← Сира

Сира · id 10816

صحيح الأثر وجميل العبر من سيرة خير البشر (صلى الله عليه وسلم)

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (307 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة أم القرى معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي صَحِيحُ الأثَر وجَمَيلُ العبر من سيرة خير البشر ﷺ تأليف د. محمد بن صامل السُّلَميُّ أستاذ التاريخ الإسلامي المشارك د. عبد الرحمن بن جميل قصَّاص الأستاذ المشارك في قسم الدعوة د. سعد بن موسى الموسى أستاذ التاريخ الإسلامي المشارك د. خالد بن محمد الغيث أستاذ التاريخ الإسلامي المساعد توزيع مكتبة روائع المملكة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

صَحِيحُ الأثَر وجَمَيلُ العَبر من سِيرَة خَيْر البَشَر ﷺ )

стр. 4

جامعة أم القرى ١٤١٣هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر السلمي، محمَّد بن صامل صحيح الأثر وجميل العبر من سيرة خير البشر ﷺ محمَّد بن صامل السلمي- مكة المكرمة ١٤١٣هـ ٣٢٠ ص؛ ١٧×٢٤ ردمك: ٧ - ٩٥٢ - ٠٣ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ ١ - السيرة النبوية أ- العنوان ديوي ٢٢٩ ٦١٩٧/ ١٤٣١ رقم الإِيداع: ٦١٩٧/ ١٤٣١ ردمك: ٧ - ٩٥٢ - ٠٣ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ حقوق الطبع محفوظة لمعهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي الطبعة الأولى ١٤٣١هـ- ٢٠١٠م توزيع: مكتبة روائع المملكة المملكة العربية السعودية -جدة- ص. ب ١٩٨٠١ جدة ٢١٤١٤ تليفون: ٦٨٨٢٠١٣ - ٦٨٨٢٠١٧ فاكس: ٦٨٨٢٠١٨ البريد الإِلكتروني: rawaemamlaka@hotmail.com

стр. 5

راجع هذا الكتاب لجنة من أساتذة الجامعة هم: ١ - د. عابد بن محمَّد السفياني. عميد كلية الشريعة سابقا وعضو مجلس الشورى ٢ - د. عبد الله بن عمر الدميجي. عميد كلية الدعوة وأصول الدين سابقا ٣ - د. عبد الله بن حسين الشنبري رئيس قسم التاريخ والحضارة الإِسلامية ٤ - د. عبد العزيز بن عبد الله السلومي. أستاذ مشارك بقسم الدراسات العليا التاريخية ٥ - د. خالد بن عبد الله القرشي. رئيس قسم الدعوة سابقا ٦ - د. صالح بن عبد الله الفريح. وكيل كلية الدعوة وأصول الدين للدراسات العليا

стр. 6

المقدمة الحمد لله رب العالمين الإِله الملك الحق المبين، والصلاة والسلام على إِمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، رسول الله محمَّد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فهذا كتاب في السيرة النبوية وبيان أهميتها لحياة المسلمين، وحاجتهم بل وضرورتهم إِلى معرفتها والاهتداء بهدي صاحبها ﷺ ، والاقتداء به وسلوك طريقته لبناء الجيل الذي يؤمل منه إِجادة صناعة الحياة الصحيحة، والعودة بالأمة إِلى سابق عهدها وسلفها الصالح، والخروج من المأزق الذي تعيشه. فما أحوج أمة الإِسلام اليوم إِلى بناء النخبة وثُلّة النصر التي تفهم الرسالة، وتدافع أقدار الله بأقدار الله، وتؤسس للنهضة الحضارية بمفهومها الشمولي الصحيح كما صنع أسلافها من أصحاب نبينا ﷺ . إِن البناء العقدي الإِيماني المؤسس على الحقائق والبراهين هو القاعدة التي عمل النبي ﷺ على ترسيخها طيلة فترة الرسالة، وكان الوحي يتنزل عليه مرة تلو الأخرى مؤكدًا على هذه الحقيقة لأن العقيدة هي نبع التربية، وميزان السلوك، وحجر الزاوية في الفكر والتوجه. وعلى أساس البناء العقدي كان البناء السلوكي الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والإِداري بل والسياسي تسير جنبًا إِلى جنب متكاملة ومتوازية في نسق واحد، جَمعٌ لشتات النفس، وتوجيه الهمّ ليكون همًا واحدًا، وبذلك نَمَت الأمة وتكاملت شخصيتها واشتد عودها، وأثمرت علمًا وأدبًا وحضارة باسقة البناء وارفة الظلال، بسطت أشعتها

стр. 7

ونور هديها على البشرية، فأخرجتها من ظلمات الجهل والظلم والاستكبار إِلى نور الحق والرحمة والعدل في أصدق معانيها وأجلى صورها. وإِن دراسة السيرة بهذه المعاني العميقة والنصوص الواضحة ستضفي على دارسها الأمن والطمأنينة وسعادة الحياة، والرغبة المستمرة في الدراسة والتأمل في دلائلها وفوائدها مما يدفع للاقتداء والتأسي. ومادة السيرة النبوية مادة تربوية سلوكية قبل أن تكون معرفية، ولهذا أقرها مجلس جامعة أم القرى ضمن متطلبات الجامعة في كل التخصصات اعتبارًا من العام الدراسي ١٤١٦/ ١٤١٧هـ، وقد أوصى مجلس الجامعة بتأليف كتاب ليكون مقررًا في المادة يحقق أهداف تقريرها ويشمل مفرداتها، ومن ثم صدر قرار معالي مدير الجامعة المؤرخ في ٧/ ١٠ /١٤٢٥ هـ بتكليف عدد من المتخصصين في السيرة النبوية من قسم التاريخ والحضارة الإِسلامية بكلية الشريعة والدراسات الإِسلامية، والمتخصصين من قسم الدعوة في كلية الدعوة وأصول الدين بتأليف الكتاب، كما تضمن القرار تكليف لجنة لمراجعة الكتاب. وأتمت اللجنتان عملهما من تأليف الكتاب ومراجعته -ولله الحمد-. وقد جرى تقسيم الكتاب إِلى تمهيد وخمسة فصول. عني التمهيد ببيان أهداف دراسة السيرة النبوية ومصادرها وأقسامها، وجملة من فوائد دراستها ذات الارتباط بمقاصد الشريعة وأحوال المتعبدين، عسى أن تكون مساعدة في البناء التربوي للأمة وإخراج الجيل الحاضر من مشكلاته وتوجهاته المتشعبة، والعودة به إِلى المصدر الحق والمنبع الصافي (الكتاب والسنة) وسيجد فيهما الهدى والشفاء لكل العلل والأمراض التي أصابته إِذا أخلص النية ووحّد المقصد، وارتفع عن الشهوات الهابطة وتحرر من الأفكار الوافدة، واهتم بمعالي الأمور، وما السيرة النبوية إِلا تطبيق عملي للوحي المنزل على رسول الله ﷺ .

стр. 8

كما تم الحديث في التمهيد -بإِيجاز- عن جغرافية جزيرة العرب وأقسامها وأحوالها قبيل البعثة النبوية، وعن حرمة مكة المكرمة وما أحاطها الله به من القداسة، وعن أصول العرب وقبائلهم وأحوالهم السياسية والدينية والاجتماعية. أما الفصول الخمسة: فقد تتبعت السياق التاريخي لأحداث السيرة النبوية فيما قبل البعثة، ثم العهدين المكي والمدني بعد النبوة والرسالة بإِجمال في الأحداث واهتمام بالدروس والعبر. فكان الفصل الأول: عن الرسول ﷺ من مولده إِلى بعثته، حيث ختم الفصل ببيان بعض إِرهاصات النبوة وبشائر الخير التي وقعت قبل نزول الوحي عليه. أما الفصل الثاني: فخصص للحديث؛ عن العهد المكي: من البعثة والرسالة إِلى الهجرة إِلى المدينة النبوية. والفصل الثالث: كان الحديث فيه عن الهجرة النبوية إِلى المدينة، وترتيب أوضاع المدينة، وبناء المؤسسات، وتنظيم أحوال المجتمع. وخصص الفصل الرابع: للحديث عن الجهاد النبوي المتمثل في المواجهة مع المشركين من خلال السرايا وعقد المعاهدات والغزوات وما تخللها من مواقف. وكان الفصل الخامس: عن انتشار الإِسلام ودخول الناس في دين الله أفواجا بفتح مكة وتتابع الوفود من قبائل العرب على رسول الله ﷺ في المدينة وخاصة في العام التاسع وما تبع ذلك من أحداث ثم حجة الوداع ووفاة النبي ﷺ ، وختم الفصل بصفات النبي ﷺ وأخلاقه وشمائله، وتعريف موجز بزوجاته أمهات المؤمنين الطاهرات، وحكمة تعددهن. وقد كتب التمهيد والفصل الأول وبعض الفصل الثاني حتى الجهر بالدعوة، الدكتور: محمَّد بن صامل السلمي، وكتب بقية الفصل الثاني والفصل الثالث الدكتور:

стр. 9

عبد الرحمن بن جميل قصاص، وكتب الفصل الرابع الدكتور: خالد بن محمَّد الغيث، وكتب الفصل الخامس الدكتور: سعد بن موسى الموسى. هذا وقد قامت لجنة المراجعة بعملها حيث قدم كل عضو تقريرا منفصلًا، وقد أخذت لجنة التأليف بملاحظاتهم القيمة وتصويباتهم. ولقد حرصنا في هذا الكتاب على الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة، والروايات المعتمدة في أحداث السيرة النبوية لأن البناء العلمي والتربوي لا بد أن يكون مؤسسًا على نصوص صحيحة، ومصادر موثوقة حتى يصح التأسي والاقتداء. ونسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب وأن يجعله من العمل الخالص لوجهه إِنه سميع مجيب. المؤلفون ربيع الأول ١٤٢٨ هـ

стр. 10

قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ سورة الأحزاب آية ٢١. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ... وددتُ أنا قد رأينا إِخواننا، قالوا: أو لسنا إِخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإِخوانُنا الذين لم يأتوا بعد ... الحديث. (رواه مسلم في صحيحه كتاب الطهارة، باب استحباب إِطالة الغرة ح ٢٤٩). عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: وليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحب إِليه من أن يكون له مثل أهله وماله. (صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإِسلام ح ٣٥٨٩).

стр. 11

التمهيد تعريف السيرة النبوية السيرة لغة السيرة: الطريقة يقال سار بهم سيرة حسنة. والسيرة الهيئة وفي التنزيل الكريم: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ (١). وسَيّر سِيرة: حدّث أحاديث الأوائل (٢). السيرة اصطلاحًا في الاصطلاح: لها دلالات متنوعة، فقد تكون مرادفة لمعنى السُّنة عند علماء الحديث، وهو ما أضيف إِلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة. كما تعني السنة طريقة النبي ﷺ وهديه عند علماء العقيدة وأصول الدين، وهو من معاني السيرة. أما علماء التاريخ؛ فالسيرة عندهم هي: أخباره ومغازيه ﷺ . وهذه الدلالات والمعاني ليست متضادة إِنما هي متنوعة ومتكاملة وبهذا نستطيع أن نقول في تعريف السيرة النبوية اصطلاحًا: في دراسة حياة النبي ﷺ وأخبار أصحابه على الجملة، وبيان أخلاقه وصفاته وخصائصه ودلائل نبوته، وأحوال عصره. فالسيرة النبوية تشمل كل ما يتعلق بالنبي ﷺ ، وأحوال عصره، وأخبار أصحابه، لأن السيرة هي: فعله- ﷺ وإِقراره لفعل أصحابه ﵃ (٣).

стр. 12

أهداف ومقاصد دراسة السيرة النبوية إِن دراسة السيرة النبوية ليست كدراسة سيرة بطل من الأبطال فحسب- وإن كان هو ﷺ بطل الأبطال- فلا تُقْرأ وتتعلم لأجل المعرفة وإشباع رغبة حب الاستطلاع وزيادة الرصيد المعرفي فقط وإِنما تدرس لأهداف ومقاصد عظيمة نشير إِلى بعضها: ١ - معرفة مقاصد الشريعة وأحوال المتعبدين وذلك للبحث فيها عن الهدى والصراط المستقيم ومرضاة رب العالمين، لأن السيرة مصدر من مصادر التشريع ومنهج لحياة كل مسلم ومسلمة، ولابد أن يدرك القارئ للسيرة النبوية أهميتها التربوية والتشريعية والاجتماعية والإِدارية والسياسية، لأنها تطبيق عملي لنصوص الوحي في كافة مناحي الحياة ألإِنسانية. ٢ - تحصيل الدروس والعبر إِن السيرة العطرة مليئة بالدروس والعبر التي لا يدركها إِلا من تعلمها بقصد الاتباع لصاحبها ﵊، والتربية على مقاصدها وعبرها، فهي مادة تربوية سلوكية تبني الشخصية السوية المتكاملة وتقوِّم السلوك المعوج. ولذا فإِنه يجب على العلماء والمربين الاعتناء بدراسة السيرة النبوية، والحرص على ما صح من أخبارها حتى يحصل التأسي والمتابعة على الوجه الصحيح. وإِن المناهج التربوية والدعوات الإِصلاحية يجب أن تقتبس من هدي المصطفى ﷺ ، وتلتزم به اعتقادًا وسلوكًا ومنهج تفكير، وتأخذ من التجارب الناجحة ما لا يتعارض مع الأدلة الشرعية. ٣ - الاطلاع على مآثر جيل الصحابة وكيف تحققت لهم السيادة والريادة السيرة النبوية معين لا ينضب وتراث لا يبلى لكل من رجع إِليها وتأدب بأدبها واقتبس من مشكاتها وقد فقه الصحابة ﵃ هذه المعاني في السيرة، وأدركوا أهميتها، فكانت مع القرآن الكريم هي منهج التربية للأجيال ومادة البناء الفكري والسلوكي،

стр. 13

ومحط الاهتمام والعناية. يقول علي بن الحسين زين العابدين (١): كنا نعلّم مغازي رسول الله ﷺ كما نُعلّم السورة من القرآن (٢) وكان إِسماعيل بن محمَّد بن سعد بن أبي وقاص يُحَفِّظ أبناءه مغازي رسول الله ﷺ وَيَعُدّها عليهم، ويقول: "هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها" (٣). وبهذا المنهج العالي كان جيل الصحابة رضوان الله عليهم، ثم التابعون، أرقى أجيال الأمة وأقواها علمًا وعملًا وأثرًا في واقع الحياة وبناء الحضارة، فكانوا قادة وسادة، معتزين بمنهجهم، مؤثرين في غيرهم غير متأثرين، فقد حققت السيرة النبوية للجيل الأُول السيادة والريادة في كل الميادين الخيرة النافعة، ونشروا العدل والأُمن والإِسلام في كل بلد وصلوا إِليه، وانتشر فيه نور الحق. وقد تحققت السيادة والريادة للجيل الأول عندما صدق في التأسي والمتابعة للرسول ﷺ ، فتمكن من التطبيق الواقعي لنصوص القرآن والسنة، ولا بد لاستئناف الحياة الإِسلامية الصحيحة من تمثل السيرة النبوية في الواقع المعاش على مختلف المستويات، وفي كل المواقع والنواحي، وأن تكون دراستنا للسيرة النبوية بهذه المعاني العميقة، والنظرة الشاملة، والفقه الواعي، حتى نصنع جيل النهضة، وثلة النصر، وقاعدة التمكين للأمة. ٤ - تحصيل القدوة والتأسي بالنبي ﷺ جعل الله في سيرته وتصرفاته ﷺ تنوعًا وشمولًا لكل جانب من جوانب الحياة

стр. 14

ومواقفها المتغيرة، لتكون مساحة الاقتداء والتأسي واسعة وشاملة لكافة القدرات البشرية بفروقها الفردية وسجاياها الفطرية. فالرسول ﷺ قدوة لكل المسلمين على مختلف عصورهم، وتعدد مواقعهم الجغرافية، وأحوالهم العلمية، ومراكزهم الإِدارية. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (١). قال الحافظ ابن كثير (٢): هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أُمِر الناس بالتأسي بالنبي ﷺ يوم الأحزاب، في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من الله ، قال تعالى- للدَّين تقلقلوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا- في أمرهم يوم الأحزاب- ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله؟ ثم قال مخبرًا عن عباده المؤمنين المصدقين بموعود الله لهم، وجعله العاقبة حاصلة لهم في الدنيا والآخرة-: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (٣) أي هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب، والمراد كما قال ابن عباس ﵄، وقتادة: قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٤).

стр. 15

فالآية الآمرة بالتأسي بالرسول ﷺ نزلت بمناسبة غزوة الأحزاب حين رمى أهل الشرك والكفر المسلمين عن قوس واحدة وتحزبوا عليهم، حيث زلزلت النفوس وبلغت القلوب الحناجر، وكاد أن يهتز الاقتداء لتأخر النصر، فجاءت لتؤكد أن الاقتداء يكون في مواطن الشدة والصبر، والبأس والضيق، ومؤشرات فوت الحياة الدنيا كما يكون في اليسر، وتبين أن الارتباط بالآخرة هو سبيل الصمود والحماية من السقوط، فالاقتداء يكون في اليسر والعسر وعلى كل الأحوال. وإِن قيمة الاقتداء وفائدته وعطاءه، وعظيم ثوابه إِنما يكون في العزائم والقضايا الكبيرة التي قد يُمتحن صاحبها في صدق إِيمانه وقوة يقينه، فتفوته بعض النتائج في الدنيا ويخسر المعركة، لكن الاقتداء يحميه ويحول بينه وبين السقوط، ويرتفع به من الوقوف عند النتائج القريبة إِلى إِبصار العواقب والمآلات، ذلك أن نقطة الارتكاز في الاقتداء هي رجاء اليوم الآخر، واستمرار ذكر الله الذي يُجَلِّي هذه الحقيقة ويؤكد حضورها واستمرارها (١). ٥ - التكامل والشمول في فهم النصوص الشرعية واحترام نصوصها الصحيحة الثابتة لقد يسر الله لهذه السيرة من يقوم على حفظها والعناية بأدق تفاصيلها حتى كأنك تنظر إِلى صاحبها ﷺ وأحواله رأي العين، والتاريخ شاهد على أنه لا توجد سيرة في الدنيا مثل سيرته ﷺ من الوضوح والكمال والصدق. يقول الأستاذ سليمان الندوي: إِن حياة العظيم الذي يجدر بالناس أن يتخذوا منها قدوة لهم في الحياة ينبغي أن تتوافر فيها أربع خصال:

стр. 16

(١) أن تكون تاريخية، أي أن التاريخ الصحيح الممحص يصدقها ويشهد لها. (٢) أن تكون جامعة، أي محيطة بأطوار الحياة ومناحيها وجميع شؤونها. (٣) أن تكون كاملة، أي متسلسلة لا ينقص فيها شيء من حلقات الحياة لذلك العظيم. (٤) أن تكون عملية، أي أن الدعوة إِلى الفضائل والمبادئ والواجبات بعمل الداعي وأخلاقه لا بمجرد قوله، وأن يكون كل ما دعا إِليه بلسانه قد حققه بسيرته، وعمل به في حياته الشخصية والعائلية والاجتماعية، وبهذا تكون أعماله مُثلًا عُليا للناس يتأسون بها (١). ٦ - اتخاذ السيرة النبوية منهجًا معياريًا إِن السيرة النبوية ليست مجرد حوادث تاريخية تؤخذ منها العبر والعظات فحسب، وإِنما هي فوق هذا كله، تجسيد عملي للوحي الذي يُقتدى به، وهي منهج واضح يهتدى بهداه، وصراط مستقيم يُسلك ويُتبع، لأنها منهج معياري غير خاضع لحدود الزمان والمكان وإِنما تقاس إِليه الأعمال والمواقف، وتُعَاير عليه الاجتهادات والآراء وتوزن بميزانه الحق. يقول الدكتور فاروق حمادة: السيرة النبوية تجسيد حي لتعاليم الإِسلام كما أرادها الله تعالى أن تطبق في عالم الواقع، فتعاليم الإِسلام لم تنزل لتحصر بين جدران المساجد وداخل أروقة بيوت العلم الشرعي وكلياته، بل تنزلت من الحكيم العليم لتكون سلوكًا إِنسانيًا ومنهجًا حياتيًا يعيشها الفرد المسلم في نفسه وشخصه، ويدركها في واقعه ومجتمعه، وَيَشِبُ عليها فتصبح جزءًا لا يتجزأ من كيانه، ويتصرف على هديها في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل موقف وشأن.

стр. 17

فالمبدأ النظري يُرى ماثلًا قائمًا في شخص صاحبه، وهذا ما نجده في السيرة النبوية، حيث كان رسول ﷺ يُجسِّد تعاليم الإِسلام كما أرادها الله تعالى أن تطبق في عالم الأحياء والبشر، وذلك في جميع أحواله وظروفه، نومًا ويقظة، سِلْمًا وحربًا، جِدًا ومداعبة، غَضَبًا ورضا، فردًا وجماعة (١). وتظهر شخصية النبي ﷺ من خلال السيرة النبوية في الصورة المشرقة للإِنسان الذي يمارس إِنسانيته بكل أبعادها، ويتفاعل مع الواقع بكل معطياته. وندرك أن محمدًا ﷺ الإِنسان -بكل نوازع الإِنسان- قد تربع قمة التسامي الإِنساني وهو المثل الأعلى الحق للبشرية جميعًا. كما يدرك الدارس للسيرة النبوية التلازم والتطابق الذي لا ينفصم بين القول والعمل، والمبدأ والسلوك في شخصيته ﷺ ، فلا يأمر الناس بالبر وينسى نفسه، بل هو أول ملتزم ومطبق للأمر ولو كان وحده، ولقد اهتدى بهذه السيرة الكريمة العطرة واستدل بها على صدق نبوته ورسالته عدد غير قليل في حياته وبعد وفاته ﷺ من العظماء والكبراء، وآحاد الناس وعامتهم، ومنهم الجُلندَى ملك عُمان (٢)، فقد قال لعمرو بن العاص عندما جاءه برسالة من النبي ﷺ : والله لقد دلني على صدق هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إِلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شيء إِلا كان أول تارك له، وأنه يَغلِبُ فلا يَبطر، ويُغلَب فلا يهجر، ويفي بالعهد، وينجز الوعد، وأشهد أنه نبي (٣). فهذه القمة الرفيعة من الإِنسانية في شخص محمد ﷺ ، والتي كانت تدرج على الأرض، وتسير في فجاجها، عندما تقدم للإِنسان على اختلاف زمانه ومكانه، ودينه

стр. 18

ولغته، تقديمًا صحيحًا غير مشوبة بأساطير وخرافات المحبين الجاهلين، وغير مشوهة بتحليلات الجاحدين والمنكرين، بل تقدم حَيّةً نابضة يراها القارئ وكأنه يعيش أحداثها دون حجب التعصب، أو غشاوة العاطفة الجاهلة، لا شك أنها ستستهوي القلوب، ويرى فيها أي شخص إِنسانيته التي يحن إِليها، لأن النفوس السليمة جبلت على التسامي والتعلق بالمثل الأعلى، وقد كان في قدر الله أن يكون محمَّد ﷺ مظهرًا للكمال الإِنساني، وطُلِب من الناس أن يسعوا إِليه ويحاولوا التخلق بأخلاقه، ومحاكاة سلوكه لأن هذه هي الأخلاق المرضية الكاملة عند الله تعالى (١). النطاق الزماني للسيرة النبوية البعثة المحمدية هي خاتمة الرسالات كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّين .... الآية﴾ (٢). ورسالته عامة لجميع الإِنس والجن، كما أن شريعته ناسخة لجميع شرائع الرسل فلا يقبل الله من أحد غير شريعته ﷺ ، وهي تأتي حسب التسلسل التاريخي آخر النبوات. والسيرة النبوية في نطاقها الزماني هي من ولادته ﷺ عام الفيل وحتى وفاته في الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة النبوية، وجملتها ثلاث وستون سنة قمرية ويوافقها في التاريخ الميلادي من ((٥٧١ م- ٦٣٢ م)) (٣) والنبوات جميعًا تمثل وحدة تاريخية ذات حلقات متعددة، والأنبياء وأتباعهم أمة واحدة، لها سمات مشتركة، والتاريخ الإِسلامي بهذا المفهوم ليست بدايته من بعثة محمَّد ﷺ كما قد يظن البعض، وإِنما بدايته الحقيقية من هبوط آدم وحواء إِلى هذه

стр. 19

الأرض مسلمين لله رب العالمين فإِن آدم أبا البشر ﵊ "نبي مكلم (١) " واستمرت ذريته عشرة قرون كلهم على التوحيد، كما ثبت بذلك الخبر عن ابن عباس ﵄ (٢). ثم لما وقع الانحراف في التوحيد وظهر الشرك في البشرية، بعث الله نوحًا ﵊ ليجدد معالم التوحيد، ويعيد المشركين إِلى الحق، ثم تتابعت الرسل والأنبياء يدعون إلى عبادة الله وحده واجتناب الطاغوت كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) فأصل الدين واحد، وهو التوحيد الذي هو إِفراد الله بالعبادة، أما الشرائع فهي متنوعة كما قال ﵊ "أنا أولى الأنبياء بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة، والأنبياء إِخوة من عَلّات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وليس بيننا نبي" (٤) ومنذ وقوع الشرك في القوم الذين بُعث إِليهم نوح ﵊ انقسمت البشرية من حيث العقيدة إِلى أمتين اثنتين: - أمة مسلمة مُوحِّدة. - أمة كافرة مُشْرِكة. وكل الذين صَدّقوا الرسل واتبعوهم من آدم ﵊ إِلى محمَّد ﷺ

стр. 20

هم المسلمون، ويمثلون أمة واحدة، وإِن اختلفت أوطانهم ولغاتهم وتباعدت أزمانهم واختلفت شرائعهم، كما قال تعالى بعد ذكر جملة من الأنبياء: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (١) فأتباع الرسل أمة واحدة، وهي أمة التوحيد، وحزب الرحمن، وأهل الحق والأِيمان، وهم المسلمون. أما الذين كذبوا الرسل فهم أمة الكفر والضلال، وهم حزب الشيطان، وهم أمة واحدة مهما اختلفت أوطانهم ومذاهبهم وأزمانهم، فإِن السَّمة الجامعة لهم هي الشرك وعبادة غير الله. وهذا المفهوم يوضح منزلة السيرة النبوية بين سير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإِن كان نطاقها الزماني محدودًا بحياة النبي ﷺ من الولادة حتى الوفاة، فهي امتداد لسير الأنبياء قبله، واستمرار لتاريخ أمة الإِسلام المهتدين بهديه من بعده حتى قيام الساعة. النطاق المكاني للسيرة النبوية بُعث النبي ﷺ في مكة بلد الله الحرام، وفيها بيته المعظم الذي رفع قواعده إِبراهيم الخليل وابنه إِسماعيل جَدُّ العرب، والنبي ﷺ من أهلها وقد ولد ونشأ فيها، ومكة يومئذ حاضرة الجزيرة العربية الكبرى، ولها مكانة دينية عندهم حيث يحجون إِليها كل عام، ثم هاجر ﷺ إِلى المدينة النبوية بعد ثلاث عشرة سنة من النبوة، وفيها أسس بناء دولة الإِسلام، وابتدأ الجهاد حتى فتح مكة وما حولها، ثم أتته الوفود مُسْلِمة ومستسلمة في العام التاسع من الهجرة، ولم ينتقل إِلى الرفيق الأعلى حتى كانت الجزيرة كلها خاضعة لسلطان الإِسلام، وأهلها إِما مسلمون، وإِما معاهدون مسالمون، والرسول ﷺ هو أول من جمع الجزيرة العربية بكاملها في وحدة واحدة، وحدة فكرية عقدية، ووحدة سياسية

стр. 21

جغرافية، وحدة على ملة الإِسلام ودين التوحيد، وكانت قبل ذلك طول تاريخها إِمارات ودولا متفرقة. ففي اليمن كانت دولة مَعِين، ثم دولة سبأ، ثم حمير، ثم استعمرها الأحباش، ثم دخل عليهم الفرس وصارت الولاية في أبنائهم. وفي شمال الجزيرة كانت في وقت البعثة إِمارات الحيرة الخاضعة للفرس، والغساسنة الخاضعين للروم. أما الحجاز فتولّى أمرها إِسماعيل بعد بناء البيت العتيق (الكعبة المشرفة) ثم أولاده من بعده، ثم جد أولاد إِسماعيل مضاض بن عمرو الجرهمي، وطالت ولاية جرهم للبيت حوالي عشرين قرنًا، ثم نزعتها منهم خزاعة فحكمتها ثلاثمائة سنة حتى انتزعها قصي بن كلاب، وجمع قريشا في مكة وما حولها وذلك منتصف القرن الخامس الميلادي (١). فالجزيرة العربية هي النطاق المكاني لحركة السيرة النبوية في عهده ﷺ وبعد وفاته ﷺ حدثت ردة في الأطراف والقرى، ولكن تمكن أصحابه الكرام بقيادة خليفته الأول أبي بكر الصديق ﵃ من قمع المرتدين وإعادتهم إِلى الهدى ودين الحق في أقل من عام واحد، ثم انطلقوا بالدعوة والفتوحات إِلى من يليهم من أهل الأرض مشرقًا ومغربًا حتى دانوا بالإِسلام، وخضعوا لشريعته وأحكامه كما هو معلوم من سير الفتوحات الإِسلامية التي استمرت في انطلاقتها طوال القرن الأول من الهجرة فوصلوا إِلى حدود الصين شرقًا وإِلى المحيط الأطلسي وحدود فرنسا غربًا، ولله الحمد والمنة. عالمية الرسالة المحمدية الكرة الرضية بكاملها مجال لنشر الإِسلام، وأهلُها مدعوون جميعًا للدخول في الدين الحق الذي ارتضاه المولى دينا للبشرية جميعًا كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢).

стр. 22

وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١). وقد راسل النبي ﷺ ملوك الأرض في زمانه ودعاهم إِلى الدخول في الإِسلام تنفيذًا لعالمية الدعوة الإِسلامية كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٣) فالرسالة المحمدية رسالة عالمية لكل الأجناس البشرية، فكما أن الأرض كلها نطاق مكاني لحركة الدعوة على أيدي أتباعه ﷺ ، فكذلك البشر كلهم على مختلف أجناسهم وأزمانهم مدعوون للدخول في الدين الحق الذي هو الإِسلام، وهو رحمة لهم، ومنقذ لهم من الضلالات والخرافات والأهواء، والظلم والجور، لتشرق عليهم أنوار الحق والعدل والطمأنينة، وتحفظ لهم الإِنسانية الصادقة، والفطرة السليمة التي فطر الله الخلق عليها قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤). وقد جاء في الحديث الصحيح "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي، ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إِلا دخل النار (٥). مصادر السيرة معرفة مصادر السيرة، والقدرة على التمييز بين المصادر بحسب الأهمية والصدق في الأخبار مما ينبغي لدارس السيرة النبوية تعلمه، ومصادر السيرة النبوية منها ما يكون متعلقا بتفسير الوقائع، بمعنى التعليل للوقائع، وبيان البواعث، واستخراج الأحكام،

стр. 23

والدروس والعبر منها، وهي مصادر الشريعة، [الكتاب، والسنة، والإِجماع، والقياس]، والاستفادة منها وفق مناهج الاستدلال المعتبرة عند أهل العلم. ومنها ما يكون متعلقا بإِثبات الوقائع والحوادث التاريخية. وأهم مصادر السيرة النبوية: ١ - القرآن الكريم وهو أصدق المصادر وأصحها، لأنه من العالم الخبير، ونصوصه ثابتة بالتواتر القطعي، والنص القرآني عندما يتحدث عن الحادثة والواقعة التاريخية فإِنه يعطي الصورة الواقعية عن الحدث كما أنه يشير إِلى ظلال الحادثة وبواعثها، وصورتها الخفية في حديث النفس، ومشاعرها وتصوراتها، وهذا لا يتوفر لغير النص القرآني الذي يرسم الصورتين الظاهرة والباطنة للحديث التاريخي. وفي القرآن الكريم ذكر لكثير من الأحداث التاريخية عن سيرة النبي ﷺ مثل الغزوات، ودلائل النبوة، والصراع مع الكفار، من المشركين، والمنافقين، واليهود، والنصارى، وبيان عقائدهم ومواقفهم من الدعوة، كما أن كتب التفسير قد حوت الكثير من الروايات عن السيرة النبوية وأحداثها، وخاصة في أسباب النزول للآيات. وتلك النصوص من الكثرة حتى أن بعض الباحثين قد أفرد حديث القرآن الكريم عن السيرة النبوية في مؤلفات مستقلة (١). ٢ - كتب السنة النبوية وشروحها مثل صحيح البخاري، وصحيح مسلم، والسنن الأربع، ومسند الإِمام أحمد، وموطأ مالك، ومعاجم الطبراني، ومستدرك الحاكم، وغيرها، وقد خُصَّصت أبواب في

стр. 24

الصحيحين والسنن عن مغازي الرسول ﷺ ، وعن دلائل نبوته، وعن فضائل الصحابة وعن الجهاد والسير، وغير ذلك. والمصدران المذكوران [الكتاب والسنة] مصدران مهمان لنوعي مصادر السيرة النبوية فلا بد من تفهمهما وفهم أحكامهما حتى يكون لدى دارس السيرة مقدرة صحيحة على استخراج الدروس والعبر من وقائع السيرة، فإِنهما يمثلان المرجعية الشرعية التي لا بد منها في الاستفادة من درس السيرة النبوية وفهم أهدافها ومغزاها التربوي. ٣ - كتب السيرة المختصة اهتم الصحابة وأبناؤهم، ومن بعدهم من التابعين، ومن تبعهم بتدوين أخبار وحوادث السيرة النبوية وتعليمها لأبنائهم، بل كانوا يعلمون أبناءهم مغازي رسول الله ﷺ ويحفظونهم إِياها كما يحفظونهم السورة من القرآن، وكان أبرز من اهتم بذلك البراء بن عازب ﵁ الذي كان يملي أخبار السيرة على تلاميذه فيكتبونها بين يديه، وكذا عبد الله بن عباس ﵁ الذي رويت عنه مدونات في السيرة والمغازي النبوية، استفاد منها من جاء بعده، أمثال موسى بن عقبة صاحب المغازي، وعبد الله بن عمرو بن حزم الأنصاري. ومن التابعين الذين اهتموا بالسيرة، أبان بن عثمان بن عفان، (ت ١٠٥ هـ) الذي جمع كتاب مغازي رسول الله ﷺ ، وعروة بن الزبير (ت ٩٤) وجاء بعد هؤلاء طبقات من أهل العلم أمثال: أ- الإِمام الزهري (ت ١٢٤ هـ) الذي وصلت إِلينا مروياته في السيرة النبوية من خلال كتب المغازي، وكتب السنة النبوية، وله مغازي مطبوعة في جزء وهي مستخرجة من مصنف عبد الرزاق الصنعاني، وقد أنجز أحد الباحثين في الجامعة الإِسلامية (١) رسالة دكتوراه عن مغازي الإِمام الزهري وهي شاملة لمعظم أحداث السيرة النبوية.

стр. 25

ب- موسى بن عقبة (ت ١٤١ هـ) وله كتاب مشهور في المغازي كان الأئمة من أمثال مالك يوصون به، ومغازيه مطبوعة، غير أنها نسخة مستخرجة (١)، حيث لم يعثر على أصل المخطوطة. ج- محمَّد بن إِسحاق (ت ١٥١ هـ) الذي ألف كتابًا شاملا في المغازي والسير، وهو أساس كثير من المؤلفات في السيرة، واعتمد عليه أغلب من جاء بعده، لكن أصل سيرة ابن إِسحاق مفقود، ولم يعثر إِلا على قطع قليلة نشرها محمَّد حميد الله، ولكن قيض الله لسيرة ابن إِسحاق من يحفظها فقد هَذّبها عبد الملك بن هشام واستدرك على ابن إِسحاق بعض أشياء في الأنساب والأشعار وهي الموجودة الآن باسم سيرة ابن هشام، مطبوعة في أربعة أجزاء. د- محمَّد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) له كتاب المغازي وهو كبير وقد فقد بعضه والموجود منه مطبوع في ثلاثة مجلدات. هـ - محمَّد بن سعد الزهري (ت ٢٣٠ هـ) له كتاب الطبقات الكبرى، وقد خصص القسم الأول من الكتاب عن السيرة النبوية، ويقع في مجلدين. و- ابن عبد البر القرطبي (ت ٤٦٣ هـ) له كتاب الدرر في اختصار المغازي والسير، وهو كتاب موجز في السيرة النبوية، وله نقد وترجيح في بعض الروايات. ز- ابن حزم الأندلسي (ت ٤٥٦ هـ) له كتاب جوامع السيرة، وهو كتاب لطيف وموجز. ح- ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) الذي خصص قسما كبيرا من كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد، عن مغازي رسول الله ﷺ وجهاده، وقد اهتم ببيان فقه الأحداث والأحكام من خلال المغازي، وهذا تقدم كبير في منهجية دراسة السيرة النبوية والاستفادة من أحداثها.

стр. 26

٤ - كتب الدلائل والشمائل المحمدية وهي قسم كبير من السيرة النبوية، وقد تضمنت كتب السنة شيئًا منها، وكذلك كتب المغازي تضمنت شيئًا منها، لكن جرت عادة العلماء بإِفرادها بمصنفات مستقلة لما لها من أهمية وتخصص، وقد أُلِّفَ في دلائل النبوة كُتُبُ كثيرةٌ ومن أهمها وأوعبها كتابان هما: - دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) - دلائل النبوة للبيهقي (ت ٤٥٨ هـ) وهما مطبوعان وكتاب البيهقي أشمل وأفضل. - وفي الشمائل النبوية ألف الترمذي (ت ٢٧٩ هـ) صاحب السنن كتاب الشمائل وهو كتاب لطيف مسند، وقد اختصره الشيخ ناصر الدين الألباني وحكم على أسانيده. ولأبي الشيخ ابن حبان (ت ٣٦٩ هـ) كتاب أخلاق النبي ﷺ وآدابه وهو كتاب غزير المادة. وللحسين بن مسعود البغوي (ت ٥١٦ هـ) كتاب الأنوار في شمائل النبي المختار، وهو مطبوع في مجلدين. ٥ - كتب تراجم الصحابة فقد تضمنت الحديث عن مواقف الصحابة ومشاهدهم مع رسول الله ﷺ وجهادهم ومشاركاتهم المختلفة في عصر النبوة ومن أشهر كتب تراجم الصحابة: أ- كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر، وهو مطبوع في أربعة مجلدات. ب- كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة، لابن الأثير علي بن محمَّد الجزري (ت ٦٣٠ هـ) وقد جمعه من أربعة كتب مع الاستدراك عليها وهي:

стр. 27

١ - كتاب معرفة الصحابة للحافظ ابن مندة (ت ٣٠٣ هـ). ٢ - كتاب معرفة الصحابة للحافظ أبي نعيم (ت ٤٣٠ هـ). ٣ - كتاب الاستيعاب، لابن عبد البر القرطبي (ت ٤٦٣ هـ). ٤ - كتاب أبي موسى المديني (ت ٥٨١ هـ) الذي استدرك فيه على ابن منده. وقد طبع كتاب أسد الغابة، في سبعة مجلدات كبار. ج- كتاب الإِصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) وهو من أوسع كتب معرفة الصحابة من حيث عدد التراجم، إِذ زادت على أكثر من اثنتي عشر ألف ترجمة، وقد استفاد الحافظ ابن حجر ممن سبقه واستوعب المؤلفات السابقة، وهو يختصر الترجمة، ويهتم بذكر المشاهد والمشاركات للمترجم مع النبي ﷺ ، وقد طبع كتاب ابن حجر عدة طبعات آخرها عن دار هجر بالقاهرة. ٦ - كتب التاريخ العام المدونة على الحوليات أو على الموضوعات ما من مؤرخ للإِسلام إِلا ويذكر سيرة رسول ﷺ أثناء تاريخه ومن أشهر الكتب التاريخية العامة: أ- تاريخ الرسل والملوك، المعروف بتاريخ ابن جرير الطبري المتوفى ٣١٠ هـ وقد عرض لسيرة النبي ﷺ في سياقها التاريخي واستفاد من المؤلفات السابقة وخاصة كتاب ابن إِسحاق، وتاريخ الطبري مطبوع عدة طبعات، من أفضلها طبعة محمَّد أبي الفضل إِبراهيم، في أحد عشر مجلدا مع الفهارس، وهو مرتب على السنين. ب- المنتظم في أخبار الدول والأمم، لابن الجوزي (٥٧٩ هـ) وهو كتاب كبير مرتب على السنين، وقد طبع مؤخرا كاملا في ١٦ مجلدا. ج- الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري (٦٣٠ هـ) وهو كتاب حافل، ومرتب على السنين، وقد طبع في ١١ مجلدا.

стр. 28

د- تاريخ الإِسلام ووفيات المشاهير والأعلام للذهبي (ت ٧٤٨ هـ) ويعتبر من الموسوعات العامة في التاريخ والرجال، وقد نشر الكتاب عدة نشرات أفضلها بتحقيق د. بشار عواد معروف. هـ - البداية والنهاية لابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) وهو كتاب حافل في التاريخ البشري منذ خلق الله آدم إِلى عصر المؤلف، وقد اهتم ابن كثير بالسيرة النبوية في كتابه هذا، وأطال وجمع ما لم يجمع غيره، وساعدته حافظته، ومعرفته بالحديث والسنة، فجمع بين كتب المغازي والسير وبين روايات المحدثين في كتبهم، وأقوال المفسرين، وأسباب النزول، وقد نشر كتاب البداية والنهاية نشرات كثيرة لكنها مكررة عن النشرة الأولى وقد نشر أخيرا نشرة محققة في ٢١ مجلدا مع الفهارس عن دار هجر بالقاهرة، وتقع السيرة النبوية من منتصفي المجلد الثالث حتى منتصف المجلد التاسع، أي ما يعادل سبعة مجلدات، وقد شمل حديثه عن السيرة الأقسام الثلاثة للسيرة النبوية وهي: السيرة، والمغازي، والشمائل والدلائل. ٧ - كتب تاريخ الحرمين الشريفين الحرمان الشريفان [مكة والمدينة] هما موطنه ﷺ ، وفيهما وبينهما وحولهما كانت مغازيه وتحركاته وبعوثه ورسله، ومن أهم الكتب في تاريخ مكة، كتاب الأزرقي (ت ٢٤٤ هـ) أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، ونشر في جزئين. وكتاب الفاكهي (ت القرن الثالث) أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه، منشور في ستة أجزاء. وكتاب شفاء الغرام بأخبار بلد الله الحرام، لتقي الدين الفاسي (ت ٨٣٢ هـ) وهو منشور، وله كتاب العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين، منشور في ٨ مجلدات. وأخبار المدينة لعمر بن شَبّة (ت٢٦٢ هـ) وقد نشر منه أربعة أجزاء وهو ناقص أوله. وكتاب الوفا بأخبار دار المصطفى للسمهودي (ت ٩٢٢هـ).

стр. 29

٨ - كتب الأدب والشعر العربي تضمنت المؤلفات في الأدب العربي، والدواوين الشعرية للشعراء المعاصرين للدعوة والرسالة، قِطَعًا شعرية ونثرية تشير إِلى وقائع في السيرة النبوية، ومن الأهمية بمكان معرفة ذلك، لكن ينبغي أن يتثبت من صحة تلك النصوص، فإِن تلك الكتب قد دونت دون النظر إِلى منهج التثبت، ولم توثق رواياتها، ومع هذا نجد علماء السنة النبوية يذكرون الأشعار والأقوال الأدبية في كتبهم، فهي من المصادر التي يُحتاج إِليها، ولكن يجب أن يعرف الباحث قدرها ومنزلتها من حيث التوثيق العلمي وصحة الإِسناد، حيث يغلب على بعضها الحكايات، والنوادر، والطُّرف، التي لا يعرف مصدرها ولا تخلو من المبالغات.

стр. 30

أقسام السيرة النبوية تقسم السيرة النبوية بالنظر إِلى مراحل حياة النبي ﷺ إِلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: تاريخ حياته ﷺ قبل النبوة . ويتناول تاريخ حياته قبل النبوة، من الولادة حتى البعثة، وتمثل أربعين سنة، ويتناول هذا القسم: - حال العرب والجزيرة قبل بعثة النبي ﷺ والأطوار التي مرت بها مكة المكرمة وبناء البيت العتيق. فإِنها بيئة السيرة النبوية والممهدة لها. - الأحداث المتعلقة بالنبي ﷺ قبل البعثة مثل ولادته واسترضاعه، ونشأته، والأعمال التي شارك فيها ... إِلخ، وهي في هذا القسم قليلة إِذا قيست بالأحداث التي بعد البعثة. القسم الثاني: تاريخ حياته ﷺ من البعثة إِلى الهجرة . وبتناول نبوته ودعوته ﷺ من البعثة ونزول الوحي عليه في غار حراء حتى هجرته إِلى المدينة، وتمثل ثلاثة عشر عامًا، ويسمى العهد المكي، وهو عهد التأسيس والدعوة، وفيها نزول القرآن الذي قرر دلائل التوحيد، وصفات الباري، وكَشْفَ الشرك والرد على دعاوى المشركين، وإِثبات البعث والنشور والجزاء في اليوم الآخر بجنة أو نار، والدعوة إِلى مكارم الأخلاق، والانتهاء عن المساوئ، وفيها الدعوة الفردية المباشرة، ثم الدعوة العامة، ومواقف المشركين واضطهادهم للمؤمنين، وصبر المؤمنين وتحملهم الأذى، وهجرتهم إِلى الحبشة، وحصار رسول الله ﷺ والمؤمنين وبني هاشم في الشعب، والعرض على القبائل، وحادثة الإِسراء والمعراج، وبيعة العقبة الأولى ثم الثانية، والهجرة إِلى المدينة.

стр. 31

القسم الثالث: تاريخ حياته ﷺ من الهجرة حتى الوفاة ويتناول حياته ﷺ من وصوله إِلى المدينة في ١٢ ربيع الأول سنة ١هـ وحتى الوفاة في ١٢ ربيع الأول سنة ١١هـ وتمثل عشر سنوات كاملة، ويسمى العهد المدني، وعهد البناء والجهاد وانتشار الدعوة، وسِمَتُه العامة، الجهاد والغزوات، التي بلغت ثلاثين غزوة، والسرايا والبعوث الدعوية التي زادت على السبعين سرية وبعثًا، حتى انتشر الإِسلام وعم أرجاء الجزيرة العربية، وكذلك نزول التشريعات العبادية وتنظيمات المجتمع الإِدارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والسيرة النبوية بالنظر إِلى موضوعاتها ثلاثة أنواع: النوع الأول: الشمائل والأخلاق النبوية ويدخل فيها الخصائص التي اختص بها رسول الله ﷺ عن سائر الرسل، وكذا ما اختص به من أحكام عن سائر الأمة، وما اختصت به أمته بسببه عن سائر الأمم (١). والشمائل هي: ١ - الصفات الخَلْقية، أي الصفة التي خلقه الله عليها من حيث طوله وهيئته وجسمه ولونه .. وكذا صفة جلوسه ومشيته وكلامه ونومه ولباسه، وهذا النوع ترجع فائدة دراسته إِلى أمور منها: * التأسي به ﷺ في هيئة جلوسه وقيامه وكلامه ونومه ولباسه .. إِلخ. * معرفة فضل الله على رسولنا ﷺ إِذ جعله الله في أكمل هيئة وأحسن صورة وأجمل سمت. * مطابقة ما يرى النائم عند رؤيته لرسول الله ﷺ بتلك الصفة المنقولة عن الرواة من

стр. 32

أصحابه فإِن الشيطان لا يستطيع أن يتصور أو يتشبه برسول الله ﷺ كما في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة، وأنس ﵄ وغيرهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من رآني في المنام فقد رآني، فإِن الشيطان لا يتمثل بي» (١). ولتعلم أخي أن الشيطان من عادته الكذب والتغرير بمن يطيعه وقد يُري النائم صورة ويُلقي في رُوعه أنها صورة رسول الله ﷺ وهو كاذب عليه، لكن إِذا رأى المسلم في المنام أنه رأى رسول الله ﷺ فإِنه لا بد أن يطبق ما رأى على الصفة المنقولة لرسول الله ﷺ ليكون قد رآه حقًا، فإِن الشيطان لا يستطيع التشبه بالنبي على صورته الحقيقية، وهذا من حماية الله لرسوله وتكريمه له، وصيانة المسلمين من تغرير الشيطان بهم في هذا الجانب. ٢ - الصفات الخُلُقِية، أي الآداب والأخلاق التي تأدب بها رسول الله ﷺ وهذه الصفات كثيرة، مثل الكرم، والشجاعة، والحياء، والعفو، والحلم، واليسر، والسماحة، والتقوى، والبذل، والعطاء، والتواضع، والزهد ... إِلخ، وهي صفات أتت الشريعة بها، وتحلى بها رسولنا ﷺ ، وهذا النوع هو المقصود الأعظم من دراسة الشمائل، وهو أكثر فائدة، وأوسع دائرة في التأسي والاتباع والاقتداء. لقد سئلت أم المؤمنين عائشة ﵄ من عدد من الصحابة والتابعين عن خلق رسول الله ﷺ ،فكان جوابها شاملًا واسعًا رغم وجازة لفظه قالت: (كان خلقه القرآن) (٢). قال الحافظ ابن كثير: "ومعنى هذا أنه ﷺ مهما أمره به القرآن امتثله ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جبله الله عليه من الأخلاق الجبلية الأصلية العظيمة التىِ لم يكن أحد

стр. 33

من البشر ولا يكون على أجمل منها، وشرع له الدين العظيم الذي لم يشرعه لأحد قبله، فكان فيه من الحياء والكرم والشجاعة والحلم والصفح والرحمة وسائر الأخلاق الكاملة ما لا يحُدّ ولا يمكن وصفه" (١). وقد وصفه ربه بوصف هو فوق كل وصف، ومَدَحه بمِدحة هي فوق كل مِدْحه أحد، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢). قال العوفي عن ابن عباس ﵄: أي: وإِنك لعلى دين عظيم، وهو الإِسلام، وهكذا قال مجاهد والسدي والضحاك. وقال عطية: لَعلَى أُدب عظيم (٣). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) النوع الثاني: دلائل النبوة والمعجزات الدلائل، هي المعجزات والبراهين الدالة على صدقه في النبوة والرسالة، ودلائل النبوة منها المعنوي، ومنها الحسي الخارق للعادة، ويسمى معجزة ودليلًا وبرهانًا وآية من الآيات. والدلائل التي يؤيد الله بها رسله ويُجري بعضها على أيديهم ليست من كسبهم ولا قدرتهم الذاتية وإِنما هي محض فضل من الله وهبة منه لتكون تأييدًا وتصديقًا لهم وبيانًا لمنزلتهم عنده . ومن سنة الله أنه لا يؤيد الكاذب عليه، وقد باء بالخزي والخذلان كل من ادعى النبوة من الكذابين مثل الأسود العنسي، ومسيلمة الكذاب، والمختار بن أبي عبيد وغيرهم.

стр. 34

قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (١). ودلائل نبوة نبينا محمَّد ﷺ كثيرة جدًا وقد ذكر الإِمام البيهقي أنها تزيد على ألف دليل (٢). بل ذكر النووي في مقدمة شرح صحيح الإِمام مسلم أنها تزيد على ألف ومائتي دليل (٣). ودلائل النبوة جاءت بحسب وقوعها على مراحل: ١ - ما وقع قبل البعثة، مثل بشارات الأنبياء به في الكتب السابقة (٤)، وأخبار الكهان والجان (٥)، وتسليم حجر عليه بالنبوة في مكة (٦)، وشق صدره وهو في بادية بني سعد (٧). ٢ - ما وقع على يديه ﷺ بعد البعثة حتى توفاه الله، ومن أعظم ذلك نزول الوحي بهذا القرآن العظيم على الرسول الله الأمي الذي لا يعرف القراءة والكتابة، ومثل نزول المطر بعد دعائه مباشرة (٨)، ونبع الماء بين أصابعه (٩)، ودعائه في الماء القليل فيكون كثيرًا (١٠)، وحنين الجذع الذي بمسجده عندما ترك الاستناد إِليه (١١)،

стр. 35

وانقياد الأشجار والبهائم لأمره ﷺ (١)، وشهادة الذئب ببعثته ونبوته (٢)، وانشقاق القمر نصفين عندما طلبت قريش آية حتى رأوا ذلك (٣)، وتحقق وعد الله له بهزيمة المشركين في بدر، قال تعالى في سورة القمر المكية: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٤)، وخرج رسول الله ﷺ من العريش يوم بدر وهو يتلو هذه الآيات، وأخبر ﷺ بمصارع القوم في بدر وقال لأصحابه: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، فما جاوز رجل منهم مصرعه (٥)، واخبر عن مقتل أمراء مؤتة قبل أن يأتي الخبر بمقتلهم (٦). ٣ - ما وقع بعد وفاته ﷺ مما أخبر أنه سيقع فوقع كما أخبر فقد أخبر ﷺ عن فتح الحيرة، وبلاد فارس، وكثرة المال، ففي صحيح البخاري عن عدي بن حاتم قال: بينما أنا عند النبي ﷺ إِذ أتاه رجل فشكا إِليه فاقة، ثم أتاه آخر فشكا إِليه قطع السبيل، فقال: يا عدي بن حاتم: هل رأيت الحيرة؟ فقلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: فإِن طالت بك حياة: لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إِلا الله. قلت: - فيما بيني وبين نفسي -فأين دُعّارُ (٧) طيء الذين سَعَّروا البلاد؟. ولئن طالت بك حياة: لتفتحن كنوز كسرى، قلت: كسرى بن هرمز!! قال: كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك

стр. 36

حياة: لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله فلا يجد أحدًا يقبله منه. وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبن الله ترجمان يترجم له، فيقول: ألم أرسل إِليك رسولًا فيبلغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أعطك مالًا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إِلا جهنم، وينظر عن شماله فلا يرى إِلا جهنم. قال عدي: سمعت الرسول ﷺ يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة. قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إِلا الله. وكنت في من افتتح كنوز كسرى بن هرمز. ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم ﷺ يخرج ملء كفه (١). ومن ذلك: إِخباره أن ابنته فاطمة هي أول أهله لحاقًا به (٢)، فوقع الأمر كما أخبر. وإخباره أن زينب بنت جحش هي أسرع زوجاته لحاقًا به (٣)، فوقع الأمر كذلك. وإِخباره بقتل عمار ﵁ (٤)، وبصلح الحسن مع معاوية ﵁ (٥). وإِخباره بتقليد طائفة من أمته أعداء الإِسلام حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه وراءهم (٦). وإِخباره بتنافس أمته في الدنيا حتى أهلكتهم وفرقتهم (٧).

стр. 37

وإِخباره ببشارة عظيمة لهذه الأمة وهي: بقاء طائفة منصورة على الحق إِلى قيام الساعة (١). ٤ - ما لم يقع حتى الآن ولكنه أخبر بوقوعه مستقبلا، ومن ذلك أشراط الساعة التي أخبر بوقوعها ولم تقع حتى الآن، وكذا عود الجزيرة العربية مروجًا وأنهارًا، وخراب الكعبة، وخراب المدينة، وحسر الفرات عن جبل من ذهب، وخروج الدجال، ونزول عيسى ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، والخسوفات الثلاثة، بالمشرق، والمغرب، وجزيرة العرب، وخروج الدابة، وكلام السباع والجمادات للإِنس (٢). وقد أخبر ﷺ عن فتح القسطنطينية، وروما. كما في مسند الإمام أحمد، ومستدرك الحاكم، عن أبي قبيل قال: "كنا عند عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄، وسئل أي المدينتين تفتح أولًا: القسطنطينية أو رومية؟ قال: فدعا عبد الله بصندوق له حَلَق فأخرج منه كتابًا، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إِذْ سئل رسول الله ﷺ : أي المدينتين تفتح أولًا: أقسطنطينية أو رومية؟ فقال: رسول الله ﷺ مدينة هرقل تفتح أولًا" يعني القسطنطينية (٣). وقد تحقق الفتح الأول للقسطنطينية على يد السلطان العثماني محمَّد الفاتح سنة ٨٥٧ هـ (٤). الموافق ١٤٥٣م، وبذلك تحقق الشطر الأول من الحديث، أما الشطر الثاني وهو الإِخبار عن فتح روما فلم يقع حتى الآن، وسيقع بحول الله كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ .

стр. 38

فوائد معرفة الدلائل: وهي كثيرة ونشير إِلى بعضها، فمنها: ١ - زيادة الإِيمان والتصديق وهذا أمر يجده المؤمن في نفسه فإِن الإِيمان المبني على العلم والمعرفة، والاطلاع على البراهين الدالة على ذلك، ليس كالإِيمان المتلقى تقليدًا، ومن المعلوم أنه كلما زاد الإِنسان من المعرفة في الشرع مع توفيق الله وهدايته له فإِنه يزيد تصديقه ويتعمق ويرسخ، وكلما علم دليلًا من دلائل نبوة النبي ﷺ كلما زاد إِيمانه وتأكد تصديقه وثبت على الصراط المستقيم الذي جاء به النبي ﵊. ٢ - زيادة المحبة لرسول الله ﷺ -فإِن المحبة من الإِيمان وكلما اطلع المسلم على أحوال رسول الله ﷺ وأخلاقه ودلائل نبوته وبراهين صدقه كلما زادت محبته، وهذا أمر مشاهد في أحوال من تعاشر من الناس، فالذي تعاشره كثيرًا وتعرف أحواله عن قرب تكون صداقتك ومحبتك له غير محبة من لا تعرف عنه إِلا أمورًا عامة مجملة. ٣ - الإِيمان والمحبة يدفعان بالمسلم إِلى الاقتداء وتمام التأسي والطاعة لأمره ﷺ ، والابتعاد عما ينهى عنه والنفور منه، فالإِيمان والمحبة الصادقة عمل وسلوك إِيجابي، وباعث قوي على الطاعة والاستجابة، وليست مجرد عواطف ومشاعر. ٤ - اليقين الجازم بظهور دين الإِسلام وبقائه مهما كثر الباطل وأهله. وهذا يزيل اليأس والقنوط والضعف الذي قد يصيب بعض النفوس، فيأتي هذا اليقين الجازم ليدفعها إِلى العمل الجاد، والثبات على الحق، والدعوة إِليه، وموالاة المؤمنين، والبراءة من الكفار والمشركين.

стр. 39

النوع الثالث: السير والمغازي والمقصود بها تاريخ رسول الله ﷺ وجهاده في نشر الدعوة في العهدين المكي والمدني، ويدخل في هذا النوع تعاملاته المختلفة مع أهله، ومع أصحابه، ومع غير المسلمين، وما يقع من الصحابة بين يديه أو يبلغه فيقرهم عليه أو يعدل لهم فيه، وسيأتي تفصيل ذلك في فصول الكتاب. ثمرات دراسة السيرة النبوية الأهداف والمقاصد التي ذكرنا بعضها -فيما مضى- ينبغي أن تراعى في المنهج التعليمي، وأن يجعلها المعلمون والمربون نصب أعينهم في تدريسهم وتعاملهم مع طلابهم، وعلى أساس تلك الأهداف والمقاصد تُبنى الشخصية المتكاملة للفرد المسلم والجيل كُلّه كما كان في عهد النبوة والقرون المفضلة، ومن المقرر عند أهل العلم أنه لن يَصْلُح آخر هذه الأمة إِلا بما صَلُح به أولها، والمنهج الذي أخرج خير الأجيال وأعلاها وأكملها، حقيق بالاتباع والاهتمام والاعتماد عليه في مناهجنا التعليمية والفكرية، وفي بناء الأمة الاجتماعي والسياسي والإِداري. والثمرات التي يجنيها الدارس من دراسته للسيرة النبوية كثيرة وواسعة وغير محصورة لكن نذكر بعضها: ١ - تحقيق شطر الشهادة التي هي الركن الأعظم من أركان الإِسلام: وذلك بتحقيق توحيد المتابعة للرسول ﷺ فإِن الشهادة بأن محمدًا رسول الله تستلزم أربعة أمور كما قرر أهل العلم (١). أ- تصديقه ﷺ فيما أخبر عن الله وصفات كماله ونعوت جلاله وأسمائه وصفاته،

стр. 40

وعن أوامره ونواهيه، وعن جزاء المتقين المستجيبين في جنات النعيم، وما فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وما وصف لنا رسول الله ﷺ وما ذكر فيها لعباده المؤمنين، وما ذكر عن عقوبة المكذبين المعرضين من العذاب الأليم، في نار تلظى، وجحيم مقيم تذوب فيه الجبال الراسيات، وغير ذلك من الأخبار عن الأمور الغيبية والحوادث المنتظرة وعن الملائكة والجن والشياطين. ب- طاعته ﷺ فيما أمر، بالاستجابة لأمره، والانقياد له وتنفيذ ذلك في واقع الحياة بمختلف صورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية، وعدم التقدم بين يديه، وتقديره والتحاكم إِلى شرعه، والرضا به، والتسليم التام له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٤). ج- اجتناب ما نهى عنه وزجر، فكل ما نهى عنه رسول الله ﷺ واجب اجتنابه والبعد عنه وعن الأسباب والوسائل المفضية إِليه، فإِن الوسائل لها حكم المقاصد، وأعظم ما نهى عنه هو الشرك بكل صوره وأنواعه، فهو أخطر الذنوب وأعظمها وهو أعظم الظلم قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٥) وقد قال عبد الله بن مسعود: سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» (٦).
следующие страницы →