← Сира

Сира · id 10816

صحيح الأثر وجميل العبر من سيرة خير البشر (صلى الله عليه وسلم)

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (307 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

دروس وعبر: ١ - أهمية الجزيرة العربية وموقعها الاستراتيجي، وشرفها العظيم باحتضانها الكعبة المشرفة والبلد الحرام الآمن مكة المكرمة. ٢ - نقاء عنصر أهلها، وفصاحة لغتهم ولسانهم، واعتناؤهم بالأنساب ومكارم الشيم. ٣ - حفظ الله لحرمه من المستعمر الخارجي، فبقيت فطرتهم محفوظة من التواءات المدنيات ومفاسدها، وذات نقاء يسهل استصلاحها. ٤ - كان في العرب جهل وأمية سببت لهم انحرافات في الاعتقاد والتصور، غير أن جهلهم لم يكن جهلا مركبا ومفلسفا، وعندما عرض عليهم الحق أسرع كثير منهم إِلى الاستجابة. ٥ - تفرق العرب وانعدام الوحدة السياسية بين أقاليم الجزيرة، وانتشار العصبية القبلية وهي من مظاهر الجاهلية ٦ - كان العرب كغيرهم من الأمم يتخبطون في ظلمات الجاهلية، إِنحراف عقدي، وتفكك اجتماعي، واضطراب سياسي، وترد اقتصادي، فكانوا أحوج ما يكونون إِلى من يخرجهم من الظلمات إِلى النور.

стр. 72

الفصل الأول: الرسول ﷺ من مولده إلى بعثته

стр. 73

الرسول ﷺ من مولده إلى بعثته نسبه ﷺ هو أبو القاسم محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إِلياس بن مضر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان. وعدنان من ولد إِسماعيل ابن إِبراهيم أبو الأنبياء ﵇. وهذا السياق في نسبة ﷺ إِلى عدنان اتفق أهل السير وعلماء الأنساب عليه ولا خلاف فيه، ويبلغ عدد الآباء في هذا السياق واحدا وعشرين أبًا. أما سياق نسبه ﷺ من عدنان إِلى إِسماعيل بن إِبراهيم الخليل، ففيه خلاف، وتوقف بعض أهل العلم في ذلك، ولكنهم لا يختلفون في أن عدنان من ذرية إِسماعيل ﵇، وعدد الآباء في هذا القسم من عدنان إِلى إِبراهيم مختلف فيه، فأكثر ما قيل أربعون أبًا، وأقل ما قيل سبعة آباء (١) وقد كره ابن عباس وكثير من علماء السلف رفع النسب النبوي فوق عدنان، وكان ابن عباس يقول: بين عدنان وإِسماعيل ثلاثون أبًا لا يعرفون (٢) ويقول عروة بن الزبير: ما وجدنا أحدًا يعرف ما وراء عدنان (٣). وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ (٤). أما قائمة النسب من إِبراهيم ﵇ إِلى آدم، فالاختلاف فيها شديد، سواء في الأسماء، أم في ترتيبها أم في عدد طبقات النسب والآباء.

стр. 74

أما أمه فهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة. ويلتقي نسبه مع نسب أمه في كلاب بن مرة. وأسماؤه ﷺ كما ورد في الصحيح هي: أحمد، ومحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب، وزاد مسلم: والمقفي، ونبي الرحمة (١). أسرته ﷺ تعرف أسرة النبي ﷺ بالأسرة الهاشمية نسبة إِلى جده الثاني هاشم بن عبد مناف بن قصي، وقصي هو الذي جمع قريشا وتولى أمر مكة وسدانة الكعبة بعد أن طرد منها خزاعة، وصار لقصي من مظاهر الرياسة، دار الندوة، واللواء، والحجابة للكعبة، وسقاية الحاج ورفادتهم، وكان في قومه قريش كالملك لا يعصى له أمر، فهو الذي أنزلهم مكة وملكهم أمرها ونظم شؤونهم فيها، وقد أوصى قصي بهذه المناصب لابنه الأكبر عبد الدار فتولى عبد الدار ما كان يتولاه قصي، فلما مات قصي عزم بنو عبد مناف أن ينزعوا من بني عبد الدار ما بيدهم من الوظائف لما كانوا عليه من الفضل والشرف، فاختلفوا واختلفت قريش باختلافهم، وأشرفوا على الاقتتال وعقدوا من أجل ذلك حلف المطيبين، ثم اصطلحوا على أن تكون دار الندوة، واللواء، والحجابة لبني عبد الدار، ولبني عبد مناف، السقاية، والرفادة، والتي صارت بحكم القرعة لهاشم دون بقية بني عبد مناف، ثم خلفه عبد المطلب، وبعده العباس، وقد جاء الإِسلام وهي بيده. وكان هاشم موسرًا وذا شرف في قومه، وهو أول من أطعم الثريد للحجاج بمكة، وأول من سَنّ الرحلتين لقريش، رحلة الشتاء، ورحلة الصيف.

стр. 75

يقول فيه الشاعر (١). عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... قوم بمكة مسنتين عجاف سُنت إِليه الرحلتان كلاهما ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف وقد خرج هاشم إِلى الشام تاجرًا، ومَرّ بيثرب (المدينة) فتزوج سلمى بنت عمرو بن عدي من بني النجار، وأكمل رحلته إِلى الشام، ومات بغزة من أرض فلسطين. وقد حملت زوجته سلمى، فجاءت بولد سمته شيبة، ولما علم عمه المطلب بن عبد مناف، خرج إِلى يثرب وجاء به، ودخل مكة وهو مردفه على راحلته، فظن أهل مكة أنه غلام له فقالوا: عبد المطلب. فرد عليهم: إِنه ابن أخي هاشم، فلزمه هذا اللقب وصار يعرف به (٢). وقد شرف عبد المطلب في قومه وتولّى ما كان لوالده هاشم، وحصل له أمور زادت في شرفه ومكانته، ومنها: الأول: حفر بئر زمزم وذلك أن بئر زمزم التي نبعت على يد إِسماعيل وأمه هاجر قد دفنت بسبب الحروب التي كانت في مكة، فلم تعرف، ثم إِن عبد الطلب قد أري مكانها في المنام وأمر بحفرها، فلما قام بذلك نازعته قريش فيها، فقال لهم: إِن هذا أمر قد خصصت به. فتحاكموا إِلى كاهنة من العرب، وقبل أن يصلوا إِليها أراهم الله آية علموا منها اختصاص عبد المطلب بذلك فتنازلوا عن مطلبهم (٣).

стр. 76

الثاني: حادثة الفيل وهي أن أبرهة الحبشي لما استولى على اليمن بني في صنعاء كنسية سماها "القليس" وأراد أن يصرف إِليها حج العرب بدل الكعبة، فحمي لهذا رجل من العرب فدنس القليس، مما جعل أبرهة يعزم على هدم الكعبة، فسار في جيش كثيف ومعه الفيلة التي استقدمها من الحبشة، ولما وصل "المغمس" قرب مكة مات دليله من العرب أبو رغال، وكانت العرب بعد ذلك ترجم قبره، وقد أخذ جنود أبرهة أموال أهل مكة وفيها إِبل لعبد المطلب، فجاء عبد المطلب وكان رجلًا جميلًا مهيبًا حتى دخل على أبرهة وطلب منه إِرجاع إِبله فقال أبرهة: إِنا جئنا لهدم البيت الذي هو عزكم وشرفكم وأنت تطلب الإِبل. فرد عبد المطلب: أنا رب إِبلي وللبيت رب يحميه. وكان لهذه الكلمة أثرها في نفس أبرهة، أما قريش فقد عجزت عن المواجهة وخرجت إِلى رؤوس الجبال حتى لا تصطدم مع جنود أبرهة، وأراد الله أن لا يكون لأهل الشرك فضل على بيته فحماه سبحانه، حيث أرسل على أبرهة وجنوده: طيرًا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فهزم الله أبرهة وأهلك جنده وفيلته، ومات هو في طريق عودته إِلى صنعاء (١). وهذه الآية العظيمة مما زاد في مكانة البيت وتعظيم مكة والحرم عند العرب. الثالث: نذر عبد المطلب وذلك أن عبد المطلب لما طالبته قريش بالمشاركة في بئر زمزم وكان وقتها ليس له من الأبناء إِلا الحارث، فنذر لله إِن رزقه عشرة من الولد، وبلغوا أن يحموه، أن يذبح أحدهم لله. فرزق عشرة من الأبناء وأراد أن يفي بنذره، فضرب القداح عند الصنم هبل، وكان

стр. 77

في جوف الكعبة، فخرج السهم على عبد الله، فأخذ عبد المطلب الشفرة وأراد ذبحه، فقالت له قريش: لا تفعل ذلك حتى تُعذر، وأشاروا عليه أن يستفتي في ذلك كاهنة معروفة في خيبر، فذهب إِليها عبد المطلب ومعه ركب، وأخبروها فقالت لهم: ارجعوا عني اليوم حتى يأتني تابعي فأسأله، فلما رجعوا إِليها قالت: كم الدية فيكم، قالوا: عشر من الإِبل. قالت: ارجعوا إِلى بلادكم ثم قَرِّبوا عشرًا من الإِبل واضربوا عليه وعليها القداح، فإِن خرج عليه فزيدوا عشرًا، وهكذا حتى يرضى ربكم. فلما رجعوا إِلى مكة فعلوا ذلك، فكان السهم كل مرة يخرج على عبد الله حتى بلغ عدد الإِبل مائة، فخرج السهم على الإِبل فذبحوها، ونجا عبد الله من الذبح. وقد ورد أن رجلًا جاء إِلى النبي ﷺ فقال: "يا بن الذبيحين" (١). والمراد والده عبد الله وجَدّه إِسماعيل بن إِبراهيم ﵉ (٢). ثم إِن عبد الطلب زَوَّجَ إِبنه عبد الله من آمنة بنت وهب بن زهرة بن كلاب بن مرة. دروس وعبر: ١ - طهارة نسب النبي ﷺ وعلوه وشرفه بين العرب واصطفاء الله له، فهو خيار من خيار من خيار، فقد بُعِث من خير قرون بني آدم، قرنًا فقرنًا حتى كان من القرن الذي كان فيه. ٢ - فضل الله على أهل مكة وغيرهم بإِنباع الماء المبارك، ماء زمزم، والشرف العظيم الذي حصل لجدّ النبي ﷺ في حفر زمزم بعد إندراسها.

стр. 78

٣ - ضلال الجاهلية وفقدهم لمصدر الحق (الوحي) ولهذا يرجعون عند المشكلات إِلى الكهان والعرافين، وإِلى الاستقسام بالأزلام والقداح، وهي وسائل لا توصل إِلى الحق. ٤ - ضعف العرب أمام أبرهة وجنوده، بسبب انحرافهم العقدي الذي أفقدهم الاعتماد والتوكل على الله وطلب النصر منه، كما أورثهم الفرقة والاختلاف. ٥ - حادثة الفيل وإِهلاك الله للظالمين، مقدمة وآية بين يدي البعثة النبوية، وإِظهار لمكانة الحرم وحماية الله له. مولده ورضاعة ﷺ : حملت آمنة بنت وهب برسول الله ﷺ ، وتوفي والده عبد الله في يثرب وأمه حامل به (١). وولدته أمه في مكة عام الفيل في شهر ربيع الأول يوم الاثنين، هذا هو المتفق عليه بين الرواة والعلماء، وتسمية يوم ولادته ورد فيه حديث في صحيح الإِمام مسلم، عن أبي قتادة ﵁ أن أعرابيا قال: يا رسول الله ما تقول في صوم يوم الاثنين؟ فقال: "ذاك يوم ولدت فيه. وأنزل عليّ فيه" (٢). وأما تاريخ يوم ولادته من شهر ربيع الأول ففيه أقوال كثيرة (٣)، ذكر ابن كثير منها يوم الثاني، ويوم الثامن، ويوم العاشر، ويوم الثاني عشر، ويوم السابع عشر، ويوم الثاني والعشرين (٤). والمشهور: الثاني عشر من ربيع الأول وهذا يوافق ٢٠ من شهر أبريل (نيسان) عام

стр. 79

٥٧١ م. لكن علماء الفلك يقولون: إِنه لا يوجد يوم اثنين في تلك السنة يوافق الثاني عشر من شهر ربيع الأول (١). أما مكان الولادة من مكة ففيه روايات متعددة، في الدار التي عند الصفا، وقيل في شعب بني هاشم، وقيل بالردم، وقيل بعسفان (٢). ووقوع الخلاف في المكان والزمان معقول لأنه لا توجد سجلات للمواليد في ذلك الزمن، وإِنما يعتمد الرواة على الذاكرة وهي تصيب وتخطئ، والرسول ﷺ لم يعرف أنه رسول ويكون في مركز الاهتمام إِلا بعد نزول الوحي عليه على رأس أربعين سنة من عمره، فيتذكر الرواة بعض الأحداث والوقائع قبل ذلك ويحاولون استعادتها، ولهذا يقع الخلاف وتتعدد الأقوال. قال ابن إِسحاق: فلما وضعته أمه أرسلت إِلى جده عبد المطلب أنه قد ولد لك غلام، فأتاها ونظر إِليه وحدثته آمنة، بما رأت حين حملت به، وحمد الله وشكره، ثم سماه محمدًا. وقد سأل نفر من أصحاب النبي رسول الله ﷺ أن يحدثهم عن نفسه فقال: "أنا دعوة أبي إِبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر" (٣). وأول من أرضعه ثويبة جارية لأبي لهب بلبن ابن لها اسمه مسروح، وأرضعت معه عمه حمزة بن عبد المطلب، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي (٤)، ولما بشرت ثويبة أبا لهب بمحمد ﷺ أعتقها، وفي البخاري (٥): لما مات أبو لهب رآه بعض أهله في النوم

стр. 80

بشرّ حالة فقال له: ماذا لقيت؟ قال: لم ألق بعدكم رَخَاء غير أني أسقيت في هذه، وأشار إِلى النقرة التي بين الإِبهام والتي تليها، بعتاقتي ثويبة. وقد حضنته أم أيمن بركة الحبشية، وهي مما ورثها رسول الله ﷺ عن والده. أما مرضعته الثانية: فهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث السعدية، حيث قدمت هي وزوجها الحارث بن عبد العزى مع نساء من بني سعد يلتمسون الرضعاء، فأصابت حليمة رسول الله ﷺ وأخذته معها إِلى أرض قومها قرب الطائف، وقد أدركت هي وزوجها أنهما أخذا نفسًا مباركة، إِذ وجدا ذلك في سرعة حمارهما، ولبن ناقتهما، ثم بعد ذلك في غنمهما، ومكث ﷺ معها عامين حتى استكمل رضاعه، ثم وفدت به على أمه في مكة، وحرصت على بقائه معها، فعادت به مرة أخرى، ولكن بعد مضي أشهر حصل له ﷺ حادثة شق صدره وخشيت عليه مرضعته، فأعادته إِلى أمه بمكة، قال ابن إِسحاق: وإخوته من الرضاعة، عبد الله بن الحارث، وأنيسة، وخذَامة، وهي الشيماء (١). حادثة شق صدره ﷺ : روى الإِمام مسلم من حديث أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ ، أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق قلبه، فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسّله في طَسْت من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إِلى أمه -حليمة- فقالوا: إِن محمدًا قد قتِل، فاستقبلوه منتقع اللون. قال أنس "كنت أرى أثر المخيط في صدره ﷺ " (٢). وهذه هي المرة الأولى التي يُشَق فيها صدره، ثم إِنه ﷺ حصل له شق الصدر والتطهير مرة ثانية ليلة الإِسراء والمعراج (٣). وفي هذا عناية الله بنبيه ﷺ وإعداده للنبوة والرسالة.

стр. 81

وفاة أمّه وَجَدّه ﷺ : توفيت أم رسول الله ﷺ وهو ابن ست سنين، فقد ذهبت به لزيارة أخواله من بني النجار في يثرب، وفي طريق عودتها إِلى مكة ماتت بالأبواء ودفنت هناك، وقد وقف النبي ﷺ على قبر أمه بعد البعثة فبكى وأبكى وقال: "استأذنت ربي أن استغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في زيارة قبرها فأذن لي" (١) وقد كفله جده عبد المطلب، وأحبه وشغف به، وكان يجلسه على فراشه، لكنه توفي بعد سنتين من وفاة أمه ﷺ ، وعمر النبي ﷺ ثمان سنوات. كفالة عمه أبي طالب: بعد وفاة عبد المطلب قام على أمر رسول الله ﷺ عمه شقيق والده أبو طالب بن عبد المطلب، وقد رزق حبّ رسول الله ﷺ فكان شفيقًا عليه ورفيقًا به، وكان أبو طالب قليل المال وله عيال كثير. وقد عمل ﷺ في أول شبابه في رعي الغنم، فقد كان يرعاها بالأجرة ليكسب بيده ويأكل مما يكسب، قال ﷺ : "ما بعث الله نبينًا إِلا رعى الغنم ولقد كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" (٢). والقيراط جزء يسير من الدينار. وأخبر ﷺ -أنه: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإِن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" (٣). وبعد بلوغه ﷺ واستقلاله رد الجميل لعمه فأخذ بعض بنيه -علي بن أبي طالب- ليرعاه ويكفله، وبُعث ﷺ بالنبوة والرسالة وعلي معه في بيته.

стр. 82

وتذكر الروايات أن رسول الله ﷺ رافق عمه أبا طالب إِلى الشام وهو في العاشرة من عمره، وفي هذه الرحلة تأتي قصة بحيرا الراهب وما رأى من آيات النبوة فى رسول الله ونصحه لأبي طالب أن لا يدخل به بلاد الشام خوفًا عليه من اليهود، والرومان النصارى، وسياق الخبر عند الترمذي (١). فيه ألفاظ أنكرها نقاد الحديث مثل الإِمام الذهبي (٢). وقد ادعى بعض المستشرقين في العصر الحديث أنه ترتب على تلك المقابلة بين رسول الله ﷺ وبحيرا الراهب أن رسول الله تعلم منه ما جاء به من الوحي بعد ذلك، وهو كلام ساقط متهافت، فرسول الله ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب، والمقابلة كانت لبضع ساعات أيام شبابه وحداثة سنه، فكيف يتعلم فيها -كما يزعمون- هذا العلم المفصّل الذي جاء به بعد البعثة والنبوة؟! إِن هذا غير ممكن، ورسول الله ﷺ لم يتعلم على يد أحد من البشر فقد كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وإِنما علمه الله، وأوحى إِليه وحيا، وأنزل عليه القرآن مفرقا على مدى ثلاث وعشرين سنة بحسب الأحوال والوقائع حتى تم الوحي واكتمل التشريع. دروس وعبر: ١ - بعد فقد النبي ﷺ لوالده ثم والدته ذاق مرارة اليتم الكامل، وفي حالته عزاء لكل يتيم يصاب بمثل مُصابِه، وقد تولى الله إِعداده وتربيته، وسخر له من أقاربه من يحوطه ويحفظه ويقوم على شؤونه. ٢ - كانت حليمة راغبة في الحصول على رضيع أغنياءٌ أهلُه، وما أخذت محمدًا اليتيم إِلا لأنها لم تجد غيره، فكان في اختيار الله لها خير وبركة حيث حمدت

стр. 83

ذلك ورأت البركة من أول يوم أخذت فيه هذا اليتيم، وهكذا ما يختار الله للإِنسان يكون فيه الخير، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) ٣ - نشأة النبي ﷺ الأولى في البادية -وهي أصفى وأقرب إِلى تزكية الفطرة بجوها الطلق ورباعها الفسيحة- أكسبته الفتوة، وقوة الجسد والأعضاء، وفصاحة اللسان. ٤ - في حادثة شق صدره آية من الآيات، وعناية من الباري برسوله، وحماية له وحفظ من الشيطان ونزغاته، وهي إِرهاص مبكر للنبوة. ٥ - في رعيه ﷺ للغنم درس للشباب في طلب الكسب الحلال وإِن قَلّ دخله، وفيه بيان للذوق الرفيع والإحساس الرقيق عند رسول الله ﷺ ، فقد كان عمه يحوطه بالعناية التامة، لكنه ﷺ أقبلِ على العمل والكسب بنفسه حتى لا يكون كلًا على غيره، وهذا دلالة على شهامة في الطبع، وبذل للوسع، وبر في المعاملة، وسعي لطلب الرزق. ٦ - كما أن رعي الغنم قد أتاح له الهدوء الذي تتطلبه نفسه الكريمة، والمتعة بجمال الصحراء، والتطلع إِلى مظاهر جلال الله في عظمة الخلق، ومناجاة الله تعالى في هدأة الليل وظِلال القمر، كما أتاح له لونًا من التربية النفسية على الصبر والحلم والأناة والرأفة والرحمة، والعناية بالضعيف وحفظه عن الهلكة ومواطن الخطر (٢). وفي هذا كله دربة على سياسة الأمم والشعوب.

стр. 84

حفظ الله لرسوله ﷺ من أوضار الجاهلية نشأ ﷺ كما هو معلوم في مجتمع جاهلي يعبد أهله الأصنام ويدعونها من دون الله ويذبحون لها، ويعتقدون في السحرة والكهان، ويستقسمون بالأزلام، ويتعاملون بالربا والميسر، ويشربون الخمر، ويقطعون السبيل، ويسيئون الجوار، إِلى غير ذلك من انحرافات الجاهلية، ولكن الله تولاه وحفظه فلم يشاركهم في شيء من انحرافاتهم، وهو ﷺ لم يجلس إِلى معلم يعلمه وإِنما تولته عناية الله ورعايته، يقول ﷺ : ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون به غير مرتين من الدهر كلتيهما يعصمني الله منها، قلت ليلة لفتى كان معي من قريش بمكة في أغنام لأهله يرعاها، أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان، قال: نعم، فخرجت فجئت أدنى دار من دور مكة فسمعت غناءً وضرب دفوف ومزامير، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: فلان تزوج فلانة، فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصوت فغلبتني عيني فما أيقظني إِلا حَرُّ الشمس، ثم رجعت إِلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فأخبرته ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ففعل، فخرجت، فسمعت كما سمعت في المرة الأولى وصار لي ما صار في الأولى. قال ﷺ فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته (١). وكان أهل الجاهلية لا يتحفظون من كشف العورات، ولما شارك ﷺ بنقل الحجارة في بناء الكعبة وعليه إِزاره قال له عمه العباس: يا ابن أخي لو حللت إِزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة؛ قال: فحلّه، فجعله على منكبه، قال: فسقط مغشيًا عليه فما رؤي بعد ذلك اليوم عريانًا (٢).

стр. 85

مشاركاته ﷺ في الأعمال العامة لم يكن رسول الله ﷺ قبل البعثة بمعزل عن المجتمع بل كان يشارك في الأمور العامة التي بها مصالح ومنافع ويجتنبهم فيما فيه انحراف ومن أشهر الأمور التي شارك فيها: ١ - حرب الفجار: وسميت بهذا الاسم لانتهاكهم حرمة الأشهر الحرم بالقتال فيها، وفجارات العرب كثيرة لكن التي شارك فيها رسول الله ﷺ -وله من العمر خمسة عشرة سنة- هي التي كانت بين قريش وكنانة وبين قيس عيلان، وكانت قيس هي البادئة بالقتال في الشهر الحرام ومشاركة النبي ﷺ هي أنه كان يجهز لأعمامه النبل للرمي به (١) وكان الظفر فيها لقريش وكنانة على قيس. ٢ - حلف الفضول: سمي حلف الفضول لأقوال: منها أن الذين شاركوا فيه كان يسمى كل واحد منهم الفضل، وقيل لأنهم دخلوا في أمر فضل غير متعين عليهم، وقيل -وهو الأقرب- من الفضيلة أي الأمر الذي دخلوا فيه وتعاقدوا عليه وهو نصرة المظلوم، أمر فاضل حسن من مكارم الأخلاق. وسبب الحلف أن رجلا من زَبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل السهمي، ولكن لم يعطه الثمن ومطل به، فطلب الرجل من ينصره عليه فلم يجد أحدًا في أول الأمر، فرقى جبل أبي قبيس ونادى بأعلى صوته وقال في ذلك شعرًا يصف مظلمته:

стр. 86

يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا للرجال وبين الحِجر والحجر إِن الحرام لمن تمت كرامته ... ولا حرام لثوب الفاجر الغُدِر فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب وقال: ما لهذا مترك!! حتى اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان التيمي، وتعاقدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها أو غيرهم إِلا نصروه وقاموا معه حتى ينال حقه، وقد شهد هذا الحلف رسول الله ﷺ وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة: لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت بمثله في الإِسلام لأجبت (١). وهذا الحلف ينافي الحمية الجاهلية ويعد من مكارم الأخلاق، ومن مفاخر العرب وقيامهم بحقوق الإِنسان. ٣ - بناء الكعبة المشرفة: أرادت قريش بناء الكعبة لما وقعت بعض جدرانها من أثر السيل، وأخذ بعض السراق كنزها ولم تكن مسقوفة، فأجمعوا على ذلك وأن لا يدخل في بنائها إِلا الطيب من أموالهم، ولا يدخل فيها مال من ربا أو مهر بغي. وأول من بدأ نقض الجدران الوليد بن المغيرة المخزومي وتبعه الناس وكانوا يهابون ذلك، ثم أخذوا في بنائها ورفعوها ثمانية عشر ذراعًا، ولكن قصرت بهم النفقة الحلال فانقصوا من مساحتها التي على قواعد إِبراهيم ﵇ وأخرجوا من الجهة الشمالية ستة أذرع وشيئا (٢). وحجروا عليه ووسعوا في الحِجر، وجعلوا لها بابًا واحدًا، ورفعوه حتى لا يدخلها إِلا من أرادوا. وقد شارك معهم النبي ﷺ وكان ينقل الحجارة، ولما اختلفوا في وضع الحجر الأسود

стр. 87

وكاد يقع بينهم الشر احتكموا لأول داخل من باب الصفا، فكان رسول الله هو أول داخل ولما رأوه قالوا: هذا الأمين، ووفق ﷺ في حل الإِشكال بحل أرضى الجميع وحقق العدل وقطع الفتنة، فدعى بثوب ثم وضع الحجر الأسود فيه وقال: ليأخذ كل رجل بطرف الثوب، ثم رفعوه فأخذه بيده الكريمة ووضعه في مكانه (١). حياته ﷺ الخاصة كان ﷺ يحب مكارم الأخلاق ومشهود له بين قومه بالصدق والأمانة، وقد عرفنا من قبل أنه اشتغل برعي الغنم في مقتبل عمره. ثم اشتغل بالتجارة عن طريق المضاربة والمشاركة بالجهد والعمل حيث لم يكن عنده رأس مال وكانت خديجة بنت خويلد امرأة غنية، ولما علمت بصدق النبي ﷺ وأمانته أعطته مالها ليتاجر فيه، فخرج إِلى الشام وباع واشترى وكسب شيئًا كثيرًا، وكان معه ميسرة غلام خديجة، وقد ذكر لها من أخلاق النبي ﷺ وصدقه وأمانته ما رغبها في الزواج منه، فأرسلت إِحدى صديقاتها في ذلك، وتم زواجه ﷺ من خديجة وله من العمر ٢٥ سنة بينما كان عمرها ٤٠ سنة، وقد رزقه الله منها الذرية الطيبة الطاهرة: القاسم، وعبد الله، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة. وقد مات الأبناء وهم صغار، أما البنات فأدركن الإِسلام وأسلمن وتزوجن، وكانت وفاتهن قبله إِلا فاطمة. ولم يتزوج رسول الله على خديجة حتى ماتت. وكانت نعم الزوجة في عقلها وتصرفها ونصرتها لرسول الله ﷺ وقد أثنى عليها رسول الله كثيرًا، وبلّغها السلام من ربها ومن جبريل، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب (٢).

стр. 88

دروس وعبر: ١ - كان رسول الله ﷺ بشرًا من البشر ويجد في نفسه من الغرائز والميول ما يجده الشباب، فكان يشعر بما في السمّر واللهو من المتعة، وتحدثه نفسه بذلك لكن الله عصمه عن كل مظهر من مظاهر الانحراف، وكل ما لا يتفق مع ما يعده الله له من النبوة (١). ٢ - شعور أهل الجاهلية بالخطيئة، ولهذا سموا الحرب التي انتهكوا فيها حرمة الحرم بحرب الفجار، وتجنبوا في نفقات بناء الكعبة الأموال المحرمة والمكاسب غير النظيفة، ومع الأسف يوجد من المسلمين من يتعامل بتلك المكاسب. ٣ - الفطر السليمة، تنكر الظلم وتأباه وتحب العدل والإِنصاف، ولهذا تنادى رجال من قريش لعقد حلف الفضول ونصرة المظلوم وخاصة في حرم الله، والأمر الملفت للنظر، أن هذا الحلف لم يكن له أثر بعد البعثة في الدفاع عن المظلومين والمعذبين من المسلمين، وهذا يعطي مؤشرًا لأثر العقيدة في المواقف وأنه لا ينتظر من أهل الشرك والكفر نصرة المؤمنين الموحدين إِذا تعارض مع معتقداتهم، ومواقف مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة من القضايا الإِسلامية نموذج معاصر واضح. ٤ - الحل الذي فعله رسول الله ﷺ لمشكلة نزاعهم على الحجر الأسود كان حلًا حكيمًا عادلًا والله يوفق من يشاء من عباده، وهو مقدمة لما يعده الله له من القيام بأمر النبوة والرسالة. ٥ - كان رسول الله ﷺ عصاميًا في حياته، فعمل في صباه برعي الغنم على قلة

стр. 89

دخله الاقتصادي -قراريط- كما عمل في شبابه بالتجارة على سبيل المقارضة والمضاربة، وفي هذا درس للناشئة وحث على العمل وإن قل دخله. ٦ - زواجه ﷺ من امرأة أرملة وتكبره بسنين كثيرة وما جعل الله في ذلك الزواج من الخير والبركة فيه درس للشباب وضرورة مراجعة الصفات التي يشترطها بعض منهم في الزوجة، وأن كِبَرَ السن، وسبق الزواج غير مؤثر إِذا وجدت صفات مكافئة من الخلق والدين.

стр. 90

إرهاصات النبوة وبشائر الخير اقتضت حكمة الله أن يجري بعض الأحداث والبشائر تهيئة لاستقبال نبوة النبي ﷺ فكان من ذلك أمور منها: ١ - بشارات الأنبياء السابقين به: كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١). قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٢). ٢ - إِخبار اليهود عن بعثته ﷺ : عن سلمة بن سلامة بن وقش ﵁ وكان من أصحاب بدر قال: كان لنا جار يهودي من يهود بني عبد الأشهل فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث النبي بيسير فوقف على المجلس قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سنًا عليّ بردة مضطبعًا فيها، فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقوم أهل شرك وأصحاب أوثان لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت. فقالوا: ويحك يا فلان، ترى هذا كائنًا. قال: نعم، قالوا: ويحك وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد وأشار بيده نحو مكة واليمن. قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إِليّ فقال: إِن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه

стр. 91

قال: سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى رسوله ﷺ وهو حي بين أظهرنا يعني اليهودي فآمنا به وكفر به بغياً وحسدًا" (١). ٣ - تسليم الحجر عليه بالنبوة قبل البعثة: عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ "إِني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إِني لأعرفه الآن" (٢). ٤ - إخبار الكهان والجان ببعثته ﷺ : كان الجن يسترقون السمع فيأخذون الكلمة والكلمتان من الحق ثم يلقون بها إِلى أولياءهم من الأنس، وهم الكهان فيخلطونها بكهانتهم، ومن هذا ما كان من الأخبار عن بعثة النبي ﷺ واقتراب زمانها، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ما سمعت عمر لشيء قط يقول: إِني لأظنه كذا إِلا كان كما يظن. قال: وبينما عمر جالس إِذ مر به رجل جميل، فقال عمر: لقد أخطأ ظني أو إِنّ هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، عليّ الرجل، فدعي له، فقال له ذلك. فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم! قال: فإِني أعزم عليك إِلا ما أخبرتني قال: كنت كاهنهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يومًا في السوق، جاءتني أعرف منها الفزع فقالت: ألم تر الجن وإِبلاسَها ويأسها من بعد إِنكاسِها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها

стр. 92

قال عمر: صدق، بينما أنا عند آلهتهم إِذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح يقول: لا إِله إِلا أنت، فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إِله إِلا أنت، فقمت فما نشبنا أن قيل: هذا نبي (١). ومن حديث جابر ﵁ قال: إِن أول خبر قدم علينا عن رسول الله ﷺ أن امرأة كان لها تابع قال: فأتاها في صورة طير، فوقع على جذع لهم، قال: فقالت: ألا تنزل فنخبرك وتخبرنا، قال: إِنه قد خرج رجل بمكة حَرّم علينا الزنا ومنع منا الفرار (٢). ٥ - الرؤيا الصادقة: وهي أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي، فكان لا يرى رؤيا إِلا جاءت مثل فلق الصبح (٣). ومن حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لخديجة: إِني أرى ضوءًا وأسمع صوتًا، وإني أخشى على نفسي (٤). ٦ - حادثة شق الصدر: وقد حدثت له ﷺ وهو مسترضع في بني سعد

стр. 93

الفصل الثاني: الرسول ﷺ من البعثة إلي الهجرة

стр. 94

الرسول ﷺ من البعثة إلى الهجرة أول نزول القرآن في شهر رمضان: كان رسول الله ﷺ قد أنكر بفطرته السليمة انحرافات أهل الجاهلية وعبادتهم غير الله، ولذلك حبب إِليه الخلاء للتفكر والتأمل، ومباينة أهل الشرك، فكان يخلو بغار حراء الواقع في قمة جبل النور، وهو بعيد عن مباني مكة في ذلك الزمان، لكن الجالس في الغار يمكنه رؤية الكعبة المشرفة، فكان يمكث في خلوته الليالي ذوات العدد، فإِذا انقضى زاده عاد إِلى أهله ثم تزود لمثلها، وفي شهر رمضان المبارك أراد الله بالبشرية خيرًا فأرسل رب العزة والجلال أفضل ملائكته جبريل ﵇، إِلى أفضل خلقه محمَّد بن عبد الله ﷺ بأول سورة اقرأ، وكان ذلك يوم الاثنين كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: ذاك يومٌ ولدت فيه، ويوم أنزل عليّ فيه (١)، وقال ابن عباس: ولد نبيكم محمَّد ﷺ يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين (٢). وسورة اقرأ أول ما نزل من القرآن الكريم وبها نبيء رسول الله ﷺ ، روى البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت: أول ما بدئ به رسول ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة النوم، فكان لا يرى رؤيا إِلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبّب إِليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث (٣) فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إِلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إِلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ،

стр. 95

فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ:، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١)، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤادُه، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني، زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الرَّوع (٢)، ومما يلفت النظر في الحديث قول رسول الله ﷺ : ما أنا بقارئ، جوابًا على قول جبريل: اقرأ، وهو تعبير واضح عن عدم معرفته ﷺ القراءة لأنه لم يسبق له تعلم ذلك فهو أمي كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ وهذا من دلائل نبوته (٣). شدة الوحي على رسول الله ﷺ وتثبيت خديجة له: لقد كان لقاء الملك برسول الله ﷺ شديدًا عليه رغم الممهدات السابقة من سماع الصوت، وتسليم الحجر، والرؤيا الصادقة الواضحة، إِنه أمر عظيم وجليل أن يتلقى القلب البشري كلام الله الخالق بواسطة المَلَكُ العظيم، رجف له فؤاد رسول الله ﷺ وارتاع حتى طلب من أهله أن يُزَمِّلُوه ويُدَثِّروه حتى يذهب عنه الرَّوع، وكانت طريقة جبريل معه في أول لقاء فيها شدة وجهد ليبين له عظمة الأمر وضخامة المسؤولية والشدة التي سيلاقيها في نشر الدعوة، فهي من الإِعداد له ﷺ والتهيئة النفسية. قال ابن عباس ﵄: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فأنزل الله : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال:

стр. 96

جَمعَة لك في صدرك وتقرَأَه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قال: فاستمع له وأنصت، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثم إِن علينا أن تقرأه، فكان رسول الله ﷺ إِذا أتاه جبريل استمع، فإِذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما كان قرأ (١). وتقول عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإِن جبينه ليتفصد عرقًا" (٢). وقد وقفت خديجة ﵂ مع رسول الله موقفًا جليلًا فكانت تهَدّي من روعه، وتثبت له بالدليل بعد الآخر أن الذي جاءه هو الحق من ربه، وأن الله لا يخزيه لما فيه من خصال الخير والبر والمعروف فقالت: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إِنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتُّكسبِ المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. ثم انطلقت به ﷺ حتى أتت به رجلًا من أهل العلم، هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى -ابن عم لها- وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، وقد تنصر في الجاهلية، وكان -قبل ذهاب بصره- يكتب الكتاب العبراني، فكان يكتب من الإِنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نَزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيًا، إِذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إِلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرا. ثم لم ينشب -أي يلبث- ورقة أن توفي، وفتر الوحي (٣).

стр. 97

وذكر ابن إِسحاق في السيرة (١)، رواية منقطعة أن خديجة ﵂ قالت لرسول الله ﷺ : أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إِذا جاءك؟ قال: فعم، قالت: فإِذا جاءك فأخبرني به، فجاءه جبريل، فقال لخديجة: هذا جبريل قد جاء، قالت، قم فاجلس على فخذي، فقام رسول الله فجلس عليها، قالت، هل تراه؟ قال نعم، قالت: فتحول فاجلس في حجري، فتحول رسول الله وجلس في حجرها، فقالت. هل تراه؟ قال: نعم، ثم إِن خديجة حسرت عن رأسها وألقت خمارها، ثم قالت له: هل تراه؟ قال: لا، قالت: يا ابن عم أثبت وأبشر، فوالله إِنه ملك وما هذا بشيطان. فهذه القصة -مع غيرها- إِن ثبتت فهىِ مما يوضح رجحان عقل خديجة ﵄ -واجتهادها في تثبيت رسول الله بالدليل بعد الآخر حتى تهدأ نفسه وتحصل له الطمأنينة. فترة الوحي: فتر الوحي كما في رواية البخاري ليعطي فرصة لرسول الله ﷺ ليتأمل وتهدأ نفسه وتستطيع تحمل تكاليف الرسالة والنبوة، ثم إِنه ﷺ اشتاق لعودة الوحي واستمراره وكان يترقب ذلك. ففي الصحيحين من حديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يتحدث عن فترة الوحى، قال: فبينما أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قِبَل السماء فإِذا الملك الذي جاءنى بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثيث منه فرقًا حتى هويت إلى الأرضّ، فجئت أهلي فقلت: زملوني فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾: قال: ثم حمي الوحي وتتابع (٢).

стр. 98

فهذه الرواية تحدد بدء الرسالة والأمر بالبلاغ والدعوة والنذارة بعد النبوة، لكن من غير إِعلان للعامهّ، فإِن أول ما أوحى إِليه ربه أن يمقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك نبوته ﷺ فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره بالتبلبيع، ثم أنزل. الله عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ فنبأه باقوأ وأرسله بيا أيها المدثر. وأما مدة فترة الوحى فقد اختلفت أقوال العلماء فمها، فحكى بعضهم أنها سنتان ونصف، وقال آخرون، إِنها ستة أشهر، وعن ابن عباس أنها أربعون يوماً (١)، (وهو الراجح) ويفسر الحافظ ابن حجر معنى فترة الوحي: بأنها تأخر نزول القرآن، أما جبريل فكان يأتيه ولم ينقطع عنه (٢). ويذكر ابن كثير فترة أخرى وهي ليالي يسيرة، ونزلت بعدها سورة والضحى (٣). الدعوة السرية: بعد معاودة الوحي، ونزول سورة: يا أيها المدثر، وسورة: يا أيها المزمل، قام رسول الله ﷺ بإِبلاغ الدعوة في نطاق أسرته ومعارفه ومن يثق به منهم، وهو ما عرف عند علماء السيرة يالدعوة السرية حيث استمرت ثلاث سنوات. وأول من عَرَف بأمر النبوء والرسالة زوجته خديجة ﵂ فآمنت وصدقت وآزرت ونصرت ثم بقيَّة أهل البيت النبوي، مولاه زيد بن حارثة، وابن عمه علي بن أبي طالب الذي كان غلامًا شابًا في حِجره ورعايته، وعرض رسول الله ﷺ الإِسلام على أبي بكر الصديق فبادر إِلى الإسلام من غير تردد حيث كان صديقاً لرسول الله ﷺ ، وقد روى ابن إِسحاق أن رسول الله ﷺ قال: ما دعوت أحدًا إِلى الإِسلام إِلا كانت عنده كبوة وتردد

стр. 99

ونظر، إِلا أبا بكر، ما عكم عنه حين ذكرته، ولا تردد فيه (١)، وهذا وإِن كان مرسلًا إِلا أنه يشهد له حديث أبي الدرداء عند البخاري (٢)، وفيه قول النبي ﷺ : إِن الله بعثني إِليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صَدَقت، وواساني بنفسه وماله .... الحديث). وكان أبو بكر ﵁ صدرًا معظمًا، ورئيسًا في قريش مكرمًا، وصاحب مال، وكان محببًا مآلفًا لقومه، وقد استفاد من هذه الصفات في الدعوة إِلى الله، فإِنه ﵁ بعد معرفته للحق وإِسلامه أخذ يدعو إِلى الله وإلى الإِسلام من وثق به من قومه، فأسلم على يديه ثلة من السابقين الأولين والعشرة المبشرين بالجنة، والذين أصبحوا فيما بعد قادة وسادة في الأمة، منهم الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، فجاء بهم إِلى رسول الله ﷺ فأسلموا وصدقوا. ثم جاء من الغد بعثمان بن مظعون، وأبي عبيدة بن الجراح، وأبي سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم، فأسلموا ﵃ (٣)، وهكذا كان أبو بكر يدعو إِلى الله ويجتهد ويأتي بالرجالِ تلو الرجال ويتخير الثقات والأبطال، وفي هذا درس للدعاة، وأهمية علو الهمة والاجتهاد في الدعوة إِلى الله مع الإخلاص وابتغاء ثوابه. وقد أسلم في السنوات الثلاث عدد من الرجال والنساء والشباب، ومن الأحرار والعبيد ما يقارب الأربعين نفسًا، وقد دخل الإِسلام أغلب البيوت في مكة، لكنهم كانوا يسلمون سرًا ويكتمون أمرهم خوفًا من المشركين، والمتأمل في أسمائهم وأنسابهم يجد أنهم من كافة الطبقات وهكذا الحق يقبل عليه الجميع ولا يكون مقصورًا على طائفة أو قبيل دون آخر.

стр. 100

والحكمة من سرية الدعوة في أول أمرها ظاهرة، إِذ أن مجابهة المجتمع بما يخالف ما هم عليه يحتاج إِلى حكمة وإِعداد وتكوين للعناصر المستجيبة حتى يشتد عودها ويكثر عددها وتقوى نفوسهم على تحمل البلاء، وفي هذا تعليم للدعاة إِلى الله وبيان مشروعية الأخذ بالحيطة والأسباب الظاهرة. وقد اتخذ النبي ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي التي تقع عند الصفا مكانا لاجتماعه بمن أسلم من أصحابه (١)، وكان اختياره دار الأرقم لمواصفات في موقعها القريب من السجد ولكنه لا يقع تحت نظر قريش وهم في أنديتهم حول الكعبة، وصاحبها كان شابا عزبا من بني مخزوم وقد أسلم ولا يعلم عن إِسلامه أحد من قومه، وكان والده كفيف البصر. وقد استمر اجتماع النبي ﷺ بأصحابه في هذه الدار سرا حتى بعد إِعلان الدعوة والجهر بها، وبعد الهجرة إِلى الحبشة، فقد أسلم عمر في السنة السادسة والنبي ﷺ في دار الأرقم. الدعوة الجهرية: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢). قال ابن جرير: وأنذر عشيرتك من قومك الأقربين إِليك قرابة، وحذّرهم من عذابنا أن ينزل بهم بكفرهم (٣). وأخرج الشيخان عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ نادى رسول الله في قريش بطنًا بطنا، فقال: أرأيتم لو قلت لكم إِن خيلًا بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا قط. قال: فإِني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبَّا لك، ألهذا جمعتنا؟!.

стр. 101

فأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إِلى آخر السورة (١). وفي رواية للإِمام مسلم أن النبيّ ﷺ صعد الصفا فنادى: "يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت رسول الله، سليني بما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا" (٢). وقد بدأ رسول الله ﷺ النذارة بما كانوا يعلمونه في شخصه الكريم، ولا ينكرونه، بدأ بقضيّة لا يختلفون فيها، وهي صدقه ﷺ ، فأجابوه: (ما جرّبنا عليك كذبًا)، وهم يعلمون استحالة أو استبعاد الخبر، فمكة آمنة، وكل العرب تدين لحرمة مكة وقدسيتها، فأنّى أن تغير عليها خيلًا، ومع ذلك كان لديهم استعداد لقبول هذا الخبر من رسول الله ﷺ ؛ لأنّهم لم يجربوا عليه كذبًا. فأعلن إِنذاره لهم بقضيّة كبرى وحقيقة عظمى، أنذرهم يوم البعث والجزاء، أنذرهم عذاب الله الجبّار لمن كذّب به واستكبر. وانطلق النبيّ ﷺ بعدها يدعو إِلى الله تعالى ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارًا، لا يصرفه عن ذلك صارف، ولا يردّه عن ذلك رادّ، ولا يصدّه صادّ. وكفارُ قريش في أول أمرهم غير منكرين لما يقول، بحيث كان إِذا مرّ بهم في مجالسهم يشيرون إِليه: إِن غلام بني عبد المطلب ليُكلَّم من السماء، إِلى أن عاب آلهتهم، وذكر آباءهم الذين ماتوا على الكفر، فانتصبوا لعداوته وعداوة من آمن معه، يعذبون من لا منعة عنده أشد العذاب، ويؤذون من لا يقدرون على عذابه.

стр. 102

واشتد الأمر، وتنابذ القوم، ونادى بعضهم بعضًا، وتآمرت قريش على من أسلم منهم، يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، وحدب على النبيّ ﷺ عمُّه أبو طالب، ومنع الله عن رسول به وببني هاشم وبني المطلب دون أبي لهب (١). لقد طُبِع أبو طالب بحبّ رسول الله ﷺ ، فكان يحنو عليه، ويُحسن إِليه، ويُدافع عنه ويحامي، ويخالف قومَه في ذلك، مع أنّه على دينهم وخُلّتهم، ولم يختره الله للإسلام لتبقى هيبته في نفوس قريش، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (٢)، فهذا أبو طالب وأبو لهب، كلاهما من أعمام النبيّ ﷺ ، كافران لم يؤمنا به ﷺ ، أحدهما في ضحضاح من نار (٣)، والآخر في الدرك الأسفل من النار. قال اين القيّم: وكان من حكمة أحكم الحاكميِن بقاؤه على دين قومه، لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأمّلها) (٤). ومنها بقاء احترامهم له وهيبتهم منه ومجاملته لأنه سيد مطاع في أهله، وأهل مكة لا يتجاسرون على مكاشفته بشيء يؤذيه ما دام على دينهم وملتهم. ما لقيه النبيّ ﷺ من أذى المشركين: عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لقَدْ أُخِفْتُ في اللهِ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ في اللهِ، ومَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَت عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بينِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذو كَبِدٍ، إلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ" (٥).

стр. 103

وعن عروة بن الزبير، قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي ﷺ . قال: بينا النبيّ ﷺ يصلي في حجر الكعبة؛ إِذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي ﷺ ، قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله ... الآية﴾ (١). وغضب أبو جهل من صلاة النبيّ ﷺ عند الكعبة علنًا، فقال: هل يُعفِّر محمَّد وجهه بين أظهركم؟ قيل: نعم. فقال: واللات والعزّى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفِّرنّ وجهَه. فأتى رسول الله ﷺ -وهو يصلي ليطأ على رقبته، فما فجأهم منه إِلا وهو ينكص على عقبيه ويتّقي بيديه، فقيل له: مالك؟ قال: إِنّ بيني وبينه لخندقًا من نار. فقال رسول الله ﷺ : "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا" (٢). لقد كان النبيّ ﷺ -وهو يعيش في هذه الأجواء التي تتصاعد منها أبخرة الكراهية والحقد والغلّ، يشعرنا أنّ الذي كان يهيمن عليه أثناءها إنما هو التفكير في دعوته وبذل كل الطاقة لنشرها، محاولًا الوصول إِلى قلوب الناس، وبذلك كان ﷺ أنموذجًا لأصحابه رضوان الله عليهم في الصبر والتحمّل في ذات الله تعالى. شدة طغيان كفار قريش: لقد وقف كفّار قريش من النبيّ ﷺ موقفًا لا يقف مثله إِلا سلفهم من أمثال فرعون وهامان وقارون (٣)، ومن أوجه مشابهتهم لأولئك؛ الاستكبار عن الإِيمان مع تيقنهم

стр. 104

بصدق ما يُدعَون إِليه من الحقّ، قال الله تعالى عن فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (١). روى ابن إسحاق عن الزهري، أنّ أبا جهل، وأبا سفيان، والأخنس بن شريق، خرجوا ليلة يتسللون، يتسمّعون من رسول الله ﷺ -وهو يصلي بالليل في جوف بيته، وأخذ كل رجل منهم مجلسًا، وكلًا لا يعلم بمكان صاحبه، فلما أصبحوا تفرّقوا فجمعهم الطريق، فتلاوموا وقالوا: لا نعود، فلو رآنا بعض السّفهاء لوقع في نفسه شيءٌ، ثم عادوا لمثل ليلتهم، فلما تفرقوا تلاقوا فتلاوموا كذلك، فلما كان في الليلة الثالثة وأصبحوا جمعتهم الطريق فتعاهدوا أن لا يعودوا، ثم إِن الأخنس بن شريق أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني عن رأيك فيما سمعت من محمَّد؟ فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يُراد بها. وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. فقال الأخنس: وأنا، والذي حلفت به كذلك. ثم أتى أبا جهل فقال: ما رأيك؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشّرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إِذا تجاثينا على الركب، وكنّا كفرسي رهان، قالوا: منّا نبيّ يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟! والله لا نؤمن به أبدًا، ولا نصدقه. فقام عنه الأخنس وتركه (٢). كم كانت قوة التأثير بالقرآن الكريم قويّة على السامعين، فهؤلاء صناديد الكفر يتسللون ليلًا ليستمع كل واحد منهم قراءته ﷺ ، لا يملكون لأنفسهم دفعًا دون استماع القرآن يتدفق من فيِ النبيّ ﷺ غضَّا طريَّا.

стр. 105

ولكن غلبة الهوى والكبر على العقل، والمنافسة بالباطل أذهبت ذلك الأثر، فلا درَك لهم من الهلاك، فأبعدهم الله. وعن المغيرة بن شعبة، قال: إِن أول يوم عرفت فيه رسول الله ﷺ أنّي أمشي أنا وأبو جهل، إِذ لقينا رسول الله ﷺ ، فقال لأبي جهل: يا أبا الحكم، هلُمّ إِلى الله وإلى رسوله، أدعوك إِلى الله .. فقال أبو جهل: يا محمَّد، هل أنت منتهٍ عن سبّ آلهتنا، هل تريد إِلا أن نشهد أن قد بلّغتَ، فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حقّا ما اتّبعتك. فانصرف رسول الله ﷺ ، وأقبل عليَّ فقال: والله، إِنى لأعلم أن ما يقول حقّ، ولكنّ بني قصي قالوا: فينا الحجابة، فقلنا: نعم. فقالوا: ففينا الندوة. قلنا: نعم. ثم قالوا: فينا اللواء. فقلنا: نعم. وقالوا: فينا السقاية. فقلنا: نعم، ثم أطعموا وأطعمنا؛ حتى إِذا تحاكت الركب، قالوا: منّا نبيّ، والله لا أفعل (١). وعن ابن عباس ﵄ أن الوليد بن المغيرة جاء إِلى رسول الله ﷺ ، فقرأ عليه القرآن، فكأنّه رقَّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عمّ، إنّ قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً؟ قال: لِمَ؟ قال: ليعطوكه، فإِنّك قد أتيتَ محمدًا لِتعرضَ لِمَا قِبَله. قال: قد علِمتْ قريشٌ أنّي من أكثرها مالاً. قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنّك منكرٌ له. قال: وماذا أقول؟ فوالله ما منكم رجلٌ أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده مني، ولا بأشّعار الجّن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إِنّ لقوله الذي يقوله حلاوة، وإِنّ عليه لطلاوة، وإِنّه لمثمرٌ أعلاه، مُغْدق أسفله، وإِنّه ليعلو ولا يُعلى، وإِنّه ليَحْطِمُ ما تحته. قال: فدعني حتى أفكر فيه. فلمّا فكر قال: هذا سحرٌ

стр. 106

يؤثر، يأثرُه عن غيره. فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ الآيات (١) عن جابر بن عبد الله، قال: اجتمعت قريش يومًا، فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرّق جماعتنا، وشتّت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمْه، ولينظر ماذا يردّ عليه فقالوا: ما نعلم أحد غير عتبة بن ربيعة. ققالوا: أنت يا أبا الوليد. فأتاه عتبة، فقال: يا محمَّد، أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ﷺ ، فقال: أنت خيرٌ أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ﷺ ، فقال: إِن كنتَ تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي عِبْت، وإن كنت تزعم أنّك خيرٌ منهم، فتكلّم حتى نسمع قولك، إِنا والله ما رأينا أشأم على قومه منك، فرقت جماعتنا وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأنّ في قريش كاهنًا، والله ما ننتظر إِلا مثل صيحة الحُبْلى، أن يقوم بعضنا إِلى بعض بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل إِن كان إِنّما كان بك الحاجة، جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلًا، وأن كان إِنّما بك الباءة، فاختر أيّ نساء قريش شئت، فلْنزوّجْك عشرًا. فقال رسول الله ﷺ : فرغت؟!. قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ إلى أن بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (٢). فقال عتبة: حسبك حسبك، ما عندك غير هذا؟ قال: لا. فرجع إِلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئًا أرى أنكم تكلمونه إِلا كلمته. قالوا: فهل أجابك؟

стр. 107

فقال: نعم. ثم قال: لا، والذي نصبها بَنيّة (١)، ما فهمتُ شيئًا ممّا قال غير أنّه قد أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك، يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟! قال: لا والله، ما فهمت شيئًا مما قال غير ذكر الصاعقة (٢). فكل هذه الروايات دلائل على أن القوم لديهم في أنفسهم اعتراف بالحقّ، وإصرار على الباطل، واعتصام بالدنيا، وركون إِلى الجاه والمنزلة، وانتهى الأمر بكبار هؤلاء إِلى قليب من قُلُب بدر الكبرى جيفة نتنة: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (٣). دروس وعبر: ١ - ثبات النبي ﷺ على الحق والدعوة إِلى الإِسلام كما أمره الله، فبدأ أولًا سرًا، حتى إِذا وجد أنصارًا أمره الله بالإِعلان فأعلن ثابتًا غير هياب. والإِعلان والإِسرار في البلاغ هو بحسب الأحوال والمصالح الشرعية والأصل الإِعلان، والإِسرار استثناء. ٢ - تعرض رسول الله ﷺ لمغريات كثيرة من المشركين، ولم تغير من منهجه شيئًا حيث استمر في دعوته إِلى الحق بكل ثبات وطمأنينة إِلى ما معه من الحق. ٣ - أوذي أصحابه ﵃ وواجههم المشركون بألوان من الأذى والتعذيب، فصبروا حتى اجتازوا المحنة ونصرهم الله ومَكّن لهم. ٤ - تعدد الأساليب التي واجه بها المشركون دعوة الحق وتنوعها -معنوية وحسية-

стр. 108

وهكذا أهل الباطل في كل زمان يعملون بكل جد في نصرة باطلهم، لكن يجب على المسلمين الثبات والصبر والتعاون لرد عدوان المشركين بالأساليب المناسبة لكل حالة. الهجرة إلى الحبشة وأسبابها اشتدَّ أذى المشركين على من آمن، وفتنوا جماعة حتى إِنهم كانوا يضربونهم ويُلقونهم في الحرِّ ويضعون الصخرة العظيمة على صدر أحدهم في شدة الحرّ، حتى إِنّ أحدهم إِذا أُطْلِق لا يستطيع أن يجلس من شدة الألم، فيقولون لأحدهم: اللاتُ إِلهك من دون الله؟ فيقولُ مكرهَّا: نعم. حتى إِن الجُعل ليمر فيقولون: وهذا إِلهك من دون الله، فيقول: نعم (١). وعن عبد الله بن مسعود قال: كان أول من أظهر إِسلامه سبعة، رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأمّا رسول الله ﷺ ، فمنعه الله بعمّه أبي طالب، وأمّا أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأمّا سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد، إِلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إِلا بلالًا، فإِنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحدٌ أحد (٢). كان بلال عبدًا لبعض بني جُمح مولَّدًا من مولّديهم، كان صادق الإِسلام، طاهر القلب، وكان أميّة بن خلف يُخْرِجُه إِذا حميتِ الظهيرة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة

стр. 109

فتوضع علي صدره، ثم يقول له: لا والله، لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفرَ بمحمد، وتعبد اللات والعزى. فيقول وهو في ذلك: أحدٌ أحد (١). وكان رسول الله ﷺ إِذا مرّ بعمّار بن ياسر وأمّه وأهل بيته وهم يُعذّبون، يقول: "صبرًا آل ياسر، فإِنّ موعدكم الجنّة" (٢). ومرَّ الخبيثُ عدوُ اللهِ أبو جهل عمرو بن هشام بسميّة أم عمار (٣)، وهي تعذَّب وزوجَها وابنَها، فطعنها بحربة في فرجها فقتلها، ﵂ وعن ابنها وزوجها (٤). وكان الصديق رضي الله تعالى عنه إِذا مرّ بأحد من الموالي يعذَّب يشتريه من مواليه، ويعتقه، منهم: بلال وأمّه حمامة، وعامر بن فهيرة، وأم عبيس، وزنيرة، والنهدية وابنتها، وجارية بني عدي، كان عمر يعذّبها علي الإِسلام قبل أن يسلم (٥)؛ حتى قال أبوه أبو قحافة: (يا بني، أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أعتقت قومًا جُلْدًا يمنعونك. فقال له أبو بكر: إِنيّ أريد ما أريد. فيقالُ: إِنه نزلت فيه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ إِلى أخر السورة (٦). وكانت سيدة خبّاب بن الأرت ﵁ توقد نارًا فتلقيه عليها، فلا يطفئ لهيبها إِلاّ ودك ظهره (٧).

стр. 110

ولقد كان هذا الصبر من الصحابة رضوان الله عليهم نتاج تربية النبيّ ﷺ لهم، يقول خباب ابن الأرت ﵁: شكونا إِلى رسول الله ﷺ وهو متوسد ببردة له في ظلّ الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيُجعَل فمِها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيُجعَل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكبُ في صنعاء إِلى حضرموت لا يخاف إِلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (١). فضرب الصحابة رضوان الله عليهم هذه النماذج العالية في الصبر والتضحية بأنفسهم في سبيل هذا الدين، يتحملون أنواع الأذى ليظهر الله دينه، فرفع الله منزلتهم في الدنيا والآخرة. وقد أقرّ النبيُّ ﷺ الرخصة في اتّقاء عذاب المشركين بإظهار ما يريدون منهم، فقال لعمّار بن ياسر الذي ما تركه المشركون حتى نال من النبيّ ﷺ : "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنًا بالإِسلام. قال:"فإِن عادوا فعُدْ" (٢). فلما اشتد البلاءُ وضاقت أرض مكة على المؤمنين أذن الله في الهجرة إِلى أرض الحبشة، وقال رسول الله ﷺ : إِن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم عنده أحد، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه" (٣).
следующие страницы →