← Сира

Сира · id 10816

صحيح الأثر وجميل العبر من سيرة خير البشر (صلى الله عليه وسلم)

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (307 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

رسول الله في عرجة الوادي حتى يرى قوة جيش المسلمين وسارت أمامه الكتائب حتى مَرّ به سعد بن عبادة فقال: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشًا، فاشتكى أبو سفيان للرسول ﷺ فقال ﷺ : بل اليوم تعظم الكعبة، اليوم أعز الله قريشًا، وعزل سعدًا وولى ابنه قيس (١). وقال أبو سفيان للعباس: لقد عظم ملك ابن أخيك اليوم، فقال العباس: إِنها النبوة. قال: نعم. وأعطى الرسول ﷺ سفيان فضلا وشرفًا حيث قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل داره وأغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن (٢). وقسم رسول الله ﷺ الجيش إِلى كتائب: منها كتيبة عليها الزبير وأمرها أن تدخل مكة من كَداء (الحجون). وكتيبة يقودها خالد بن الوليد وأمرها أن تدخل مكة من أسفلها من كُدَى (جبل الكعبة). وقد جمع بعض زعماء مكة قوة صغيرة عليها عكرمة، وصفوان، وسهيل، عند جبل خندمه، ومعهم شاب يقال له حماس بن قيس، رأته امرأته يصلح سلاحه فقالت: لمن تفعل هذا؟ قال: لمحمد وأصحابه. قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء. قال: إِني والله أرى أني سأخدمك بعض أصحابه، فخرج وبعد وقت ليس بالطويل عاد وَجِلًا خائفا، وأغلق الباب، وقال لامرأته: أحكمي غلق الباب. قالت: أين الخدم؟ فقال: إِنك لو شهدت يوم الحندمه ... إِذ فر صفوان وفر عكرمة وأبو يزيد قائم كالمؤتمه ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمه يقطعن كل ساعد وجمجمه ... ضربًا فلا يُسمع إِلا غمغمه لهم نهيت خلفنا وهمهمه ... لم تنطقي باللوم أدنى كلمة (٣)

стр. 247

ودخل رسول الله ﷺ من أذاخر (ريع ذاخر) ورأى السيوف تلمع فقال: ما هذا ألم أنه عن القتال؟ فقالوا: يا رسول الله، خالد بن الوليد قوتل ولو لم يُقَاتل ما قَاتَل، وما كان يا رسول الله ليعصيك، ولا ليخالف أمرك، فقال رسول الله ﷺ : قضاء خير. ودخل رسول الله ﷺ مكة ومن تواضعه وشكره لله على نعمته أن فتح الله عليه البلد الحرام، كانت لحيته تكاد تمس رحله. وسار حتى وصل البيت الحرام وفي يده قوس فصار كلما مر بصنم أشار إِليه وطعنه في عينيه؛ والأصنام تتساقط وهي ثلاثمائة وستون صنمًا وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (١). ثم دخل دار أم هانيء بنت أبي طالب فقدمت له كسر خبز يابس فكسرهن بالماء والخل، وصلى في دارها ثماني ركعات (٢). قال بعض العلماء إِنها صلاة الشكر وقد فعلها سعد بن أبي وقاص يوم دخل المدائن، وقال بعضهم بل هي صلاة الضحى. وكان قد أمر برجال ونساء أن يقتلوا أينما وجدوا، منهم: عبد الله بن خطل، وجد متعلقا بأستار الكعبة فَقُتِل وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية وقد فَرّا بعد الهزيمة جهة اليمن كل على حده، فأسلمت أم حكيم امرأة عكرمة، وطلبت الآمان لزوجها، فوهبه لها رسول الله ﷺ ، فلحقت به حتى أعادته إِلى مكة، واستقبله رسول الله ﷺ ، وأوصى أصحابه قائلا: يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا، فلا تسبوا أباه فإِن سب الميت يؤذي الحي، ولا يبلغ الميت (٣). ولما أقبل على النبي ﷺ قال له: مرحبا بالراكب المهاجر.

стр. 248

وأما صفوان فطلب صاحبه عمير بن وهب الجمحي من رسول الله ﷺ أن يؤمنه شهرين، وسار عمير حتى لحق به، وأخبره الخبر، وعاد صفوان ولا زال الخوف والوجل في قلبه فلما وقف على الرسول الله ﷺ وقد صلى بالناس العصر في المسجد، قال له صائحًا: يا محمد، إِن عمير بن وهب جاءني ببردك، وزعم أنك دعوتني إِلى القدوم عليك، فإِن رضيتُ أمرًا وإِلا سيرتني شهرين، فقال: إِنزل أبا وهب، قال: لا والله حتى تبين لي، قال: بل لك تسيير أربعة أشهر، فنزل صفوان (١). وكان ممن أهدر دمه عبد الله بن سعد بن أبي السرح وكان قد أسلم ثم ارتد. وجاء به أخوه من الرضاعة عثمان بن عفان ورسول الله ﷺ في جماعة، وصار يستشفع له ويطلب الصفح عنه ورسول الله ﷺ لا يتكلم، حتى طال الوقت فأعطاه الآمان، فخرج مع عثمان، فقال ﷺ : أما فيكم رجلٌ رشيد يقوم إِلى هذا حين رأى أني قد صَمَتُّ فيقتله. فقالوا: يا رسول الله، هَلّا أومأت إِلينا بم فقال: إِنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين (٢). وأمر ﷺ بلالًا أن يصعد على الكعبة ليؤذن لصلاة الظهر؛ وليغيظ المشركين، وبالفعل حصل هذا فقال أحدهم: لقد أكرم الله أبي أن لا يكون سمع هذا فيسمع ما يغيظه، وقال الآخر: أما والله لو أعلم أنه مُحِقّ لاتبعته. وقال أبو سفيان: لا أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصاة، فقال لهم رسول الله ﷺ : "قد علمت الذي قلتم" (٣) وخطب رسول الله ﷺ بمكة خطبة عظيمة أبانت عن كرم خلقه وحلمه وعفوه وتجاوزه، حيث قال فيها: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا أخ كريم وابن

стр. 249

أخ كريم وقد قَدِرْتَ فقال رسول الله ﷺ "فإِني أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء" (١). وكان ﷺ قد أخذ مفتاح الكعبة فدخلها بعد أن طُهِّرت من الصور التي بداخلها وكَبّر في نواحيها وصلى ركعتين، ثم سَلّم مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة وقال له: خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إِلا ظالم (٢). وأرسل رسول الله ﷺ السرايا لهدم الأصنام ودعوة القبائل المحيطة بمكة، فأرسل خالد بن الوليد لهدم العزى، وخالد بن سعيد بن العاص إلى عُرَنه، وهشام بن العاص قِبَل يلملم، وسعد بن زيد الأشهلي إِلى مناة الطاغية عند المشلّل من قديد، وعمرو بن العاص إِلى رهاط لهدم الصنم سواع. وبقي رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة ليلة يقصر فيها الصلاة (٣). وفي البخاري روايتان: الأولى، عن أنس: أنهم أقاموا عشرًا، والثانية، عن ابن عباس: تسع عشرة ليلة (٤). وقد رتب رسول الله ﷺ أمور مكة فعين عليها عتاب بن أسيد أميرًا عندما خرج إِلى حنين، كما عين أبا محذورة مؤذنًا للمسجد الحرام، وأمر معاذ بن جبل بتعليم الناس السنن والفقه والتدريس في المسجد الحرام، وأضاف معه بعد رجوعه من الطائف أبا موسى الأشعري.

стр. 250

وبعث تميم بن أسد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم (١). وخطب ﷺ في الناس موضحا حرمة مكة، وقال: إِن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، وقد أذن الله له بالقتال فيها ساعة من نهار ثم عادت حرمتها كما كانت (٢). دروس وعبر: ١ - كان فتح مكة من أهم الإِنجازات التي قام بها رسول الله ﷺ حيث كانت قريش تمثل القيادة للعرب وبسقوطها سقطت بقية البلاد بسهولة، فقد روى البخاري عن عمرو بن سلمة قال: كانت العرب تتلوم بإِسلامها الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإِنه إِن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح؛ بادر كل قوم بإِسلامهم، وبدر أبي قومه بإِسلامهم (٣). ٢ - حرمة مكة وتأكيد الرسول الله ﷺ على ذلك بفعله وقوله. ٣ - تواضع الرسول ﷺ عند دخوله مكة فاتحًا وهذه من أخلاق الأنبياء. ٤ - العصببية والتفاخر باللون والنسب من سمات أهل الجاهلية. ٥ - قوة إِيمان عمر ﵁ حيث يقدم ما يحب رسول الله ﷺ على ما تحبه نفسه. ٦ - تحطيم الأصنام التي حول الكعبة وطمس الصور التي على جدرانها، وإِزالة الأصنام الكبار حول مكة مثل العزى، وسواع، ومناة، مما أزال عن الناس الرهبة والخوف من تلك الأصنام الذي سيطر على قلوبهم زمنًا طويلًا مما جعلهم يدخلون في دين الله أفواجًا.

стр. 251

غزوة حنين لما علمت هوازن بدخول النبي ﷺ مكة وفتحها صارت تجمع القبائل استعدادًا للحرب، للمبادرة قبل أن يغزوها رسول الله ﷺ ، واجتمع لها من القبائل، ثقيف، ونصر، وجشم كلها، وسعد بن بكر، وغيرهم. وغاب عنها من هوازن فرعا كعب وكلاب. وقادهم شاب في الثلاثين من عمره هو مالك بن عوف النصري. وكان في جشم دُريد بن الصِّمة وهو يومئذ ابن ستين ومائة، وهو شيخ قد عمي، ليس فيه إِلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجرِّبا. واجتمع الناس بأوطاس (١)، فسمع دريد الأصوات فسأل: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس. قال: نِعمَ مجال الخيل، لا حَزْن ولا ضَرْس، ولا سَهْل دهِس، ما لي أسمع بكاء الصغير، ورغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء، وخوار البقر؟ قالوا: ساق مالك مع الناس أبناءهم، ونساءهم، وأموالهم، فاستدعى مالكًا واستنكر عليه إِحضار الأموال والذرية، فقال مالك: أردت أن أجعل خلف كل إِنسان أهله وماله يقاتل عنهم؛ فانقض (٢) به، وقال: راعي ضأن والله، ما له وللحرب، ثم قال: هل يرد المنهزم شيء؟ إِنها إِن كانت لك لم ينفعك إِلا رجل بسيفه ورمحه، وإِن كانت عليك فُضِحت في أهلك ومالك. وأصر مالك على رأيه وهدد بقتل نفسه إِن لم تطعه القبائل، فأطاعوه فقال دريد بن الصمة: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع

стр. 252

وأرسل رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ليتأكد من جمعهم وخروجهم، واستطاع ﵁ الدخول فيهم، فرجع وأخبر النبي ﷺ بالخبر، وقد احتاج ﷺ سلاحًا فاستعار من صفوان بن أمية أدرعا، وقال صفوان: أغصبًا يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة حتى نردها إِليك. فأعطاهم مائة درع، وحملها لهم (١)، واستعار ﷺ من نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة الآف رمح (٢). وخرج رسول الله في عشرة الآف قدموا معه من المدينة وما حولها، وألفان ممن أسلم بمكة وذلك في شوال من السنة الثامنة. ومر بمن معه على شجرة يعظمها أهل الجاهلية تسمى ذات أنواط (٣) يعلقون بها أسلحتهم، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما، فقال بعض حدثاء الإِسلام: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال ﷺ : الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (٤) إِنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم (٥). وقال بعض من خرج في جيش المسلمين: لن نغلب اليوم من قِلّة؛ إِعجابا بكثرتهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (٦).

стр. 253

وتقدم المشركون من سهل أوطاس نحو مكة، والتقى الجيشان في وادي حنين (١) -وهو وادي أجرد حطوط ذو شعاب ومضايق- وكان قائد المشركين قد عبأ أصحابه من آخر الليل وفرقهم في الشعاب، وأوعز إِليهم أن يحملوا على رسول الله ﷺ حملة واحدة. ورتب ﷺ أصحابه وصفهم صفوفا بالسَّحَر، ثم ساروا في الوادي في عَماية الصبح (٢) فما راع الناس إِلا الكتائب تشد عليهم شدة رجل واحد، فانكشفت مقدمة جيش المسلمين؛ فولوا الأدبار، وتبعهم أهل مكة، وتبعهم الناس منهزمين ما يلوون على أحد، وارتفع الغبار، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين ثم قال: أيها الناس هلم إِليّ، هلم إِلي أنا رسول الله، أنا محمَّد بن عبد الله. وأمر العباس أن ينادي بصوته الجهوري: يا أهل السمرة، يا أهل سورة البقرة وآل عمران، وأخذ رسول الله ﷺ يركض بغلته تجاه العدو وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب (٣)، ولما رأى بعض أهل مكة الهزيمة تكلموا وقالوا: لا تنتهى هزيمتهم دون البحر، وقال أحدهم: ألا بَطَل السحر اليوم. فقال صفوان بن أمية وهو مشرك يومئذ: اسكت فظ الله فاك، والله لئن يَربّني رجل من قريش أحب إِلي من أن يربني رجل من هوازن (٤). وصار من يسمع صوت النبي ﷺ وصوت العباس يُردِّد، ومن يسمع وهو منهزم يعود سريعا، حتى إِن بعضهم نزل عن دابته خشية أن يتأخر في الاستجابة، ومن بقي على دابته ما عاد إِلا وقد انتهى الأمر وهزم الله المشركين، فمنهم من فرّ، ومنهم من قُتِل، ومنهم من كُتِّف وأُسِرَ، وجيء بالنساء والإِبل والغنم والبقر والأموال.

стр. 254

وكان ﷺ قد تعرض لمحاولة اغتيال من قبل شيبة بن عثمان (١)، فقد استغل ارتداد مقدمة جيش المسلمين أمام هوازن فقال في نفسه: اليوم أدرك ثأري، وكان أبوه قتل يوم أحد مشركًا، فاقترب من الرسول ﷺ ، فالتفت إِليه وقال: يا شيب ادن مني، قال شيبة: فدنوت منه، فوضع يده على صدري، وقال: اللهم أذهب عنه الشيطان، فرفعت إِليه رأسي وهو أحب إِلي من سمعي وبصري وقلبي (٢). وثبت مع النبي ﷺ يومئذ عمه العباس، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب في ثمانين رجلًا من المهاجرين والأنصار. ونظر رسول الله ﷺ إلى قتال الناس فقال: هذا حين حمي الوطيس، ثم أخذ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: انهزموا ورب محمد (٣). وأمد الله رسوله الكريم ﷺ بالسكينة ونزول الملائكة. وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (٤). وجمع رسول الله ﷺ الغنائم وأمر بها أن توضع بالجعرانة (٥) وبقيت بها حتى عاد من الطائف. وكان السبي ستة آلاف رأس، والإِبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة. وجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري. ولما انهزمت هوازن انقسمت فرقتين؛ فرقة رجعت إِلى أوطاس، والأخرى ذهبت إِلى الطائف، فأرسل رسول الله ﷺ سرية بقيادة أبي عامر الأشعري لمطاردة فلول هوازن بأوطاس فقاتلهم، وقُتل ﵁ فأخذ الراية أبو موسى الأشعري وهو ابن أخيه فقاتلهم ففتح الله على يديه وهزمهم (٦).

стр. 255

غزوة الطائف وحصارها وسار ﷺ من حنين إِلى الطائف على طريق نخلة اليمانية، ثم على قرن المنازل، وسلك على المليح (١)، ثم على بحرة الرغاء، حيث التف على الطائف حتى خرج عليها من جنوبها جهة لِيه (٢). وهدم حصن مالك بن عوف في لِيّة، ووصل الطائف وحاصرها، وعسكر بجيشه قرب حصنهم فآذتهم السهام والسكك المحمية بالنار، حتى أن أبا سفيان بن حرب أصيبت عينه فجاء بها في يده، فخيره بها أو بمثلها في الجنة، فاختار ما في الجنة ورمى بعينه (٣)، فابتعد ﷺ عن الحصين ودعاهم إِلى المبارزة فلم يخرج منهم أحد، ودعا الموالي للخروج ومن خرج فهو حر، فأتاه بضعة عشر، وقيل: ثلاثة وعشرون، منهم أبو بكرة نفيع بن الحارث بن مسروح الثقفي، وسمي بذلك لأنه تَدلىّ من الحصين ببكرة (٤). واستخدم رسول الله في حصار الطائف أسلحة يستخدمها لأول مرة، مثل المنجنيق التي أشار بها سلمان الفارسي، وكذلك حاول اقتحام الحصن بما يسمى بالدبابة وهي عبارة عن ما يشبه الصندوق الخشبي مغلق من ثلاث جهات ومغطى من الأعلى بالخشب أو الجلد يحمله الجند ويسيرون إِلى الحصين في محاولة لإِحداث ثغرة فيه، ولكن أهل الطائف أرسلوا عليهم سكك الحديد المحماة بالنار، ففر من تحت الحصون، فرموهم بالنبل فَقُتِل من قُتِل منهم، ولما طال الحصار أمر ﷺ بقطع أعنابهم وتحريقها وهي أحد مصادر رزقهم. فسألوه الله والرحم أن يدعها لهم فتركها.

стр. 256

ثم إِنه ﷺ عزم على تركهم والعودة إِلى مكة، وقال له نوفل بن معاوية الديلي لما استشاره: يا رسول الله، ثعلب في جُحر إِن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك (١). وبعد حصار استمر ما يقارب الشهر أعلن عزمه على الرحيل، فشق ذلك على أفراد من الجيش وقالوا: لا نبرح أو نفتحها، فقال النبي ﷺ : فاغدوا على القتال، قال: فغدوا فقاتلوهم قتالًا شديدًا وكثر فيهم الجراحات، فقال رسول الله ﷺ : إِنا قافلون غدًا إِن شاء الله، فسكتوا، فضحك رسول الله ﷺ (٢). ثم أمر عمر أن ينادي بالرحيل فلما ركب ﷺ دعا لثقيف قائلا: اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم (٣). تقسيم غنائم حنين عاد ﷺ من الطائف إِلى الجعرانة ثم بدأ في توزيع الغنائم وكان يعطي زعماء مكة، وزعماء القبائل ويجزل لهم في ذلك، يتألفهم على الإِسلام، فأعطى أبو سفيان بن حرب أربعين أوقية من الفضة، ومائة من الإِبل، وأعطى إِبنيه يزيد، ومعاوية، فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، وسالمتك فنعم المسالم أنت، هذا غاية الكرم جزاك الله خيرًا (٤). وأعطى حكيم بن حزام مائة، ثم سأله فأعطاه مائة أخرى، ثم سأله فأعطاه مائة، وقال له: يا حكيم، هذا المال خَضِرة حلوة من أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإِشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد

стр. 257

السفلى، فيقال: فأخذ حكيم المائة الأولى وترك ما عداها، وقال حكيم: والله يا رسول الله، والذي بعثك بالحق نبيا لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئًا، وكذلك رفض العطاء من عمر (١). وأعطى رسول الله ﷺ الأقرع بن حابس مائة من الإِبل، وأعطى عيينة بن حصن بن بدر مثله، وأعطى العباس بن مرداس السلمي أربعين، فقال شعرًا يعاتب الرسول في نقص عطائه عمن سبقه: أتجعل نَهْبي ونَهْبَ العُبيـ ... ـد بين عيينة والأقرع؟ فما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع وما كنتُ دون امرئ منهما ... وهن تخفض اليوم لا يُرفع فأكمل له المائة (٢). وكان صفوان بن أمية ينظر إِلى شعب مملوء فيه غنم وإبل ورعاؤها، فأعجب صفوان وجعل ينظر إِليه، فقال رسول الله ﷺ : أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب؟ قال: نعم. قال: هو لك بما فيه. فقال صفوان: أشهد أنك رسول الله ما طابت بهذا نفس أحد قط إِلا نبي (٣). ووقع في نفوس الأنصار أن رسول الله ﷺ يعطي الناس ويوزع الغنائم ويدعهم، خاصة أنه يعطي من أسلم حديثا، أو من لم يسلم بعد، أما هم فلم يُعط أحدٌ منهم

стр. 258

بعيرًا ولا شاة، حتى كثر فيهم الحديث، وقال قائلهم: يغفر الله لرسول الله، إِن هذا لهو العجب؛ يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، إِذا كانت شديدةٌ فنحن نُدْعَى ويعطى الغنيمةَ غيرُنا؟ وددنا أن نعلم ممن كان هذا، فإِن كان من أمر الله تعالى صبرنا، وإن كان من رأي رسول الله ﷺ استعتبناه (١). وجاءه سعد بن عبادة فأخبره الخبر، وأن الأنصار وجدوا في أنفسهم من توزيع الغنائم حيث يعطي زعماء بعضهم لم يسلم بعد، وبعضهم أسلم قريبا، ويترك الأنصار، فأمر بجمعهم في مكان وخطب فيهم قائلا: أما ترضون أن يرجع الناس بالشاء والبعير وترجعون برسول الله؟ فقالوا: رضينا يا رسول الله. فقال: أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قومًا أسلموا، ووكلتكم إِلى ما قسم الله لكم من الإِسلام، فوالله لمن تنقلبون به خير مما ينقلبون به، فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكتِ الأنصار شعبا لسلكتُ شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار (٢). وفي لفظ لابن إِسحاق قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربًا ورسوله قَسْمًا (٣). وفي حنين اعترض ذو الخويصرة التميمي الأعرابي الجافي على قسمة رسول الله ﷺ قائلا: يا محمَّد اعدل. فغضب ﷺ وتغير وجهه وقال: ويحك إِذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق. فقال ﷺ :

стр. 259

دعه يا عمر فإِن له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية (١). وكان ﷺ قد أعلن أن من جاء من هوازن مسلما رَدّ إِليه ماله وأهله، وانتظر بضع عشرة ليلة، ثم وزع الغنائم فجاء من جاء منهم بعد توزيع الغنائم، وقالوا: يا رسول الله، إِنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا مَنّ الله عليك يا رسول الله، وإِن ما في الحظائر من السبايا عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبي شمر، أو النعمان بن المنذر، ثم أصابنا مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما علينا، وأنت خير المكفولين (٢). فخيرهم بين أهلهم أو أموالهم. فاختاروا الأهل فقال: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم. وعندما سمع الناس ذلك ردوا ما معهم إِلا ما كان من عيينة بن حصن الذي وقعت في سهمه عجوز، فأبى ردها حتى وعَدِ بست من الإِبل. ومن اهتمامه ﵇ بالقادة أنه سأل عن مالك بن عوف فقالوا بحصن الطائف، فقال: أخبروه إِنه إِن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإِبل. وعندما سمع بذلك أسرع ليلا حتى لحق برسول الله ﷺ فرد عليه أهله وماله، وأعطاه مائة من الإِبل فحسن إِسلامه (٣). وبعد فراغه من أمر الغنائم أحرم ﷺ بالعمرة من الجعرانة فأداها ليلًا، ثم عاد وبات بالجعرانة. ثم عاد إِلى المدينة، وسلك على وادي سَرِف، ثم على مَرّ الظهران (الجموم) ولحق به في الطريق أحد الزعماء الكبار لثقيف عروة بن مسعود، فأسلم، وعاد إِلى الطائف فقتلته ثقيف.

стр. 260

دروس وعبر: ١ - الحذر من الغرور والفرح بالكثرة، وأن النصر من الله . ٢ - شجاعة رسول الله ﷺ وثباته، عندما انكشف عنه الناس. ٣ - أهمية التوحيد والتعلق بالله وحده. ٤ - زهد النبي ﷺ في الدنيا وأموالها، فلم يأخذ من غنائم حنين شيئًا مع كثرتها. ٥ - الرحمة من سمات أهل الإِسلام، وجواز الدعاء لن يرجى إِسلامه من الكفار؛ كما دعا رسول الله ﷺ لثقيف بالهداية. ٦ - الحنكة النبوية والقدرة على احتواء المشكلات وتسويتها. ٧ - الاعتراض على حكم الله ورسوله من صفات المنافقين والخوارج. ٨ - جواز الاستفادة من أدوات الحرب التي يملكها المشركون. ٩ - جواز إِعطاء المؤلفة قلوبهم من الغنائم، تأليفًا لهم على الإِسلام، أو لكف أذاهم وشرهم، تحقيقا لمصلحة الإِسلام والمسلمين. ١٠ - حرصه ﷺ على إِنقاذ المشركين من النار، ودخولهم الإِسلام ولو بالمال. ١١ - فضل الأنصار ومكانتهم ومنزلتم من رسول الله ﷺ .

стр. 261

غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة وفي شهر رجب منها في وقت الصيف اللاهب، حيث يحلو للناس الظل، ويبدأ نضوج الثمر، كانت غزوة تبوك، وهي الغزوة التي سميت بالعسرة، لاجتماع الشدة في الطقس، والشدة في المال والدواب، وبُعْد الشُّقة والمسافة. وسبب الغزوة كما ذكر ابن كثير، هو تحقيق قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١) فقصد رسول الله ﷺ دعوة الروم إِلى الإِسلام، وقتالهم إِن لم يستجيبوا، حيث بلغه أنهم يجمعون له، ويؤلبون القبائل العربية الخاضعة لهم على غزو المسلمين كما فعلوا من قبل في مؤته. وعندما أعلن رسول الله ﷺ عزمه على التوجه إِليها دعا إِلى الصدقة، ووضع رداءه فكان كل مسلم يأتي بما يستطيع، فمنهم من يأتي بالكثير، ومنهم من يأتي بالقليل، والمنافقون يسخرون من صاحب الكثير والقليل (٢). وجاء عمر بنصف ماله قائلا: ما أظن أحدًا يسبقني إِلى ما فعلت، وجاء أبو بكر بكل ماله، فقال عمر: والله لا أسابقك أبدًا (٣). وأنفق العباس، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، وسعد بن عبادة، وعاصم بن عَدِي نفقات كثيرة، وجهز عثمان ثلث الجيش، فَسُرّ بذلك رسول الله ﷺ وقال: مَا ضَرّ عثمان ما فعل بعد اليوم) (٤).

стр. 262

وكان عدد الجيش يزيد على ثلاثين ألفا، بينما كان عدد الجيش في حنين في آخر السنة الثامنة اثنا عشر ألفا، مما يؤكد نجاح خطة النبي ﷺ في نشر الإِسلام، وازدياد الدخوك فيه بعد صلح الحديبية، وفتح مكة. وتخلف عن الخروج مع رسول الله ﷺ في هذه الغزوة طوائف من المنافقين، فقد جاء أحد المنافقين إِلى رسول الله ﷺ فاستأذنه في التخلف والقعود وقال: ائذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي ما أحد أشد عُجْبًا بالنساء مني، وإِني أخشى إِن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن (١)، فأنزل الله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (٢). وقال بعضهم لابنه: يا بني مالي وللخروج في الريح والحر الشديد والعسرة إِلى بني الأصفر، وقال آخر: لا تنفروا في الحر، فرد الله عليهم بقوله: ﴿... وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (٣). كما تخلف عن الخروج مع رسول الله ﷺ قوم معذورون، وبكوا حسرة أن لا يجدوا ما ينفقون، وتخلف من المسلمين من لم يكن له عذر، منهم كعب بن مالك، ومرارة ابن الربيع، وهلال بن أمية، وتخلف أبو خيثمة الأنصاري، ولما سار الجيش خل بستانه وفيه امرأتان لكل منهما عريش قد رَشّته وَبّردت له فيه الماء، وهيأت له فيه طعامًا، فلما دخل وقف على الباب فقال: سبحان الله! رسول الله قد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر في الضّح والريح والحر يحمل سلاحه على عنقه، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسنة، في ماله مقيم؟!! ما هذا بالنّصف! والله لا أدخل عريش واحدة منكما، وأمرهما بتجهيز راحلته، ولحق برسول الله ﷺ .

стр. 263

فأقبل على الجيش وهم قريبا من تبوك فرآه الناس وقالوا: هذا راكب مقبل، فقال رسول الله ﷺ : كن أبا خيثمة. ثم دعا له بخير (١). وخرج أبو ذر على بعير فتأخر به، فقال الناس: أبطأ فلان، فقال ﷺ : إِن يكن به خير فسيلحقه الله بكم، وإِن كان غير ذلك فقد أراحكم الله تعالى منه، فلما آذاه بعيره حمل متاعه على ظهره ولحق بهم. فقال رجل: يا رسول الله هذا رجل يمشي على الطريق وحده، فقال ﷺ : كن أبا ذر. ثم قال: رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده (٢). وكان ذلك بالفعل حيث تحقق ما قاله ﷺ ، فمات وحده ﵁ بالربذة شرقي المدينة، واستخلف النبي ﷺ على المدينة محمَّد بن مسلمة الأنصاري، وخَلّف عليَّ بن أبي طالب في أهله خاصة، فقال المنافقون: استثقله فخلّفه، فلحق به بالجرف (٣)، وأخبره بقولهم. فقال ﷺ : كذبوا، لكني خلفتك لما تركتُ ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إِلا أنه لا نبي بعدي. والحديث متفق عليه (٤). وقد بني عليه بعض أهل الفرق الضالة بناءً كبيرًا واهيًا في موضوع الخلافة ولا حجة لهم في ذلك. وسار رسول الله ﷺ بالجيش حتى مر بالحِجْر وهي ديار ثمود فأسرع فيها ولم ينزل، فاستسقى أناس من آبار ثمود وعجنوا وطبخوا، فجمعهم وأمرهم قائلا: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إِلا أن تكونوا باكين، لا يصيبكم ما أصابهم، ولا تشربوا من مائها ولا تتوضئوا منه للصلاة، وأعلِفوا العجين الإِبل، وإِنه ستهب عليكم ريح فلا يخرجن أحد منكم الليلة إِلا ومعه صاحب له. ثم ارتحل حتى نزل على بئر الناقة (٥). فامتثل الناس الأمر إِلا رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته، والآخر في طلب

стр. 264

بعيره، فأما الذي ذهب لحاجته فقد خنقته الجن، وأما الآخر فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء، فدعا رسول الله ﷺ للذي أصيب فشفي، وأما الآخر فإن طيئًا أهدته لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة (١). واجتمع بعض المنافقين في مجلس سخرية واستهزاء من النبي ﷺ وصحابته، منهم مخشي بن حمير، وقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأنكم غدًا مقرنين في الحبال، إِرجافًا وترهيبًا للمؤمنين. وندم مخشي ندمًا شديدًا، وأرسل رسول الله ﷺ عمار بن ياسر وقال: أدرك القوم فقد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فجاؤا يعتذرون، وقال أحدهم -وديعة بن ثابت- إِنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ... الآية﴾ (٢). وقال مخشي: والله يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي، وقيل إِنه تاب وقُتِل يوم اليمامة (٣). وظلت ناقة للنبي ﷺ فقال أحد المنافقين وهو زيد بن اللصيت القينقاعي: أليس محمَّد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله ﷺ : إِن رجلًا قال كذا وكذا. وإني والله ما أعلم إِلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي في شعب كذا، وقد حبستها شجرة بزمامها. ولما علم عمارة بن حزم الأنصاري ﵁ وكان عُقْبِيًا بدريًا- ما قال زيد بن اللصيت طرده من رحله وهو يضرب في عنقه ويقول: أي عباد الله، إِن في رحلي لداهية وما أشعر!! أخرج أي عدو الله من رحلي فلا تصحبني (٤).

стр. 265

الوصول إلى تبوك: وعندما اقترب ﷺ من تبوك قال لهم: إِنكم ستأتون غدًا -إِن شاء الله- عين تبوك، وإِنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي. فوصلها قبله رجلان فسألهما: هل مسستما من مائها شيئًا؟ قالا: نعم. فسبهما، وغرف الصحابة من الماء حتى اجتمع في إِناء فغسل فيه وجهه ويديه وأعاده فيها فجرت العين بماء كثير، فاستسقى الناس. فقال ﷺ : يوشك يا معاذ إِن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملىءَ جِنانًا (١). وخطب ﷺ بتبوك خطبة عظيمة، ووفد عليه صاحب أيلة يُوحنّا بن رؤبة، وصالحه وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح، فأعطوه الجزية (٢). وفي تبوك تخلف رسول الله ﷺ يومًا عن صلاة الفجر لحاجة، فأقام المسلمون الصلاة وقدموا عبد الرحمن بن عوف إِمامًا لهم، وجاء رسول الله وهم في الصلاة، وصلى مأمومًا خلف عبد الرحمن بن عوف، وهي من مناقبه ﵁ (٣). بعث خالد إِلى دُومة الجندل: وبعت ﷺ وهو في تبوك خالد بن الوليد إِلى أكيدر صاحب دُومة الجندل، وقال له: إِنك ستجده يصيد البقر الوحشي، وكان أكيدر في سطح حصنه مع امرأته، فأتت البقر الوحشي تحك رأسها وقرونها بباب الحصن. فقالت أمرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله. قالت: فمن يترك مثل هذا. قال: لا أحد، فخرج ومعه نفر من أهل بيته منهم أخوه حسان، فتلقتهم خيل المسلمين، فَقُتِل حسان، وأخذ أكيدر أسيرًا، وجيء

стр. 266

به للرسول الله ﷺ فأمنّه وصالحه على الجزية (١). وكان عليه قِبَاء فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويعجبون منه. فقال ﷺ : أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا (٢). وقد بقي ﷺ في تبوك قرابة عشرين يومًا ولم يجد كيدا من العدو بل خافوا وانشمروا في أرضهم، فقرر العودة إِلى المدينة، وفي طريق عودته ﷺ تآمر عدد من المنافقين لقتله، حيث أرادوا أن يلقوه عن دابته من عقبة يمر بها الجيش، فكشف الله له ذلك، وكان حذيفة آخذًا بزمام الناقة يقودها، وعمار يسوقها، وإِذا هم بإِثني عشر ملثمين فصرخ بهم، فهربوا (٣).

стр. 267

مسجد الضرار: وقد بني المنافقون بالمدينة قرب مسجد قباء مسجدًا، ودعو الرسول الله ﷺ للصلاة فيه، فاستمهلهم حتى يعود من تبوك. فأنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَةَرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١). ولهذا أمر ﷺ عند رجوعه بهدم وإخراب ذلك المسجد، فقام بتلك المهمة مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي (٢). استقبال المدينة لرسول الله ﷺ : ولما دنا رسول الله ﷺ من المدينة قال: إِن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إِلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر (٣). وعندما أشرف على المدينة قال: "هذه طابة، وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه" (٤). واستقبله الناس والصبيان عند ثنية الوداع يرحبون بهم (٥) وهم يقولون: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع

стр. 268

أصناف الذين تخلفوا عن غزوة تبوك: كان الذين تخلفوا عن غزوة تبوك أربعة أصناف: ١ - مأمورون بالتخلف منه ﷺ ، مثل محمَّد بن مسلمة، وعلي بن أبي طالب، وهؤلاء مأجورون. ٢ - معذورون، وهم الضعفاء والمرضى، وهم مأجورون أيضًا لأنهم قد حبسهم العذر. ٣ - عصاة مذنبون، مثل الثلاثة الذين خُلِّفُوا. ٤ - ملومون مذمومون، وهم الأعراب والمنافقون. وعند عودته ﷺ إلى المدينة قدم عليه من تخلف عن الغزوة، وصاروا يعتذرون وهو يعذرهم، حتى جاء كعب بن مالك فقال له: مما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قال كعب فقلت: لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ أقوى ولا أيسر مني حين تخلفتُ عنك. فقال ﷺ : أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك، وعندما قام أسرع إِليه أناس يؤنبونه على صدقه حتى هَمّ بالعودة والبحث عن عذر، ولكنه سأل: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت. فقال: من هما؟ قالوا: مرارة ابن الربيع، وهلال بن أمية. قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلام أولئك الثلاثة، فاجتنبهم الناس حتى تنكرت لهم الأرض. قال كعب: فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلَدَحم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد. وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على

стр. 269

صلاتي أقبل عَليّ، وإِذا التفتُ نحوَه أعرض عني، حتى إِذا طال عليَّ ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحبُّ الناس إِلي، فسلمتُ عليه، فوالله ما ردَّ عليَّ السلام. فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أُحِبُّ الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار. وبينما أنا أمشي بسوق المدينة إِذا نبطيٌّ من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إِذا جاءني دفع إِلي كتابًا من ملك غسان، فإِذا فيه: أما بعد، فإِنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوانٍ ولا مضيعة، فالحق بنا نواسِك. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء. فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إِذا مضت أربعون ليلة وإِذا برسول رسول الله ﷺ يأمره باعتزال امرأته، فقال: أُطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا. بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إِلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: إِلحقي بأهلك فتكوني عندهم، حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال كعب: فجاءت إِمرأة هلال بن أمية إِلى رسول الله ﷺ . فقالت: يا رسول الله، إِن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربك. قالت: إِنه والله ما به حركة إِلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إِلى يومه هذا. قال كعب: فلما كملت لنا خمسون ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله ، قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليّ الأَّرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سَلْع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر، فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن (١) رسولُ الله ﷺ بتوبة الله

стр. 270

علينا حين صلى الفجر. حيث نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ... الآية﴾ (١) ورَكّضَ إِلي رجُلُ فرسًا، وسعى ساع فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبيَّ فكسوته إِياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذٍ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إِلى رسول الله ﷺ ، فتلقاني الناس فوجًا فوجا يهنئوني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك، قال: حتى دخلت المسجد فإِذا برسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام إِليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إِليّ رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال -وهو يبرق وجهه من السرور-: أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا. بل من عند الله. قال كعب: إِن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إِلى الله وإِلى رسوله، قال رسول الله ﷺ : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك). ثم قال كعب: يا رسول الله، إِن الله إِنما نجاني بالصدق، وإِن من توبتي ألا أحدث إِلا صدقا ما بقيت (٢).

стр. 271

دروس وعبر: ١ - فضل أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ ومسابقتهم إِلى الإِنفاق في سبيل الله وتجهيز المجاهدين، وفضل علي ﵁ حيث استخلفه في أهله وجعله بمنزلة هارون من موسى إِلا أنه لا نبي بعد محمد ﷺ . ٢ - فضل أبي ذر الغفاري ﵁ وحرصه على مشاهد الخير مع رسول الله ﷺ . ٣ - فضل عبد الرحمن بن عوف وصلاة النبي ﷺ خلفه. ٤ - الحذر من دخول ديار المعذبين إِلا معتبرًا خائفًا وجلًا، وتحريم الإِقامة في أمكنة العذاب. ٥ - خير أيام العبد يوم توبته وهداية الله له. ٦ - فضل كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، بعد توبة الله عليهم، ونجاتهم بسبب الصدق، وخطر التسويف الذي كان سبب محنتهم، ووجوب المبادرة للطاعة والمسابقة في الخيرات. ٧ - انضباط الصحابة مع أوامر النبي ﷺ . ٨ - القوي في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ الضعيف. ٩ - في أمره ﷺ بتحريق مسجد الضرار دلالة على أهمية حسم ما فيه ضرر على المسلمين وتفريق كلمتهم حتى لا يعود مرة أخرى، قال القرطبي: قال علماؤنا، كل مسجد بني ضرارًا أو رياءً وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه (١).

стр. 272

عام الوفود العام التاسع يسمى عام الوفود لكثرة وفود القبائل فيه على رسول الله ﷺ ، وإِن كانت بعض الوفود قد قدمت على رسول الله في وقت مبكر (١)، غير أنه منذ فتح النبي ﷺ مكة أخذت وفود العرب تفد عليه مبايعة مسلمة، وذلك في العام التاسع، فقد وفد عليه غالب وفود العرب في العامين التاسع والعاشر، وعدد الوفود يقارب المائة وفد، وقد اعتنى بذكر الوفود محمَّد بن سعد في كتاب الطبقات الكبرى (٢)، وعدهم مهدي رزق الله، ستة وتسعين وفدا (٣)، ويختلف عدد الأفراد في كل وفد كثرة وقلة، من أكثر من المائة إِلى الواحد، وأول الوفود بعد الهجرة وفد مزينة الذي قدم على النبي ﷺ في رجب من العام الخامس وهم أربعمائة فجعل الهجرة لهم في دارهم (٤). ومن أسباب كثرة الوفود في العام التاسع وما بعده: ١ - فتح مكة وهزيمة المشركين في حنين، مما قرر عند قبائل العرب الأخرى عدم القدرة على مواجهة النبي ﷺ . ٢ - هدم النبي ﷺ للطواغيت والأصنام الكبيرة حول مكة والتي كانت تشكل ضغطًا نفسيًا وخوفًا منها عند العرب، فلما أزالها انفتح الباب لهم في دخول الإِسلام وزال الخوف عنهم. ٣ - يسر التعاليم الإِسلامية وموافقتها للفطرة. ٤ - العدل والأمن الذي أقامه النبي ﷺ وتحقق للمسلمين في الواقع.

стр. 273

نماذج من الوفود: ١ - وفد بني تميم قدا هذا الوفد في أول العام التاسع، وهم الذي نزل فيهم ما نزل من آداب الاستئذان وكيفية مخاطبة الرسول الله ﷺ ، في أول سورة الحجرات، وجاءوا معهم بشاعر وخطيب يفاخرون به رسول الله ﷺ ، وخطيبهم عطارد بن حاجب، وشاعرهم الزبرقان بن بدر، وكان خطيب رسول الله ﷺ ثابت بن قيس، وشاعره حسان بن ثابت (١). فغلب خطيب النبي ﷺ خطيبهم وشاعره شاعرهم. ٢ - وفد عبد القيس عبد القيس هم سكان جواثا وهي بلدة بالأحساء الآن، وقريتهم هي أول قرية أقيمت بها الجمعة بعد المدينة (٢). وكان لهم وفادتان: الأولى، في العام الخامس. والثانية، في العام التاسع. الوفد الأول: وعددهم ثلاثة عشر رجلًا، وفيهم الأشج الذي قال فيه النبي ﷺ : إِن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة (٣). الوفد الثاني: وكانوا أربعين رجلًا، وفيهم الجارود العبدي وكان نصرانيا فأسلم وحسن إِسلامه. وقد رحب بهم رسول الله ﷺ قائلا: مرحبا بالقوم غير خزايا ولا ندامى (٤). ٣ - وقد ثقيف سبق إِلى الإِسلام من ثقيف عروة بن مسعود، الذي لحق رسول الله ﷺ وهو في طريق

стр. 274

عودته بعد الفتح وتوزيع غنائم حنين، فأسلم وسأل النبي ﷺ أن يعود ويدعو قومه للإِسلام، فقال له رسول الله ﷺ : إِنهم قاتلوك، فقال: يا رسول الله، أنا أحب إِليهم من أبكارهم، وكان فيهم محببًا مطاعًا، وعندما عاد رماه رجل من بني مالك يقال له أوس ابن عوف، بسهم فقتله، ثم ندمت ثقيف على هذا العمل وسارع زعماؤها؛ عبد ياليل ابن عمرو ومن معه إِلى الرسول الله ﷺ بعد عودته من تبوك، فاسلموا وأعلموه بإسلام قومهم، واشترطوا على الرسول الله ﷺ أن يترك لهم صنمهم اللات ثلاث سنين فرفض ذلك، وبعث معهم أبا سفيان والمغيرة بن شعبة لهدمها (١). وسألوه أن يعفيهم من الصلاة، ومن كسر أصنامهم بأيديهم، فقال: أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه. واشترطوا إعفاءهم من الزكاة والجهاد، فوافقهم على ذلك وهو يقول: سيتصدقون ويجاهدون إِذا أسلموا (٢). وسألوه أن يعفيهم من الوضوء لبرودة بلادهم، وأن يسمح لهم بنبيذ القرع، وأن يعيد لهم من مواليهم أبا بكرة الثقفي، فرفض كل ذلك، وأمّرَ عليهم عثمان بن أبي العاص وكان أصغرهم سنا؛ لكنه كان أحرصهم على تعلم الدين والتفقه فيه (٣). وبعد خمسة عشر يوما قضوها بالمدينة عادوا إِلى الطائف، وأرسل رسول الله ﷺ أبا سفيان والمغيرة بن شعبة لهدم صنم ثقيف، وعند هدم اللات اجتمع النساء يبكين حول الصنم فهُدِم وأُخذِ ذهبه وماله (٤).

стр. 275

٤ - وفد بني حنيفة: سبق هذا الوفد أسر ثمامة بن آثال وربطه بسارية المسجد ثلاثة أيام، ثم فُكّ أسره ومَنّ عليه رسول الله، فاغتسل وأسلم وعاد إِلى بلده (١). وفي العام التاسع قدم بضعة عشر رجلًا ومعهم مسيلمة بن حبيب، وكان يقول: إِن جعل محمَّد لي الأمر من بعده اتبعته، وعندما التقى بالنبي ﷺ قال له: لو سألتني هذه القطعة -وهي جريدة في يده- ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله وإِني لأراك الذي أريت فيه ما رأيتُ (٢). ومقصده ﷺ قوله: بينما أنا نائم رأيت في يَدَيّ سوارين من ذهب فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان بعدي، أحدهما: العنسي، والآخر مسيلمة (٣). وقد قتل الله مسيلمة الكذاب في معركة اليمامة في عهد أبي بكر الصديق ﵁. ٥ - وفد نجران قدم هذا الوفد وهم ستون راكبًا، منهم أربعة وعشرون من أشرافهم. ورؤساؤهم ثلاثة: العاقب أمير القوم، والسيد، وأبو حارثة أحد بني بكر بن وائل، وهو أسقفهم وصاحب مدراسهم، وكانت ملوك الروم قد شَرّفوه ومَوّلوه وأخدموه، وبسطوا عليه الكرامات، وبنوا له الكنائس لِمَا بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، وكان الوفد كلهم على النصرانية، فدعاهم الرسول الله ﷺ إِلى الإِسلام وتلا عليهم القرآن، فأبوا قبول الإِسلام، فطلب منهم المباهلة، فتشاوروا ثم عادوا يطلبون الصلح، فصالحهم، ورفضوا المباهلة خوفا من العقوبة (٤).

стр. 276

وبعث معهم أبو عبيدة بن الجراح -حسب رغبتهم في رجل أمين- ووصفه بأنه أمين هذه الأمة (١). وكانوا يعلمون أنه رسول الله حقا، كما في خبر أبي حارثة وأخوه كوز بن علقمة عندما عثرت بغلة أبي حارثة، فقال كوز: تعس الأبعد -يريد رسول الله ﷺ فقال له أبو حارثة: بل أنت تسعت، فقال كوز: لم يا أخي؟ فقل: والله إِنه للنبي الذي كنا ننتظره، فقال له كوز: وما يمنعك وأنت تعلم هذا؟ فقال له: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرَّفونا وموَّلونا وأخدمونا، وقد أبوا إِلا خلافه، ولو فعلتُ نزعوا منا كلَّ ما ترى قال: فأضمر عليها منه أخوه كوز حتى أسلم بعد ذلك (٢). ٦ - وفد بني عامر بن صعصعة وفد على رسول الله ﷺ بنو عامر بن صعصعة من هوازن، وفيهم من أشرافهم عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس، وجَبّار بن سَلْمى، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم. وأضمر عامر الغدر برسول ﷺ ، وقال له قومه: إِن الناس قد أسلموا فأسلم. قال: والله لقد كنت آليتُ ألا أنتهي حتى تَتْبع العربُ عَقِبي فأنا أتبع عَقِب هذا الفتى من قريش، واتفق مع أربد على أن يشاغل الرسول الله ﷺ وأربد يقتله بالسيف، فطلب عامر من النبي ﷺ أن يخليه (أي يساره) فأبى أن يخلي مشركا، فلما قاما قال لأربد: أين ما كنتُ أمرتك به؟ قال أربد: والله ما هممتُ بالذي أمرتني به إِلا دخلتَ بيني وبن الرجل حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف؟! (٣)

стр. 277

وكان عامر خَيّر النبي ﷺ بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان، بألفٍ وألفٍ، فدعا النبي ﷺ الله أن يكفيه شره. وعند عودته إِلى بلاده خرجت في عنقه غُدّة طاعون وكان في بيت امرأة سلولية فقال: أغدة كغدة البعير وموت في بيت امرأة سلولية؟ فركب فرسه فمات عليه (١). أما أربد فسأله قومه: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا شيء، والله لقد دعانا إِلى عبادة شيء لوددت لو أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله، فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يتبعه، فأرسل الله عليه صاعقة أحرقته وجمله (٢). ٧ - وفد طيء وكان سيدهم زيد الخيل، فسماه الرسول الله ﷺ زيد لخير، وبعد حوار مع النبي ﷺ أسلم وفد طيء، فكتب لهم رسول الله ﷺ كتابًا فيه إِقطاع زيد أرض فَيدْ، وأَرَضِين أخرى معه، فأصابته حُمّى المدينة فمات، وحرقت امرأته ما معه من الكتب جهلًا منها (٣). ٨ - وفد دوس أسلم سيدهم الطفيل بن عمرو قبل الهجرة، ثم عاد إِلى قومه ودعاهم إِلى الإِسلام فلم يجيبوه، فقدم على الرسول الله ﷺ وطلب منه أن يدعو الله عليهم. ولكن رسول الله ﷺ قال: اللهم اهد دوسًا وائت بهم (٤). ثم قال له: ارجع إِلى قومك فادعهم وارفق بهم. فرجع وجعل يدعوهم حتى هداهم الله، وقدم بهم ورسول الله ﷺ بخيبر وهم نحو سبعين أو ثمانين بيتا (٥).

стр. 278

٩ - وفد الأشعريين من اليمن قدم الأشعريون في ثلاثة وخمسين رجلا ومعهم أبو موسى الأشعري، وأخوان له هما: أبو بردة، وأبو رُهم، من بلادهم في اليمن مهاجرين، فألقت بهم السفينة إِلى الحبشة، ووجدوا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عند النجاشي، فبقوا هناك حتى قدموا جميعًا على رسول الله ﷺ يوم فتح خيبر، فأسهم لهم من غنائم خيبر (١). ١٠ - وفادة فروة بن مُسِيك المرادي قدم فروة من اليمن مفارقًا لملوك كِنْده فأسلم، فاستعمله الرسول الله ﷺ على مُراد، وزُبيد، ومَذْحج، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله ﷺ . وأخرج الإِمام أحمد في مسنده عن فروة أنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أقاتل بمقبل قومي مدبِرَهم؟ قال: نعم، فقاتِل بمقبل قومِك مدبِرَهم، فلما وَلَّيت دعاني فقال: لا تقاتلهم حتى تدعوهم للإِسلام .... الحديث (٢). ١١ - جرير بن عبد الله البجلي قال جرير: لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي ثم حللت عيبتي ثم لبست حُلتي، ثم دخلت فإِذا رسول الله ﷺ يخطب، فرماني الناس بالحدق، فقلت لجليسي: يا عبد الله هل ذكرني رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم ذكرك بأحسن الذكر، بينما هو يخطب إِذ عُرض له في خطبته وقال: يدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفَجِّ من خير ذي يمن إِلا أن على وجهه مَسْحة مَلَكٍ.

стр. 279

قال جرير: فحمدت الله على ما أبلاني (١). وكان له مكانة عند رسول الله ﷺ قال جرير: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إِلا تبسم في وجهي (٢). وأكرمه رسول الله وألبسه حلته وقال: إِذا أتاكم كريم قوم فأكرموه) (٣) وأسلم معه قَومَه وعددهم مائة وخمسون وقد كلفهم رسول الله ﷺ بهدم صنم ذي الخلصة في ديار خثعم ودعا له ولقومه (٤). ١٢ - وفد بَلِيّ قدم وفد بليّ في ربيع الأول من سنة تسع، فأنزلهم رويفع بن ثابت البلوي عنده، وقدم بهم على رسول الله ﷺ وقال: هؤلاء قومي، فقال رسول الله: مرحبًا بك وبقومك، فأسلموا وقال لهم رسول الله ﷺ : (الحمد لله الذي هداكم للإِسلام، فكل من مات على غير الإِسلام، فهو في النار) فقال له أبو الضبيب شيخ الوفد: يا رسول الله إِن لي رغبة في الضيافة، فهل لي في ذلك أجر؟ قال نعم، وكل معروف صنعته إِلى غني أو فقير فهو صدقة، قال: يا رسول الله، ما وقت الضيافة؟ قال ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل للضيف أن يقيم عندك فيحرجك، قال: يا رسول الله، أرأيت الضالة من الغنم أجدها في الفلاة من الأرض؟ قال هي لك أو لأخيك أو للذئب، قال: فالبعير؟ قال مالك وله، دعه حتى يجده صاحبه، قال رويفع: ثم رجعوا إِلى منزلي، فجاء رسول الله إِلى منزلي ومعه تمر فقال: استعن بهذا التمر، وكانوا يأكلون منه ومن غيره، وأقاموا ثلاثة أيام، ثم وَدّعوا رسول الله ﷺ وأجازهم كما هي عادته مع الوفود (٥).

стр. 280

دروس وعبر: ١ - هذه النماذج من وفود العرب على رسول الله ﷺ مُسلِمين، توضح مدى نجاح دعوة النبي ﷺ وانتشار الإِسلام في أرجاء الجزيرة العربية، وتوحيدها تحت راية الإيمان وتوحيد الله. ٢ - أن النبي ﷺ أُعطي من حسن الخلق ما جعله يستوعب النماذج المختلفة، من الرجال والمواقف والأقوال، ويكسب حبها جميعًا، ويحسن التعامل معها، ويُقَدِّر رجالاتها، ويهيء لهم الضيافة والاستقبال، ويمكنهم من التعلم والفقه في الدين، ثم يحسن صلتهم وجوائزهم إِذا رجعوا إِلى بلدانهم، ويزودهم بالوصايا والآداب الإِسلامية التي جعلت منهم نماذج حية لمن وراءهم، في قبول الإِسلام والعمل بأحكامه وآدابه. ٣ - مدح صفة الحلم والآناة وأن الله يحبهما، وضدهما الطيش والعجلة وهما خلقان مذمومان (١). ٤ - التأني والصبر في الدعوة إِلى الله، وأن لا يعجل بالعقوبة والدعاء على العصاة (٢). ٥ - قال ابن القيم: وإِقرار الكاهن الكتابي لرسول الله ﷺ أنه نبي لا يدخله في الإِسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته. قال: ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين للنبي بالرسالة وأنه صادق، فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإِسلام، علم أن الإِسلام أمر وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة والإِقرار، بل المعرفة والإِقرار، والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهرا وباطنا (٣).

стр. 281

حج أبي بكر الصديق ﵁ كان المشركون قد تولوا الحج في السنة الثامنة بعد الفتح، وعتاب بن أسيد أمير رسول الله على مكة حج بالمسلمين، وفي السنة التاسعة أمّرَ الرسول الله ﷺ على الحج الصديقَ، وبعد مسيره أرسل في أثره علي بن أبي طالب، ولما رآه الصديق رحّب به وقال: أمير أم مأمور؟ قال: بل مأمور. وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يعلن للناس في الحج أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد هذا العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، وأن مَن بينه وبين رسول الله ﷺ عهد أو ميثاق محدد فهو إِلى مدته، ومن كان عهده غير محدد فإِن نهايته بعد أربعة أشهر. فأرسل رسول الله عليًا بها ليبلغ أبا بكر، فكان أبو بكر وعلي ﵄ يعلنان ذلك للناس يوم الحج ويأمرون من ينادي (١) به ليصفو الحج بعد ذلك للمسلمين. حجة الوداع سميت حجة الوداع لأن النبي ﷺ ودع الناس فيها، وسميت حجة الإِسلام لأنه لم يحج من المدينة غيرها، وسميت حجة البلاغ لأنه بَلّغ الناس فيها شرع الله في الحج قولًا وعملًا وأشهدهم على ذلك. خرج ﷺ من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة في السنة العاشرة، وبات في الوادي المبارك وادي العقيق، فلما كان بذي الحليفة صلى الظهر وأحرم من مصلاه، ثم لبىّ عندما استوى على راحلته راكبًا، فلما أخذت به في البيداء لَبّى بالحج، وساق معه الهدي. وسار حتى وصل مكة لخمس خلون من ذي الحجة، وعندما وصل مكة بات بذي

стр. 282

طوى (١) حتى أصبح، فاغتسل ودخل مكة من ثنية كداء (الحجون) ثم دخل الحرم من باب بني شيبة (٢)، ثم طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة. وفي اليوم الثامن من ذي الحجة توجه إِلى مني فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، ثم سار إِلى عرفه وخطب خطبة عظيمة بعرفه جاء فيها: إِن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإِن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب -كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل- وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه من ربانا ربا العباس بن عبد الطلب فإِنه موضوع كله، واتقوا الله في النساء، فإِنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإِن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مُبرِّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تَضِلّوا بعده إِن اعتصمتم به: كتابُ الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت. فقال: اللهم اشهد ثلاثًا (٣). ثم صلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، ووقفى بعرفة حتى غربت الشمس، ونزل عليه في موقفه ذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤).

стр. 283

قال عمر: نزلت على رسول الله عشية عرفة يوم الجمعة (١)، ثم سار حتى وصل مزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء، ثم نام حتى الفجر، ثم استقبل القبلة ودعا وحمد الله وكَبّره وهلّله ووحّده حتى أسفر جدًا. ثم انطلق إِلى منى، والتُقِطت له سبع حصيات مثل حصى الخذف، ورمى بهن جمرة العقبة، ثم انصرف إِلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غبر، وأشركه في هديه وهو مائة بدنة، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قِدْر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا مِن مرقها (٢)، ثم أمر الحلاق فحلق رأسه، ثم أفاض من يومه وطاف بالبيت سبعًا، ثم عاد إِلى منى فبات بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرات إِذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. وقد خطب يوم النحر خطبة عظيمة كرر فيها بعض ما جاء في خطبته يوم عرفه وزاد مثل قوله: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض. وقوله: إِن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان (٣). وقوله: إن أمِّر عليكم عبدٌ مُجدَّع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا. وقال: إِنما هن أربع، لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إِلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا. وقال: أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك. وقال: ولا يجنى جان على

стр. 284

ولده، إلا إِن الشيطان قد يئس أن يُعبد في بلدكم هذا، ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى. وقال: اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم. وقال: إِن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، وحسابهم على الله، ومن ادعى إِلى غير أبيه أو انتمى إِلى غير مواليه فعليه لعنة الله متتابعة إِلى يوم القيامة، لا تنفق امرأة شيئًا من بيتها إِلا بإِذن زوجها. وقال: العارية مؤداة والمنحة مردودة، والدَّين مَقْضِيّ، والزعيم (١) غَارِمٌ (٢). دروس وعبر: ١ - فضيلة أبي بكر الصديق ﵁ وأنه أول أمير للحج، وبهذا مضت السنة بتأمير من يقيم للناس الحج ويقود الحجيج في هذه الشعيرة العظيمة. ٢ - إِبلاغ النبي ﷺ ما أنزل الله إِليه من وجوب منع المشركين من قربان المسجد الحرام، وأن يكون الحج ومشاعره خالصا للمسلمين لا يشركهم فيه أحد من المشركين، ولذا أرسل بها عليًا بعد خروج الصديق إِلى مكة، فناديا بذلك طيلة أيام الحج حتى تم البلاغ وقامت الحجة بذلك. ٣ - بيان هدي النبي ﷺ في أداء نسك الحج وهو القائل: خذوا عني مناسككم. ٤ - التأكيد على أصول الدين وثوابته، وإعلان الحقوق الشرعية للإِنسان رجلًا أو امرأة.

стр. 285

٥ - تحريم التقاليد والعادات الجاهلية والالتزامات المترتبة عليها، وأنها كلها موضوعة. ٦ - التأكيد على حرمة الدماء والأموال والأعراض. ٧ - وجوب طاعة ولي الأمر، ولزوم الجماعة، والتحذير من التفرق، والاختلاف، والحرص على الوحدة والائتلاف والتعاون على البر والتقوى.
следующие страницы →