حج أبي بكر الصديق ﵁
كان المشركون قد تولوا الحج في السنة الثامنة بعد الفتح، وعتاب بن أسيد أمير رسول الله على مكة حج بالمسلمين، وفي السنة التاسعة أمّرَ الرسول الله ﷺ على الحج الصديقَ، وبعد مسيره أرسل في أثره علي بن أبي طالب، ولما رآه الصديق رحّب به وقال: أمير أم مأمور؟ قال: بل مأمور. وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يعلن للناس في الحج أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد هذا العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، وأن مَن بينه وبين رسول الله ﷺ عهد أو ميثاق محدد فهو إِلى مدته، ومن كان عهده غير محدد فإِن نهايته بعد أربعة أشهر. فأرسل رسول الله عليًا بها ليبلغ أبا بكر، فكان أبو بكر وعلي ﵄ يعلنان ذلك للناس يوم الحج ويأمرون من ينادي (١) به ليصفو الحج بعد ذلك للمسلمين.
حجة الوداع
سميت حجة الوداع لأن النبي ﷺ ودع الناس فيها، وسميت حجة الإِسلام لأنه لم يحج من المدينة غيرها، وسميت حجة البلاغ لأنه بَلّغ الناس فيها شرع الله في الحج قولًا وعملًا وأشهدهم على ذلك.
خرج ﷺ من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة في السنة العاشرة، وبات في الوادي المبارك وادي العقيق، فلما كان بذي الحليفة صلى الظهر وأحرم من مصلاه، ثم لبىّ عندما استوى على راحلته راكبًا، فلما أخذت به في البيداء لَبّى بالحج، وساق معه الهدي.
وسار حتى وصل مكة لخمس خلون من ذي الحجة، وعندما وصل مكة بات بذي
стр. 282
طوى (١) حتى أصبح، فاغتسل ودخل مكة من ثنية كداء (الحجون) ثم دخل الحرم من باب بني شيبة (٢)، ثم طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة.
وفي اليوم الثامن من ذي الحجة توجه إِلى مني فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، ثم سار إِلى عرفه وخطب خطبة عظيمة بعرفه جاء فيها: إِن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإِن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب -كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل- وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه من ربانا ربا العباس بن عبد الطلب فإِنه موضوع كله، واتقوا الله في النساء، فإِنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإِن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مُبرِّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تَضِلّوا بعده إِن اعتصمتم به: كتابُ الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت. فقال: اللهم اشهد ثلاثًا (٣).
ثم صلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، ووقفى بعرفة حتى غربت الشمس، ونزل عليه في موقفه ذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤).
стр. 283
قال عمر: نزلت على رسول الله عشية عرفة يوم الجمعة (١)، ثم سار حتى وصل مزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء، ثم نام حتى الفجر، ثم استقبل القبلة ودعا وحمد الله وكَبّره وهلّله ووحّده حتى أسفر جدًا.
ثم انطلق إِلى منى، والتُقِطت له سبع حصيات مثل حصى الخذف، ورمى بهن جمرة العقبة، ثم انصرف إِلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غبر، وأشركه في هديه وهو مائة بدنة، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قِدْر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا مِن مرقها (٢)، ثم أمر الحلاق فحلق رأسه، ثم أفاض من يومه وطاف بالبيت سبعًا، ثم عاد إِلى منى فبات بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرات إِذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة.
وقد خطب يوم النحر خطبة عظيمة كرر فيها بعض ما جاء في خطبته يوم عرفه وزاد مثل قوله: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض. وقوله: إِن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان (٣).
وقوله: إن أمِّر عليكم عبدٌ مُجدَّع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا.
وقال: إِنما هن أربع، لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إِلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا.
وقال: أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك. وقال: ولا يجنى جان على
стр. 284
ولده، إلا إِن الشيطان قد يئس أن يُعبد في بلدكم هذا، ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى.
وقال: اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم.
وقال: إِن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، وحسابهم على الله، ومن ادعى إِلى غير أبيه أو انتمى إِلى غير مواليه فعليه لعنة الله متتابعة إِلى يوم القيامة، لا تنفق امرأة شيئًا من بيتها إِلا بإِذن زوجها. وقال: العارية مؤداة والمنحة مردودة، والدَّين مَقْضِيّ، والزعيم (١) غَارِمٌ (٢).
دروس وعبر:
١ - فضيلة أبي بكر الصديق ﵁ وأنه أول أمير للحج، وبهذا مضت السنة بتأمير من يقيم للناس الحج ويقود الحجيج في هذه الشعيرة العظيمة.
٢ - إِبلاغ النبي ﷺ ما أنزل الله إِليه من وجوب منع المشركين من قربان المسجد الحرام، وأن يكون الحج ومشاعره خالصا للمسلمين لا يشركهم فيه أحد من المشركين، ولذا أرسل بها عليًا بعد خروج الصديق إِلى مكة، فناديا بذلك طيلة أيام الحج حتى تم البلاغ وقامت الحجة بذلك.
٣ - بيان هدي النبي ﷺ في أداء نسك الحج وهو القائل: خذوا عني مناسككم.
٤ - التأكيد على أصول الدين وثوابته، وإعلان الحقوق الشرعية للإِنسان رجلًا أو امرأة.
стр. 285
٥ - تحريم التقاليد والعادات الجاهلية والالتزامات المترتبة عليها، وأنها كلها موضوعة.
٦ - التأكيد على حرمة الدماء والأموال والأعراض.
٧ - وجوب طاعة ولي الأمر، ولزوم الجماعة، والتحذير من التفرق، والاختلاف، والحرص على الوحدة والائتلاف والتعاون على البر والتقوى.
стр. 286
وفاة الرسول ﷺ ووصاياه وشمائله وخصائصه وزوجاته
مقدمات الوفاة:
الأحداث الكبيرة يجعل الله لها مقدمات وإرهاصات، وقد كان من علامات دنو أجل النبي ﷺ :
١ - فتح مكة قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (١).
قال ابن عباس: هو أجل رسول الله أعلمه إِياه (٢) وقال قتادة عن ابن عباس: هذه السورة عَلَمٌ وحَدّ حَدّه الله لنبيه ﷺ ونَعَى له نفسه، أيضًا أنك لن تعيش بعدها إِلا قليلًا (٣).
٢ - تتابع الوحي عليه في العام الذي قُبِض فيه (٤).
٣ - عرض جبريل القرآن عليه مرتين في آخر رمضان صامه ﷺ (٥).
٤ - اعتكافه ﷺ عشرين ليلة من رمضان في العام الذي قُبِض فيه (٦).
٥ - تخييره ﷺ بين الخلد في الدنيا ثم الجنة، وبين لقاء الله، كما في حديث أبي مويهبه (٧). وقد أخبر رسول الله ﷺ أصحابه بذلك تعريضًا في أخر خطبة خطبها حين اشتد به المرض ففهمها الصديق وبكى (٨).
стр. 287
مرض النبي ﷺ .
بعد عودته ﷺ من الحج بقي في المدينة النبوية شهري محرم وصفر، وفي أواخر صفر وأوائل شهر ربيع الأول ابتدأ به المرض بعد أن زار البقيع مع مولاه أبي مويهبة، وسَلّم عليهم ودعا لمن دفن فيه من المسلمين؛ واستغفر لهم.
وقد مرّ مرض النبي ﷺ بمراحل مختلفة: بدأ بالصداع في بيت عائشة، ثم اشتد عليه المرض في بيت ميمونة، فاستأذن نساءه في أن يمرض في بيت عائشة، فبقي في بيتها حتى وفاته ﷺ ، وكان في أول الأمر يخرج إِلى المسجد فيصلي بالصحابة، وقد خطب بهم خطبة أوصى فيها ببعض الوصايا، ثم لما عجز عن الخروج استخلف أبا بكر على الصلاة (١).
وكان من أسباب مرضه أثر السُّم من الشاة التي قَدّمتها له إِمرأة من يهود خيبر، وقد اعترفت بذلك هي وقومها فقال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إِن كنت كاذبًا نستريح، وإِن كنت نبيًا لم يضرك (٢)، وقالت هي: أردت لأقتلك. قال: ما كان الله ليسلطك على ذلك (٣)، فلم يقتله السم في وقت تناوله كما قتل بشر بن البراء الأنصاري (٤)، ليكون دليلًا من دلائل نبوته، ولكن اليهود لم ينتفعوا بذلك فلم يُسْلِمُوا وقد رأوا الآية والبرهان على نبوته، غير أن أثر السم بقي معه، فقال لعائشة في مرضه الذي مات فيه: (يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم) (٥) فأراد الله أن يجمع له بين النبوة والشهادة مبالغة في الترفيع والكرامة، وكان عبد الله بن مسعود يقسم على أن النبي ﷺ مات شهيدا (٦).
стр. 288
خطبة النبي ﷺ الأخيرة (سببها ومضمونها):
وقد حزن الأنصار ﵃ لمرض رسول الله ﷺ فمر بهم العباس وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا، فدخل العباس على رسول الله فأخبره بذلك، فقال النبي ﷺ : صُبّوا عليّ من سبع قِرَب من سبع آبار شتى، حتى أخرج إِلى الناس فأعهد إِليهم، فصبوا عليه فوجد راحة فخرج -وذلك قبل أن يموت بخمس- عاصبًا رأسه بخرقة حتى أهوى إِلى المنبر، وكان آخر مجلس جلسه، فحمد الله وأثنى عليه واستغفر للشهداء من أصحاب أحد ودعا لهم ثم قال: أيها الناس ثوبوا (١) إِلي، فثابوا إِليه ثم قال:
أما بعد: أوصيكم بالأنصار خيرا فإِنهم كرشي وعيبتي (٢)، فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم إِلا في حَدّ (٣)، وإِن عبدًا خَيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده، فلم يفطن لها أحدُ غير أبي بكر فبكى وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا -يقول أبو سعيد الخدري- فعجبنا له وقلنا ما لهذا الشيخ يبكي، فكان رسول الله هو المخَيّر وكان أبو بكر أعَلَمنَا، وقال رسول الله: يا أبا بكر لا تبك، إِن من أمَنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإِسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إِلا سُدّ إِلا بابَ أبي بكر (٤).
وإِني بين أيديكم فرط (٥)، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإِني لأنظر إِليه من مقامي هذا. وإن عرضه كما بين أيلة إِلى الجحفة.
стр. 289
وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم (١).
ألا وإِن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إِني أنهاكم عن ذلك (٢).
هذه الخطبة خطبها النبي ﷺ وهو متألم متوجع، ولم يمنعه المرض أن يقول ما أمر الله به أن يبلّغه لأمته وفي هذا دلالة على عظيم شفقته على الأمة، ولذلك فإِنها بحاجة إِلى دراسة وتأمل واهتمام بما تضمنته. مثل الوصية بالأنصار، وبيان فضائل أبي بكر وأنه أعلم الصحابة، وفيها تبشير الأمة بحوضه الشريف، وأن موعدهم معه الورود على الحوض وبيان سعته، وشهادته على الأمة، وفيها التحذير من الدنيا والتنافس فيها والاقتتال عليها، وكذا التحذير من طرائق اليهود والنصارى واتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد والنهي الصريح عن ذلك.
آخر وصايا النبي ﷺ :
من رحمة النبي ﷺ بأمته وخشيته عليهم من الشهوات والشبهات ونصحه لهم، أنه أوصاهم بجملة من الوصايا في أيام مرضه، وكرّر بعضها أكثر من مرة وهو في تلك الحالة، وأكد عليها قبل موته مما يوجب العناية بها، فمن تلك الوصايا:
١ - الوصية بالأنصار ﵃ وإِكرام كريمهم والتجاوز عن مسيئهم إِلا في حدود الله.
٢ - الوصية بإِخراج المشركين من جزيرة العرب.
٣ - الوصية بالصلاة، وبملك اليمين من العبيد والخدم وما شابههم من الضعفاء.
стр. 290
٤ - إِحسان الظن بالله، قال ﷺ قبل موته بثلاثة أيام: لا يموتن أحدكم إِلا وهو يحسن الظن بالله (١)، وفائدة حسن الظن بالله عند الممات بينها النبي بقوله: يبعث كل عبد على ما مات عليه (٢).
٥ - التحذير من التنافس في الدنيا والاقتتال عليها فإِن ذلك من أسباب الهلاك.
٦ - أوصى أن يصلي بالناس أبو بكر، فراجعته عائشة وقال: إِن أبا بكر رجل رقيق متى يقم مقامك لا يستطيع يصلي بالناس، فقال ﷺ : "إِنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس"، فصار أبو بكر يصلي بهم.
وفي فجر يوم الإِثنين الذي توفي فيه رسول الله ﷺ كشف ستر الحجرة ونظر إِليهم وهم صفوف خلف أبي بكر فتبسم يضحك، فهمّ الصحابة أن يفتتنوا من الفرح برؤية النبي ﷺ ، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن النبي ﷺ خارج إِلى الصلاة، فأشار النبي أن أتموا صلاتكم وأرخى الستر (٣)، فتوفي من يومه، وفي لفظ: فلم يُقْدَر عليه حتى مات.
وقد أعتق ﷺ قبل وفاته غلمانه وتصدق بمال كان عنده، وجاءته ابنته فاطمة في يوم وفاته فحدثها سِرًا فبكت، ثم حدثها فضحكت، وعند سؤالها بعد ذلك قالت: إِنه أخبرها أنه يقبض من وجعه فبكت، ثم أخبرها أنها أول أهله لحاقًا به فضحكت (٤).
اللحظات الأخيرة:
لما أخذه ﷺ غشي الموت كان بجواره إِناء فيه ماء فكان يدخل يديه في الماء ويمسح بهما وجهه ويقول: لا إِله إِلا الله إِن للموت سكرات (٥).
стр. 291
ثم ثَقُل واشتدّ وجعه حتى لم يستطع النطق، فدخل عليه أسامة بن زيد فكان يدعو له بالإِشارة (١).
ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك فنظر إِليه فأخذته عائشة وأصلحته فاستاك به، ثم رفع يده وبصره وشخص ببصره نحو السقف، وتحركت شفتاه. فكان يقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى، فكان آخر ما قاله: اللهم بالرفيق الأعلى ثلاثًا (٢).
ووصل الخبر إِلى الصحابة بالمسجد وفيهم عمر بن الخطاب، فكان ذلك صدمة شديدة تأبى النفوس المحبة أن تصدقها، ولذا وقف ﵁ يقول: إِن رسول الله ﷺ لم يمت ولكن ربه أرسل إِليه كما أرسل إِلى موسى فمكث عن قومه أربعين ليلة، والله إِني لأرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يقطع أيدي رجال من المنافقين وألسنتهم يزعمون -أو قال يقولون- إِن رسول الله ﷺ قد مات (٣).
وكان أبو بكر ﵁ قد خرج من بعد صلاة الفجر إِلى زوجته حبيبة بنت خارجة بن زيد الأنصاري في ضاحية السِّنح، ووصله الخبر بوفاة النبي ﷺ ضحى، فأسرع إِلى المدينة ودخل على النبي ﷺ فكشف عن وجهه وقَبّله وبكى ثم قال: بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد مُتّها (٤). ثم خرج إِلى الناس في المسجد وهم بين منكر ومصدق، لهول وعظم المصيبة، ورأى عمر يتحدث فطلب منه أن يجلس فأبى، فبدأ أبو بكر بالحديث فالتفت الناس إِليه. فقال: أما بعد:
стр. 292
من كان منكم يعبد محمدًا فإِن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإِن الله حي لا يموت، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١). فهدأ الناس وكأنهم لم يسمعوا الآية من قبل من هول الفاجعة.
قال عمر: والله ما هو إِلا أن سمعت أبا بكر تلاها فَعَقِرْت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إِلى الأرض حين سمعته تلاها، أن النبي ﷺ قد مات (٢).
وكانت وفاته يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من هجرته ﷺ ، وعمره ثلاث وستون سنة، وفي يوم الثلاثاء اجتمع أهله لغسله ومنهم العباس، وعلي بن أبي طالب، والفضل، وقثم ابنا العباس، وشقران مولى رسول الله ﷺ ، وأسامة بن زيد، وأشرعوا معهم أوس بن خولى الأنصاري لخبرته. وغَسّلُوه في ثيابه، وكفنوه في ثياب بيض ثلاث سُحولية من قطن، ليس فيها قميص ولا عمامة.
وعندما أرادوا حفر قبره أرسل العباس إِلى أبي طلحة الأنصاري، وأبي عبيدة عامر ابن الجراح، وكان أبو عبيدة يضرح لأهل مكة، وأبو طلحة يلحد لأهل المدينة، وقال العباس: اللهم خر لرسولك، فجاء أبو طلحة فلحد لرسول الله ﷺ ، وتشاوروا أين يدفن؟ فقال أبو بكر: سمعت النبي ﷺ يقول: "لم يقبر نبيٌّ إِلا حيث يموت" (٣) فأخروا فراشه وحفروا تحته، وصلّى الناس عليه أرسالا يدخل قوم فيصلون ثم يخرجون ولا يؤمهم أحد. ثم دفن ﷺ وتولّى إِنزاله في قبره علي، والفضل، وقثم، وشقران، وأوس بن خولى (٤).
стр. 293
هل أوصى رسول الله ﷺ بالخلافة لأحد ؟
لم يستخلف ﷺ بعده أحدًا بعينه، ولم يوص إِلى أحد بعينه فقد روى البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: إِن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني أبا بكر- وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، يعني رسول الله ﷺ (١).
وروى البيهقي أن عليًا ﵁ قال يوم الجمل: إِن رسول الله ﷺ لم يعهد إِلينا في هذه الإِمارة شيئًا، حتى رأينا من الرأى أن نستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، ثم إِن أبا بكر رأى أن يستخلف عمر فأقام واستقام حتى ضرب الديِّن بجرانه (٢).
فهذه النصوص وغيرها تدل على أنه لم يعهد لأحد بالخلافة بعده ﷺ ، لكنه أشار إِلى استخلاف أبي بكر إِشارات مفهمة، منها:
١ - أمره أن يصلي بالناس إِماما.
٢ - سد الأبواب الشارعة إِلى المسجد إِلا باب أبي بكر.
٣ - قوله للمرأة التي سألته فقال: تعودين. فقالت: إِن لم أجدك. فقال: إِئت أبي بكر.
٤ - قوله لعائشة في مرض موته: لقد هممت أن أرسل إِلى أبي بكر وابنه فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى متمنون. ثم قال: يدفع الله ويأبى المؤمنون (٣).
اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعده:
اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، ودار بينهم الحوار والمشاورة حول من يخلف نبي الله ﷺ . وعلم بذلك أبو بكر وعمر فسارعا إِليهم؛ وفي الطريق قابلهم أبو عبيدة
стр. 294
فتوجه معهم إِلى السقيفة، وقبل وصولهم لقيهم رجلان صالحان من الأنصار، فسألاهم إِلى أين؟ فقالوا: إِلى إِخواننا من الأنصار فقالا: اقضوا أمركم يا معشر المهاجرين لا يختلف عليكم اثنان، ثم كان الحوار في السقيفة والذي تحدث فيه أبو بكر ووضّح فضل الأنصار ومكانتهم وبين أحقية قريش لهذا الأمر بقوله: إِن رسول الله قال: الأئمة من قريش، وذَكّر سعد بن عبادة بذلك فذكر (١)، وتمت البيعة في السقيفة بتوفيق الله للمؤمنين في اختيار الصديق. وفي اليوم التالي بايعه الناس في المسجد ممن لم يبايع يوم الاثنين، وبايع علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، ولم يتخلف أحد من المهاجرين والأنصار (٢).
وبعد انتشار خبر وفاة المصطفى ﷺ ارتدت قبائل من العرب، واجتمع الصحابة بزعامة أبي بكر، وجرت المشاورة بينهم فرأى بعضهم أن لا يسير جيش أسامة خوفا من هتك حرمة المدينة، ولكن الصديق أصر على بعثه، وقال قولته المشهورة: لا أحل راية عقدها رسول الله ﷺ (٣).
стр. 295
صفات الرسول ﷺ الخلقية وأخلاقه وشمائله:
تقدم في الحديث عن الهجرة النبوية ذكر وصف أم معبد لرسول الله ﷺ وما فيه من الدقة في الوصف، ونذكر هنا بعض الأحاديث الواردة عن الصحابة ﵃ الذين وصفوا رسول الله ﷺ .
قال الإِمام البخاري: باب صفة النبي ﷺ ثم ساق حديث أنس بن مالك ﵁ في وصف النبي ﷺ وقال: كان ربعة من القوم، ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون، ليس بأبيض أمهق ولا آدم. ليس بجعد قَطِطٍ ولا سَبْطٍ رَجِلٍ ..... الحديث (١).
ومن حديث البراء بن عازب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهًا وأحسنهم خَلْقًا، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير (٢).
وعنه أيضًا قال: كان مربوعًا بَعيدَ ما بين المنكبين، له شعر يبلغُ شحمة أُذُنه، رأيته في حلة حمراء، لم أرَ شيئًا قطّ أحسن منه، وجهه مثل القمر (٣).
ومن حديث كعب بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله إِذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قَمر وكنا نعرف ذلك منه (٤).
وفي حديث أنس ﵁: ما مسست حريرًا ولا ديباجًا ألين من كفّ النبي ﷺ ولا شممت ريحًا قط أو عَرقًا قط أطيبَ من ريح أو عَرقِ النبي ﷺ (٥).
وهذه الأوصاف التي ذكرها أصحابه ﵃ تجتمع كلها في كمال الهيئة وجمال الصورة وغاية الحسن الذي وهبه الله لرسوله ﷺ .
стр. 296
أما أخلاقه
فإِن رسول الله ﷺ أفضل الخلق وأكملهم وهو قدوة المسلمين، وقد اتصف بجميع صفات الكمال البشري، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١). ولخصت أم المؤمنين عائشة ﵂ خلقه بقولها: كان خلقه القرآن. ومن أخلاقه ﷺ الصدق حيث لم يكن يتهم بخلافه حتى عند من يعاديه، وكان مثالًا للأمانة حتى لُقِّب بالصادق الأمين من قبل النبوة والرسالة، وكانت قريش تضع أموالها عنده.
وكان ﷺ مثالا للحلم والصبر، فمع كل الأذى الذي لحقه منهم إِلا أنه قال: اللهم اغفر لقومي فإِنهم لا يعلمون (٢).
وكان ﷺ حييًا أشد حياءً من العذراء في خدرها (٣).
ولم ينتقم ﷺ لنفسه، ولم يغضب لها إِلا أن تنتهك حرمات الله تعالى، وإِذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، وما خير ﷺ بين أمرين إِلا اختار أيسرهما ما لم يكن إِثما، فإن كان إِثمًا كان أبعد الناس منه. (٤) وما عاب ﷺ طعامًا قط إِن اشتهاه أكله، وإِن لم يشتهه تركه (٥). وكان لا يأكل متكئًا (٦). قال أبو هريرة ﵁: خرج ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، هو وأهل بيتة (٧). وكان يأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار، كان قوتهم الماء والتمر، قالت عائشة ﵂: إِلا أن حولنا أهل دور
стр. 297
من الأنصار يبعثون بشياههم فنصيب من ذلك اللبن (١). وكان ﷺ يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله (٢).
وكان ﷺ يجيب من دعاه من غني أو فقير ويحب المساكين، ويشهد جنائزهم، ويعود مرضاهم.
ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لملكه، يركب الفرس، والبعير، والبغلة، والحمار، ويردف خلفه عبده أو غيره.
وكان ﷺ لا يدع أحدًا يمشي خلفه، أحب اللباس إِليه الحبرة (٣)، ويحب البياض من الثياب، وأحب الطعام إِليه الحلو البارد. وأصابه في الخندق جهد فعصب على بطنه حجرًا من الجوع مع ما آتاه الله من خزائن الأرض.
وكان ﷺ يكثر الذِّكر، ويُقِلُّ اللغو، ويُطيل الصلاة، ويُقَصِّر الخطبة، ويحب الطيب، ويكره الرائحة الكريهة.
يألف أهل الشرف، ويكرم أهل الفضل، ولا يطوي بِشْرَه عن أحد، ولا يجفو عنه، يرى اللعب المباح فلا ينكره، يمزح ولا يقول إِلا حقا، يقبل معذرة المعتذر إِليه.
خصائصه ﷺ .
أفاض الله على رسوله ﷺ بخصائص وأكرمه بإِكرامات جليلة ومن ذلك أنه خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وأمته أفضل الأمم وهي معصومة من الإِجماع على ضلالة، وأصحابه خير القرون، وشريعته مؤبدة، وناسخة لجميع الشرائع.
نُصِر بالرعب مسيرة شهر، وجعلت له الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلّت له الغنائم،
стр. 298
وأعطي الشفاعة، والمقام المحمود، وأرسل إِلى الناس كافة، وهو سيد ولد آدم، وأول من تنشق الأرض عنه، وأول شافع، وأول مشفع، وأول من يقرع باب الجنة.
وأكثر الناس تبعًا، وأعطي جوامع الكلم، وكان لا ينام قلبه وتنام عيناه.
ومن رآه في المنام فقد رآه حقًا، فإِن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل به.
وإِنَّ كَذِبًا عليه ليس ككذب على غيره (١). فمن كذب عليه متعمدا فقد كفر، وأن الاستهزاء به كفر يوجب القتل، وأن العبد لا يؤمن حتى يكون رسول الله ﷺ أحب إِليه من والده وولده والناس أجمعين، بل ومن نفسه التي بين جنبيه.
بيوته وأدواته ﷺ :
عندما سكن ﷺ المدينة بني المسجد ثم بني حجرتين في طرف المسجد، واحدة لعائشة والأخرى لسودة، وكان كلما تزوج إِمرأة بني حجرة، وحُجرُه في شرق المسجد على يسار المصلي إِلى الكعبة، وهي مبنية من اللبن، وسقفها من جذوع النخل والجريد، وأثاثه بسيط. ومن أثاثه قَدَح مضبب في ثلاثة مواضع، وقدح من عيدان، وتَوْر من حجارة لغسل الملابس، وقصعة، وجفنة لها أربع حلق. وكان له سرير قوائمه من خشب الساج، وفراش جِلْد حَشوُه ليف، وكساء أسود، وآخر من شَعَر (٢).
زوجاته ﷺ الطاهرات ﵅:
أباح الله لرسوله ﷺ الجمع بين أكثر من أربع زوجات، وتحرم زوجاته على غيره، بل هن أمهات المؤمنين، وهذا من خصائصه. وقد تزوج ﷺ إِحدى عشرة امرأة ست من قريش، ومات عن تسع، وتسَرّى بمارية القبطية فولدت له إِبراهيم.
стр. 299
١ - خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية ﵂ .
تزوجها بمكة وعمره خمس وعشرون سنه، وعمرها أربعون سنة، وكانت قد تزوجت برجلين قبله، ورزقه الله منها الولد، وأسلمت منذ بدأ دعوته، وبَلّغ جبريل السلام لها من الباري جل وعلا، وبَشّرها ببيت في الجنة. وماتت بمكة في السنة العاشرة من البعثة، وبقي ﷺ وفيًا لها بعد وفاتها.
٢ - سودة بنت زمعة القرشية، العامرية ﵂ .
كانت تحت ابن عمها السكران بن عمرو، وكانت من المهاجرات إِلى الحبشة، وعندما مات عنها زوجها ذكرتها خولة بنت حكيم لرسول الله ﷺ ، وكان ذلك بعد وفاة خديجة، فتزوجها بمكة، وعُمِّرت ﵂ حيث كانت وفاتها بالمدينة النبوية في شوال سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية ﵁، ولما كبر سنها وهبت يومها لعائشة ﵄.
٣ - عائشة بنت أبي بكر الصديق القرشية التيمية ﵂ .
تزوجها بمكة، وبنى بها بالمدينة، وهي ابنة تسع سنين، ولم يتزوج بكرا غيرها، وكانت من أحب الناس إِليه، وابتلاها الله برمي المنافقين لها بالإفك وبرأها الله من فوق سبع سماوات، وهي من أعلم النساء، روت حديثًا كثيرًا عن رسول الله ﷺ ، ومسندها عند أحمد ٢٤٠٩ أحاديث، وكانت وفاتها بالمدينة النبوية في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين.
٤ - حفصة بنت عمر بن الخطاب القرشية العدوية ﵂ .
تزوجت خنيس بن حذافة السهمي، وهاجرت معه إِلى المدينة، وشهد بدرًا وأحدًا فأصيب في الأخيرة ومات من جراحته، فعرضها عمر على أبي بكر، وعلى عثمان، ثم
стр. 300
تزوجها رسول الله ﷺ ، روت عن رسول الله أحاديث، وكانت عندها صحف القرآن التي نسخت منها المصاحف، وكانت وفاتها بالمدينة النبوية في شعبان سنة خمس وأربعين.
٥ - زينب بنت خزيمة الهلالية من هوازن ﵂ .
تزوجها الطفيل بن الحارث بن عبد الطلب فطلقها، ثم تزوجها أخوه عبيدة بن الحارث، فجرح ببدر جراحة مات منها، فتزوجها عبد الله بن جحش الذي استشهد في أحد، ثم تزوجها رسول الله ﷺ وأصدقها أربعمائة درهم. وماتت في حياة النبي ﷺ بعد أشهر من زواجها به، فصلى عليها ودفنها في البقيع سنة ثلاث من الهجرة.
٦ - أم سلمه هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية ﵂ .
هي هند بنت أبي أمية المعروف بزاد الراكب، تزوجها ابن عمها عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وهاجرت معه إِلى الحبشة، ثم حاولت الهجرة برفقته إِلى المدينة فمنعها أهلها، ونزع أهل أبي سلمة ابنها سلمة منها حتى خلعوا كتفه، فبقيت سنة تخرج تبكي في طريق المدينة حتى شفع فيها أحد الرجال، فلحقت بزوجها، وفي غزوة أحد أصيب زوجها بإِصابة شديدة مات بعدها بشهور، فخطبها رسول الله ﷺ وتزوجها مع وجود أيتام لديها وغَيْرة فيها، وكانت امرأة عاقلة حكيمة، وروت حديثًا كثيراً عن رسول الله ﷺ ، وكانت وفاتها بالمدنية النبوية في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وهي آخر زوجات النبي ﷺ وفاة.
٧ - زينب بنت جحش من بني أسد بن خزيمة ﵂ .
هي أخت عبد الله بن جحش، وأمها أميمه بنت عبد المطلب، زَوَّجَها رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة، وعندما طلقها تزوجها ﷺ ، بأمر الله، قال تعالى:
стр. 301
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (١)، وتوفيت بالمدينة النبوية سنة عشرين، وهي أول زوجات النبي ﷺ وفاة بعده. وكانت تفاخر زوجات النبي ﷺ بقولها: زوجكن أهليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
٨ - جويرية بنت الحارث الخزاعية المصطلقية ﵂ .
هي ابنة زعيم بني المصطلق الحارث بن أبي ضِرَار، وقعت بعد نهاية غزوة بني المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شَمّاس فكاتبته على نفسها، وجاءت النبي ﷺ تستعينه على ذلك فقال لها: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك. قالت: نعم يا رسول الله. قال: قد قبلت. وعندما علم الناس بذلك أطلقوا من معهم من الأسرى، ولذا قالت عائشة: ما رأيت امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، وتوفيت بالمدينة النبوية سنة ست وخمسين في خلافة معاوية ﵁.
٩ - أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان القرشية الأموية ﵂ .
كانت تحت عبيد الله بن جحش فهاجر معها إِلى الحبشة فتنصر زوجها فصبرت، فكتب ﷺ إِلى النجاشي ليزوجه إِياها، ففرحت فرحًا شديدًا، وأمهرها أربعة آلاف درهم وبعث بها إِليه مع شرحبيل بن حسنة وذلك سنة ست من الهجرة، وكانت وفاتها بالمدينة النبوية سنة أربع وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵁.
١٠ - صفية بنت حيي بن أخطب النضرية الإِسرائيلية ﵂ .
كانت تحت سَلّام بن مِشْكم فطلقها، وتزوجها كنانة بن أبي الحقيق فقتل يوم خيبر، وسبيت ضمن سبي خيبر، فجيء بها إِلى رسول الله ﷺ ، فخيرها بين عتقها
стр. 302
وزواجه بها، أو عتقها وتلحق بأهلها، فاختارت العتق وزواج الرسول ﷺ بها، وهي من سلالة الأنبياء هارون وموسى ﵉، وكانت وفاتها بالمدينة النبوية سنة اثنتين وخمسين ودفنت بالبقيع.
١١ - ميمونة بنت الحارث الهلالية من هوازن ﵂ .
كانت عند مسعود بن عمرو الثقفي، ففارقها، فتزوجها أبو رهم بن عبد العزى، فمات عنها، فخطبها النبي ﷺ ، وكانت قد جعلت أمرها إِلى أختها لبابة زوج العباس بن عبد المطلب ووكّلَت لُبَابةُ زوجَها العباسَ، وهو الذي زوجها رسول الله ﷺ ، وكان ذلك بمكة أثناء عمرة القضاء في السنة السابعة، لكن قريشًا أعجلته فخرج ﷺ إلى وادي سَرِف (حي النوارية اليوم) فأقام، ودخل بزوجته، وماتت ميمونة ﵂ في نفس المكان بعد رجوعها من الحج سنة إِحدى وخمسين، وقيل تسع وأربعين، وقبرها في وادي سرف معلوم وهي أخت لبابة الكبرى أم عبد الله بن عباس، وأخت لبابة الصغرى أم خالد بن الوليد، وأخت لأسماء بنت عميس الخثعمية لأمها.
١٢ - مارية القبطية المصرية ﵂ .
كانت من قرية انصنا بصعيد مصر، أرسلها مقوقس مصر مع أختها سيرين، وهدايا أخرى إِلى النبي ﷺ ، منها: عَبْدُ، وألف مثقال ذهب، وعسل وعشرون ثوبًا، وبغلة تسمى الشهباء، وحمار، يسمى عفير.
وقد تسَرّى النبي ﷺ بمارية. وولدت له ابنه إِبراهيم، ومات وهو صغير بعد ثمانية عشر شهرًا، وكانت وفاتها بالمدينة النبوية في محرم سنة ست عشرة من الهجرة، في خلافة عمر، ودفنت بالبقيع.
стр. 303
الحكمة من تعدد زوجات النبي ﷺ :
ذكر أهل العلم الحكمة من تعدد زوجات النبي ﷺ (١)، نذكر بعضها:
١ - كان ﷺ يكثر التزوج لمصلحة تبليغ الأحكام الشرعية التي لا يطلع عليها الرجال.
٣ - أن يكثر من يشاهد أحوال النبي ﷺ الباطنة فينتفي عنه ما يظن به المشركون من أنه ساحر أو كاهن.
٣ - لتتشرف قبائل العرب بمصاهرته فيهم مما يدعوهم إِلى الإِسلام.
٤ - الاطلاع على محاسن أخلاق النبي ﷺ الباطنة.
٥ - كثرة النكاح صفة مدح عند العرب لدلالته على كمال الرجولة، ومع هذا لم يشغله ذلك عن عبادة ربه .
٦ - الرحمة والعطف على من وقعت لها مصيبة كوفاة زوج، أو وقوع في الأسر، فجبر ﷺ مصيبتها وأكرمها بأن كانت من أمهات المؤمنين.
٧ - تقرير الحكم الشرعي، واقتلاع العادات التي رسخت في قلوب الناس يإِبطال التبني، بالتزوج من زوجة من كان إِبنًا بالتبني قبل إِبطال الله للتبني. قال تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ... الآية﴾ (٢).
وقال تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٣) والمراد زيد بن حارثة، وقد كان النبي ﷺ تبناه قبل النبوة، وقد أمر الله رسوله ﷺ كما في الآية بالزواج من مطلقته زينب بنت جحش، ليكون ذلك أبلغ في إبطال عادة التبني.
стр. 304
فهرس المصادر والمراجع
١ - إِبراهيم العلي، صحيح السيرة، دار النفائس، عمان، ط/٣، ١٤١٨ هـ.
٢ - أكرم العمري، السيرة النبوية الصحيحة، مكتبة العلوم والحكم، المدينة، ط/١، ١٤١٢ هـ.
٣ - البخاري، (محمَّد بن إسماعيل)، الجامع الصحيح، دار السلام بالرياض، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.
٤ - بريك بن محمد أبو مايله، غزوة مؤتة والسرايا والبعوث النبوية الشمالية، الجامعة الإِسلامية، المدينة، ط/١٤٢٤، ١هـ.
٥ - بريك بن محمد أبو مايله، غزوة مؤتة والسرايا النبوية حول المدينة، دار ابن الجوزي، الدمام، ط/٢، ١٤١٧ هـ.
٦ - البيهقي، (أحمد بن الحسين) دلائل النبوة، تحقيق عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/١، ١٤٠٥ هـ.
٧ - الحاكم، (محمد بن عبد الله) المستدرك على الصحيحين، دار الكتاب العربي، بيروت.
٨ - الترمذي، (محمد بن عيسى)، سنن الترمذي، تحقيق أحمد شاكر، دار إِحياء الترات العربي بمصر.
٩ - ابن حجر، (أحمد بن علي) فتح الباري، شرح صحيح البخاري، تحقيق محب الدين الخطيب، المكتبة السلفية، القاهرة.
١٠ - ابن حنبل، (أحمد بن محمد الشيباني)، المسند، طبع دار صادر، بيروت.
١١ - أبو داود، (سليمان بن الأشعث) سنن أبي داود، محمد محيي الدين عبد الحميد، طبع دار الفكر، بيروت.
стр. 305
١٢ - الذهبي، (محمد بن أحمد)، السيرة النبوية، والمغازي، دار الكتاب العربي، بيروت.
١٣ - زيد عبد الكريم الزيد، فقه السيرة، دار العاصمة، الرياض، ط ١، ١٤٢٤ هـ.
١٤ - ابن سعد، (محمد بن سعد بن منيع) الطبقات الكبرى، دار صادر، بيروت.
١٥ - ابن سعدي، (عبد الرحمن بن ناصر) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٢١ هـ.
١٦ - سليمان حمد العودة، السيرة النبوية في الصحيحين وعند ابن إِسحاق (العهد المكي)، طبع جامعة الإِمام، محمد بن سعود الإِسلامية، الرياض، ط ١، ١٤١٤ هـ
١٧ - السهيدي، (عبد الرحمن بن عبد الله)، الروض الأنف، تحقيق عبد الرحمن الوكيل، مكتبة الكليات الأزهرية بمصر.
١٨ - صالح الشامي، من معين السيرة، المكتب الإِسلامي، بيروت، ط/١، ١٤٠٥ هـ.
١٩ - الصالحي، (محمد بن يوسف) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/١، ١٤١٤ هـ.
٢٠ - الطبري، (محمد بن جرير) تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمَّد أبو الفضل إِبراهيم، دار المعارف، القاهرة.
٢١ - عاتق بن غيث البلادي، معجم المعالم الجغرافية في السيرة، دار مكة، مكة، ط/١، ١٤٠٢ هـ.
٢٢ - علي الصلابي، السيرة النبوية، دار ابن كثير، بيروت، ط /٣، ١٤٢٦ هـ.
٢٣ - فاروق حمادة، مصادر السيرة وتقويمها، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، ط/٢، ١٤١٠ هـ.
٢٤ - ابن القيم، (محمد بن أبي بكر)، زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط/١، بيروت.
стр. 306
٢٥ - ابن كثير، (لإِسماعيل بن عمر) تفسير القرآن العظيم، تحقيق محمَّد إِبراهيم البنا، دار الشعب بمصر.
٢٦ - ابن كثير، (إِسماعيل بن عمر القرشي)، البداية والنهاية، تحقيق د. عبد الله التركي، دار هجر، القاهرة، ط/١، ١٤٢٠ هـ.
٢٧ - الفصول في سيرة الرسول، تحقيق محمد العيد لخطراوي، دار التراث، ط/٣، ١٤٠٢ هـ.
٢٨ - ابن ماجه، (محمد بن يزيد) سنن ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار البابي الحلبي بمصر.
٢٩ - محمد أمحزون، منهج النبي ﷺ في الدعوة من خلال السيرة النبوية، دار السلام، القاهرة، ط/٣، ٢٠٠٣.
٣٠ - محمد الأمين الجكني، السيرة النبوية من فتح الباري، دار ابن حزم، بيروت، ط/١، ١٤٢٢ هـ.
٣١ - محمد باقشيش، المغازي لموسى بن عقبة، جامعة ابن زهر، أغادير، المغرب، ط/١، ١٤١٧هـ.
٣٢ - محمد حسن شراب، المعالم الأثرية في السنة والسيرة، دار القلم، دمشق، ط/١، ١٤١١ هـ.
٣٣ - محمد رمضان البوطي، فقه السيرة، دار الفكر، دمشق، ط/٨، ١٤٠٠ هـ.
٣٤ - محمد أبو شهبه، السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، دار القلم، دمشق، ١٤٠٩ هـ.
٣٥ - محمد عبد القادر أبو فارس، السيرة النبوية دراسة تحليلية، دار الفرقان، عمان، ط/١، ١٤١٨ هـ.
стр. 307
٣٦ - محمد عواجي، مغازي الإِمام الزهري، الجامعة الإِسلامية، المدينة، ط/١، ١٤٢٥ هـ.
٣٧ - محمد الغزالي، فقه السيرة، دار القلم، دمشق، ط/٣، ١٤٠٧ هـ.
٣٨ - مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، تحقيق محمَّد فؤاد عبد الباقي، دار إِحياء التراث العربي.
٣٩ - مغلطاي بن قليج، الإِشارة إِلى سيرة المصطفى ﷺ وتاريخ من بعده من الخلفا، تحقيق محمد نظام الدين الفتيح. دار القلم، دمشق، ط/١، ١٤١٦ هـ.
٤٠ - مهدي رزق الله أحمد، السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، مركز الملك فيصل، الرياض، ط/١، ١٤١٦ هـ.
٤١ - الندوي، (أبو الحسن علي الحسني)، السيرة النبوية، دار الشروق، جدة، ط ٢، ١٣٩٩هـ.
٤٢ - الندوي سليمان، الرسالة المحمدية، دار الفتح، دمشق، ط/٢، ١٣٨٣ هـ.
٤٣ - النسائي، محمد بن عيسى، سنن النسائي، دار إِحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ
٤٤ - ابن هشام، (عبد اللك الحميري)، السيرة النبوية، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت ١٤٠٨ هـ.
٤٥ - الهيثمي، (علي بن أبي بكر) مجمع الزوائد ومنيع الفوائد، دار الكتاب العربي ط ٣.
٤٦ - الواقدي، (محمد بن عمر)، المغازي، تحقيق مارسدن جونس، عالم الكتب، بيروت.
٤٧ - ياقوت الحموي، معجم البلدان، دار إِحياء الكتاب العربي، بيروت، د. ت ط.
٤٨ - يوسف الوابل، أشراط الساعة، دار ابن الجوزي، الدمام، ط/١٠، ١٤١٩ هـ.