١) والله أعلم.
* * *
стр. 582
المطلب الثاني هل يجوز بيع الأعضاء الآدمية ؟
يتساءل البعض عن حكم بيع الإنسان لأعضائه على أساس أن تؤخذ منه في حال حياته أو بعد وفاته هل هذا البيع صحيح شرعًا؟.
والجواب: أن من شرط صحة البيع أن يكون الشيء المبيع ملكًا للبائع (١)، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع ما لا يملكه الإنسان (٢)، وأجمع أهل العلم ﵏ على أن الإنسان لو باع ما لا يملكه، ولم يجز مالكه البيع أن بيعه باطل.
قال الإمام ابن حزم ﵀: "واتفقوا على أن بيع المرء ما لا يملك ولم يجزه مالكه ... فإنه باطل" (٣) اهـ.
ومعلوم أن أعضاء الإنسان ليست ملكًا للإنسان، ولم يؤذن له ببيعها شرعًا، فكان بيعها داخلاً في بيع الإنسان لما لا يملكه.
ثم إن بيع الإنسان لأعضائه فيه امتهان له، والله مكرم له فخالف مقصود الشارع من هذا الوجه، ولذلك نجد الفقهاء ﵏ ينصون على حرمة بيع أجزاء الآدمي، ويعللون التحريم بكون بيعها مخالفًا لتكريم الله تعالى للإنسان (٤).
стр. 583
قال الشيخ علاء الدين الحصكفي ﵀ عند بيانه لما يجوز بيعه: "وشعر الإنسان لكرامة الآدمي ولو كان كافرًا ... " (١) اهـ.
أي يحرم بيع شعر الإنسان ولو كان كافرًا؛ لأن الآدمي مكرم.
وعلى هذا فإنه لا يجوز بيع الأعضاء الآدمية لانتفاء شرط صحة البيع، ولكونه مخالفًا بمقصود المولى سبحانه من تكريمه الآدمي عن الابتذال بالبيع، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 584
المبحث الخامس في (مسائل التخدير)
يتعلق بهذا المبحث ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: هل يؤاخذ المريض بإقراره أثناء التخدير والإفاقة؟.
المسألة الثانية: هل يصح طلاق المريض المخدر؟.
المسألة الثالثة: هل يقضي المريض الصلاة بعد إفاقته؟.
وبيان هذه المسائل يتضح في المطالب الثلاثة التالية:
стр. 585
المطلب الأول هل يؤاخذ المريض بإقراره أثناء التخدير والإفاقة ؟
يتساءل بعض المختصين بالتخدير عن حكم إقرار المريض أثناء التخدير واعترافه بحقوق الله تعالى وغيرها كالمعاصى التي توجب الحد الشرعي هل يؤاخذ عليها، وتشرع الشهادة عليه بها حُسْبَةً أم لا؟.
والجواب: أن إقرار المريض أثناء التخدير الجراحي وعند الإفاقة لا يعتبر إقرارًا صحيحًا من الناحية الشرعية نظرًا لأن شرط صحة الإقرار أن يكون المقر عاقلاً (١)، والمخدر فاقد للإدراك والشعور ومن ثمَّ تخلف فيه شرط صحة إقراره فلا يقبل منه (٢).
والأصل في اشتراط هذا الشرط ما ثبت في الصحيح من حديث بريدة بن الحصيب ﵁ في قصة ماعز بن مالك ﵁ لما اعترف بالزنى عند النبي ﷺ وردّه أربع مرات، ثم قال النبي ﷺ : "أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: أشربت خمرًا؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر ... " (٣). فقد دل هذا الحديث على عدم صحة إقرار الشخص الفاقد لعقله بسبب الجنون أو السكر.
стр. 586
قال الإمام الصنعاني (١) ﵀ في شرحه لهذا الحديث: "وفي قوله: أشربت خمرًا؟ دليل على أنه لا يصح إقرار السكران" (٢) اهـ.
والشخص المخدر في الجراحة يعتبر فاقدًا لعقله بسبب تأثير المخدر الذي أذن له به شرعًا.
وقد قال الإمام ابن قدامة ﵀: "ومن زال عقله بسبب مباح، أو معذور فيه فهو كالمجنون لا يسمع إقراره بلا خلاف" (٣).
وبناء على ذلك فإنه لا يعتد بهذا الإقرار، ولا تترتب عليه الآثار الشرعية؛ لعدم تحقق شرط صحته، سواء كان متضمنًا لحق الله تعالى كحد الزنا، أو حق عباده كالأموال ونحوها ... والله أعلم.
* * *
стр. 587
المطلب الثاني هل يصح طلاق المريض المخدر ؟
يتلفظ بعض المرضى بالطلاق بسبب تأثير المواد المخدرة عليهم، ويتساءل البعض عن حكم هذا الطلاق هل هو نافذ شرعًا أم غير نافذ؟.
والجواب: أن المريض أثناء تخديره يعتبر فاقدًا لعقله على وجه يعذر فيه شرعًا ومن ثم فإن طلاقه لا يصح منه ولا يقع، لأنه كالمجنون، والنائم.
وقد أجمع أهل العلم على أن طلاق المجنون والنائم لا يقع (١)، فكذلك المريض المخدر بجامع فقد كل منهما للعقل بسبب مباح ومعذور فيه شرعًا.
وقد نص الفقهاء ﵏ على أن من فقد عقله على وجه يعذر فيه شرعًا لا يصح طلاقه ولا يقع (٢).
وقال الإمام القرطبي ﵀: "لا يختلفون أن من شرب البنج فذهب عقله أن طلاقه غير جائز، فكذلك من سكر من الشراب" (٣) اهـ.
قلت: ومن باب أولى من سكر على وجه مباح كالمريض في الجراحة. والله أعلم.
стр. 588
المطلب الثالث هل يقضي المريض الصلاة بعد إفاقته ؟
يتساءل البعض عن حكم الصلوات التي خدر المريض أثناء وقتها ولم يتمكن من أدائها فيه هل مطالب بعد الإفاقة بقضاء تلك الصلوات أم لا؟
والجواب: أنه ينبغي على الأطباء أن يراعوا في وقت الجراحة مواقيت الصلاة فإذا احتاجوا لتخدير المريض وأمكن تأخير التخدير إلى ما بعد دخول الوقت بيسير يتمكن فيه المريض من فعل الصلاة فإنه يجب عليهم ذلك، أما إذا لم يمكنهم ذلك مثل الحالات التي يخشى فيها على المريض إذا أخر، ولم يبادر بفعل الجراحة اللازمة، فإنه حينئذ يجوز لهم التخدير ولو على وجه تفوت به الصلاة، ومن ثم يشرع للمريض أن يؤخر الظهر إلى وقت العصر ويصليهما معًا جمع تأخير، وكذلك المغرب مع العشاء، فيصليهما معًا بعد إفاقته.
وأما بالنسبة لقضاء الصلوات التي فاتت فإنه يشرع له إذا خدر أن يقضيها بعد الإفاقة، وذلك لأن زوال العقل بالسبب المباح من الخمر ونحوها لا يسقط المطالبة بالقضاء كما نص على ذلك الفقهاء ﵏ (١).
قال الإمام علاء الدين الحصكفي ﵀: " .. زال عقله ببنج، أو خمر أو دواء لزمه القضاء وإن طالت لأنه بصنع العباد كالنوم" (٢) اهـ.
وعلى هذا فإنه يشرع للمريض بعد إفاقته أن يقضي الصلوات التي فاتته بسبب زوال عقله بالمخدر والله تعالى أعلم.
стр. 589
المبحث السادس في (مسائل الإجارة على فعل الجراحة)
تتعلق بهذا المبحث جملة من المسائل منها ما يرجع إلى مشروعية الإجارة على فعل الجراحة، ومنها ما يرجع إلى الشروط التي ينبغي توفرها في ذلك العقد المشروع، ومنها ما يرجع إلى استحقاق الطبيب للأجرة، ومنها ما يرجع إلى انفساخ عقدها.
وعلى هذا فإن بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه المسائل سيكون في المطالب الأربعة التالية:
стр. 590
المطلب الأول مشروعية الإجارة على فعل الجراحة
دلت الأدلة الشرعية على جواز الإجارة على فعل الجراحة الطبية، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: "احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجام أجره" (١).
فقد دل هذا الحديث الشريف على جواز الإجارة على فعل الحجامة، وهي ضرب من الجراحة الطبية، ولذلك يعتبر أصلاً في جواز الإجارة على الجراحة بمختلف صورها، بل إن الحافظ ابن حجر ﵀ اعتبره أصلاً في جواز إجارة الطبيب للعلاج عمومًا، فقال ﵀ في شرحه: "وفيه الإجارة على المعالجة بالطب" (٢) اهـ.
وثبت في الصحيحين عنه ﵊ أنه أقر النفر الذين رقوا سيد الحي لما لُدغ فشُفي بإذن الله تعالى، فأعطوهم قطيعًا من الغنم، فقال ﵊: "اقسموا واضربوا لي بسهم معكم" (٣) اهـ.
قال الإمام موفق الدين عبد اللطيف البغدادي ﵀: "في أخذهم القطيع دليل على جواز أخذ الأجرة على الطب والرقى، ويؤيد ذلك قوله ﷺ : "اضربوا لي معكم بسهم" (٤) اهـ.
стр. 591
فقوله ﵀: "على الطب" عام يشمل الجراحة لأنها فرع من فروعه قديمًا وحديثًا، وقد أجمع أهل العلم ﵏ على مشروعية الإجارة على فعل المنافع المباحة (١)، والجراحة تعتبر منفعة مباحة فيجوز الاستئجار على فعلها، وقد أشار الإمام أبو محمد عبد الله بن قدامة ﵀ إلى مشروعية الإجارة على فعل الجراحة، فقال ﵀: "ويجوز الاستئجار على الختان، والمداواة، وقطع السلع لا نعلم فيه خلافًا ... " (٢) اهـ.
وكما دل دليل النقل على مشروعية الإجارة على فعل الجراحة دل العقل على ذلك أيضًا من الوجوه التالية:
الوجه الأول:
تجوز الإجارة على فعل الجراحة كما تجوز على الأفعال المباحة بجامع كون كل منهما فعلاً مأذونًا به شرعًا (٣).
الوجه الثاني:
تجوز الإجارة على فعل الجراحة كما تجوز على فعل الختان بجامع كون كل منهما منفعة مباحة مقصودة (٤).
الوجه الثالث:
стр. 592
أننا لو قلنا بعدم جواز الإجارة على فعل الجراحة، لأدى ذلك إلى الحرج والمشقة؛ لقلة من يفعلها من الأطباء بدون مقابل، وكل من الحرج والمشقة منتف في الشرع، فوجب انتفاء موجبها (١).
لهذه الأدلة النقلية والعقلية ذهب الفقهاء ﵏ إلى جواز الإجارة على الجراحة، فقد نصوا في كتبهم على جواز الإجارة على صورها المعروفة في زمانهم كجراحة الختان والفصد، وقلع السن الوجعة، وقطع اليد المتآكلة (٢)، ووقع خلاف بينهم في حكم الإجارة على نوع واحد منها وهو الحجامة هل تصح الإجارة عليها أم لا؟ وبيان خلافهم في ذلك يتضح في المسألة التالية:
مسألة: هل تجوز الإجارة على الحجامة ؟.
اختلف أهل العلم ﵏ في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
تجوز الإجارة على الحجامة، ويكره للحر أكل ثمنها. وهو مذهب الحنابلة (٣).
стр. 593
القول الثاني:
تجوز الإجارة على الحجامة.
وهو قول عبد الله بن عباس (١) ﵄، وعكرمة (٢)، والقاسم (٣)، ومحمد بن علي (٤)، وربيعة (٥)، ويحيى الأنصاري (٦)، والليث بن سعد (٧).
стр. 594
وهو مذهب الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) ﵏.
القول الثالث:
لا تجوز الإجارة على الحجامة ولا تصح.
وهو قول عثمان (٤)، وأبي هريرة (٥) ﵄، والحسن البصري (٦)، وإبراهيم النخعي (٧). وهو مذهب الظاهرية (٨)
стр. 595
-﵏.
محل الخلاف:
ينحصر محل الخلاف بين المجيزين والمانعين في حال المشارطة، أما لو أعطاه بدون سبق مشارطة فإن المانعين يجيزون له أكل ذلك الكسب ولا يحرمونه (١).
الأدلة:
(١) دليل القول الأول:
اشتمل القول الأول على أمرين: صحة الإجارة، وكراهة أكل ثمنها للحر. فأما صحة الإجارة فقد احتجوا له بدليل السنة والعقل:
أ- دليلهم من السنة:
حديث عبد الله بن عباس -رضي. الله عنهما- أنه قال: "احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجام أجره" (٢).
حديث أنس ﵁ أنه قال: "حجم رسول الله ﷺ أبو طيبة فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا عنه" (٣).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ أعطى الحجام أجرته، فلو كانت الإجارة على فعل
стр. 596
الحجامة محرمة لما فعلها، ولما أعطى الحجام تلك الأجرة، ولذلك قال عبد الله بن عباس ﵄ بعد روايته الحديث: "ولو كان سحتًا لم يعطه النبي ﷺ " (١).
ب- دليلهم من العقل:
استدلوا بالعقل من أربعة أوجه وهي:
الوجه الأول:
تجوز الإجارة على الحجامة كما تجوز على الختان والفصد بجامع كون كل منهما منفعة مباحة (٢).
الوجه الثاني:
تجوز الإجارة على الحجامة كما تجوز على الخياطة والبناء بجامع كون كل منهما منفعة مباحة (٣).
الوجه الثالث:
تجوز الإجارة على الحجامة كما تجوز على الرضاع بجامع وجود الحاجة إلى فعل كل (٤).
الوجه الرابع:
أن الحاجة داعية إلى فعل الحجامة والتداوي بها، وليس كل
стр. 597
إنسان يبذلها بدون مقابل، ففي منع الإجارة عليها حرج (١).
وأما كراهة أكل الحر لأجرة الحجامة، فقد استدلوا لها بالسنة والعقل أيضًا:
أ- دليلهم من السنة:
حديث مُحَيّصَةَ بن مسعود ﵁ أنه استأذن النبي ﷺ في إجارة الحجام فنهاه عنها، ولم يزل يسأله، ويستأذنه حتى قال: "أعلِفْهُ نَاضحَك، أو أطعمه رقيقك" (٢).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ أمره بإطعامه الرقيق، والرقيق آدمي كالحر يمنع ما يمنع منه الحر، فكونه يبيح له إطعامه الرقيق فيه دليل على حل أكل أجرة الحجامة وكسبها، والأمر بإطعام ذلك الكسب للرقيق فيه دليل على كراهة أكل الحر له (٣).
ب- دليلهم من العقل:
يكره للحر أكل أجرة الحجامة والتكسب بها، كما يكره له الكسح بجامع دناءة الحرفة في كل (٤).
стр. 598
(٢) دليل القول الثاني:
استدل القائلون بصحة الإجارة على فعل الحجامة، وأنه يجوز أكل أجرتها بنفس الأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول في الفقرة الأولى من استدلالهم.
(٣) دليل القول الثالث:
استدل القائلون بتحريم الإجارة على فعل الحجامة بدليل السنة:
أ- حديث أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ نهى عن كسب الحجام ... " (١).
ب- حديث رافع بن خديج ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " ... كسب الحجام خبيث" (٢).
جـ- حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "حرم رسول الله ﷺ كسب الحجام" (٣).
وجه الدلالة من الأحاديث:
أنها نصت على حرمة كسب الحجام لأن الأصل في النهي أنه للتحريم، وكذلك وصفه كسب الحجام بالخبث ظاهر في الدلالة على حرمته، وأما حديث أنس فصريح في الدلالة على عدم جواز ذلك الكسب (٤).
стр. 599
سبب الخلاف:
سبب اختلافهم في هذه المسألة تعارض الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ (١).
الترجيح:
الذي يترجح في نظري، والعلم عند الله، هو القول بصحة الإجارة على فعل الحجامة، وكراهية أكل ثمنها للحر خاصة وذلك لما يأتي:
أولاً: لصحة دلالة النقل والعقل على ذلك، كما تقدم بيانه في استدلال أصحاب هذا القول.
ثانيًا: أن هذا القول فيه جمع بين الأدلة، ودفع لدعوى التعارض والجمع بين الأدلة أولى من العمل ببعضها، وترك البعض الآخر.
ثالثًا: وأما استدلال أصحاب القول الثالث فيجاب عنه من الوجوه التالية:
الوجه الأول:
أن حديث أبي هريرة ﵁ اشتمل على النهي عن كسب الحجام، والأصل في النهي أن يحمل على التحريم ولكن بشرط عدم وجود الصارف، وهنا قد وجد الصارف من قول النبي ﷺ وفعله.
стр. 600
فأما قوله فذلك في أمره لأبي رافع ﵁ في حديثه الصحيح. وأما فعله فذلك في إعطائه الحجام أجرته، إذ لا يصح أن يعطي النبي ﷺ الحرام أو يعين عليه (١).
الوجه الثاني:
أن وصف كسب الحجامة بالخبيث كما ورد في حديث أبي رافع ﵁ لا يستلزم التحريم. ولذلك ورد وصف الثوم والبصل بالخبيث، مع أنهما من المباحات (٢).
الوجه الثالث:
أن حديث أنس ﵁ لم أعثر على من صححه، وهو معارض بما ثبت عنه في الصحيحين أنه سئل عن كسب الحجام فذكر احتجام النبي ﷺ وإعطاءه لأبي طيبة الصاعين أجرة للحجامة، فكونه لم يذكر تحريم النبي ﷺ فيه إشارة إلى بعد صحة رواية التحريم، وإن كان التحريم واردًا من طرق صحيحة عن غيره من الصحابة.
إلا أن يقال إنه كان عالمًا بالتحريم، ولم يذكره لكونه منسوخًا وهذا هو مسلك بعض العلماء ﵏ في جمعهم بين هذه الأحاديث المختلفة فإنهم يرون أن النهي كان في أول الأمر ثم نسخ (٣).
وعلى كل فإن حديث أنس ﵁ هذا إما ضعيف، أو