← Сира

Сира · id 10816

صحيح الأثر وجميل العبر من سيرة خير البشر (صلى الله عليه وسلم)

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (307 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

حياة: لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله فلا يجد أحدًا يقبله منه. وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبن الله ترجمان يترجم له، فيقول: ألم أرسل إِليك رسولًا فيبلغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أعطك مالًا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إِلا جهنم، وينظر عن شماله فلا يرى إِلا جهنم. قال عدي: سمعت الرسول ﷺ يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة. قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إِلا الله. وكنت في من افتتح كنوز كسرى بن هرمز. ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم ﷺ يخرج ملء كفه (١). ومن ذلك: إِخباره أن ابنته فاطمة هي أول أهله لحاقًا به (٢)، فوقع الأمر كما أخبر. وإخباره أن زينب بنت جحش هي أسرع زوجاته لحاقًا به (٣)، فوقع الأمر كذلك. وإِخباره بقتل عمار ﵁ (٤)، وبصلح الحسن مع معاوية ﵁ (٥). وإِخباره بتقليد طائفة من أمته أعداء الإِسلام حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه وراءهم (٦). وإِخباره بتنافس أمته في الدنيا حتى أهلكتهم وفرقتهم (٧).

стр. 37

وإِخباره ببشارة عظيمة لهذه الأمة وهي: بقاء طائفة منصورة على الحق إِلى قيام الساعة (١). ٤ - ما لم يقع حتى الآن ولكنه أخبر بوقوعه مستقبلا، ومن ذلك أشراط الساعة التي أخبر بوقوعها ولم تقع حتى الآن، وكذا عود الجزيرة العربية مروجًا وأنهارًا، وخراب الكعبة، وخراب المدينة، وحسر الفرات عن جبل من ذهب، وخروج الدجال، ونزول عيسى ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، والخسوفات الثلاثة، بالمشرق، والمغرب، وجزيرة العرب، وخروج الدابة، وكلام السباع والجمادات للإِنس (٢). وقد أخبر ﷺ عن فتح القسطنطينية، وروما. كما في مسند الإمام أحمد، ومستدرك الحاكم، عن أبي قبيل قال: "كنا عند عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄، وسئل أي المدينتين تفتح أولًا: القسطنطينية أو رومية؟ قال: فدعا عبد الله بصندوق له حَلَق فأخرج منه كتابًا، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إِذْ سئل رسول الله ﷺ : أي المدينتين تفتح أولًا: أقسطنطينية أو رومية؟ فقال: رسول الله ﷺ مدينة هرقل تفتح أولًا" يعني القسطنطينية (٣). وقد تحقق الفتح الأول للقسطنطينية على يد السلطان العثماني محمَّد الفاتح سنة ٨٥٧ هـ (٤). الموافق ١٤٥٣م، وبذلك تحقق الشطر الأول من الحديث، أما الشطر الثاني وهو الإِخبار عن فتح روما فلم يقع حتى الآن، وسيقع بحول الله كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ .

стр. 38

فوائد معرفة الدلائل: وهي كثيرة ونشير إِلى بعضها، فمنها: ١ - زيادة الإِيمان والتصديق وهذا أمر يجده المؤمن في نفسه فإِن الإِيمان المبني على العلم والمعرفة، والاطلاع على البراهين الدالة على ذلك، ليس كالإِيمان المتلقى تقليدًا، ومن المعلوم أنه كلما زاد الإِنسان من المعرفة في الشرع مع توفيق الله وهدايته له فإِنه يزيد تصديقه ويتعمق ويرسخ، وكلما علم دليلًا من دلائل نبوة النبي ﷺ كلما زاد إِيمانه وتأكد تصديقه وثبت على الصراط المستقيم الذي جاء به النبي ﵊. ٢ - زيادة المحبة لرسول الله ﷺ -فإِن المحبة من الإِيمان وكلما اطلع المسلم على أحوال رسول الله ﷺ وأخلاقه ودلائل نبوته وبراهين صدقه كلما زادت محبته، وهذا أمر مشاهد في أحوال من تعاشر من الناس، فالذي تعاشره كثيرًا وتعرف أحواله عن قرب تكون صداقتك ومحبتك له غير محبة من لا تعرف عنه إِلا أمورًا عامة مجملة. ٣ - الإِيمان والمحبة يدفعان بالمسلم إِلى الاقتداء وتمام التأسي والطاعة لأمره ﷺ ، والابتعاد عما ينهى عنه والنفور منه، فالإِيمان والمحبة الصادقة عمل وسلوك إِيجابي، وباعث قوي على الطاعة والاستجابة، وليست مجرد عواطف ومشاعر. ٤ - اليقين الجازم بظهور دين الإِسلام وبقائه مهما كثر الباطل وأهله. وهذا يزيل اليأس والقنوط والضعف الذي قد يصيب بعض النفوس، فيأتي هذا اليقين الجازم ليدفعها إِلى العمل الجاد، والثبات على الحق، والدعوة إِليه، وموالاة المؤمنين، والبراءة من الكفار والمشركين.

стр. 39

النوع الثالث: السير والمغازي والمقصود بها تاريخ رسول الله ﷺ وجهاده في نشر الدعوة في العهدين المكي والمدني، ويدخل في هذا النوع تعاملاته المختلفة مع أهله، ومع أصحابه، ومع غير المسلمين، وما يقع من الصحابة بين يديه أو يبلغه فيقرهم عليه أو يعدل لهم فيه، وسيأتي تفصيل ذلك في فصول الكتاب. ثمرات دراسة السيرة النبوية الأهداف والمقاصد التي ذكرنا بعضها -فيما مضى- ينبغي أن تراعى في المنهج التعليمي، وأن يجعلها المعلمون والمربون نصب أعينهم في تدريسهم وتعاملهم مع طلابهم، وعلى أساس تلك الأهداف والمقاصد تُبنى الشخصية المتكاملة للفرد المسلم والجيل كُلّه كما كان في عهد النبوة والقرون المفضلة، ومن المقرر عند أهل العلم أنه لن يَصْلُح آخر هذه الأمة إِلا بما صَلُح به أولها، والمنهج الذي أخرج خير الأجيال وأعلاها وأكملها، حقيق بالاتباع والاهتمام والاعتماد عليه في مناهجنا التعليمية والفكرية، وفي بناء الأمة الاجتماعي والسياسي والإِداري. والثمرات التي يجنيها الدارس من دراسته للسيرة النبوية كثيرة وواسعة وغير محصورة لكن نذكر بعضها: ١ - تحقيق شطر الشهادة التي هي الركن الأعظم من أركان الإِسلام: وذلك بتحقيق توحيد المتابعة للرسول ﷺ فإِن الشهادة بأن محمدًا رسول الله تستلزم أربعة أمور كما قرر أهل العلم (١). أ- تصديقه ﷺ فيما أخبر عن الله وصفات كماله ونعوت جلاله وأسمائه وصفاته،

стр. 40

وعن أوامره ونواهيه، وعن جزاء المتقين المستجيبين في جنات النعيم، وما فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وما وصف لنا رسول الله ﷺ وما ذكر فيها لعباده المؤمنين، وما ذكر عن عقوبة المكذبين المعرضين من العذاب الأليم، في نار تلظى، وجحيم مقيم تذوب فيه الجبال الراسيات، وغير ذلك من الأخبار عن الأمور الغيبية والحوادث المنتظرة وعن الملائكة والجن والشياطين. ب- طاعته ﷺ فيما أمر، بالاستجابة لأمره، والانقياد له وتنفيذ ذلك في واقع الحياة بمختلف صورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية، وعدم التقدم بين يديه، وتقديره والتحاكم إِلى شرعه، والرضا به، والتسليم التام له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٤). ج- اجتناب ما نهى عنه وزجر، فكل ما نهى عنه رسول الله ﷺ واجب اجتنابه والبعد عنه وعن الأسباب والوسائل المفضية إِليه، فإِن الوسائل لها حكم المقاصد، وأعظم ما نهى عنه هو الشرك بكل صوره وأنواعه، فهو أخطر الذنوب وأعظمها وهو أعظم الظلم قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٥) وقد قال عبد الله بن مسعود: سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» (٦).

стр. 41

وقال ﷺ : «إما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» (١). فاجتناب المناهي والمحرمات حتم على كل مكلف، وعلى المرء المسلم أن يجعل بينه وبين الحرام وقاية وحمى حتى لا يقع في شيء من محارم الله. د- أن لا يُعبد الله إِلا بما شرع رسول الله ﷺ وعلى طريقته ومنهجه، وهذا أصل في المتابعة والاقتداء، وضابط في العبادة المشروعة، فلا يزيد العبد على المشروع ولا ينقص، إِنما يتبع ولا يبتدع. قال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢). أي مردود على صاحبه وغير مقبول عند الله بل يعاقب فاعله ولا يثاب، لأنه شَرّع أمرًا ليس عليه أمر رسول الله ﷺ وتقرّب إِلى الله بأمر لم يشرعه رسول الله ﷺ ، وابتدع في الدين بدعة حتى لو كان قصده حسنًا، فلا يكفي حسن النوايا بل لا بد من الدليل الشرعي، فإِن العبادة ليست بالهوى والرغبة والاستحسان العقلي إِنما هي بالاتباع لهدي النبي ﷺ والاستمساك بالكتاب والسنة. ٢ - زيادة المحبة للرسول ﷺ من ثمرات دراسة السيرة النبوية زيادة المحبة للرسول ﷺ المقتضية لزيادة الإِيمان والرغبة في المتابعة، والطاعة لأمره، واجتناب نهيه، وتوقيره واحترام أمره، والاهتداء بهديه، وترك البدع والخرافات التي أحدثها أهل الأهواء ومن لا علم لهم، مثل المغالاة في الإِطراء والتقديس المنهي عنه، الذي يلغي الطبيعة البشرية للرسول ﷺ ، وقد نهى ﷺ -عن ذلك فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإِنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" (٣).

стр. 42

وهذا الغلو ترتب عليه كثير من المخاطر العقدية والتربوية، وأبعد شخصية الرسول ﷺ عن مجال المتابعة والاقتداء، وأحل تلك المتابعة والأسوة في الشيوخ المربين الذين يسلكون هذا المسلك ويصورون في أذهان أتباعهم هذه الصور عن رسول الله ﷺ ، ليكونوا هم بطرق خاصة ومجاهدات -كما يذكرون- الذين ينقلون الصورة ويتمثلونها، والأتباع يقتدون بهم. إِن شخصية الرسول ﷺ شخصية إِنسانية بشرية كمّلها الله بالوحي، وعصمها من الخطأ في إِبلاغ الرسالة عن الله، فهذه ميزته العظمى أنه رسول يوحى إِليه، وقد خضع في حمله وولادته ورضاعته وشبابه ومرضه ووفاته وسائر أحواله للسنن الفطرية والقوانين الطبيعية التي يخضع لها سائر البشر. فلقد كان حمله طبيعيًا استغرق مدة الحمل الطبيعية نفسها، كما كانت ولادته طبيعية كسائر الولادات، وعانى من فقد الأم والأب ككثير من البشر، وخضع لكفالة الأقارب، ولما بلغ من الشباب عمل في الأعمال الموجودة في مجتمعه كالرعي والتجارة، وتزوج وأنجب، وفقد الإِبن والبنت والزوجة والصديق، وتعرض للأذى والمرض والنصر والهزيمة، وجرح في الحرب، مما يمكن أن يحل بكل إِنسان (١). إِن حقيقة المحبة للرسول ﷺ تستلزم سلوك طريقته وهديه، واتباع سنته وتطبيقها في واقع حياتنا وسلوكنا، محبة وتقديرًا وإِجلالًا وتعظيمًا، وتجريد التوحيد لله ، والابتعاد عن وسائل الشرك والحذر منها، وترك الغلو والاعتقاد في الأموات والمقبورين.

стр. 43

٣ - التعرف على منهج النبي ﷺ في الدعوة من دراسة السيرة النبوية بمختلف مواقفها وصورها نتعلم المنهج الدعوي الذي سار عليه رسولنا ﷺ ، وكيف تعامل مع أخطاء الناس، وجفاء الأعراب، ومكايد الأعداء، ودسائس المنافقين، فقد كان رؤوفًا رحيمًا، وكان حريصًا على هداية الخلق إِلى الحق، وكان حكيمًا في معالجة المشكلات والمواقف المختلفة، وكان حليمًا يعذُر الجاهل حتى يتعلم، وبهذا المنهج وهذه الأخلاق استطاع رسول الله ﷺ إِخراج الأمة الأمية من ظلمات الجهل والتعصب، والشتات والتفرق، إِلى نور الإِسلام، وهداية الرحمن، والترقي في ذلك حتى كانت خير أمة أخرج للناس. إِن الناظر في أحوال العرب في جاهليتهم وما فيهم من قسوة الطباع، وقوة العصبية، والتعلق بعبادة الأصنام وطاعة الجان والكهان، وتقديس التقاليد والعادات، وموروث الآباء والأجداد من غير تأمل ولا برهان، ليعجب كيف تحولت أخلاقها وتبدلت طباعها في وقت وجيز، فصارت أمة ذات علم وحضارة؛، وأخلاق سامية، وجهاد في سبيل الله لهداية الخلق جميعًا إِلى الهدى والنور، لقد كان رسول الله ﷺ ممتثلًا لقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١). قال عبد الله بن الزبير: -كما في صحيح البخاري (٢) - أُمِر رسول الله ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. أي يتجاوز عن أخطائهم وما لا ينبغي من أقوالهم وأفعالهم. والوقائع الدالة على ذلك كثيرة جدًا: منها قصة الأعرابي الذي جذب برداء رسول الله ﷺ ، حتى أثرت حاشية الرداء في

стр. 44

صفحة عاتقه ﷺ طالبًا منه أن يعطيه من مال الله، فكان رد رسول الله ﷺ أن نظر إِليه بكل هدوء ثم تبسم في وجهه وأمر له بعطاء (١). ومنها قصة الشاب الذي جاء إِلى رسول الله ﷺ فقال: ائذن لي بالزنى، فأقبل القوم عليه. فزجروه قالوا: مَهْ، مَهْ، فقال ﷺ : ادْنه فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: أفتحبه لأمك؟ قال: لا والله -جعلني الله فداءك- قال: ولا الناس يحبونه لأُمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله -جعلني الله فداءك- قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك قال: لا والله -جعلني الله فداءك- قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله -جعلني الله فداءك- قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحيه لخالتك؟ قال: لا والله -جعلني الله فداءك- قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحَصِّن فرجه، فلم يكتب بعد ذلك الفتى يلتفت إِلى شيء (٢). فقد ناقش النبي ﷺ الشاب مناقشة عقلية منطقية وأحسن التصرف معه، ولم يزجره وينهره رغم الجرأة وسوء الأدب في طلبه، وتدرج معه في الخطاب حتى اقتنع وتبين له خطؤه في هذا الطلب. ومنها قصة الأعرابي الذي بال في طائفة من المسجد النبوي فكان التصرف معه حكيمًا مراعيًا لعدد من المصالح الشرعية (٣). والمنهج النبوي في الدعوة مستمد من قول الله له: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٤).

стр. 45

فمعالم المنهج النبوي في الدعوة من خلال الآية السابقة هي: * الإِخلاص لله وابتغاء ثوابه والدعوة إِلى سبيله وحده لا سبيل غيره. * العلم الشرعي بكل ما يدعو إِليه من عقائد وأحكام وآداب وهو الحكمة المأمور بها في الآية. * التذكير بالله وصفاته ودلالات تلك الصفات والأسماء، وبعظمته ودقة خلقه وبديع صنعه، واستشعار رقابته وإِحاطته بالعبد، وبيان ثوابه وعقابه والدال عليه من الآية قوله: ﴿وَالْمَوْعِظَةِ﴾. * الرحمة والشفقة بالمدعوين والإِحسان إِليهم وإِلانة الكلام معهم حتى تكون الموعظة والتذكير حسنة وإِحسانًا. * استعمال الأسلوب الأمثل والمناسب لكل حالة، والمعبر عنه في الآية بالحكمة، والتي تعني وضع الشيء في موضعه، وهذا أحد معانيها. ٤ - التعرف على منهج النبي ﷺ في العبادة والسلوك من أهم معالم المنهج النبوي في العبادة والسلوك: * إِخلاص العبادة لله ، وعدم تحميل النفس ما لا تطيق، والحث على لزوم السنة والجماعة، والحذر من البدع والمحدثات. وأنه إِذا عمل عملًا داوم عليه، وقال: (خير العمل ما داوم عليه صاحبه وإن قَلّ) (١). * كثرة الذكر لله والمحافظة على الأذكار في كل أحواله، أذكار الصباح والمساء، والذكر عقب الصلاة، والذكر المطلق، والذكر في المناسبات، (عند دخول

стр. 46

المنزل، وعند الخروج منه، وعند النوم، وعند دخول المسجد، وفي السفر، وعند ركوب الدابة ... إِلخ). وكثرة الاستغفار والتوبة واللجوء إِلى الله، وكذا الصيام، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحسن المعاشرة للناس ولأهله. * الزهد في الدنيا، والزاهد هو الذي يجعل الدنيا في يده لا في قلبه، فينفق ما يحصله منها في طاعة الله، مما يجب عليه من النفقات، وفي سد حاجة المحتاجين، فإِن هذا الإنفاق هو الباقي للإِنسان، الذي يحسب في رصيده في الآخرة، فقد روت عائشة ﵂: أنهم ذبحوا شاة، قال النبي ﷺ : ما بقي منها؟ قالت: ما بقي إِلا كتفها. قال: «بقي كُلُها غير كَتِفِها» (١). فهذا الحديث وأمثاله يبين حقيقة معنى الزهد، وأنه فعل إِيجابي تجاه النفس والمجتمع، وليس أمرًا سلبيًا- كما قد يفهم البعض- أو قعودا عن الكسب والعمل، وقد قال ﷺ : «اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول» (٢). وقد قال أهل العلم: إِن الزهد هو ترك ما لا ينفع في الآخرة (٣). أي والحرص على ما ينفعك في الآخرة. * الورع، وهو: ترك ما تخشى عقوبته شي الآخرة. أي مما لم تتضح حرمته لكن فيه شبهة، أو في تركه صيانة للعرض، أما المحرم فمن الواجب تركه وليس من الورع فحسب، وقد قال ﵊: «الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن وبينهما أمور مشتبهات، فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه عرضه» (٤). فالورع استبراء للدين والعرض.

стр. 47

٥ - تنمية الولاء للنبي ﷺ والبراءة من أعدائه في الماضي والحاضر في دراسة السيرة النبوية والاطلاع على أحواله ومواقفه ﷺ ، وأحوال الصحابة ﵃، ينمو الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين ويزداد ويترسخ، ويترتب على هذا البراءة من الكفار والمشركين وكل أعداء الملة والدين في الماضي والحاضر، مع العدل والقسط وفق أحكام الشريعة. والولاء والبراء من أعظم العناصر التي تحافظ على هوية الأمة وتميزها، وهو حصن قوي يجب الاهتمام به حتى تضمن الأمة استقلال شخصيتها وتميزها. والولاء والبراء عمل قلبي مؤثر في السلوك، ومنضبط بأحكام الشريعة، ويرتبط بالمحبة لله ولرسوله وللمؤمنين، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). ٠٦ التعرف على آثار الجهاد في تحرير الأمم والشعوب من ثمرات دراسة السيرة النبوية التعرف على آثار الجهاد في تحرير الأمم والشعوب، وإِزالة الظلم عنها، وإِخراجها من الظلمات وعبادة الطاغوت إِلى عدل الإِسلام ورحمته، وتحكيم شرعه الذي ضمن لهم العدل وتحقيق الإنسانية الحقة، وممارسة الإنسان لحقوقه الطبيعية الفطرية كما أراد له خالقه، فأتيحت له الحرية، وأزيلت من أمامه العوائق التي تمنعه من الاختيار الصحيح، فإِن الجهاد كما هو معلوم ليس لإِجبار الناس على اعتناق الإِسلام، وإِنما هو لإِزالة الموانع والحواجز والأنظمة التي تصد عن سبيل الله، ولا تتيح الحرية للناس ليختاروا لأنفسهم بعد تمعن وتأمل في دلائل التوحيد، وهم يرون أمام

стр. 48

أعينهم النموذج المثالي مطبقًا في الواقع بكل نظافته وعدله واستقامته، فلا يكتفون بدعوتهم إِلى مُثُل ونظريات جميلة غير مطبقة في الواقع، وإِنما يدعونهم إِلى أمر بَيّن يشاهدون تطبيقه في الواقع. إِنها فتوحات لتمكين الناس من رؤية الحق واقعًا معاشًا، ولذلك كانت الفتوحات الإِسلامية ذات طبيعة مستقرة لأنها مطابقة للفطرة التي فطر الله الناس عليها، فاستقبلتها النفوس السليمة بكل ترحاب وقبلتها، فالفتوحات الإِسلامية وجهاد النبي ﷺ إِنقاذ للبشرية من ظلم بعضهم بعضًا، ومن جور الأديان المبتدعة والمحرفة إِلى رحمة الإِسلام وعدله، وسعة الدنيا والآخرة كما قال ربعي بن عامر أمام رستم: "إِن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إِلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إِلى عدل الإِسلام، ومن ضيق الدنيا إِلى سعة الدنيا والآخرة" (١). ٧ - بيان موقف الرسول ﷺ من المنافقين ومكائدهم من ثمرات الدراسة للسيرة النبوية، التعرف على موقف الرسول ﷺ من النفاق والمنافقين، وكيف تجاوز مكائدهم الكثيرة حتى فضحهم الله، وعرفهم رسول الله ﷺ بسيماهم ولحن قولهم، بل عَرّفه الله بأسمائهم، فأخذ المسلمون حِذرهم منهم، رغم ما أصاب بعضهم من آثار دسائسهم، بل حتى رسول الله ﷺ وصله أذاهم في أهله عندما جاء عصبة منهم بالإِفك، لكن جعل الله في ذلك خيرًا، ورفع درجة من ابتلى من المؤمنين بسببهم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ (٢).

стр. 49

وهذا فيه درس للمؤمنين على مر الأزمان ليأخذوا حذرهم ويحتاطوا في أمرهم، ولا يقعوا في شيء من حبائلهم ودعاواهم التي يزخرفونها ويظهرون منها إِرادة الإِصلاح وهم في واقع أمرهم مفسدون مخادعون لله ولرسوله وما يخدعون إِلا أنفسهم وما يشعرون، كما قال تعالى في وصفهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (١). ٨ - الاطلاع على مواقف اليهود من الرسالة والرسول ﷺ من الثمرات المهمة، التعرف على مواقف اليهود من الرسالة والدعوة النبوية، فقد عاملهم رسول الله ﷺ عن قُرب، وعقد معهم معاهدات ومواثيق، ولكنهم غلب عليهم طبعهم وحَلّت عليهم الشقاوة، فنقضوا العهد معه قبيلة تلو الأخرى، وحاق بهم نتيجة غدرهم، ومَكّن الله رسوله منهم، فأجلى بعضهم، وقتل بعضهم جزاء غدرهم وخيانتهم العظمى في ميدان القتال والمواجهة مع الأحزاب الكافرة، فكان ذلك حكم الله فيهم، وقضاءه العادل لشناعة فعلهم ومكرهم بالمؤمنين. فأين المعتبرون؟ وكيف يوثق في يهود وهذا تاريخهم؟ وقد عَرّفنا الله من أخبارهم مع رسلهم مثل هذه المواقف الغادرة، والطرق الملتوية. وواقع التعامل معهم في قضية فلسطين يثبت هذا الخلق المتأصل في المحاربين منهم، وأنهم كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم. قال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).

стр. 50

٩ - عدم اليأس والثقة بنصر الله لدينه ولأوليائه الصالحين المطلع على سيرة النبي ﷺ وسَيرِ دعوته، يلاحظ في أول الأمر شدة الضغوط التي واجهها ﷺ ثم يرى بعد ذلك انتقالها من نصر إِلى نصر، وازدياد أتباع الدعوة من أهل مكة، ثم من النُّزاع من القبائل رغم الأذى الشديد والمواجهة القوية من المشركين، وتنويعهم الأساليب في محاربة الدعوة وأهلها، يدرك بكل يقين عناية الله وتوفيقه لرسوله ﷺ وللمؤمنين ونصرهم على عدوهم،، وهذا مما يقوي الثقة في نفوس المؤمنين في كل مكان وكل زمان، بأن العاقبة لهم والتمكين سيكون لدينه وحملته، فيجدُّوا ويجتهدوا ويثبتوا حتى يأتيهم النصر، وما يرونه من ظهور الكفار وسيطرتهم في فترة من فترات الزمن لن يكون وضعاً دائماً بل سيزول ويظهر أهل الحق، وهذا من أعظم العوامل على محاربة اليأس، والقيام بالواجب الشرعي حسب المقدرة والاستطاعة، والاجتهاد في ذلك، ومغالبة الكفار حتى يمتلك المسلمون زمام القوة وعُدّة النصر عليهم. واعلم أن النصر من الله، وله شروط ومستلزمات لا بد من التحقق بها حتى يأتي نصر الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) فشرط التمكين والاستخلاف في الأرض وحصول الأمن وانتفاء الخوف هو عبادة الله وحده لا شريك له، الذي هو الإِيمان والعمل الصالح المذكور في أول الآية.

стр. 51

١٠ - التمسك بالدين والصبر على ما يلاقي المرء في طريق الدعوة لقد لاقى رسول الله ﷺ صنوفًا من الأذى في سبيل الدعوة إِلى الله، وإِبلاغ ما أنزل إِليه من ربه، فقد اتهمه المشركون في عقله وسلوكه وهو بريء من ذلك، وأعداؤه يعرفون هذا، لكن الخصومة والمغالبة والاعتداء وصل بهم إِلى هذا الأمر، فقالوا عنه ﷺ : إِنه مجنون، وشاعر، وساحر، وقالوا عن ما جاء به من الوحي والهدى أساطير: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (١). وقالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ (٢). فرد الله عليهم كذبهم فقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (٣). لأنهم ادعوا أَن الرسول ﷺ يأتي بالقرآن من عند رجل نصراني كان يمتهن النجارة عند الصفا، وهو أعجمي وهذا القرآن لسان عربي مبين، فكيف يتفق أن يأتي الأعجمي الذي لا يعرف العربية بهذا القرآن العربي الفصيح؟! إِن هذا محال .. ولكن كما قيل: الخصومة حجاب ساتر عن إِدراك الحق. لقد واجه رسول الله ﷺ كل أنواع الأذى في العهد المكي بالصبر (٤)، وكذلك أصحابه صبروا على ما لا يُصبر عليه عادة، مع أنهم عرب، وعاشوا في بيئة تتصف بسرعة الغضب والانتقام، وتقدس الثأر. وحروب العرب وأيامها في الجاهلية غالبها كانت لأسباب تافهة كحرب البسوس، وحرب داحس والغبراء (٥).

стр. 52

إِن الصبر قيمة خُلقيهَ مرتبطة بالإِيمان بالله واليوم الآخر، والإِيمان بأن ما يفوت الإِنسان في الدنيا يأتيه في الآخرة. ولهذا لما آمن الصحابة بمعاني الصبر هذه تحملوا الأذى، حتى إِن سمية أم عمار ﵄ وهي جارية ضعيفة لا يؤبه لها في مجتمع مكة، تصمد أمام الجبابرة ولا يفرحوا منها بكلمة تخدش في دينها حتى لاقت وجه الله شهيدة في سبيل الله. وبلال ﵁ يعجزهم رغم ما صبُّوا عليه من الأذى، وكثير من الصحابة رضوان الله عليهم أصابهم الأذى وصبروا، ورسول الله ﷺ ناله الأذى الجسدي بعد الأذى المعنوي، فضُرِب، وحوصرِ، وأُخرِج من أرضه وأحب البلاد إليه مكة المكرمة، فصبر وضحّى بذلك حتى أظهره الله عليهم ومَكنه منهم يوم الفتح فما انتقم ولكن عفا وأكرم (١). قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (٤).

стр. 53

جغرافية بلاد العرب بلاد العرب هي شبه جزيرة تحدها البحار من ثلاث جهات: البحر الأحمر من الغرب، والخليج العربي من الشرق، وبحر العرب من الجنوب. وقد تسمى: جزيرة العرب من باب التغليب، وهي تقع في الجزء الجنوبي الغربي من قارة آسيا، وتمثل رابطًا بين قارات العالم القديمة، آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهذا الموقع أكسبها أهمية تجارية وسياسية حيث تمر بها أشهر الطرق التجارية القديمة التي تربط آسيا مع دول حوض البحر المتوسط. والجزيرة العربية تمثل مع امتدادها في بلاد الرافدين والشام ومصر أرض النبوات ومهد الحضارات، وتنقسم جغرافية بلاد العرب إِلى أقسام: ١ - تهامة، وهي الشريط الساحلي على البحر الأحمر الممتد من خليج العقبة في الشمال حتى باب المندب في اليمن جنوبًا، ويضيق ويتسع بحسب قرب جبال السروات من البحر أو بعدها. ٢ - الحجاز، وهي سلسلة من المرتفعات الفاصلة بين تهامة ونجد وهي موازية لتهامة من الشرق وتسمى: جبال السروات، واسم الحجاز يشمل الجبال والساحل خاصة من الليث جنوبًا إِلى المدينة وينبع شمالًا. ٣ - نجد، وهي ما ارتفع من الأرض شرقي جبال السروات وتأخذ في الامتداد شمالًا إِلى صحراء النفود الكبير، وشرقًا إِلى صحراء الدهناء الفاصلة بين نجد والأحساء، ويقع في قلبها مدينة الرياض، وفي طرفها الشمالي الغربي منطقة القصيم، وفي جنوبها وادي الدواسر والافلاج والخرج، وفي شمالها حائل .. ٤ - الأحساء والبحرين، وما جاورها على الخليج العربي، إِلى الكويت في رأس الخليج.

стр. 54

٥ - اليمن، وتشمل الجزء الجنوبي من جبال السروات وما يقابلها من سهل تهامة إِلى عدن. ٦ - حضرموت وعُمان وإِمارات الخليج العربي، (دولة الإِمارات العربية المتحدة وقطر). ٧ - صحراء الربع الخالي في الجنوب الشرقي من الجزيرة العربية، ولها امتدادان إِلى الشمال، أحدهما: صحراء النفود غربي الرياض، والثاني: صحراء الدهناء شرقيها، ويشكلان في شمال الجزيرة صحراء النفود الكبير. ومناخ جزيرة العرب صحراوي ما عدا المرتفعات التي يعتدل جوها صيفًا، والأمطار قليلة لكنها على المرتفعات الجنوبية أكثر، ويوجد بها عد د من الواحات التي اشتغل أهلها بالزراعة، أما الغالبية من السكان فكانوا في زمن البعثة يعملون في الرعي وينتقلون من مكان إِلى آخر حسب الخصب ونزول المطر، ويشتغل طائفة منهم بالتجارة خاصة أهل مكة واليمن وحواضر الخليج. وقد امتن الله على قريش بالأمن وبرحلتي الشتاء والصيف التي يرحلونها في التجارة وطلب الرزق. قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ (١). وتعتبر الجزيرة العربية موطن الشعوب السامية، وقامت بها عدد من الدول والحواضر القديمة مثل عاد قوم هود بالأحقاف، ومثل ثمود قوم صالح بالحجاز وشمال الجزيرة، ومثل أهل مدين قوم شعيب في الشمال الغربي للجزيرة، ومثل دول مَعِين، وسبأ، وحِمْيَر في اليمن، ودولة كِنْدة في نجد، كما قامت في مكة المكرمة بعد بناء إِبراهيم وابنه إِسماعيل الكعبة المشرفة إِمارات الجراهمة، ثم خزاعة، ثم قريش حين جمعهم قُصَيّ بن كِلاَب.

стр. 55

مكانة مكة المشرفة وحرمتها لقد أمر الله أن تكون مكة بلدا آمنا وحرمًا معظمًا، فشرع حرمتها يوم خلق السموات والأرض، فعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم فتح مكة: " ... فإن هذا بلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض وهو حرام بحرمة الله إِلى يوم القيامة، وإِنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إِلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إِلا من عرفها، ولا يختلى خلاها" (١). قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (٢). وقال ممتنا على قريش أهل البلد الحرام: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ .... الآيه﴾ (٤). فمكة المشرفة جعلها الله واحة أمن وسلام، وشرع ذلك وأوجبه، يأمن الناس كلهم بل حتى الطير والنبات، ومن دخل مكة وجب أن يؤمَّن ولا يؤذى، فهو بجوار بيته الذي وضعه للطاعة والعبادة وبارك فيه، وجعله سببا للهداية وأقام فيه آيات بينات منها مقام إِبراهيم الذي رفع قواعد البيت بأمر الله، وطهره للطائفين والقائمين والعاكفين والركع السجود. قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٥).

стр. 56

فهو مثابة للناس يتوبون إِليه، أي يرجعون مرة بعد مرة لما يجدون في ذلك من الخير العظيم وتكفير الذنوب والسيئات ومضاعفة الحسنات، وما فيه من الأمن والراحة والطمأنينة. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١).ففي هذه الآية بيان لأهم وسائل الأمن وهو توحيد الله، والبعد عن الشرك ووسائله وأسبابه. وقد حذر النبي ﷺ من ذلك فقال: "إِن أبغض الناس إِلى الله ثلاثة، ملحد في الحرم، ومبتغ في الإِسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم أمريء بغير حق ليهريق دمه" (٢). وروى الإِمام أحمد من حديث عياش بن أبي ربيعة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة (أي حرمة مكة) حق تعظيمها فإِذا تركوها وضيعوها هلكوا" (٣). ألا فليتق الله سكان حرم الله والوافدين إِليه وليعظموا هذا الحرم، بإِقامة شعائر الله وتعظيمها ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٤). وليحذروا مما حَذّر الله منه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٥). فهذا وعيد شديد لمن يهم بسيئة في حرم الله، فكيف بمن فعل السيئة، أو ترك الواجب عليه من الصلاة، والزكاة، والصوم، وبر الوالدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .... الخ.

стр. 57

يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود في تفسير الآية السابقة: لو أن رجلًا هم فيه بإِلحاد وهو بعدن أبين لأذاقه الله عذابا أليما (١). ومن العجب أن أهل الجاهلية كان لهم نصيب من تعظيم البلد الحرام ومراعاة حرمته، فكان أحدهم يلقى قاتل أبيه أو أخيه في البلد الحرام فلا يعرض له حتى يخرج من البلد الحرام، وإِذا أصابتهم غارة أو اعتداء لجؤا إِلى الحرم للإِحتماء به. وهذه إِمرأة من أهل الجاهلية توصي إِبنها بتعظيم الحرم وتحذره من الظلم فيه فتقول: أبنيّ لا تظلم بمكة ... لا الصغير ولا الكبير أبني من يظلم بمكة ... يلق آفات الشرور أبني قد جربتُها ... فوجدت ظالمِها يبور لقد أحاط الله مكة بثلاث دوائر تعظيمًا لها وحماية لحرمها، وسماها أم القرى، لأن القرى كلها ترجع إِليها، ففيها الكعبة المشرفة قبلة المسلمين. الدائرة الأولى: دائرة الحرم بحدوده المعلومة حيث بينها الله لإِبراهيم ﵇ ووضع لها أعلامًا توارثها الناس حتى بعثة النبي ﷺ ، فأمر بتجديد أعلام الحرم، ثم قام عمر ابن الخطاب في خلافته بتجديدها، وما زال أمراء المسلمين وحكام البلد الحرام يعتنون بهذه الأعلام ويجدِّدونها لارتباطها بأحكام شرعية وضحها ﷺ يوم فتح مكة، بأنه لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها. كما أن الصلاة في مسجدها بمائة ألف صلاة، بل كل حرمها تفضل فيه أعمال الخير والبر كما ذهب لذلك جمع من العلماء. (انظر: خريطة حدود الحرم وأعلامه)

стр. 58

خريطة حدود الحرم المكي

стр. 59

الدائرة الثانية: دائرة المواقيت، وهي من وراء أعلام الحرم، وقد أوجبت الشريعة أن لا يتجاوزها من أراد الحج أو العمرة إِلا وهو محرم، وأقرب المواقيت إِلى مكة وادي محرم في طريق الهدى على مسافة ٦٦ كم، وأبعدها ميقات أهل المدينة ذي الحليفه ٤٢٠ كم. (انظر: خريطة المواقيت). محاذاة المواقيت المكانية بخطوط الطول والعرض

стр. 60

الدائرة الثالثة: الجزيرة العربية حيث خصتها الشريعة بخصائص وأحكام (١). لتكون حصنًا واقيًا وحمى من بعيد للحرم الآمن والبلد المقدس أم القرى. (انظر خريطة الجزيرة العربية)

стр. 61

أصول العرب وقبائلهم يقسم المؤرخون العرب في تسلسلهم وأصولهم إِلى ثلاثة أقسام رئيسة: ١ - العرب البائدة وهم القبائل والدول القديمة مثل عاد، وثمود، والعمالقة، وطسم، وجديس، وأميم، وجرهم، وقد امتد ملك بعضهم إِلى الشام ومصر. وهؤلاء قد اندرسوا ولم يبق منهم باقية إِلا بعض آثارهم المادية التي خلفوها لتكون عبرة وعظة لمن يأتي بعدهم، وبعضهم مذكور خبرهم في القرآن الكريم مثل: عاد، وثمود، وقوم شعيب، وأن الله أهلكهم بسبب كفرهم وعدم استجابتهم لرسلهم. ٢ - العرب القحطانية وهم العرب المنحدرة أصولهم من يعرب بن يشجب بن قحطان، ويسمون العرب القحطانية، ويعرفون بعرب الجنوب، ومنهم ملوك اليمن في دول مَعِين، وسبأ، وحِمْير، وبقي بعض ملوكهم وأمرائهم إِلى أن قام عليهم الإِسلام. ٣ - العرب العدنانية نسبة إِلى عدنان الذي ينتهي نسبه إِلى إِسماعيل بن إِبراهيم ﵉ وموطنهم الأصل مكة، وانتشروا في الشمال وفي نجد والبحرين وعلى حدود العراق، ومن أشهر فروع العرب العدنانية، مضر، وربيعة. ومن مضر القبائل القيسية والكنانية، وقريش من كنانة، ولقريش فروع شتى، جُمح، وسَهْم، وعَدِي، وتَيْم، ومخزوم، وزُهْرة، وعبد الدار، وعبد مناف، والنبي ﷺ من بني هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب. قال ﷺ : "إِن الله اصطفى كنانة من ولد إِسماعيل واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (١).

стр. 62

شجرة نسب الرسول ﷺ إِلى قصي * قصي: (١) عبد مناف. (٢) عبد العزى. (٣) عبد الدار (وفيهم حجابة البيت). * عبد العزى ١ - هاشم. ٢ - المطلب. ٣ - عبد شمس. ٤ - نوفل. * هاشم. (١) عبد المطلب. ١ - عبد الله ** سيدنا محمد: رسول الله ﷺ ٢ - أبو طالب ** علي ﵁ ٣ - أبو لهب. ٤ - الزبير. ٥ - الحارث. ٦ - حمزة. ٧ - العباس ** عبد الله (ومنهم العباسيون) ٨ - المقوم. * عبد شمس: ١ - حبيب. ٢ - أمية الأكبر. ٣ - أمية الأصغر (وهم العبلات) ومنهم الثريا صاحب عمر بن أبي ربيعة. ٤ - عبد أمية. ٥ - نوفل. ٦ - عبد العزى. ٧ - ربيعة عبد الله. * أمية الأكبر: ١ - أبو العاصي. من نسله: عثمان بن عفان والعرجي الشاعر ومروان بن الحكم وأولاده. ٢ - العاصي. ٣ - العيص. ٤ - أبو العيص. ٥ - عمرو. ٦ - حرب. ٧ - أبو حرب. ٨ - سفيان. ٩ - أبو سفيان. * حرب: ١ - أبو سفيان. ٢ - الحارث. ٣ - عمرو وآخرون * أبو سفيان: ١ - معاوية. ٢ - عتبة (من نسله العتبي الشاعر). * معاوية: ١ - يزيد. * يزيد. ١ - معاوية.

стр. 63

شجرة نسب الرسول ﷺ إلى مضر * إلياس بن مضر: ١ - طابخة. ٢ - مدركة. ٣ - قمعة. * مدركة: ١ - خزيمة. ٢ - هذيل (ومنهم نيف وسبعون شاعرًا). ٣ - خزاعة (ومن قمعة كثير الشاعر). * خزيمة: ١ - كنانة. ٢ - الهون. ٣ - أسد. * كنانة: ١ - النضر. ٢ - عبد مناة. * النضر. ١ - مالك. * مالك: ١ - فهر (قريش). * فهر (قريش): ١ - غالب. ٢ - محارب. ٣ - الحارث. * غالب: ١ - لؤي. ٢ - تميم (وهو الأدرم). ٣ - قيس. * لؤي: ١ - كعب. ٢ - عامر (ومن نسله: سودة بنت زمعة أم المؤمنين). * كعب: ١ - مرة. ٢ - هصيص (ومنه جمح). ٣ - عدي (ومن نسله: عمر بن الخطاب ﵁) * مرة: ١ - كلاب. ٢ - تيم (ومن نسله: أبو بكر الصديق ﵁ وأمه أم الخير سلمى). ٣ - يقظة (ومنهم مخزوم الذين منهم: فاطمة أم عبد الله والد رسول الله ﷺ ) * كلاب: ١ - قصي. ٢ - زهرة (ومن زهرة: سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف) * زهرة: ١ - عبد مناف. * عبد مناف: ١ - وهب. * وهب: آمنة أم رسول الله ﷺ )

стр. 64

وتقسيم العرب إِلى عدنانية وقحطانية هو رأي جمهرة علماء الأنساب، ويرى آخرون أن العرب جميعًا العدنانيه والقحطانيه ينتسبون إِلى إِسماعيل ﵇ وعلى هذا الرأي الإِمام البخاري حيث ترجم في صحيحه: باب نسبة اليمن إِلى إِسماعيل ﵇. منهم: أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة (١). وأورد حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ على قوم من أسلم يتناضلون بالسوق فقال: ارموا بني إِسماعيل فإِن أباكم كان راميا ... الحديث (٢). وخزاعة من القبائل القحطانية التي هاجرت إِلى الحجاز بعد خراب سد مأرب باليمن.

стр. 65

أحوال العرب قبل البعثة النبوية ١ - الأحوال السياسية ينقسم سكان الجزيرة العربية إِلى بدو وحضر، والنظام السائد بينهم هو النظام القبلي، ولم يعرفوا الاجتماع على دولة إِلا في أحوال قليلة، وعلى مساحات ضيقة، فالجزيرة العربية طوال تاريخها قبل الإِسلام لم تعرف وحدة سياسية جامعة، وحتى في الدول التي قامت في اليمن أو في أطراف الجزيرة في الشام والعراق، لم تنصهر الجماعة فيها في شعب واحد، وإنما بقيت القبائل وحدات، لها نفوذها واستقلالها، وأوضح مثال حالة مكة قبيل وزمن البعثة النبوية، فلا يوجد رأس للدولة له سلطات، ولا مؤسسات إِدارية وسياسية، وإنما تآلف وتعاون قبلي على حسب الأسر وقوة رجالاتها. والنظام القبلي تسود فيه الحرية، فقد نشأ العربي في الصحراء الواسعة ينتقل كما يشاء من غير قيود، ولذا كانت الحرية من خصائص العرب، يأبون الضيم والذل، ويفتخرون بالقبيلة ويدافعون عن حماها وحرماتها، ويشيدون بأيامهما ومفاخرها، وينتصرون لكل فرد من أفرادها سواء كان محقًا أو مبطلًا، ولهذا كان من أقوالهم: انصر آخاك ظالمًا أو مظلومًا (١). ويقول شاعرهم: وهل أنا إِلا من غزيّة إِن غوت ... غويت وإِن ترشد غزية أرشد فالقبيلة لها شخصيتها السياسية المستقلة، تعقد الأحلاف وتشن الغارات حسب مصلحتها وأوامر رجالاتها.

стр. 66

ولهذا لم يكن لهم في آخر عهدهم أثر في السياسة الدولية، لأنهم وحدات صغيرة متفرقه، بل خضعوا في بعض أطرافهم لنفوذ الدولتين الكبيرتين في ذلك الزمن: الفرس والروم، واستُعمِرت اليمن من قبل الأحباش، وبلغ الأمر بأبرهة الحبشي أن غزا الكعبة وأراد هدمها، ولم يستطع العرب مواجهته، لأنهم لم يجتمعوا له في جيش واحد، وإِنما واجهوه قبيلة قبيلة، فلم يصنعوا شيئًا، وكان غاية ما صنعه بعضهم أن أرسلوا مع أبرهة من يَدُلَّه على الطريق إِلى مكة كما فعل أبو رغال الطائفي الذي مات بالمغمس قرب مكة، وكرهه العرب لخيانته فصاروا يرجمون قبره. وعندما أراد سيف بن ذي يزن التحرر من استعمار الأحباش لجأ إِلى سلطان الروم فلم يجبه، ثم لجأ إِلى كسرى فارس فأمده بعد جهد. ٢ - الأحوال الدينية أمم العرب القديمة وصَمَهم القرآن بالشرك وعبادة الأوثان ولهذا أهلكهم الله لما جاءتهم الرسل بالآيات فلم يؤمنوا، ونَجّى الله الرسل ومن استجاب لهم. وكذا الدول التي قامت في اليمن كانت وثنية يعبدون الكواكب والأصنام، وقد ذكر الله قصة سبأ وأنهم كانوا يسجدون للشمس من دون الله، وقد استجابت ملكتهم لسليمان ﵇ وأسلمت لله رب العالمين، لكن قومها الذين بقوا على الشرك سَلّط الله عليهم سيل العرم فأهلك طائفة منهم، وطوائف هاجروا وتفرقوا في الأرض حتى ضُرِب بهم المثل فقيل: تفرقوا أيدي سبأ. وفي مكة المكرمة رفع إِبراهيم وابنه إِسماعيل القواعد من البيت وجعله مثابة للناس وآمنا، ودعا لأهله بالأمن والبركة وجباية الخيرات من كل مكان، فكانوا على التوحيد والحنيفية السمحة ملة أبينا إِبراهيم، ثم مع مرور الزمن ابتلوا بما ابتلى به غيرهم، فغيروا ملة إِبراهيم، وجاء عمرو بن لُحَيّ الخزاعي بالأصنام وأمر العرب بعبادتها، وانتشرت نتيجة لذلك بينهم عبادة الأصنام وبالغوا في ذلك كثيرًا.

стр. 67

روى البخاري في صحيحه عن أبي رجاء العُطَاردي قال: كنا نعبدُ الحَجَر فإِذا وجدنا حجرًا هو أخْيرُ منه ألقيناه وأخذنا الآخَرَ، فإِذا لم نجد حجرًا جمعنا جُثْوةً من تراب ثم جئنا بالشاةِ فحلبناه عَليهِ ثم طُفْنا به (١). بل كان من العرب من يصنع الصّنم من عجوةِ التمرِ فإِذا جاعوا أكلوه. ومن أصنام العرب المشهورة: اللات: بالطائف، لثقيف. العُزّى: بوادي نخلة شرق مكة، وهي لقريش. مناة: في المشلل بقديد، وهي للاوس والخزرج. هُبل: منصوب في جوف الكعبة. إِسَافُ ونائلة: منصوبان على بئر زمزم. وَدّ: في دُومة الجندل، وهو لبني كلب بن وبرة من قضاعة. سُواع: في رهاط شمال شرق مكة، وهو لهذيل. يغوث: في جُرَش قرب بيشة، وهو لبني مذحج. يعوق: في اليمن، وهو لقبيلة هَمْدَان. نَسْر: في أرض حمير، وهو لذي الكُلاَع. ومن العرب من كان يعبد الجن، ويعبد الكواكب، فصارت الوثنية هي الغالب عليهم ويوجد بقايا على الحنيفية لكنهم أفراد قلائل. وبعض العرب تأثر بديانة الفرس المجوسية. أما اليهودية فقد انتشرت في اليمن، وفي شمال الجزيرة في يثرب، وخيبر، ووادي القرى، حيث وفد عليها قبائل من اليهود من فلسطين عندما حصل عليهم الاضطهاد من الغزاة الكلدانيين، ثم الرومان.

стр. 68

أما النصرانية فقد جاءت مع الأحباش، وانتشرت في بعض البلدان في اليمن، ونجران وغيرها، وكان لها وجود في شمال الجزيرة وشرقها. واليهودية والنصرانية قد حُرِّفتا وبدلت كثير من أحكامهما فلم تعودا ديانتين صحيحتين، وقد بَّين الله تعالى في القرآن الكريم أن اليهود والنصارى يحرفون الكلم عن مواضعه قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (١). وأنهم يكتمون الحق ويخفونه قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣). وقال ﷺ : «.... وإن الله نظر إِلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إِلا بقايا من أهل الكتاب» (٤). فالذين بقوا على الدين الحق الذي جاءت به الرسل أفراد قلائل وبقايا متفرقون في الأرض، كما يدل على ذلك قصة سلمان الفارسي وبحثه عن الحنيفية حتى قال آخر من صحبهم من القسس عند وفاته: لا أعلم أحدًا بقي على هذا الدين، ولكن أظلّ زمان رسول يبعث في أرض العرب، ومهاجره إِلى أرض ذات نخل بين حرتين، فجاء سلمان إِلى المدينة لأ جل هذا، وقول القسيس هو من البشارات ودلائل النبوة التي يعرفها أهل

стр. 69

الكتاب من كتبهم الموروثة عن أنبيائهم، ولكن يد التحريف قد فعلت فعلها حتى خفي الحق وظهر الشرك، وقد اندرست معالم التوحيد، والبشرية بحاجة إِلى منقذ يخرجها من الضلال والشرك الذي وقعت فيه. ٣ - الأحوال الاجتماعية والأخلاقية الأحوال الاجتماعية والأخلاقية فرع عن التصور والاعتقاد وهي أثر من آثاره، فإِذا فسد الإِيمان واختل التوحيد ظهر أثر ذلك في السلوك، وفي النظام الاجتماعي، والعلاقات بين الناس، وقد عرفنا ما كان عليه العرب بل أهل الأرض قبيل البعثة من فساد الاعتقاد وظهور الشرك والوثنية، لهذا كانت حياتهم الاجتماعية والأخلاقية مختلة كاختلال عقيدتهم، فقد سيطرت عليهم التقاليد والعادات وأصبحت بمثابة القوانين المرعية، وكانوا يتعصبون للقبيلة، ويتفاخرون بالأنساب، ونظرتهم للمرأة غير متزنة، ولا يعطونها حقها من الميراث، ويتزوج أحدهم بلا حَدّ، فقد يجمع بين عشر نساء أو أكثر، والطلاق بلا عدد، وإِذا توفي زوج المرأة فقد تحبس فلا تتزوج، وقد ينكحها أكبر ولد زوجها من غيرها. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (١) وكانوا يجمعون بين الأختين. وكان بعضهم يئد البنات خشية العار، وقد يقتلون أبناءهم خشية الفقر، ولا يمتنعون عن المحرمات من الفواحش، وسفك الدماء، وأكل الربا، وظلم الضعفاء، والإِغارة على بعضهم، ونهب أموالهم، وسبي نسائهم وذراريهم، ويحتقرون بعض المهن الحرفية والصناعية، وكانت تنتشر فيهم الأمية، والجهل، وجُل معارفهم المفاخر والشعر ومثالب الآخرين.

стр. 70

ومع هذا فعندهم عادات حسنة وأخلاق حميدة مثل الكرم، والشجاعة، وإباء الضيم، والعفة، والذكاء والفطنة، وقوة الحافظة، والفروسية، والمروءة والنجدة، والفصاحة، والحفاظ على الأحساب وصيانتها، فيأنفون من الكذب والغدر والخيانة، ويحبون الصراحة والوضوح لصفاء فطرتهم وطبيعة حياتهم المبنية على البساطة والحرية التي عاشوها، فلم يخضعوا لحكومة أجنبية، ولم يألفوا الرق والعبودية، وانحرافاتهم ناتجة عن جهل بسيط فيسهل معالجتها والرجوع بها إِلى أصل الفطرة وصفائها، وكانوا واقعيين جادّين أصحاب صراحة وصرامة، وأصحاب صدق وشجاعة، لا يخدعون غيرهم ولا أنفسهم. ولم تكن أخلاقهم كأخلاق أهل المدنيات من الفرس والروم التي كثرت فيها الالتواءات وأدواء الترف حتى أفسدتها، وظهرت فيها الفلسفات، وأثرت فيها المدنيات بأخلاطها وتعقيداتها وطبائع أهلها المختلفة (١)، فكان جهلهم جهلًا مركبًا (٢). أو كما يقول مالك بن نَبِي: إِن العربي في ذلك الوقت هو إِنسان ما قبل الحضارة، مثل المادة الخام، يمكن تصنعيها وتنظيم ما فيها من طاقات ... وأما فارس والروم فقد كانوا في مرحلة ما بعد الحضارة كالخُرْدة المستهلكة المبعثرة (٣). وقد كانت تلك الفضائل في العرب رصيدًا حسنًا في نفوسهم وفطرتهم زاده الإِسلام كمالًا وجمالًا ووجّه تلك الأخلاق والفضائل وجهة صحيحة حسب أحكامِ الشريعةِ ومكارمِها العالية.

стр. 71

دروس وعبر: ١ - أهمية الجزيرة العربية وموقعها الاستراتيجي، وشرفها العظيم باحتضانها الكعبة المشرفة والبلد الحرام الآمن مكة المكرمة. ٢ - نقاء عنصر أهلها، وفصاحة لغتهم ولسانهم، واعتناؤهم بالأنساب ومكارم الشيم. ٣ - حفظ الله لحرمه من المستعمر الخارجي، فبقيت فطرتهم محفوظة من التواءات المدنيات ومفاسدها، وذات نقاء يسهل استصلاحها. ٤ - كان في العرب جهل وأمية سببت لهم انحرافات في الاعتقاد والتصور، غير أن جهلهم لم يكن جهلا مركبا ومفلسفا، وعندما عرض عليهم الحق أسرع كثير منهم إِلى الاستجابة. ٥ - تفرق العرب وانعدام الوحدة السياسية بين أقاليم الجزيرة، وانتشار العصبية القبلية وهي من مظاهر الجاهلية ٦ - كان العرب كغيرهم من الأمم يتخبطون في ظلمات الجاهلية، إِنحراف عقدي، وتفكك اجتماعي، واضطراب سياسي، وترد اقتصادي، فكانوا أحوج ما يكونون إِلى من يخرجهم من الظلمات إِلى النور.

стр. 72

الفصل الأول: الرسول ﷺ من مولده إلى بعثته

стр. 73

الرسول ﷺ من مولده إلى بعثته نسبه ﷺ هو أبو القاسم محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إِلياس بن مضر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان. وعدنان من ولد إِسماعيل ابن إِبراهيم أبو الأنبياء ﵇. وهذا السياق في نسبة ﷺ إِلى عدنان اتفق أهل السير وعلماء الأنساب عليه ولا خلاف فيه، ويبلغ عدد الآباء في هذا السياق واحدا وعشرين أبًا. أما سياق نسبه ﷺ من عدنان إِلى إِسماعيل بن إِبراهيم الخليل، ففيه خلاف، وتوقف بعض أهل العلم في ذلك، ولكنهم لا يختلفون في أن عدنان من ذرية إِسماعيل ﵇، وعدد الآباء في هذا القسم من عدنان إِلى إِبراهيم مختلف فيه، فأكثر ما قيل أربعون أبًا، وأقل ما قيل سبعة آباء (١) وقد كره ابن عباس وكثير من علماء السلف رفع النسب النبوي فوق عدنان، وكان ابن عباس يقول: بين عدنان وإِسماعيل ثلاثون أبًا لا يعرفون (٢) ويقول عروة بن الزبير: ما وجدنا أحدًا يعرف ما وراء عدنان (٣). وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ (٤). أما قائمة النسب من إِبراهيم ﵇ إِلى آدم، فالاختلاف فيها شديد، سواء في الأسماء، أم في ترتيبها أم في عدد طبقات النسب والآباء.

стр. 74

أما أمه فهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة. ويلتقي نسبه مع نسب أمه في كلاب بن مرة. وأسماؤه ﷺ كما ورد في الصحيح هي: أحمد، ومحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب، وزاد مسلم: والمقفي، ونبي الرحمة (١). أسرته ﷺ تعرف أسرة النبي ﷺ بالأسرة الهاشمية نسبة إِلى جده الثاني هاشم بن عبد مناف بن قصي، وقصي هو الذي جمع قريشا وتولى أمر مكة وسدانة الكعبة بعد أن طرد منها خزاعة، وصار لقصي من مظاهر الرياسة، دار الندوة، واللواء، والحجابة للكعبة، وسقاية الحاج ورفادتهم، وكان في قومه قريش كالملك لا يعصى له أمر، فهو الذي أنزلهم مكة وملكهم أمرها ونظم شؤونهم فيها، وقد أوصى قصي بهذه المناصب لابنه الأكبر عبد الدار فتولى عبد الدار ما كان يتولاه قصي، فلما مات قصي عزم بنو عبد مناف أن ينزعوا من بني عبد الدار ما بيدهم من الوظائف لما كانوا عليه من الفضل والشرف، فاختلفوا واختلفت قريش باختلافهم، وأشرفوا على الاقتتال وعقدوا من أجل ذلك حلف المطيبين، ثم اصطلحوا على أن تكون دار الندوة، واللواء، والحجابة لبني عبد الدار، ولبني عبد مناف، السقاية، والرفادة، والتي صارت بحكم القرعة لهاشم دون بقية بني عبد مناف، ثم خلفه عبد المطلب، وبعده العباس، وقد جاء الإِسلام وهي بيده. وكان هاشم موسرًا وذا شرف في قومه، وهو أول من أطعم الثريد للحجاج بمكة، وأول من سَنّ الرحلتين لقريش، رحلة الشتاء، ورحلة الصيف.

стр. 75

يقول فيه الشاعر (١). عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... قوم بمكة مسنتين عجاف سُنت إِليه الرحلتان كلاهما ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف وقد خرج هاشم إِلى الشام تاجرًا، ومَرّ بيثرب (المدينة) فتزوج سلمى بنت عمرو بن عدي من بني النجار، وأكمل رحلته إِلى الشام، ومات بغزة من أرض فلسطين. وقد حملت زوجته سلمى، فجاءت بولد سمته شيبة، ولما علم عمه المطلب بن عبد مناف، خرج إِلى يثرب وجاء به، ودخل مكة وهو مردفه على راحلته، فظن أهل مكة أنه غلام له فقالوا: عبد المطلب. فرد عليهم: إِنه ابن أخي هاشم، فلزمه هذا اللقب وصار يعرف به (٢). وقد شرف عبد المطلب في قومه وتولّى ما كان لوالده هاشم، وحصل له أمور زادت في شرفه ومكانته، ومنها: الأول: حفر بئر زمزم وذلك أن بئر زمزم التي نبعت على يد إِسماعيل وأمه هاجر قد دفنت بسبب الحروب التي كانت في مكة، فلم تعرف، ثم إِن عبد الطلب قد أري مكانها في المنام وأمر بحفرها، فلما قام بذلك نازعته قريش فيها، فقال لهم: إِن هذا أمر قد خصصت به. فتحاكموا إِلى كاهنة من العرب، وقبل أن يصلوا إِليها أراهم الله آية علموا منها اختصاص عبد المطلب بذلك فتنازلوا عن مطلبهم (٣).
следующие страницы →