تقديم فضيلة الشيخ بَدْر بن عَبْد الله البَدْر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان على خاتم المرسلين محمد بن عبد اللّه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبع هداهم إلى يوم الدين.
وبعد:
فقد طلب مني الأخ الفاضل نايف بن صلاح المنصوري -وفقه الله- أن أبدي وجهة نظري في سلسلته التي أعدها وهي "تقريب رواة السنة بين يدي الأمة"، وذلك بعد أن أهدى إليَّ مشكورًا العدد الأول منها، وهو: "إرشاد القاصي والداني إلى تراجم شيوخ الطبراني". وكذا العدد الثاني منها وهو "الدليل المغني لتراجم شيوخ الإمام أبي الحسن الدَّارقطني"، فرأيته قد أجاد فيهما -وفقه الله- في ذكر مشايخ الإمامين الطَّبراني والدَّارقُطْني، فقد ترجم لكل شيخ منهم بذكر اسمه كاملًا مع ذكر مشايخه وتلاميذه، وذكر من وثقه أو ضعفه، وذلك إن وجد ذلك التوثيق أو التضعيف، وكذا المصادر التي ترجمت له، أو ذكرت رواية له، أو موضع رواية في أحد مصنفات الإمامين المذكورين.
وهذا العمل -في رأيي- لا يقدره إلا من كابد البحث في تراجم الرواة، فكم من راوٍ بذل فيه البحث في ترجمة فلم توجد، وذلك بسبب تحريف ذكر في اسمه أو اسم أبيه أو غيرهما، أو ذكر أبوه بكنيته، وكذا إن نسب إلى جده، أو ممن فوق، أو قُدِّم اسم أبيه على اسمه، فهذا وأمثاله لا يهتدي إليه إلا بعد وقت ليس بالقليل.
وقد تيسر لباحثنا العثور على تراجمهم -بفضل الله- ثم بجهده، مع التنبيه على أن بعض التراجم قد تيسر العثور عليها بعد طباعة بعض الكتب لم تكن متيسرة
стр. 2
لبعض الباحثين من قبل، وأشهرها "تاريخ الإسلام" للإمام الذهبي.
فهذا العمل الجليل حقيقة يُشكر عليه -جزاه الله خيرًا-، كما أرجو من الله العلي القدير أن يوفقه لإنجاز ما ذكره في مقدمته للكتابين المذكورين مثل "السلسبيل النقي في تراجم شيوخ البيهقي"، أو "الرَّوْض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم" (١)، وغيرها من المصنفات النافعة -إن شاء الله-.
ولقد عرض عليَّ كذلك جزءًا من عمله الذي بين يديك -أخي القارئ-، وهو "بلوغ الأماني إلى تراجم شيوخ أبي الشيخ الأصْبَهانِي"، فقد أرسل إليَّ مقدمة عمله فيه، وكذا تراجم من بدئ اسمه بحرف الألف، والقسم الأخير منه، وفيه تراجم من بدئ اسمه بحرف الياء.
فوجدته فيما عرض إليّ قد أجاد -حفظه الله- كسابق عمله في الكتابين اللذين أشرت إليهما، فأرجو من الله العلي القدير أن ينفع بكتابه هذا كما نفع بغيره، وكذا أن ينفع بما هو آتٍ في أعماله اللاحقة، وأن يجزيه عن الباحثين في هذا العلم خير الجزاء، وأن يتقبل الله منا ومنه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه: بدر بن عبد الله البدر
في الثالث والعشرين من شهر رمضان
لسنة ١٤٢٩ من هجرة المصطفى ﷺ
الموافق للثالث والعشرين من شهر أيلول
لسنة ٢٠٠٨ من ميلاد عيسى ﵇
стр. 3
تقديم فضيلة الشيخ أبي الحسن السليماني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فهذا مولود مبارَك، وعطاء يتجدَّد من المجموعة الأولى الخاصة بالمشيخات من "سلسلة تقريب رواة السنة بين يدي الأمة" لأخينا المبارك المجتهد الدؤوب أبي الطيب نايف بن صلاح المنصوري -حفظه الله تعالى-.
وقد أَسْمى هذا الكتاب الماتع النافع بـ "بلوغ الأَماني بتراجم شيوخ أبي الشَّيْخ الأَصْبَهاني".
وقد تميز هذا العطاء بثوبه القشيب عما سبق من كتب هذه السلسلة المباركة بتوسُّع المؤلِّف في ذِكْر شيوخ وتلامذة الراوي المترجم له توسُّعًا يدل على طول نَفَسِه في البحث، -ولا أزكيه على الله تعالى- كما ذكر في ترجمة كل راوٍ الكتاب الذي أخرج فيه أبو الشَّيْخ الأَصْبَهاني حديث هذا الشَّيْخ المترجم له، وجَعَل لكل كتاب منها رمزًا ذكره في مقدمة كتابه هذا، ومن وقف عليه من شيوخ أبي الشَّيْخ خارج كتب أبي الشَّيْخ رمز له برمز (ن)، ولا شك أن من وقف على صفحات الكتاب الحافلة بأسماء تلامذة وشيوخ المترجمين لهم سيُدْرك -آنذاك- مدى الجُهْد الذي بذله المؤلف وفاء بشرطه هذا.
стр. 4
هذا وقد سَبَق أن طبع للمؤلف من هذه السلسلة المباركة عدة مؤلفات انتفع بها طلاب العلم، وأثنى عليها عدد من المتخصصين في هذا الشأن، وفتحت تلك الكتب شهية طلبة العلم للباقي من هذه السلسلة، فهذه بُشرى أزفها للمتلهفين من أهل العلم وطلابه المدركين لقيمة هذا العمل، سائلًا المولى أن ينفع به كا نفع بما سبق من نتاجٍ علمي، وأن يجعله حجابًا من عذاب الله وسخطه في الدارين للمؤلف وأهله وذريته، ولكاتب هذه الكلمات وأهله وذريته ووالديه ولقارئه وناشره وجميع المسلمين.
ومن الكتب التي سبقت طبعتها: "إرشاد القاصي والداني إلى تراجم شيوخ الطبراني"، و"الدليل المغني إلى تراجم شيوخ أبي الحسن الدارقطني"، و"الرّوْض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم"، و "السلسبيل النقي في تراجم شيوخ البيهقي"، كما أن المؤلف -حفظه الله- يقوم حاليًا بجمع مشيخة الخطيب البَغْدادِي، وعلى مشارف الانتهاء من مشيخة أبي نُعَيم الأَصْبَهاني، وقد أسمى هذا العمل: "الفَتْح الرَّباني في تراجم شيوخ أبي نُعَيْم الأَصْبَهاني"، ومن طموحات المؤلف -وهو أهل لذلك- أن يقوم بمثل هذا الجهد في رجال المسانيد والأئمة الأربعة وغيرهم، بل ربما قام بذلك في المشاهير من الكتب الجامعة للرجال، فيضيف إليها ما لم يُذْكر فيها من كلام أئمة الجرح والتعديل، وكذا التلامذة والشيوخ، ولا يخفى ما في هذه الإضافات من تأثير على الراوي جرحًا أو تعديلًا، وكذا على الحكم بسماع الراوي من فلان أو عدمه، فلو أتم الله هذه المشاريع العلمية، وحقَّق للمؤلف طموحاته الحديثية؛ فستكون هذه الجهود خدمة جليلة للمكتبة الإسلامية: حديثًا وفقهًا، لما هو معلوم من أثر صحة الحديث وضعفه على الفقه والأحكام.
стр. 5
وكالعادة: فقد قمتُ بمراجعة هذا الكتاب للمؤلف، ولخصتُ أقوال الأئمة في الراوي بحكم مختصر، يسْهل به على طالب العلم معرفة رتبة حديث الراوي قبولًا أو ردًا، وقد ذكرت في عدد من التراجم التي فيها التباس علة حكمي على الراوي بما حكمت به، وقد سبق أن ذكرت الفائدة من ذلك، وملخص ما سبق ذكره ما يلي:
١ - التسهيل على طلبة العلم في معرفة حال الراوي، ومن ثَمَّ درجة رواياته.
٢ - الاعتذار لنفْسي عند من يخالفني من أهل العلم في الحكم على الراوي، فإن مجرد قول الملخِّص: فلان ثقة، أو صدوق، أو ضعيف، أو متروك، مع وجود أقوال لبعض الأئمة ظاهرها يخالف هذا التلخيص؛ فإن سياقة الحكم ملخصًا مجردًا عن بيان موقفي مما ظاهره مخالفتي يورث ريْبة وترددًا عند طالب العلم، فذكْر علة ما ذهبتُ إليه بيان لوجه ما رجحته.
٣ - تدريب طلبة العلم على كيفية الجمع بين أقوال الأئمة التي ظاهرها التعارض، وهذا لعمر الحق من أهم ما يحتاج إليه طالب العلم، حتى لا يقوِّل الأئمة ما لم يقولوا به، ولا يصرف كلامهم عن وجهه.
٤ - ذِكْر القاعدة الحديثية بمثالها الذي ذكر في بعض التراجم التي عللت فيها أحكامي يؤدي إلى فهم القاعدة على وجهها الصحيح، فبالمثال يتضح المقال.
٥ - قد أفسِّر المراد من بعض الحكايات التي يسوقها بعض أئمة الجرح والتعديل، وأوضِّح المراد منها جرحًا أو تعديلًا، وذلك بعد ما رأيتُ كثيرًا من طلبة العلم لا يدركون مراد الأئمة من هذه الحكايات، ولا يسْبرون غَوْرهم في ذلك.
هذا وما من عمل إلا وفيه ما يشوبه عند صاحبه لو أعاد النظر فيه، فكيف إذا
стр. 6
نظر فيه غيره، لاسيما إذا لم يسْلم من مرغِّب في القدح، ولم يصْفُ من حرص على الطعن، لكن بحسب المرء أن يخلص قصده لخالقه ومولاه، وأن يسلك سبيل أهل العلم فيما يأتي ويذَر، وأن يرجع إلى الصواب إذا ظهر له، وأن تسعه رحمة الله ومغفرته وإحسانه.
هذا وأسأل الله العلي العظيم أن يتولاني بلطفه وعفوه وستره، وجوده وكرمه، وعونه ونصره، ووالدي وأهلي وذريتي وإخواني وذرياتهم وصالح المؤمنين، إنه أعظم مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه أبو الحسن السليماني
مأرب في ٧/ شوال/ ١٤٣١ هـ
стр. 7
المقدمة
إن الحمد للّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء:١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
وبعد: فهذا هو العدد الخامس من "سلسلة تقريب رواة السنة بين يدي الأمة"، أقدمه إلى الباحثين عن رواة سنة خير الأنام، جمعت فيه ما تفرق وتبعثر من شيوخ الحافظ الهمام، أبي مُحَمَّد عَبْد الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن حيَّان الأصْبَهانِي الملقب بأبي الشَّيْخ الإمام، (٣٦٩ هـ)، وذلك من كتبه المطبوعة التي وقفت عليها، والتي بلغت عشرة كتبٍ، وكذا من كتب راويته أبي نعيم أَحْمَد بن عَبْد اللّه الأَصْبَهانِي المتوفى (٤٣٠ هـ)، وغير ذلك مما هو مبثوث في بطون كتب الرجال، مما سيقف عليه الباحث -إن شاء اللّه تعالى، مما طالته يدي، وقد أسميت هذا العدد "بُلُوغ الأَماني بتراجم شيوخ أبي الشَّيْخ الأَصْبَهانِي"، وسلكت في تنسيق مادته وترتيبها ما سلكته في الأعداد السابقة، وخاصة العدد الأخير منها الموسوم بـ "السلسبيل النقي إلى تراجم شيوخ البيهقي"، إلا أني في هذا العدد قد استعملت
стр. 8
رموزًا اختصرت بها أسماء كتب أبي الشَّيْخ الأصْبَهانِي، ووضعتها بجانب كل شيخ، وتفصيلها على النحو التالي:
(أ) رمز لكتاب "أخلاق النبي ﷺ وآدابه".
(ث) رمز لكتاب "الأمثال في الحديث النبوي".
(ج) رمز لـ "جزء فيه أحاديث أبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيّان".
(ز) رمز لـ "جزء فيه أحاديث أبي الزبير عن غير جابر".
(ط) رمز لكتاب "طبقات المحدثين بأصبهان والورادين عليها".
(ع) رمز لكتاب "العظمة".
(ف) رمز لجزء من كتاب "الفوائد".
(ق) رمز لجزء "ذكر الأقران ورواياتهم عن بعضهم بعضًا".
(ل) رمز لـ "جزء فيه عوالي أبي الشيخ".
(ن) رمز لما زدته من شيوخ على ما في كتبه المطبوعة.
(و) رمز لكتاب "التوبيخ والتنبيه".
واستعملت -أيضًا- رقمًا تسلسليًا داخليًا لمن زدته، وجعلته قبل الرمز (ن)، وبعد الرقم التسلسلي العام.
وقد عملت ترجمة لأبي الشيخ -كما جرت بذلك عادتي من أني أذكر في مقدمة كل عدد من أعداد هذه السلسلة ترجمة مفصلة نوعًا ما، لصاحب المشيخة التي قمت بجمعها له- وأودعتها أول هذه المشيخة، وتكلمت فيها على العناصر التالية:
اسمه ونسبه، كنيته، لقبه، ولادته، أسرته، أول سماعه للحديث ونشأته فيه، رحلاته، طبقته، شيوخه، تلاميذه، عبادته وزهده وورعه وتقواه، عقيدته ومذهبه، حرفته، آثاره العلمية، ثناء العلماء عليه وتوثيقه، المآخذ التي أخذت عليه، موقعه
стр. 9
بين أئمة الجرح والتعديل، وفاته، رثاؤه، رؤيا رؤيت له بعد وفاته.
وأخيرًا: فإني أشكر لفضيلة الشيخ بدر بن عبد اللّه البدر على ما تفضل به من إبداء وجهة نظره في هذه السلسلة المباركة عمومًا، وفي بعض الأعداد التي وصلته مما قد طبع منها على وجه الخصوص، وأشكره أيضًا على كتابته لهذه الكلمات النافعة الماتعة، حول كتابنا هذا، والشكر موصول له أيضًا على تواصله معي وسؤاله عن الجديد من مطبوعات هذه السلسلة المباركة -إن شاء اللّه تعالى-.
وفضيلة الشيخ لا يحتاج مني إلى تعريف فهو معروف منذ زمن بالعلم والفضل، والمنهج القويم منهج أهل السنة والجماعة، فجزاه اللّه خير الجزاء، وبارك في عمره ووقته، وجعلنا الله وإياه من مصابيح الهدى وقناديل الدجى، التي ستضاء بها في دفع الردى.
وختامًا؛ فإني أسال المولى أن يلهمني الصواب في كل ما أكتب، وأن ينفع به العباد جميعًا، في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يوفقنا جميعًا للعمل بما علمنا، وأن يجعل ذلك كله خالصًا لوجهه الكريم، إنه سميع مجيب، وصلى اللّه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه الفقير إلى ربه:
أبو الطيب نايف بن صلاح بن علي المنصوري
بمكتبة دار الحديث الخيرية بمأرب
يوم الثلاثاء ١١/ شعبان سنة ١٤٢٩ هـ
الموافق: ١٢/ ٨/ ٢٠٠٨ م
هاتف: ٠٠٩٦٦٧٧٧٨٦٣٥٦١
البريد الكتروني: el-ssmansury@hotmail.com
стр. 10
ترجمة أبي الشيخ الأصْبَهانِي
(١) اسمه ونسبه:
هو عبد الله بن محمد بن جَعْفَر بن حَيّان
(٢) كنيته:
أبو محمد، وقد نص على تكنيه بذلك غير واحد منهم: الأمير ابن ماكولا في "الإكمال" (٥/ ٩٥)، وابن الصلاح في "المقدمة" مع "التقييد" (ص ٣٧١)، والحافظ في "نزهة الألباب" (٢/ ٢٦٤)، وغيرهم.
(٣) لقبه:
أبو الشيخ: قال ابن الصلاح في "المقدمة" مع "التقييد" (ص: ٣٧١) في الضرب الثالث من النوع الموفي خمسين: الذين لقبوا بالكنى، ولهم غير ذلك كنى وأسماء، أبو الشيخ الأصْبَهانِي عبد اللّه بن محمد الحافظ، كنيته أبو محمد، وأبو الشيخ لَقَب.
وقال ابن نقطة في "التكملة" (٢/ ١٩٩): أبو الشيخ لقب.
وقال العراقي في "ألفيته" (ص: ١٠٩):
ثم كنى الألقاب والتعدد … نحو أبي الشيخ أبي محمد
وقد نص على أن هذا اللقب له غير واحد ممن صنَّف في الألقاب، كالذهبي في رسالته "ذات النقاب في الألقاب" (برقم: ١١)، والحافظ ابن حجر في "نزهة الألباب" (٢/ ٢٦٤)، وبدر الدين العيني في "كشف القناع المرئى" (ص: ٦٢)، والسخاوي في "معرفة الألقاب" (ص:؟؟؟)، وغيرهم.
стр. 11
تنبيه:
ذكر ابن ماكولا في "الإكمال" (٥/ ٩٥): هذا اللقب بالتنكير؛ فقال: "أبو شَيْخ الأصْبَهانِي". فعلق على ذلك العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي بقوله: المشهور التعريف "أبو الشيخ"، والخَطْب سهل.
(٤) نسبته:
ذكر "بالأنصاري"، و "الحيّانِي"، و "الأصبَهاني"، -ويقال: "الأَصْفَهاني" بالفاء و"الوَزان"، و"القَصِيْر".
فأما "الأنصاري"، فلم ترد إلا في مصدر واحد من مصادر ترجمته، وهو كتاب "تذكرة الحفاظ" للذهبي، وتبعه في ذلك بروكلمان، فذكره به في كتابه "تاريخ الأدب العربي" (٣/ ٢٢٦ - ٤/ ٤٣).
وعندي أن هذه النِّسبَة مُصَحفة من "الأَصْبَهاني"، لأمور منها:
(أ) لعدم وجود نسبة "الأَصْبَهاني "في ترجمته من "تذكرة الحفاظ" نفسها مع كونها أشهر من غيرها.
(ب) أننا رجعنا إلى مختصر "تذكرة الحفاظ" للسيوطي المسمى بـ "طبقات الحفاظ" فلم نجد فيه إلا نسبة "الأصْبَهانِي" فقط.
(ج) أننا رجعنا إلى كتب الذَّهَبِي نفسه الذي ترجم فيها لأبي الشَّيْخ، فما وجدناه ذكره إلا بنسبة "الأصْبَهانِي" فحسب.
(د) أننا رجعنا إلى "طبقات علماء الحديث" لابن عبد الهادي وغيرها من مصادر ترجمته، فلم تذكر فيها نسبة الأنصاري، فبمجموع هذه القرائن ترجح لدي عدم ثبوت هذه النِّسبة له، وأن صوابها "الأصْبَهانِي"، والله الموفق.
وأما الحَيّاني:
стр. 12
فبفتح الحاء المهملة، وتشديد الياء المنقوطة باثنتين من تحتها، وفي آخرها النون، نسبة إلى اسم بعض أجداده وهو "حَيّان"، وقد ذكره بها السمعاني في "الأنساب" (٤/ ٢٨٥)، وابن نُقْطَة في "تكملة الإكمال" (٢/ ١٩٩)، والذَّهَبِي في "المشتبه"، كما "توضيحه" (٢/ ١٥٠)، وغيرهم.
وأما "الأصْبَهانِي" -ويقال: "الأَصفَهانِي" بالفاء الموحدة-.
فبفتح الهمزة، وسكون الصاد المهملة، وفتح الباء أو الفاء الموحدة والهاء، وفي آخرها النون بعد الألف (١)، نسبة إلى أشهر بلدة بالجبال، كانت تضاهي بغداد في علو الإنسان، وكثرة الحديث والأثر (٢)، وموقعها جغرافيًا حاليًا في جمهورية إيران (٣)، وقد نسبه إليها كل من ترجم له.
فائدة:
اختلف في ضبط همزة هذه النِّسْبة، فمنهم من ضبطها بالفتح، ومنهم من ضبطها بالكسر كعبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي في "معجم ما استعجم" (١/ ١٦٣)، ومنهم من ضبطها بالكسر والفتح معًا كأبي سعد السمعاني في "الأنساب" (١/ ٢٨٩).
وقال ياقوت الحموي في "معجم البلدان" (١/ ٢٤٤): "منهم من يفتح الهمزة وهم الأكثر".
فائدة أخرى:
قد تكتب الباء في هذه النِّسبة فاءً كما سبقتْ الإشارة إلى ذلك، فيقال للبلد "أَصْفَهان"، وفي النِّسْبة "الأَصْفَهاني"، وذلك لأن هذه البلدة بالعجمية (أسبهان)
стр. 13
بباء فارسية، تُعرّب تارة باء خالصة، وتارة فاء كنظائرها، أفاده العلامة المعلمي، كما في حاشية "الأنساب" (١/ ٢٨٩).
وأما الوازن:
فقد تفرد بذكره إسماعيل باشا البَغْدادي في "هداية العارفين" (٥/ ٤٤٧)، وعندي أنها مصحفة من "الوَرّاق" فإن أبا الشَّيْخ كان مشهورًا بالوراقة، حتى قال أبو موسى المَدِيني، كما في "النبلاء" (١٦/ ٢٧٨): كان يكتب كل يوم دستجة كاغد؛ لأنه كان يورِّق ويُصنف.
وأما القَصِيْر:
فبفتح القاف، وسكون الياء بعد الصاد المكسورة، وفي آخرها الراء، كما في "الأنساب" (١٠/ ١٧٥)، وذكره بهذه النِّسْبة تلميذه أبو بكر ابن المقرئ.
قال ابن عبدالهادي في "طبقاته" (٣/ ١٣٩): "روى عنه ابن المقرئ، وقال: حدثنا عبد الله بن محمد القَصِيْر". وكذا قال الذهبي في "التذكرة" (٣/ ٩٤٦)، و"النبلاء" (١٦/ ٢٧٩).
قلت: وقد وقفت على موضع من كتب ابن المقرئ ذكره بها فيه، ففي كتاب "الرُّخصة في تقبيل اليد" برقم (١١): حدثنا عبد الله بن جَعْفَر القَصِيْر.
(٥) ولادته:
ولد -رحمه الله تعالى- في سنة أربع وسبعين ومائتين. كما صرح بذلك ابن عبد الهادي في "طبقاته" (٣/ ١٣٨)، والذهبي في "التذكرة" (٣/ ٩٤٥) وغيرها، والصَّفَدي في "الوافي بالوفيات" (١٧/ ٤٨٥)، وغيرهم.
(٦) أُسْرَته:
وأما عن أسرته -رحمه الله تعالى- فأُسرة علمية ذات مكانة في مجتمعها الذي
стр. 14
كانت تعيش فيه، قال رشَيْد الدين العطّار في "نزهة الناظر" (ص: ٨٠): "أبو الشيخ من بيت الحديث، حدَّث هو، وأبوه، وخاله".
وقد أتحفتنا المصادر الموجودة لدينا عن هذه الأسرة المرموقة بما يلي:
(أ) والده:
وقد كان -رحمه الله تعالى- له اهتمام بالحديث وعناية به، وحُب لأهله، ففي "الطبقات" لأبي الشيخ: والدي ﵁ كان عنده كتب الحسين بن حفص، و"مسند" يونس، وعنده عن أحمد بن يونس، وأحمد بن عصام، وعامة الأصبهانيين. وانظر ترجمته في هذا "المعجم".
(ب) جده:
قال أبو الشيخ في "الطبقات" (٣/ ٤٨٨): ترجمة محمد بن أسد بن يزيد: "بلغني أن جدي ﵀ كان ينتابه الكثير، فيدعوا، ويسأله أن يؤمِّن على دعائه، وكذلك والدي ﵀ كنت أصير إليه، مع والدي قاصدًا للدعاء".
وقال في (٣/ ٦١٤) - أيضًا-: "أبو نَصْر عَمْرو بن نُصَيْر القُرَشِي" من أصحاب جدي -رحمهما اللّه تعالى-.
(ج) ابنه عبد الرزاق بن أبي الشيخ الأصبَهانِي:
تراجع ترجمته في "مشيخة أبي الشيخ" هذه.
(د) حفيده أبو الفتح محمد بن عبد الرزاق بن أبي الشيخ:
ذكره الذهبي في "المشتبه" كما في "توضيحه" (٢/ ١٥٠)، وذكر أنه يروي عن جدّه أبي الشيخ.
(هـ) أخوه عبد الرحمن بن محمد بن جَعْفَر بن حيّان الأصْبَهانِي:
ترجمه أبو نعيم في "تاريخه" (٢/ ١٢٠) فقال: عبد الرحمن بن محمد بن جَعْفَر بن حيّان أبو مسلم المؤدب أخو أبي الشيخ توفي فجْأة سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.
стр. 15
(و) جده من قِبل أمه محمود بن الفرج:
ترجمه أبو الشيخ في "طبقاته"، وغيره، تراجع ترجمته في هذه "المشيخة".
(ز) خاله أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمود بن الفرج:
مترجم -أيضًا- في هذه "المشيخة".
(ح) خاله عبد الرحمن بن محمود بن الفرج:
قال أبو الشيخ في "طبقاته" (٤/ ٢١٦): خالي عبد الرحمن بن محمود بن الفرج، كتب مع أخيه، سمع الكثير، ولم يخرج حديثه، مات سنة ثمان وتسعين ومائتين.
(٧) أول سماعه للحديث ونشأته فيه:
بدأ -رحمه الله تعالى- بسماعه للحديث من علماء بلده أصبهان، كما هو دأب المحدثين في ذلك، أن الطالب يتلقى العلم أولًا من علماء بلده؛ لقربهم ومعرفته بهم، فقد قال الخطيب في "تاريخه" (١/ ٢١٤): أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزَّار بهمذَان، قال: سمعت أبا الفضل صالح بن أحمد بن محمد التَّمِيْمِي الحافظ، يقول: "ينبغي لطالب الحديث ومن عُنيَ به، أن يبدأ بكتب حديث بلده ومعرفة أهله، وتفهمه وضبطه حتى يعلم صحيحه وسقيمه، ويعرف أهل التحديث به، وأحوالهم معرفة تامة، إذا كان في بلده علم وعلماء قديمًا وحديثًا، ثم يشتغل بعدُ بحديث البلدان والرحلة فيه" (١).
وقد مكث في بلده وهو ينهل من معين علمائها، ويحضر مجالسهم مدة طويلة، وحق له ذلك؛ لما كان لأصبهان من مكانة علمية مرموقة؛ بحيث صارت مقصد القاصي والداني، ولا سيما بعد ما استوطنها عدد من كبار حفاظ المحدثين، فقد قال أبو الشيخ في "طبقاته": (٢/ ١٩٣): حدثني أبي -رحمه الله تعالى- قال: ثنا أحمد بن
стр. 16
مهدي، قال: قدم أبو حفص -يعني الفلاس- من أصبهان، فذُكر لأبي النعمان عارم، فقال: قدم أبو حفص من أصبهان، وحمل خمسة آلاف درهم، فقال: "هاجر أبو داود إلى أصبهان، وصيروها دار هجرة".
وقال الذهبي في رسالته "الأمصار ذوات الآثار" (ص: ٢٣٢): "وأصبهان التي كانت تُضاهي بغداد في علوم الإسناد، وكثرة الحديث، والأثر".
وقال السخاوي في "الإعلان بالتوبيخ": "كانت أصبهان تُضاهي بغداد في العلو والكثرة".
وقد كان أول سماعه للحديث في سنة أربع وثمانين ومائتين، قبل سن العاشرة من عمره -يرحمه الله-. قال ابن عبد الهادي في "طبقاته" (٣/ ١٣٨): "سمع سنة أربع وثمانين -يعني ومائتين-، وكتب العالي والنازل".
وقال الذهبي في "التذكرة" (٣/ ٩٤٥): "سمع في سنة أربع وثمانين وهلم جرًا، وكتب العالي والنازل، ولقي الكبار".
وقال في "النبلاء" (١٦/ ٢٧٧): "طلب الحديث في الصِّغَر، اعتنى به الجد، فسمع من جده محمود بن الفرج الزاهد، … ، وإسحاق بن إسماعيل الرَّمْلي سمع منه في سنة أربع وثمانين ومائتين".
وقال في "التاريخ" (٢٦/ ٤١٨ - ٤١٩): "سمع في صغره، وأول سماعه سنة أربع وثمانين".
وقال في "العبر" (٢/ ١٣٢): "أول سماعه في سنة أربع وثمانين ومائتين من إبراهيم بن سعدان، وابن أبي عاصم وطبقتهما".
قال مقيده -عفا الله عنه-: ومما يدل على قدم سماعه، وحرصه على سماع الحديث ممن قدم بلدته أصبهان قوله في "الطبقات" (٣/ ٣١٠) في ترجمة شيخه إبراهيم بن سعدان: "توفي سنة أربع وثمانين ومائتين". ففي هذا النص دليل على أن
стр. 17
سماعه منه كان فيها أو قبلها.
وقال -أيضًا- (٣/ ٣٠٧): "محمد بن أبي سهل، توفي سنة خمس وثمانين ومائتين، أدركته، وسمعت منه مجالس، وذهب سماعي".
وقال في (٣/ ٢٩٦): "أبو الشيخ الأبْهَري محمد بن الحسين، كتبت عنه سنة ست وثمانين ومائتين".
وقال في (٣/ ٤٢٩): "أبو العباس محمد بن أحمد الهروي، كتبنا عنه سنة ست وثمانين ومائتين، وخرج -يعني من أصبهان-".
وقال في (٣/ ٢٢٢): "القاسم بن محمد بن الصَّبَّاح الأصْبَهانِي، حضرت مجلسه، وسمعت منه، مات سنة ست أو سبع وثمانين".
وقال في (٣/ ٣٨٦): "أبو بكر أحمد بن عمرو البزَّار، قدم علينا مرتين، المرة الثانية سنة ست وثمانين ومائتين".
وقال في (٣/ ٦١٢): "عمر بن بحر الأسدي، قدم علينا سنة ثمان وثمانين ومائتين".
وقال في (٣/ ٦١٥): "عمر بن نُصَيْر القُرَشِي، كتبت عنه سنة ثمان وثمانين ومائتين، وخرج إلى طَرَسوس".
وقال أبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٣٣٩): "حدثنا عبد الله بن محمد بن جَعْفَر، ثنا أبو بكر الدِّيْنوَرْي المفسر سنة ثمان وثمانين ومائتين".
وقال في (٣/ ٦٠٨): "أحمد بن عيسى بن ماهان الرَّازِي الجوال، قدم علينا سنة تسع وثمانين ومائتين، وأملى علينا في الجامع".
وقال في (٤/ ٨٦): "أحمد بن روح الشَّعْراني، قدم علينا -يعني قبل التسعين- ومائتين". "أخبار أصبهان" (١/ ١١٠).
وقال في (٤/ ٧٣): "الحسن بن إدريس العَسْكري، قدم علينا سنة إحدى
стр. 18
وتسعين ومائتين".
وقال في (٤/ ٨٢): "الحسن بن علي بن نصر الطُّوسي، قدم علينا سنة خمس وتسعين ومائتين".
وقال (٤/ ٥٠): "عبد الله بن الحسين بن زهير النَّيْسابُوري، قدم علينا سنة ست وتسعين ومائتين، ثم خرج إلى البصرة".
وقال (٣/ ٥٠٢): "حاجب بن أبي بكر أرَكِيْن، قدم علينا أيام بدر سنة ست وتسعين ومائتين".
وقال في (٤/ ٤٠): "عبد اللّه بن الحسين بن محمد بن زهير النَّيْسابُوري، قدم علينا قبل الثلاثمائة، يُحدِّث من حفظه".
(٨) رحلاته:
سبق وأن ذكرنا قول أبي الفضل صالح بن أحمد التَّمِيْمِي فيما ينبغي على طالب الحديث أن يسلكه في بداية طلبه؛ من انشغاله بحديث علماء بلده، قال: "ثم يشتغل بعدُ بحديث البلدان والرحلة فيه".
وقد كان إمامنا أبو الشيخ الأصْبَهانِي أنموذجًا في ذلك؛ فإنه بعد اشتغاله بحديث بلده وكَتْبِه عاليًا ونازلًا، مع تفهمه وضبطه له، ومعرفته التامة بأهل بلده، اشتغل بعد ذلك بحديث البلدان والرحلة فيه.
قال ابن نقطة في "تكملة الإكمال" (٢/ ١٩٩): "طاف البلاد وسمع ببغداد، وبالبصرة، وبالموصل".
وقال الذهبي في "النبلاء" (١٦/ ٢٧٧): "سمع في ارتحاله من خلق".
وقال في "تاريخه" (٢٦/ ٤١٩): "رحل فسمع بالبصرة، وببغداد، وبالموصل، وبحرّان، وبالرَّي".
стр. 19
(أ) أول زمن رحلاته.
وقال الذهبي في "العبر" (٢/ ١٣٢): "رحل في حدود الثلاثمائة إلى الموصل، وحرّان، والحجاز، والعراق".
قال مقيده -عفا الله عنه-: ولعل مأخذ قول الذهبي في تحديد رحلته بحدود الثلاثمائة، قول أبي الشيخ في ترجمة محمد بن العباس بن أيوب الأخرم في "طبقاته" (٣/ ٤٤٧): "سألني عنه ببغداد هيثم الدُّوري، وأبو بكر البَرْدِيْجي، وقاسم المُطرز".
وقد كانت وفاة البَرْدِيْجي ببغداد سنة إحدى وثلاثمائة -كما في "طبقات" أبي الشيخ (٤/ ٨٤).
وقد وقفت على تحديد أدق لزمن رحلته، ففي كتاب في "الطبقات" (٤/ ١٢٨) قال أبو الشيخ: أحمد بن جَعْفَر بن سعيد المُلْحَمي، ارتحل فيما ذكر بضعة عشرة رحلة، آخر رحلته ونحن ببغداد سنة سبع وتسعين ومائتين.
وقد كانت رحلته في أواخر هذه السنة -أعني سنة سبع وتسعين ومائتين- ففي "الطبقات" (٤/ ٩١): قال أبو الفتح: أبو جَعْفَر محمد بن إلياس، قدم علينا سنة سبع وتسعين ومائتين، وخرج، ولقيته ببغداد.
ومما سبق يتلخص لنا أن أول رحلته كانت في أواخر سنة سبع وتسعين ومائتين.
وقد استمر في رحلته هذه إلى سنة أربع وثلاثمائة، فقد قال في "الطبقات" (٤/ ١٠١): "أحمد بن محمد بن السَّكَن، قدم علينا -يعني أصبهان- سنة أربع وثلاثمائة، … ، فَفُتِشَ عنه، وكان ممن يسرق الحديث، ويُحدث بالبواطيل، فتركوا حديثه، ومما كتبنا عنه … ".
فنستفيد من هذا النص أن أبا الشيخ كان في سنة أربع وثلاثمائة بأصبهان، وأنه
стр. 20
قد رجع من رحلته التي كانت قي حدود الثلاثمائة.
(ب) صحبته في رحلاته كبار الحفاظ:
وقد كان -رحمه الله تعالى- يُرافِق في رحلاته كبار الحفاظ والمسندين في زمانه، ففي "تذكرة الحفاظ" (٣/ ٩٧٣): ورُوي عن أبي بكر بن أبي علي-يعني محمد بن أحمد الذَّكواني- أنه قال: "كان ابن المقرئ يقول: كنتُ أنا، والطبراني، وأبو الشيخ بالمدينة، فضاق بنا الوقت، فواصلنا ذلك اليوم، فلما كان وقت العشاء حضرتُ القبر، وقلت: يا رسول الله، الجوع، فقال لي الطبراني: اجلس، فإما أن يكون الرِّزق أو الموت، فقمتُ أنا، وأبو الشيخ، فحضر الباب علوي، ففتحنا له، فإذا معه غُلامان بقفَّتين فيهما شيء كثير، وقال: شكوتموني إلى رسول النبي ﷺ ، رأيته في النوم، فأمرني بحمل شيءٍ إليكم. (١)
(ج) حرص جيرانه من أهل الحديث على صحبته في الرِّحلة:
قال أبو نعيم في "تاريخه" (٢/ ٢٩٣): "محمد بن الحسن بن علي بن معاذ أبو عبد الله جارُنا صحب أبا محمد بن حيّان أبا الشيخ، وخرج معه إلى الرَّي".
(د) رجوع بعض مشايخه الذين كان يرحل إليهم إليه، وسؤاله، وذلك في أثناء رحلته:
فقد قال في كتاب "الطبقات" (٣/ ٤٤٧): "محمد بن العباس بن أيوب الأَخْرم، سألني عنه ببغداد هيثم الدُّوْرِي، وأبو بكر البَرْدِيْجي، وقاسم المُطرز".
وهذا يدل على علو قدْره، وعظيم شأنه، واعتماد قوله في هذا الشأن.
(هـ) اعتنائه وحرصه في أثناء رحلته على الاطلاع على أصول شيوخه:
قال في "الطبقات": رأيت هذا الحديث في "فوائد أبي بكر البَرْدِيْجي" ببغداد.
стр. 21
(و) ذكر بعض الأمصار والمدن التي دخلها أثناء رحلاته.
أولًا: العراق:
قال الذهبي في "العبر" (٢/ ١٣٢) "رحل إلى العراق، في حدود الثلاثمائة" اهـ.
ولعلها أول رحلاته، ومن مدنها التي نصت المصادر، التي وقفت عليها على دخوله إليها.
(أ) بغداد:
وقد صرح بدخوله إليها أبو الشيخ نفسه في كتابه "الطبقات" (٣/ ٤٤٧)، (٤/ ٩١)، (٤/ ١٢٨)، وابن نقطة في "تكملة الإكمال" (٢/ ١٩٩)، والذهبي في "تاريخه" (٢٣/ ٤١٩)، والصَّفدي في "الوافي بالوفيات" (١٧/ ٤٨٦)، وغيرهم.
وقد سمع بها من جماعة منهم:
أحمد بن الحسن الصُّوفي (١).
أحمد بن محمد بن غَزْوان البَراثي (٢).
عبد الله بن الحسين البَجَلي الصَّفّار (٣).
أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي (٤).
محمد بن جعفر بن إلياس (٥).
(ب) البصرة:
стр. 22
وقد صرح بدخوله إليها ابن نقطة في "تكملة الإكمال" (٢/ ١٩٩)، والذهبي في "تاريخه" (٢٦/ ٤١٩)، وكتاب "العلو" (٢/ ١٢٧٠)، والصَّفَدي في "الوافي بالوفيات" (١٧/ ٤٨٦)، وقد سمع بها من جماعة منهم.
أبو أيوب سليمان بن الحسن السُّلمي البَصْري (١).
وأبو خليفة الفضل بن الحُباب الجُمحي البَصْري (٢).
والقاسم بن عباد الخطّابي البَصْري (٣).
(خ) الكوفة:
وقد صرح بدخوله إليها الذهبي في كتابه "العلو" (٢/ ١٢٧٠)، وذكر أنه سمع بها من أبي عمر محمد بن جَعْفَر بن محمد بن حبيب القتات.
(د) سُّرْ مَنْ رأى:
صرح بدخوله إليها أبو الشيخ نفسه، حيث ذكر أنه سمع بها من محمد بن أحمد بن هارون العَسْكري (٤).
ثانيًا: الحجاز:
قال الذهبي في "العبر" (٢/ ١٣٢): رحل في حدود الثلاثمائة إلى الحجاز. ومن مدنها التي وقع التصريح بدخوله إليها.
(أ) مكة المكرمة:
صرح بذلك الذهبي في "تاريخه" (٢٦/ ٤١٩)، والصَّفَدي في "الوافي
стр. 23
بالوفيات" (١٧/ ٤٨٦)، وسمع بها من أبي سعيد مُفَضَّل بن محمد الجَنَدي (١).
(ب) المدينة النبوية:
صرح بذلك أبو بكر بن المقرئ، كما في "تذكرة الحفاظ" (٣/ ٩٧٣).
ثالثًا: خُوْزستان -الأَهْواز -:
قال ياقوت الحموي في "معجم البلدان" (٢/ ٤٦١): خُوْزُ: يضم أوله، وتسكين ثانيه، وآخره زاي؛ بلاد خوزستان يقال لها الخُوْز. ويقال لها الأَهْواز- أيضًا-، قال التَّوَّزي: الأَهْواز تُسمَّى بالفارسية هُرْمُشِيْر، وإنما كان اسمها الأخْواز فعرَ بها الناس، فقالوا: الأَهْواز.
قلت: وبلاد خُوْزستان المسمى بالأهواز، تقع الآن في الجنوب الغربي لجمهورية إيران (٢). وقد صرح أبو الشيخ بأن رحلته إليها كانت سنة خمس وثلاثمائة، فقال في كتابه "الطبقات" (٤/ ٨٨): شعيب بن محمد الدَّبِيْلي، قدم أصبهان سنة خمس وثلاثمائة؛ وأنا عند عبدان -يعني الأهْوازي، واسمه عبد الله بن أحمد بن موسى-.
رابعًا: بلاد الجبل:
قال عماد الدين أبو الفداء صاحب حمادة في "تقويم البلدان" (ص: ٤٥٨): "بلاد الجبل، ويقال: الجبال، هي البلاد المعروفة عند العامة بعراق العجم".
وتقع بلاد الجبال حاليًا في جمهورية إيران، ومن مدن بلاد الجبال التي رحل إليها أبو الشيخ الأصْبَهانِي.
الرَّي:
نص على ذلك أبو نعيم الأصْبَهانِي في "تاريخه" (٢/ ٢٩٣)، والذهبي في
стр. 24
"تاريخ الإسلام" (٢٦/ ٤١٩)، والصَّفَدي في "الوافي بالوفيات" (١٧/ ٤٨٦).
خامسًا: الجزيرة:
والمراد بها جزيرة ابن عمر، وتقع على الضفة الغربية لنهر دجلة، عند ملتقى الحدود التركية الجنوبية، مع كل من سوريا والعراق (١)، ومن مدنها التي رحل إليها أبو الشيخ الأصبهاني -رحمه الله تعالى-.
(أ) المَوْصِل:
بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر الصاد المهملة، وفي آخرها اللام، بلدة من بلاد الجزيرة بين دجلة والفرات، وسميت بذلك؛ لأنها وصلت بين الفرات ودجلة (٢). وتقع حاليًا في كُرْدُسْتان في الأراضي العراق (٣).
وقد صرح برحلته إليها ابن نقطة في "تكملة الإكمال" (٢/ ١٩٩)، والذهبي في "تاريخه" (٢٦/ ٤١٩)، و"العبر" (٢/ ١٣٢)، والصَّفَدي في "الوافي بالوفيات" (١٧/ ٤٨٦)، وقد ذكروا أنه سمع بها من أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى المَوْصِلي (٤).
(ب) حرّان:
بتشديد الراء، وآخره نون، مدينة عظيمة مشهورة، من بلاد الجزيرة (٥)، وتقع حاليًا في سوريا، وقد صرح برحلته إليها الذهبي في "تاريخه" (٢٣/ ٤١٩)، و"العبر" (٢/ ١٣٢)، وذكر أنه سمع بها من أبي عروبة الحسين بن محمد بن مَوْدُود
стр. 25
الحراني.
(ز) استمراره في طلب الحديث، وسماعه بعد رحلاته:
لم يقنع الحافظ أبو الشيخ -رحمه اللّه تعالى- بما حصّله في رحلاته التي جال فيها البلاد، واستوطن السُّهاد:
بهمةٍ في الثَّريا إثر أخمصها … وعزمةٍ ليس من عادتها السأمُ
بل لم يزل طلابة للعلم، حريصًا على سماع الحديث من شيوخ بلده، والقادمين عليها، فقد قال في "الطبقات" (٤/ ٩٤): "محمد بن إبراهيم بن داود الجرْباذقاني، قدم علينا سنة إحدى عشرة وثلاثمائة".
وقال في (٤/ ٩٦): "عبد الرحمن بن داود بن منصور الفارسي، قدم علينا في ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة".
وقال في (٤/ ١٠٨): "أبو بشر أحمد بن محمد المَرْوَزِي، قدم البلد خارجًا إلى الحج سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، وقرأ علينا "مشيخة" رقبة بن مصقلة".
وقال في (٤/ ٢٣٩): "القاضي أبو سَلْم عمرو بن عثمان البُرّي، قدم شهر جمادى الأولى سنة أربع عشرة وثلاثمائة، كثير الحديث".
وقال في (٤/ ٢٩٧): "صالح بن محمد بن شاذان الكَرْجي، قدم سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، كثير الحديث".
وقال في (٤/ ٣٠٧): "أبو سعيد خلف بن الفضل بن يحيى البَلْخي، قدم علينا، كثير الحديث". وفي "أخبار أصبهان" (١/ ٣٠٨): "قدم أصبهان، سنة عشرين وثلاثمائة".
(٩) طبقته:
ذكره ابن عبد الهادي في (طبقاته) (٣/ ١٣٨) في الطبقة الثانية عشرة، من أصل إحدى وعشرين طبقة.
стр. 26
وكذا ذكره فيها الذهبي في "التذكرة" (٣/ ٩٤٥)، وابن ناصر الدمشقي في "بديعته" (برقم: ٥٧٦)، والسيوطي في "طبقات الحفاظ" (برقم: ٨٦٦)، وذكره الذهبي في كتابه "المعين في طبقات المحدثين" (برقم: ١٢٨٤) في الطبقة الثالثة عشرة، من أصل ثمان وعشرين طبقة. وذكره في "النبلاء" في الطبقة الثانية والعشرين. وذكره في "تاريخ الإسلام" في الطبقة السابعة والثلاثين. وذكره في رسالته "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" (ص ٢٠٩) في الطبقة السابعة، من أصل اثنتين. وعشرين طبقة.
فائدة:
قال رُشَيْد الدين العطّار في "نزهة الناظر" (ص: ٨١): وفي طبقته رجل آخر موافقٌ له في اسمه واسم أبيه واسم جده ونسبته، وهو أبو العباس عبد الله بن محمد بن جَعْفَر الحياني البُوْشَنْجي، يروي عن الإمام أبي بكر ابن خزيمة. روى عنه أبو عثمان سعيد بن العباس الهروي، وأبو بكَر البَرْقاني، وربما اشتبها على من لا معرفة له بهما. وذكر ابن ناصر الدين الدمشقي في توضيحه (٢/ ١٥٠) أن أبا سعد أحمد بن محمد الماليني قد حدَّث عنهما.
(١٠) شيوخه:
أما شيوخه فهم موضوع هذا العدد ومادته من هذه السلسلة، ولكن بما أن العادة، جرت أن أذكر في مثل هذا المقام بعض الفوائد المتعلقة بهم، فأقول مستعينًا بالله :
الفائدة الأولى: فيما يتعلق بذكر أول من أفردهم بتصنيف:
أول من أفردهم بتصنيف مستقل أبو الشيخ نفسه؛ في "معجمه"، كما ذكر ذلك تلميذه أبو نعيم في "صفة الجنة" (برقم: ١٦٠) حيث قال: حدثنا أبو محمد بن حيّان
стр. 27
في "معجمه". وقال في "تاريخه": (١/ ٢٨٠): حدثنا أبو محمد بن حيّان، حدثنا في "معجمه". وقال في "تاريخه" (١/ ٣٣٥) -أيضًا-: حدثنا أبو محمد بن حيّان في "معجمه". وقال في (٢/ ٢٥٥): حدثناه أبو محمد بن حبّان في "المعجم".
وقال ياقوت الحموي "معجم البلدان" (١/ ٤٤٣): أحمد بن محمد بن مُكْرم بن خالد البرتي، حدَّث عنه أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جَعْفَر بن حيّان الحافظ الأصْبَهانِي في "معجمه". وقال ابن النجار في ذيل "تاريخ بغداد" (٢/ ١٧): عبيد الله بن عبد الرحمن الخزاعي، روى عنه أبو الشيخ الأصْبَهانِي في "معجم شيوخه". وذكره سراج الدين القزويني (ت ٦٨٣ - ٧٥٠ هـ)، في "مشيخة" برقم (٢٢٥) من مسموعاته، وذكره السخاوي في "الإعلان بالتوبيخ" (ص ٢٤٠)، في ذكره لكتب المعاجم والمشيخات، ويُعدُّ هذا "المعجم" من تراث الأمة المفقود، والله المستعان.
الفائدة الثانية: في ذكر بعض أنواع التحمل التي صرح بها أبو الشيخ أثناء روايته عن بعض شيوخه:
(أ) السماع:
وهذا كثير لا يحتاج إلى تدليل عليه.
(ب) القراءة أو العرض:
وهذا كسابقه -أيضًا-.
(ج) الإجازة:
وقد صرح بالتحديث بهذا النوع من أنواع التحمل في كتابه "الطبقات" (١/ ٢٨٣)، حيث قال: وفيما كتب إليَّ محمد بن عَبْدان إجازة، قال: ثنا الأحوص بن المفضل. وقال في (١/ ٢٩٧) -أيضًا-: فيما كتب إلينا محمد بن عَبْدان، وأجازه لنا.
стр. 28
وقال في (٣/ ٣٩٢): أبو بكر جدي محمود بن الفرج، أملي في ثلاثة أحاديث، وأجاز لنا كتبه ومصنفاته. قلت: وقد أكثر من الرواية عنه بالإجازة. وقال في (٣/ ٤٥٧): أبو عبد الله عمرو بن عثمان المكي، أجازني عامة ما أملاه.
وقال أبو نعيم في كتابه "فضائل الخلفاء" برقم (٧٩): حدثنا أبو محمد بن حيّان، ثنا أبو العباس الهروي فيما أجازني. وقال في "صفة الجنة" برقم (٨٥): حدثنا أبو محمد بن حيّان، ثنا جَعْفَر بن أحمد في إجازته.
فإن قال قائل: كيف الجمع بين صنيع أبي الشيخ هذا، وقول تلميذه أبي نعيم فيما أخرجه الخطيب في "الكفاية" (٢/ ٢٧٠): "وقال أبو نعيم: ما أدركت أحدًا من شيوخنا إلا وهو يرى الإجازة ويستعملها، سوى أبي الشيخ؛ فإنه كان لا يعدها شيئًا".
قلتُ: لعل ذلك كان في بادئ أمره، ثم لما رأى أن القول بصحتها قول الأكثر، رجع عما كان يراه، كما رجع غيره ممن كان لا يرى بصحتها كالسجزي (١) وغيره، والله أعلم.
(د) المناولة:
صرح بالتحديث بها في كتاب "الطبقات" (٣/ ٢٤٣)، حيث قال: ناولني أبو
بكر العقيلي كتابه، فقرأت فيه: حدثني محمد بن نصر.
(هـ) المكاتبة:
صرح بتحمله وتحديثه بها في كتابه "ذكر الأقران" برقم (١١٣) فقال: كتب إليّ محمد بن المسيب الأرْغِيانِي، حدثنا محمد بن يزيد، وقال في (رقم: ١١٦): كتب إلى عبد الله بن حمدان، نا أحمد بن سعيد.
стр. 29
وقال في "الطبقات" (٣/ ٤٥٩): "الحسين بن إسحاق الخَلّال، كتب إلي أحاديث، فمما كتب إليَّ .... " وانظر "أخبار أصبهان" (١/ ٢٧٩).
الفائدة الثالثة: في بيان عدّة الرواة الذين اشترك أبو الشيخ والطبراني في الرواية عنهما.
أقول: لقد اشتركا في عدد من الرواة ليسوا بقليل، فقد بلغ عدد الرواة الذين اشتركا في الرواية عنهما بضعًا وثمانين ومائة شيخ، ولكثرتهم اكتفيت بذكر عددهم، دون أسمائهم، خلافًا لما جرت به عادتي في هذا الموطن، والله المستعان.
الفائدة الرابعة:
قال رُشَيْد الدين العطار في "نزهة الناظر" (ص: ٨٠): روى أبو الشيخ عن أبي القاسم البغوي أحاديث كثيرة، ثم روى عن رجل، عن آخر، عنه، أورده أبو موسى في "اللطائف" (١).
الفائدة الخامسة:
قال الذهبي في "النبلاء" (١٦/ ٢١٠): "ذكر الحافظ يحيى بن مَنْدة، أن الحافظ أبا الشيخ مع تقدمه روى عن أبي علي بن الليث -واسمه الحسن بن أحمد بن محمد بن الليث، توفي سنة ٤٠٥ هـ- حديثًا واحدًا. فهذا من رواية الشيوخ عن التلاميذ". وانظر -أيضًا- "تاريخ الإسلام".
(١١) تلاميذه:
لا شك أن من كان كإمامنا الحافظ أبي الشيخ -الذي عرف بالحرص، والجد والتشمير في أخذ العلوم، وسماع لحديث، والرحلة فيه، مع ما رزق من عُمر طويل- جدير بأن يقصده طلاب العلم في شتى البقاع، ويتنافسون على الأخذ
стр. 30
عنه، ويحرصون على مجالسته، ومحادثته، ومذاكرته، لما يتمتع به من العلو في الإسناد، وكثرة الحصيلة العلمية التي حصل عليها بكثرة تطوافه في البلاد، والخبرة الطويلة التي حباه بها رب العباد، وبحمده -سبحانه- فقد حصل ذلك لإمامنا أبي الشيخ الأصْبَهانِي -رحمه اللّه تعالى-.
(أ) معجم للرواة عنه:
إن الناظر في الرواة عنه يجد فيهم كثرة، مع اختلاف بلدانهم، وأوطانهم، ومشاربهم، فتجد منهم الأندَلُسي، والهَرَوي، والأَهْوازي، والشِّيْرازي، والبَغْدادي، والجُرْجاني، والقاساني، والمِهْرَجاني، إلى غير ذلك، كما أنك تجد فيهم- أيضا- المفسر، والمقرئ، والمحدث، والفقيه، والأديب، ونحو ذلك، ولعل القارئ الكريم يلاحظ ذلك بجلاء عند ذكري لهم في هذا المعجم المتواضع -إن شاء اللّه تعالى-، وباللّه التوفيق.
(١) أحمد بن عبد الرحمن، أبو بكر، الشِّيْرازي. (-٤٠٧ هـ، وقيل: ٤٣٠ هـ).
(٢) أحمد بن عبد الله بن أحمد، أبو نعيم، الأصْبَهانِي. (- ٤٣٠ هـ).
(٣) أحمد بن عبد الوهاب، أبو الحسن، الأصْبَهانِي.
(٤) أحمد بن علي، أبو العباس، الصَّحاف الساماني.
(٥) أحمد بن علي بن عبدوس، أبو نصر، الجصّاص الأهْوازي. (-٤٢٣ هـ).
(٦) أحمد بن علي بن يزداد، أبو بكر، البَغْدادي (- ٤١٠ هـ).
(٧) أحمد بن عمر بن أحمد، أبو عمرو، المُطرِّز الجُرْجاني.
(٨) أحمد بن محمد بن أحمد، أبو سعد الماليني الهَرَوي.
(٩) أحمد بن محمد بن جَعْفَر، اليزدي.
(١٠) أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحارث، التَّمِيْمِي، راوي كتاب "الأخلاق"، وعنه أخذ البيهقي ما وقع له عن أبي الشيخ.
стр. 31
(١١) أحمد بن محمد بن الحسين بن البزده -بالباء الموحدة والزاي- أبو عبد اللّه، المقرئ. (- ٤٣٧ هـ).
(١٢) أحمد بن موسى بن مَرْدَويه بن فُوْرَك، أبو بكر، الأصْبَهانِي، المفسر. (-٤١٠ هـ).
(١٣) الأصبغ بن عبد العزيز بن عبد الملك، الأَندَلُسي.
(١٤) حمزة بن يوسف، أبو القاسم، الجُرْجاني -مكاتبة-.
(١٥) سليمان بن حسنكويه.
(١٦) عبد الرحمن بن محمد بن أحمد، أبو منصور، الأبْهَري الأديب.
(١٧) عبد الرزاق بن عبد الله بن محمد ابن أبي الشيخ الأصْبَهانِي.
(١٨) عبد الله بن محمد بن أحمد، أبو القاسم، العطّار المقرئ.
(١٩) عبد الكريم بن عبد الواحد، الصُّوفي.
(٢٠) عبد الواحد بن أحمد بن محمد بن يحيى، أبو القاسم، الأصْبَهانِي.
(٢١) الفضل بن أحمد، القصار.
(٢٢) الفضل بن محمد بن سعيد، أبو نصر، القاساني.
(٢٣) محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم ابن المقرئ الأصْبَهانِي، وهو من أقرانه.
(٢٤) محمد بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم، أبو ذر، الصّالحِاني الواعظ.
(٢٥) محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو العلاء، الصّالحِاني.
(٢٦) محمد بن أحمد بن عبد الرحمن، أبو بكر، الصَّفّار.
(٢٧) محمد بن أحمد بن عبد الرحمن، الأصْبَهانِي، ومن طريقه روى السمعاني أكثر مصنفات أبي الشيخ "التحبير" (١/ ١٦٠ - ١٦٢).
(٢٨) محمد بن أحمد بن عبد الله بن إسحاق، المقرئ البَيْضاوي.
стр. 32
(٢٩) محمد بن أحمد بن محمد بن فارس، أبو الفتح ابن أبي الفوارس.
(٣٠) محمد بن أحمد، أبو الحسن، الكناني.
(٣١) محمد بن أحمد بن محمد، أبو طاهر، الأصْبَهانِي.
(٣٢) محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين، أبو الحسن، الأصْبَهانِي.
(٣٣) محمد بن أحمد بن محمد بن يحيى بن حمدان، أبو عبد اللّه، العجلي.
(٣٤) محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مَنْدة، أبو عبد الله، الأصْبَهانِي.
(٣٥) محمد بن جَعْفَر بن محمد بن ممشا.
(٣٦) محمد بن الحسين بن طلحة، أبو الحسن، المِهْرَجاني.
(٣٧) حفيده محمد بن عبد الرزاق بن عبد الله، أبو الفتح، الحياني.
(٣٨) محمد بن عبد الله بن أحمد التبان.
(٣٩) محمد بن عبد الله بن الحسين، أبو بكر، الصّالحِاني.
(٤٠) محمد بن علي بن بهروزمرد.
(٤١) محمد بن علي بن عمرو بن مهدي، أبو سعيد، النَّقّاش الأصْبَهانِي (١).
(٤٢) محمد بن علي بن محمد السيويه، أبو أحمد، المؤدب.
(ب) ذكر من أكثر من الرواية عنه:
قال السمعاني في "الأنساب" (٤/ ٢٨٥): أكثر عنه أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ.
(ج) ذكر آخر من حدَّث عنه:
قال السمعاني في "الأنساب" (٤/ ٢٨٥): آخر من روى عنه أبو طاهر محمد
стр. 33
بن أحمد بن عبد الرحيم الكاتب بأصبها.
(د) ذكر من كتب عنه في سنة وفاته:
قال ياقوت الحموي في "معجم البلدان" (٥/ ٢٨٠) في مادة ميزده: محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين الأصْبَهانِي، أبو الحسن، سمع من أبي الشيخ في سنة ٣٦٩ هـ.
(١٢) عبادته وزهده وورعه وتقواه:
قال أبو القاسم السَّوذَرْجاني: هو أحد عباد الله الصالحين (١).
وقال أبو موسى المَدِيْنِي: مع ما ذكر من عبادته كان يكتب كل يوم دستجة كاغَد؛ لأنه كان يورِّق ويُصنِّف، وعرض كتابه "ثواب الأعمال" على الطبراني، فاسْتَحْسَنَه.
ويُروى عنه أنه قال: ما عملتُ فيه حديثًا إلا بعد أن استَعْمَلْتُه.
وعن بعض الطلبة قال: ما دخلتُ على أبي القاسم الطبراني إلا وهو يمزح أو يَضْحَك، وما دخلت على أبي الشيخ إلا وهو يُصَلِّي (٢).
وقال ابن عبدالهادي في "طبقاته" (٣/ ١٣٩): كان واسع العلم صدوقًا، قانتًا للّه.
وقال الذهبي في "التذكرة" (٣/ ٩٤٦): كان مع سعة علمه وغزارة حفظه صالحًا خيرًا، قانتًا لله صدوقًا.
وقال في "النبلاء" (١٦/ ٢٧٩): كان أبو الشيخ من العلماء العاملين. وقال في "تاريخه": كان صالحًا عابدًا قانتًا لله.
стр. 34
(١٣) عقيدته ومذهبه:
قال الذهبي في "النبلاء" (١٦/ ٢٧٩): كان أبو الشيخ من العلماء العاملين، صاحب سُنَّة واتِّباع.
قلت: ففي هذا النص دليل على أن أبا الشيخ -رحمه الله تعالى- كان على عقيدة السَّلف الصالح، حيث وصف بأنه صاحب سُنَّة، وقد صنَّف في ذلك كتابًا وصفه الذهبي بأنه في مجلد. وسماه الحافظ في "المعجم المفهرس" برقم (٦٢) بـ "السنة الواضحة"، ثم وقفت بعد كتابة ما تقدم على كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية" (٦/ ٣٨٦)، يذكر فيه أن أبا الشيخ كان من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم. والله الموفق.
وقول الذهبي: واتِّباع ففيه إشارة إلى أن أبا الشيخ لم يتبع مذهبًا خاصًا من المذاهب الفقهية المعروفة، بل كان مذهبه مذهب المحدثين، وكان يسلك مسلكهم في ذلك، ويؤيده عدم وجود ترجمة له في الكتب المعنية بتراجم رجال المذاهب، وقد ذكر الذهبي أنه صنف كتابًا في "السنن" في عدة مجلدات، وكل هذا يؤكد ما سبق تقريره، والله أعلم.
(١٤) حرفته:
كان -رحمه الله تعالى- صاحب حرفة ومهنة كسلفيه من أهل الحديث، وقد كانت حرفته الوراقة، قال أبو نعيم في "تاريخه" (٢/ ٩٠): كان يُفيد عن الشيوخ، ويُصنِّف لهم ستين سنة.
وقال أبو موسى المَدِيْنِي، كما في "النبلاء" (١٦/ ٢٧٨): كان يكتب كلَّ يوم دستجة كاغَد (١)؛ لأنه كان يُورِّق ويُصنِّف.
стр. 35
(١٥) العلوم التي برز ونبغ فيها:
(أ) علم القراءات:
قال ابن الجزري في "غاية النهاية" (١/ ٤٤٧): روى القراءة عن أبي حامد أحمد بن محمد الصَّبَّاح الخزاعي، روى القراءة عنه أبو طاهر محمد بن أحمد بن محمد الأصْبَهانِي.
(ب) علم التفسير:
قال ابن مَرْدَوَيْه: صنَّف التَّفسير. وقال أبو نعيم في "تاريخه" (٢/ ٩٠): صنَّف "الأحكام" و"التفسير". وروى حديثًا في "مسانيد" أبي يحيى فراس الكُوْفي برقم (٢٥)، فقال: حدثنا أبو محمد بن حيّان في "التفسير". ويُعدُّ "تفسير" أبي الشيخ من مرويات أبي سعد السمعاني كما في "التحبير" (١/ ٥١٢)، والحافظ ابن حجر، كما في "المعجم المفهرس" برقم (٤٠٤).
وهو من موارده في "الإصابة" (١/ ١٧٥) ترجمة أبرهة، و (١/ ٢٩٣) ترجمة أوس بن ثابت الأَنْصاري، و (١/ ٢٩٩) ترجمة أوس بن خِدام الأَنْصاري، و (١/ ٣٠٦) ترجمة أوس بن قَيْظِي، و (١/ ٤٠٦)، ترجمة بدر بن عبد الله.
ومن موارده في "الفتح" -أيضًا-: (٣/ ٦٢١)، (٦/ ٣٤٦)، (٨/ ٦١٥).
وأما السيوطي فقد أكثر في كتابه "الدر المنثور" من النقول عنه، فلا تخلو صفحة منه في الغالب من النقل عنه.
ولأجل تصنيفه هذا ذكره الداوودي في "طبقات المفسرين" (١/ ٢٤٦).
(ج) علم الحديث:
قال ابن نقطة في "التكملة" (٢/ ١٩٩): كان من الثقات المكثرين. وقال رُشَيْد الدين بن العطّار في "نزهة الناظر" برقم (٣٥): هو من بيت الحديث، كان كثير الحديث. وقال ابن عبد الهادي في "طبقات" (٣/ ١٣٨): حافظ أصبهان، ومسنِد
стр. 36
زمانه الإمام. وكذا قال الذهبي في "التذكرة"، وقال في "تاريخه" (٢٦/ ٤١٩): كثير الحديث إلى الغاية. وقال في "العلو" (٢/ ١٢٧٠): كان إمامًا في الحديث رفيع الإسناد.
قلت: وأما آثاره العلمية في هذا العلم، سواء ما كان منها يخدم الرواية أو الدراية -فكثيرة ويمكن مراجعتها في مقدمة "الطبقات" (١/ ٩٥ - ١٠٥)، تحقيق البَلُوشي، والله الموفق.
(د) علم الفقه:
قال ابن مَرْدَوَيه: صنَّف الكتب الكثيرة في الأحكام. وقال أبو نعيم في "تاريخه" (٢/ ٩٠): صنَّف الأحكام. وقال الذهبي في "العبر": له "السنن الكبير"، وقال في "النبلاء" (١٦/ ٢٧٦): وله كتاب "السنن" في عدة مجلدات، وقع لنا منه كتاب "الأذان"، وكتاب "الفرائض"، وغير ذلك.
قلت: ومنه -أيضًا- كتاب "الأموال" (١)، وكتاب "النكاح" (٢)، ذكر الحافظ في "المعجم المفهرس" برقم (١٧٢)، أنه في تسعة أجزاء، و"ذكر المسكر" (٣)، وكتاب "السَّبْق والرَّمي" (٤)، وكتاب "السوال" (٥)، وكتاب "شروط الذمة" (٦)، وكتاب "الضحايا والعقيقة" (٧)، وكتاب "الطهارة" (٨)، وكتاب "العتق والمدبر
стр. 37
والمكاتب" (١)، وكتاب "العيدين" (٢)، "القطع والسرقة" (٣)، وكتاب "المواقيت" (٤).
(١٦) ثناء العلماء عليه وتوثيقه:
قال ابن مَرْدَويه: "ثقة مأمون، صنَّف "التفسير"، والكتب الكثيرة في الأحكام، وغير ذلك" (٥).
وقال أبو نعيم في "تاريخه" (٢/ ٩٠): "أحد "الثقات"، والأعلام، صنَّف الأحكام والتفسير، والشيوخ كان يفيد عن الشيوخ، ويصنِّف لهم ستِّين سنة".
وقال أبو بكر الخطيب: "كان أبو الشيخ حافظًا، ثبتًا، متقنًا (٦). وقال أبو القاسم السُّوذَرْجاني: هو أحد عباد الله الصالحين، ثقة مأمون" (٧).
وقال الأمير ابن ماكولا في "الإكمال" (٥/ ٩٦): "كان ثقة ثبتًا، روى عنه جماعة من الأصبهانيين، والعراقيين".
وقال أبو سعد السمعاني في "الأنساب" (٤/ ٢٨٥): "حافظ كبير ثقة، صنَّف التصانيف الكثيرة".
وقال ابن نقطة في "تكملة الإكمال" (٢/ ١٩٩): "كان من الثقات المكثرين".
وقال رُشَيْد الدين العطّار في "نزهة الناظر" برقم (٣٥): "حافظ جليل، ومُصنِّف نبيل، وهو من بيت الحديث؛ حدَّث هو وأبوه وخاله، وكان كثير
стр. 38
الحديث، ثقة ثبتًا".
وقال ابن عبد الهادي في "طبقاته" (٣/ ١٣٨): "حافظ أصبهان، ومسنِد زمانه، الإمام، صاحب المصنَّفات كان واسع العلم صدوقًا، قانتًا للّه".
وقال الذهبي في "التذكرة" (٣/ ٩٤٥) "حافظ أصبهان، ومسنِد زمانه الإمام، صاحب المصنفات السائرة، كتب العالي والنازل، ولقي الكبار، وكان مع سعة علمه وغزارة حفظه، صالحًا خيرًا، قانتًا للّه صدوقًا".
وقال في "النبلاء" (١٦/ ٢٧٦): "الإمام الحافظ الصادق، محدِّث أصبهان، صاحب التصانيف".
وقال في "تاريخه" (٢٦/ ٤١٩): "كان حافظًا، عارفًا بالرجال والأبواب، كثير الحديث إلى الغاية، صالحًا عابدًا قانتًا للّه".
وقال في "العلو" (٢/ ١٢٧٠): "محدّث أصبهان مع الطبراني، كان إمامًا في الحديث رفيع الإسناد".
وقال الصَّفَدي في "الوافي بالوفيات" (١٧/ ٤٨٦): "كان حافظًا، عارفًا بالرجال والأبواب".
وقال العراقي في "ذيل الميزان": "أبو الشيخ ثقة إمام حافظ، لا يُجْهَلُ مثله".
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي في "بديعته" (برقم: ٥٧٦):
والزَّعْفَراني ذا الحسينُ الثاني … مثْل أبي الشيخ فتى حيّانِ
وقال ابن العماد في "الشذرات" (٤/ ٣٧٣): "الإمام الحافظ الثبت الثقة".
وقال العلامة الألباني في "الصحيحة" (١/ ٩٠٠): "ثقة حافظ".
وقال في (٤/ ٩١): "الحافظ الثقة المشهور بأبي الشيخ".
وقال في (٦/ ١١٢٨): "ثقة مؤلف "الطبقات".
وقال في "فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية" (ص:٢٢٨): "حافظ
стр. 39
ثبت".
* ابن القطّان يتبعُ ابن حزم في إطلاق التجهيل على من لا يَطَّلِعون على حاله:
وأما ابن القطان الفاسي فقد قال في "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦): "عبد الله بن محمد بن جعفر لا أعرفه".
وقد تعقبه في ذلك الحافظ العراقي في "ذيل الميزان" (برقم: ٤٩٥)، فقال: "قلت: هو أبو الشيخ ثقة إمام حافظ، لا يُجْهَلُ مثله".
وقد قال الحافظ ابن حجر في "اللسان" (١/ ٥٣٣): ترجمة أحمد بن عبيد الله بن الحسن العَنْبري: "ابن القطان يتبعُ ابن حَزْمٍ في إطلاق التجهيل على مَنْ لا يَطَّلِعون على حاله".
وقال في "اللسان" -أيضًا- (٩/ ٧٩): ترجمة أبي سعيد القزويني، بعد نقله قول القاضي عياض: "ولفظة مجهول إنما تطلق في صناعة الأثر على مَنْ لم يعرف أحد من أهل الصنعة حاله، وأما أن يسمع أحدٌ بمن لا علم له به؛ فلا ينبغي أن يُطلقها عليه فيحكم عليه بذلك، وقد عَرَفه غيره".
قال الحافظ: "قلت: وإذا كان هذا ينكر في المحتمل، فينبغي أن يكون إنكاره في قوله مَنْ قال: لا يعرف أحد أشدَّ، وقد وقعت هذه العبارة في كلام ابن حزم، وفي كلام بعض من تبعه كابن القطّان، وليس بجيّد منهم".
(١٧) المآخذ التي أخذت عليه:
(أ) الإكثار من رواية الواهيات في تصانيفه:
قال الذهبي في "النبلاء" (١٦/ ٢٧٩): قد كان أبو الشيخ من العلماء العاملين، صاحب سُنَّةٍ واتَّباع، لولا ما يملأُ تصانيفه بالواهيات.
وهذا الأمر لا يختص به، بل أكثر المحدثين في الأعصار الماضية إذا ساقوا
стр. 40
الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا منه.
وأفاد شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا المنهج ارتآه كثير من المحدثين، يروون جميع ما في الباب، لأجل "المعرفة" بذلك، وإن كان لا يحتج إلا ببعضه.
فقال في "منهاج السنة" (٧/ ٣٨): "روي أبو نعيم في أول "الحلية" أحاديث بعضها صحيحة، وبعضها ضعيفة، بل منكرة، … ، لكن هو وأمثاله يروون ما في الباب، … ، وإن كان كثير من ذلك لا يعتقد صحته، بل يعتقد ضعفه؛ لأنه يقول: أنا نقلت ما ذكر غيري، فالعهدة على القائل لا على الناقل".
وقال (٧/ ٣٩): " … وهذا وأمثاله جروا على العادة المعروفة لأمثالهم ممن يصنف في الأبواب: أن يروى ما سمعه في هذا الباب".
وقال في "الرد على البكري" (١/ ٧٨): " … لكن قد يروون في كتبهم الغرائب والمنكرات، والأحاديث "الموضوعات "للمعرفة بها".
وانظر "منهاج السنة" -أيضًا- (٤/ ١٥)، (٥/ ٧٩)، (٥/ ٥١٠)، "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٧ - ٧٢)، الاستقامة (٢/ ٦٨).
وقال الذهبي نفسه في "تذكرة الحفاظ" (٣/ ١٠٩٧) أثناء كلامه على مصنفات أبي نعيم: "يعمل فيها الواهيات يكاسر عنها، كدأب غيره من المحدثين، والله الموعد".
بل ذكر في "الميزان" (١/ ٩٣): أن الكلام في الرواة والطعن فيهم بمثل هذا تعنت؛ فقال في ترجمة أحمد بن الحسين بن أبي زرعة الرَّازِي الصغير: "صدوق، ومن تكلم فيه تعنت؛ بأنه يكثر من رواية المناكير في تواليفه" اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "اللسان" (٤/ ١٢٨): ترجمة سليمان بن أحمد الطبراني: "وقد عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التَّيْمي جمعه الأحاديث الأفراد، مع ما فيها من النكارة الشديدة والموضوعات، وفي بعضها القدحُ في كثير