← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 2432–2471 · переход к 2437.

стр. 2432

متقدِّمٌ على تغيُّرِ ظاهرِه، فإنَّ تغيُّرَ الظاهرِ ثمرةُ تغيُّرِ الباطنِ، فيظهرُ علَى اللسانِ الفحشُ والشتْمُ، ويظهرُ في الأفعالِ بالضربِ والقتلِ وغيرِ ذلكَ منَ المفاسدِ. وقدْ وردَ في الأحاديثِ دواءُ هذا الداءِ. فأخرجَ ابنُ عساكرَ (١) موقُوفًا: "الغضبُ منَ الشيطانِ، والشيطانُ خُلِقَ منَ النارِ، والماءُ يطفىُء النارَ، فإذا غضبَ أحدُكم فليغتسلْ"، وفي روايةٍ (٢): "فليتوضأ". وأخرجَ ابنُ أبي الدنيا (٣) مرفوعًا: إذا غضبَ أحدُكم فقالَ: أعوذُ باللَّهِ من الشيطان سكنَ غضبُه. وأخرجَ أحمدُ (٤): مرفوعًا: " [إذا غضبَ أحدُكم فليسكتْ". وأخرجَ أحمدُ (٥)، وأبو داودَ (٦)، وابنُ حبانَ (٧)] (٨): "إذا غضبَ أحدُكم فليجلسْ، فإذا ذهبَ عنه الغضبُ وإلَّا فليضطجِعْ". وأخرجَ أبو الشيخِ (٩) مرفوعًا: "الغضبُ منَ الشيطانِ، فإذا وجده أحدُكم قائمًا فليجلسْ، وإن وجدَه جالِسًا فليضطجعْ". والنَّهيُ [في الغضبِ] (١٠) متوجهٌ إلى الغضبِ [في] (١١) غيرِ الحقِّ. وقدْ بوَّبَ البخاريُّ (١٢): (بابُ ما يجوزُ

стр. 2433

منَ الغضب والشدةِ لأمرِ اللَّهِ). وقدْ قالَ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (١). وذكرَ خمسةَ (٢) أحاديثَ في كلِّ منْها غضبُه ﷺ في أسبابٍ مختلفةٍ مرجعه إلى أن كلَّ ذلكَ كانَ لأمرِ اللَّهِ تعالى، وإظهارِ الغضبِ [فيه] (٣) منهُ ﷺ ، ليكونَ أَوْكَدَ. وقدْ ذكرَ تعالَى في قصة موسَى وغضبِه [لما عُبِدَ العجلُ] (٤)، وقال: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ (٥). الظلم ظلمات يوم القيامة ٣/ ١٣٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح] (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. مُتفَقٌ عَلَيْهِ). الحديثُ منْ أدلةِ تحريمِ الظلمِ، [وهو قبيح شرعًا وعقلًا] (٧)، وهوَ يشملُ جميعَ أنواعِه سواءٌ كانَ في نفسٍ أو مالٍ أو عرضٍ في [حقِّ مؤمنٍ، أو كافرٍ، أو فاسقٍ] (٨). والإخبارُ عنهُ بأنهُ ظلماتٌ يومَ القيامةِ فيهِ [ثلاثةُ أقوالٍ] (٩): قيلَ هوَ على ظاهرهِ فيكونُ ظلماتٍ على صاحبِه لا يهتدي يومَ القيامةِ سبيلًا حيثُ يسعَى نورُ [المؤمنينَ يومَ القيامةِ] (١٠) بينَ أيديهمْ وبأيمانِهم. وقيلَ: إنه أُريدَ بالظلماتِ الشدائدُ، [وبه فُسِّرَ] (١١) قولُه تعالَى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (١٢)، أي: منْ شدائدِهما. وقيل: إنهُ كنايةٌ عن النكالِ والعقوباتِ.

стр. 2434

التحذير من الشح ٤/ ١٤٠٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اتقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ"، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وَعَنْ جَابِرِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) في الشحِّ، وفي التفرقةِ بينَه وبينَ البخلِ أقوالٌ: فقيلَ في تفسيرِ الشُحِّ، إنهُ أشدُّ منَ البخلِ وأبلغُ في المنعِ منَ البخلِ. وقيلَ: هوَ البخلُ معَ الحرصِ. وقيلَ: البخلُ في بعضِ الأمورِ، والشحُّ عامٌّ. وقيلَ: البخلُ بالمالِ خاصةً، والشحُّ بالمالِ، والمعروفِ، وقيلَ: الشحُّ الحرصُ على ما ليسَ عندَه والبخلُ بما عندَه. وقيل: (فإنهُ أهلكَ مَنْ كانَ قبلَكُم) يحتملُ أنْ يريدَ الهلاكَ الدنيويَّ المفسَّرَ بما بعدَه في تمامِ الحديثِ، وهوَ قولُه: "حملَهم على أنْ سفكُوا دماءهم، واستحلُّوا محارِمَهُم" (٢)، وهذا هلاكٌ دنيويٌّ. والحاملُ لهمْ هوَ شحُّهم على حفظِ المالِ وجمعِه، وازديادِه وصيانتِه عنْ ذهابِه في النفقاتِ، فضمُّوا إليهِ مالَ الغيرِ صيانةً لهُ، ولا يُدْرَكُ مالُ الغيرِ إلا [بالحرب] (٣) [والغصبيةِ] (٤) المفضيةِ إلى القتلِ، واستحلالِ المحارمِ، ويحتملُ أنْ يرادَ بهِ الهلاكُ الأُخرويُّ فإنهُ يتفرعُ عما اقترفوهُ منِ ارتكابِ هذهِ المظالمِ، والظاهرُ حملُه على الأمريْنِ. واعلمْ أن الأحاديثَ (٥) في ذمِّ الشحِّ والبخلِ كثيرةٌ والآياتُ القرآنيةُ: ﴿الَّذِينَ [يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ (٦)، ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (٧)، ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ] (٨) ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ

стр. 2435

خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ (١)، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). وفي الحديث: "ثلاثٌ مهلِكاتٌ: شحٌّ مطاعٌ، وهوىً متَّبعٌ، وإعجابُ كل ذي رأيٍ برأيِه". أخرجَهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ (٣). وفيهِ زيادةٌ وفي الدعاءِ النبوي: "اللهمَّ إني أعوذُ بكَ منَ الهمِّ والحزَنِ - إلى قولهِ - والبخلِ"، أخرجَهُ الشيخانِ (٤). وقالَ ﷺ : "شرُّ ما في الرجلِ شحٌّ هالِعٌ وجُبْنٌ خالِعٌ"، أخرجَهُ البخاريُّ في التاريخِ (٥)، وأبو داودَ (٦) عنْ أبي هريرةَ مرفُوعًا. [والآثارُ] (٧) فيهِ كثيرةٌ. فإن قلتَ: وما حقيقةُ البخلِ المذمومِ وما منْ أحدِ إلَّا وهوَ يرى نفسَه أنهُ غيرُ بخيلٍ، وَيرَى غيرَه بخيلًا، وربَّما صدرَ فعلٌ منْ إنسانٍ فاختلفَ فيهِ الناسُ فيقولُ جماعةٌ: إنهُ بخيلٌ ويقولُ أخرونَ: ليس بخيلَا، فماذا حدُّ البخلِ الذي يوجِبُ الهلاكَ، وما حدُّ البذلِ الذي يستحقُّ به العبدُ صفةَ السخاوةِ وثوابَها. قلتُ: السخاءُ هوَ أنْ يؤديَ ما أوجبَ اللَّهُ عليهِ، والواجبُ واجبانِ: واجبُ الشرعِ، وهوَ ما فرضَهُ اللَّهُ تعالَى منَ الزكاةِ والنفقاتِ لمنْ يجبُ عليهِ إنفاقُه وغيرُ ذلكَ، وواجبُ المروءةِ والعادةِ. والسخِيُّ هوَ الذي لا يمنعُ واجبَ الشرعِ ولا واجبَ العادة والمروءةِ، فإنْ منعَ واحدًا منْهما فهوَ بخيلٌ لكنَّ الذي يمنعُ واجبَ الشرعِ [أشد بخلًا] (٨)، فمنْ أعْطَى زكاةَ ماله مثلًا ونفقةَ عيالِه بطيبةِ نفسِه، ولا يتيممُ الخبيثَ منْ مالِه في حقِّ اللَّهِ، فهوَ السخي، والسخاءُ في المروءةِ أنْ يتركَ

стр. 2436

المضايقةَ والاستقصاءَ في المحقَّراتِ [وغيرها] (١)، فإنَّ ذلكَ مُسْتَقْبَحٌ، ويختلفُ استقباحُه باختلافِ الأحوالِ والأشخاصِ، وتفصيلُه يطولُ فمنْ أرادَ استيفاءَ ذلكَ راجعَ الإحياءَ للغزاليِّ (٢) ﵀. واعلمْ أن البُخْلَ داءٌ لهُ دواءٌ، وما أنزلَ اللَّهُ منْ داءٍ إلَّا ولهُ دواءٌ، وداءُ البخلِ سببهُ أمرانِ: الأولُ حبُّ الشهواتِ التي لا يُتَوصَّلُ إليها إلَّا بالمالِ وطولِ الأملِ، والثاني: حبُّ ذاتِ المالِ والشغفُ بهِ وببقائِه لديْهِ، فإنَّ الدنانيرَ مثلًا رسولٌ ينال بها الحاجاتُ والشهواتُ فهوَ محبوبٌ لذلكَ، ثمَّ صارَ محبُوبًا لنفسِه لأنَّ الموصِلَ إلى اللذاتِ لذيذٌ، فقدْ تُقضى الحاجاتُ والشهواتُ، وتصيرُ الدنانيرُ عندَه هيَ المحبوبةُ، وهذَا غايةُ الضلالِ، فإنهُ لا فرقَ بينَ الحَجَرِ والذهبِ إلَّا منْ حيثُ أنها تُقْضَى بهِ الحاجاتُ، فهذَا سببُ حبِّ المالِ، ويتفرعُ منهُ الشحُّ وعلاجُه بضدِّهِ، فعلاجُ الشهواتِ القناعةُ باليسيرِ، وبالصبرِ، وعلاجُ [حب المال و] (٣) طولِ الأمل [الإكثارُ منْ] (٤) ذكرِ الموتِ، وذكرِ موتِ الأقرانِ، والنظر في [ذلك] (٥) طولِ تعبهم في جَمْعِ المالِ، ثمَّ ضياعِه بعدَهم، وعدمَ نفعِه لهم. وقدْ يشحُّ بالمالِ شفقةً على مَنْ بعدَه منَ الأولادِ، وعلاجُه أنْ يعلمَ أن اللَّهَ هوَ الذي خلقَهم فهو يرزقُهم، وينظرُ في نفسِه فإنهُ ربَّما لم يخلِّفْ لهُ أبوهُ فَلْسًا، ثمَّ ينظرُ ما أعدَّه اللَّهُ تعالى لمنْ تركَ الشحَّ وبذلَ ماله في مرضاةِ اللَّهِ تعالى، وينظرُ في آياتِ القرآنِ المجيد الحاثَّةِ على الجودِ المانعةِ عن البخلِ، ثمَّ ينظرُ في عواقبِ البخلِ في الدنيا، فإنهُ لا بدَّ لجامعِ المال، (٦) منْ آفاتٍ تُخْرجُهُ على رُغْمِ أنفهِ [وذل أمره] (٧)، فالسخاءُ خيرٌ كلُّه ما لم يخرجْ إلى حدِّ الإسرافِ المنْهيِّ عنهُ. وقدْ أدَّبَ الله تعالى عبادَه أحسنَ الآدابِ فقالَ:

стр. 2437

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (١)، فخيارُ الأمورِ أوسطُها. وخلاصتُه أنهُ إذا وجدَ العبدُ المالَ أنفقَه في وجوهِ المعروفِ [بالتي هيَ أحسنُ] (٢)، ويكونُ بما عند اللهِ أوثقُ منهُ بما هوَ لديْهِ، وإنْ لم يكنْ لديهِ مالٌ لزمَ القناعةَ والتكفُّفَ وعدمَ الطمعِ. ذمُّ الرياء ٥/ ١٤٠١ - وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إن أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيكُمْ الشرْك الأَصْغَرُ: الرِّيَاءُ"، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ (٣) حَسَنٍ. [حسن] ([وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁) (٤)] (٥) هوَ محمودُ بن لبيدٍ بن رافع الأنصاريُّ الأشهليُّ، وُلدَ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وحدَّثَ عنهُ أحاديثَ. قالَ البخاريُّ: لهُ صحبة. وقالَ أبو حاتم: لا نعرف لهُ صحبة. وذكرهُ مسلم في التابعينَ. قالَ ابنُ عبدِ البرّ: والصوابُ قولُ البخاريّ، وهوَ أحدُ العلماءِ، ماتَ سنةَ ستٍّ وسبعينِ. (قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكَ الأصْغَرَ)، كأنهُ قيلَ: وما هوَ؟ فقالَ ﷺ : (الرِّيَاءُ. أَخْرَجَه أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ). الرياءُ مصدرُ راءَى فاعَل، ومصدَرهُ يأتي على بناءِ مفاعلة وفعالٍ، وهوَ

стр. 2438

مهموزُ العينِ لأنهُ منَ الرؤيةِ، ويجوزُ تخفيفُها بقلْبِها ياءً، و [حقيقة الرياء] (١) لغةً [هو] (٢) أنْ يرَى غيرَه خلافَ ما هوَ عليهِ، وشرْعًا أنْ يفعلَ الطاعةَ ويتركَ المعصيةَ معَ ملاحظةِ غيرِ اللَّهِ تعالى، أو يخبرُ بها، أوْ يحبُّ أنْ يطَّلعَ عليها لمقصدٍ دنيويٍّ منْ مالٍ أو [غيره، والكلُ محرم] (٣). وقدْ ذمَّه اللَّهُ في كتابِه، وجعلَه منْ صفاتِ المنافقينَ في قولِهِ تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٤)، وقالَ: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٥)، [﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) - إلى قولِه - الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)﴾ (٦)] (٧). ووردَ فيهِ من الأحاديثِ الكثيرةِ الطيبةِ الدالةِ على عظمةِ عقابِ المرائي، فإنهُ في الحقيقة عابدٌ لغيرِ اللَّهِ، وفي الحديثِ القدسيِّ: "يقولُ اللَّهُ تعالَى: منْ عملَ عملًا أشركَ فيهِ غيري فهوَ لهُ كلُّه، وأنا منه بريءٌ، أنا أغْنَى الأغنياءِ عن الشركِ" (٨). واعلمْ أن

стр. 2439

الرياء يكونُ بالبدنِ وذلك بإظهارِ النحولِ والاصفرارِ ليوهمَ بذلكَ شدةَ الاجتهادِ والحزنِ على أمر الدينِ وخوفِ الآخرةِ، وليدلَّ بالنحولِ على قلةِ الأكلِ، [وبتشعثِ الشعرِ] (١) ودرنِ [الثوبِ يوهِمُ] (٢) أن همَّه بالدينِ ألهاهُ عنْ ذلكَ، وأنواعُ هذا واسعةٌ، وهوَ ليرى أنهُ منْ أهلِ الدين [والصلاح] (٣)، ويكونُ [الرياء] (٤) بالقولِ بالوعظِ في المواقفِ وبذكرِ حكاياتِ الصالحينَ ليدلَّ على عنايتهِ بأخبارِ السلفِ، وتبحُّرِه في العلمِ، ويتأسفُ على مقارفةِ النّاسِ للمعاصي والتأوُّه من ذلك، والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ بحضْرَةِ الناس، والرياءُ بالقولِ لا تنحصرُ [أبوابهُ] (٥)، وقد تكونُ المراءاةُ بالأصحاب والأتباع والتلاميذِ فيقالُ فلانُ متبوعٌ، قُدْوَةٌ، والرياءُ بابٌ واسعٌ، إذا عرفتَ ذلكَ فبعضُ أَبوابِ الرياءِ أعظمُ منْ بعضٍ لاختلافهِ باختلافِ أركانِه، وهيَ ثلاثةٌ: المراءى بهِ، والمراءَى لأجْلهِ، ونفسُ قصدِ الرياءِ [فقصْدُ الرياءِ] (٦) لا يخلو منْ أنْ يكونَ مجرَّدًا عنْ قصدِ الثوابِ، أو مصحُوبًا بإرادتِه، والمصحوبُ بإرادةِ الثوابِ لا يخلُو [عنْ] (٧) أنْ تكونَ إرادةُ الثوابِ أرجحُ أوْ أضْعَفُ أو متساوية، فكانتْ صورٌ أربع: الأولَى أنْ لا يكونَ قصدُ الثوابِ بلْ فعلُ الصلاةِ مثلًا ليراهُ غيرُه، وإذا انفردَ [لم] (٨) يفْعلها، وأخرجَ الصدقةَ لئلَّا يقالَ إنهُ بخيلٌ، وهذا أغلظُ أنواعِ الرياءِ وأخبثُها، وهوَ عبادةٌ [للعباد] (٩). الثانيةُ: قصدُ الثوابِ لكنْ قَصْدًا ضعيفًا بحيثُ إنهُ لا يحملُه على الفعلِ إلا [الرياء] (١٠)، ولكنَّه قصدَ الثوابَ فهذا الذي قبْلَه. والثالثة: تساوي القصْدانِ بحيثُ لم يبعثْه على [العمل] (١١) إلا مجموعُهُما، ولو خلَى عنْ كلِّ واحدٍ منْهما لم يفعلْه، فهذَا تساوى صلاحِ قصدِه وفسادِه، فلعلَّه يخرجُ رأسًا برأسٍ لا لهُ ولا عليهِ. الرابعةُ: أنْ يكونَ اطلاعُ الناسِ مرجّحًا ومقوِّيًا لنشاطِه، ولو لم يكنْ لما تركَ العبادةَ.

стр. 2440

قال الغزاليُّ (١): والذي نظنُّه - والعلمُ عندَ اللَّهِ - أنهُ لا يحبطُ أصلُ الثوابِ ولكنَّهُ ينقصُ ويُعَاقَبُ على مقدارِ قصدِ الرياءِ، ويثابُ على مقدارِ قصدِ الثواب. وحديثُ: "أنا أَغْنَى الأغنياءِ عن الشركِ" (٢) محمولٌ على ما إذا تساوَى القصدانِ، أوْ كان قصدَ الرياءِ أرجحُ. وأما المراءَى بهِ وهوَ الطاعاتُ فينقسم إلى الرياءِ بأصولٍ العباداتِ، وإلى الرياءِ بأوصافها، وهوَ ثلاثُ درجات: الرياءُ بالإيمانِ، وهوَ إظهارُ كلمةِ الشهادةِ، وباطنُه مكذِّبُ فهوَ مخلَّد في النارِ في الدركِ الأسفلِ منها، وفي هؤلاء أنزلَ اللَّهُ تعالَى ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ (٣) الآية. وقريبٌ منْهم الباطنيةُ الذينَ يُظْهِرونَ الموافقةَ في الاعتقادِ ويبطنونَ خلافَه، ومنْهمُ الرافضةُ [أهل التُّقْيةِ] (٤) الذينَ يظهرونَ لكل فريقٍ أنَّهم منهمْ تُقْيَةً. وإلى الرياء بالعباداتِ كما قدمنا، وهذا إذا كان الرياءُ في أصلِ المقصِدِ، وأما إذا عرضَ الرياءُ بعدَ الفراغِ منْ فعلِ العبادةِ لم يؤثرْ فيهِ إلَّا إذا ظهرَ العملُ للغيرِ وتُحُدِّثَ بهِ. وقدْ أخرجَ الديلمي (٥) مرفُوعًا: "إنَّ الرجلَ يعمل عملًا سِرًا [فيكتبُه الله عندَه]، (٦) سِرًّا، فلا يزالُ بهِ الشيطانُ حتَّى يتكلَّمَ بهِ فيُمْحَى منَ السرِّ ويكتبُ علانيةً، فإنْ عادَ تكلَّمَ الثانيةَ مُحِيَ منَ السرِّ والعلانيةِ وكُتِبَ رياءً". وأما إذا قارنَ باعِثُ الرياءِ باعِثَ العبادةِ ثمَّ ندمَ في أثناءِ العبادةِ فأوجبَ [البعضُ] (٧) منَ العلماءِ الاستئنافَ لعدمِ انعقادِها. وقالَ بعضُهم: يلغُو جميعَ ما فعلَه إلا التحريمَ. وقالَ بعضهم: يصحُّ لأنَّ النظرَ إلى الخواتمِ كما لو ابتدأ بالإخلاصِ وصحبَه الرياءُ منْ بعدِه. قال الغَزاليُّ (٨): والقولانِ الآخرانِ خارجانِ عنْ [قياسِ] (٩) الفقهِ. وقدْ أخرجَ الواحديُّ (١٠) في أسبابِ النزولِ جوابَ جندبِ بن

стр. 2441

زهيرٍ لما قالَ للنبيِّ ﷺ : إني أعملُ العملَ وإذا اطُّلِعَ عليهِ سرَّني، فقالَ ﷺ : لا شريكَ للَّهِ في عبادتِه. وفي روايةٍ: "إنَّ اللَّهَ لا يقبلُ ما شُورِكَ فِيهِ"، رواهُ ابنُ عباس (١). ورُوِيَ عنْ مجاهدٍ (٢) أنهُ جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: إني أتصدَّقُ وأصلُ الرحمَ، ولا أصنعُ ذلكَ إلَّا للَّهِ، فيُذْكَرُ ذلكَ منِّي فيسرني وأُعجَبُ بهِ فلمْ يقلِ النبيُّ ﷺ لهُ شيئًا حتَّى نزلتِ الآيةُ يعني قولَه تعالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣)، ففي الحديثِ دلالةٌ على أن السرورَ بالاطلاعِ على العملِ رياءٌ، ولكنَّه يعارضُه ما أخرجَهُ الترمذيُّ (٤) منْ حديثِ أبي هريرةَ، وقالَ: حديثٌ غريبٌ قالَ: "قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ بينا أنا في بيتي في [صلاتي] (٥)؛ إذْ دخلَ عليَّ رجلٌ فأعجبني الحالُ التي رآني [عليها] (٦) فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لكَ أجرانِ". وفي الكشافِ (٧) منْ حديثِ جندب أنهُ ﷺ قالَ لهُ: "لكَ أجرانِ أجرُ السرِّ، وأجرُ العلانيةِ"، وقدْ يرجِّحُ هذا الظاهرَ قولُه تعالَى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ (٨)، فدلَّ على أن محبةَ الثناءِ منْ رسُولِ اللَّهِ ﷺ لا تنافي الإخلاصَ، ولا تُعَدُّ منَ الرياءِ. [ويُتَأوَّلُ] (٩) الحديثُ الأوّلُ بأنَّ المرادَ بقولِه: "إذا اطُّلِعَ عليهِ سرَّني" لمحبتهِ للثناءِ عليهِ فيكونُ الرياءُ في محبتِه الثناءَ على

стр. 2442

العملِ، وإنْ لم يخرجِ العملُ عنْ كونِه خالِصًا، وحديثُ أبي هريرةَ ليسَ فيهِ تعرُّضٌ [لمحبته] (١) الثناءَ منَ المطَّلِعِ عليهِ، وإنَّما هوَ مجرّدُ محبةٍ لما يصدرُ عنْه وعَلِمَ بهِ غيرُه، ويحتملُ أنْ يرادَ بقولِه فيعجبني أي يعجبُه شهادةُ الناسِ لهُ بالعملِ الصالحِ لقولِه ﷺ : "أنتمُ شهداءُ اللهِ في الأرضِ". قالَ الغزالي (٢): أما مجردُ السرورِ باطلاع الناسِ إذا لم يبلغْ أمرُه بحيثُ يؤثّرُ في العملِ فبعيدٌ أنْ يفسِدَ [في] (٣) العبادةَ. خصال النفاق ٦/ ١٤٠٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "آيَة المُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائتُمِنَ خَانَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] - ولَهُمَا (٥) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو: "وَاذَا خَاصَمَ فَجَرَ". (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : آيَة الْمنَافِقِ) [أي علامةُ نفاقِه] (٦) (ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإذَا ائْتُمِنَ خَانَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وقد ثبتَ عندَ الشيخينِ منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن عمرو رابعةٌ وهيَ: وإذا خاصمَ فجرَ). والمنافقُ مَنْ يظهرُ الإيمانَ ويبطنُ الكفرَ. وفي الحديثِ دليلٌ على أن منْ كانتْ فيهِ خَصْلَةٌ منْ هذهِ كانتْ فيهِ خصلةٌ منَ النفاقِ، فإنْ كانتْ فيهِ هذهِ كلُّها فهو منافقٌ [كامل النفاق] (٧) وإنْ كانَ موقِنًا مصدّقًا بشرائعِ [الإسلامِ] (٨) [لحديث: وإن صلَّى

стр. 2443

وصام، وزعم أنه مسلم] (١). وقدِ استشكلَ الحديثُ بأنَّ هذه الخصالَ قدْ توجدُ في المؤمنِ المصدقِ القائم [بشرائعِ الدينِ] ولما كانَ كذلك اختلفَ] (٢) العلماءُ في معنى الحديث. قالَ النوويُّ (٣): قالَ المحققونَ: والأكثرونَ - وهوَ الصحيحُ المختارُ - إنَّ هذهِ الخصالَ هي خصالُ المنافقينَ، فإذا اتصفَ بها أحدٌ منَ [المصدِّقينَ] (٤) أشبهَ [المنافقَ] (٥)، فيطلقُ عليهِ اسمُ النفاقِ مجازًا، فإنَّ النفاقَ هوَ إظهارُ ما يبطنُ خلافَه، وهوَ موجودٌ في صاحبِ هذِه الخصالِ، ويكونُ نفاقُه في حقِّ مَنْ حدَّثَهُ، ووعدَهُ، وأْتَمَنهُ، وخاصَمهُ، وعاهدَه منَ الناسِ، لا أنهُ منافقٌ في الإسلامِ، وهوُ يبطنُ الكفرَ، وقيلَ: إنَّ هذا كانَ في حقِّ المنافقينَ الذينَ كانُوا في أيامِه ﷺ [تحدَّثوا] (٦) بإيمانهم فكذبُوا، وأتُمِنُوا على دينهم فخانُوا، ووعِدُوا في الدينِ بالنصرِ فأخلفُوا وفجرُوا في خصوماتِهم. وهذا قولُ سعيدٍ بن جبيرٍ (٧)، وعطاءٍ بن أبي رباحٍ (٨)، [ورجعَ إليهِ الحسنُ (٩) بعدَ أنْ كانَ على خلافِه، وهوَ مرويٌ عن ابن عباسٍ] (١٠)، وابنِ عمرَ وروياه عن النبي ﷺ . قالَ القاضي (٩) عياضٌ: وإليهِ مالَ كثيرٌ منَ الفقهاءِ. وقالَ الخطابيُّ (٩) عنْ بعضِهم إنهُ وردَ الحديثُ في رجلٍ معيَّنٍ، وكانَ النبيُّ ﷺ لا يواجِهُهُم بصريحِ القولِ، فيقولُ فلانٌ منافقٌ وإنما يشيرُ إشارةً. وحَكَى الخطابيُّ (١١) أن معناهُ التحذيرُ للمسلمِ أنْ يعتادَ هذهِ الخصالَ التي يخافُ عليهِ منْها أنْ تفضيَ بهِ إلى حقيقةِ النفاقِ، وأيدَ هذا القولَ بقصةِ ثعلبةَ الذي [أنزل الله تعالى] (١٢) فيهِ: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا [فِي قُلُوبِهِمْ] (١٣) إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، فإنهُ آلَ بهِ خُلْفُ الوعدِ والكذبِ إلى الكفرِ، فيكونُ الحديثُ للتحذيرِ منَ التخلقِ بهذهِ [الخلالِ] (١٤) التي تؤولُ بصاحِبها إلى النفاقِ الحقيقيِّ الكاملِ.

стр. 2444

النهي عن سب المسلم وقتاله ٧/ ١٤٠٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوق، وَقِتَالُهُ كفْرٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : سِبَابُ) [بكسرِ السينِ المهملةِ مصدرُ سبَّه] (٢) (المُسْلِمُ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كفْرٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). السبُّ لغةً: الشتمُ والتكلمُ في أعراضِ الناسِ [بما لا يعني كالسباب] (٣)، الفسوقُ مصدرُ فسقَ، وهوَ لغةً: الخروجُ، وشرْعًا: الخروجُ منْ طاعةِ اللهِ. وفي مفهوم قولِه: "المسلمُ"، دليلٌ على جوازِ سبِّ الكافرِ، فإنْ كانَ معاهِدًا فهوَ أذيةٌ وقدْ نُهِيَ عنْ أذيَّتِهِ، فلا يُعْمَلُ بالمفهومِ في حقِّه، وإنْ كانَ حربيًا جازَ سبُّه إذْ لا حرمةَ لهُ، وأما الفاسقُ فقد اختلفَ العلماءُ في جوازِ سبِّهِ بما هوَ مرتكبٌ لهُ منَ المعاصي، فذهبَ الأكثرُ إلى جوازِهِ، لأنَّ المرادَ بالمسلمِ في الحديثِ الكاملِ الإسلامُ، والفاسقُ ليسَ كذلكَ، وبحديثِ: (اذكُروا الفاسق بما فيهِ كي يحذرَه الناسُ)، وهوَ حديثٌ ضعيفٌ، وأنكرهُ أحمدُ (٤)، وقالَ البيهقيُّ (٥): ليسَ بشيءٍ، فإنْ صحَّ حُمِلَ على فاجرٍ معلِنٍ بفجورِهِ، أو يأتي بشهادةٍ أوْ يعتمدُ عليهِ فيحتاجُ إلى بيانِ حالهِ لئلَّا يقعَ الاعتمادُ عليهِ، انتهَى كلامُ البيهقيِّ؛ ولكنهُ أخرجَ الطبرانيُّ (٦) في الأوسطِ [والصغيرِ] (٧) بإسنادٍ حسنٍ رجالُه موثوقونَ، وأخرجَهُ في الكبيرِ أيضًا منْ حديثِ معاويةَ بن حيدةَ قالَ: خَطَبَهم رسولُ اللهِ ﷺ فقال: "حتَّى متَى ترعوونَ عنْ ذكرِ الفاجرِ، اهتكوهُ

стр. 2445

حتَّى يحذرَه الناسُ". وأخرجَ البيهقيُّ (١) منْ حديثِ أنسٍ بإسنادٍ ضعيفٍ: "مَنْ ألقَى جلبابَ الحياءِ فلا غيبةَ لهُ". وأخرجَ مسلمٌ (٢): "كلُّ أمتي معافَى إلا المجاهرونَ" وهمُ الذينَ جاهَرُوا بمعاصِيْهم، فهتكُوا ما سترَ اللَّهُ عليهم، فيتحدثون بها بلا ضرورةَ ولا حاجةَ. والأكثرُ يقولون بأنهُ يجوزُ أنْ يُقَالَ للفاسقِ يا فاسقُ، يا مفسِدُ، وكذَا في غيبتِه بشرطِ قصدِ النصيحةِ لهُ أو لغيرِه، لبيانِ حالِه أو للزجرِ عنْ صنيعهِ، لا لقصدِ الوقيعةِ فيهِ فلا بدَّ منْ قصدٍ صحيحٍ إلا أن يكونَ جوابًا لمنْ يبدأُه بالسبِّ، فإنهُ يجوزُ لهُ الانتصارُ لنفسهِ لقولِه تعالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ (٣)، ولقولِه ﷺ : "المتسابَّانِ ما قالا فعلَى البادي ما لم يعتدِ المظلومُ"، أخرجَهُ مسلم (٤). ولكنهُ لا يجوزُ أنْ يعتديَ ولا يسبَّه بأمرٍ كذبٍ. قالَ العلماءُ: وإذا انتصرَ المسبوبُ استوفَى ظلامتَه، وبرئَ الأولُ منْ حقِّهِ، وبقيَ عليهِ إثمُ الابتداءِ، والإثمُ المستَحقُّ للهِ تعالَى. وقيلَ: يرتفع عنه الإثمُ، ويكونُ على البادئِ اللومُ والذمُّ لا الإثمُ. ويجوزُ في حالِ الغضبِ للهِ تعالَى لقولِه ﷺ ذرٍّ: "إنكَ امرؤٌ فيكَ جاهليةٌ" (٥)، وقولُ عمرَ (٦) في قصةِ حاطبٍ: دعني أضربْ عُنُقَ هذا المنافقِ، وقولُ أُسَيْدِ (٧) لسعدٍ: إنما أنتَ منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. ولم ينكرْ ﷺ هذهِ الأقوالَ، وهيَ بمحضرِه. وقولُه ﷺ : (وقتالُه كفرٌ) دالٌّ على أنهُ يكفرُ مَنْ يقاتلُ المسلمَ بغيرِ حقٍّ، وهوَ ظاهرٌ فيمنِ استحلَّ قتلَ

стр. 2446

المسلمِ أو قاتلَه حالَ إسلامِه. وأما إذا كانتِ المقاتلةُ لغيرِ ذلكَ [فأطلق عليه] (١) الكفر مجازًا ويرادُ بهِ كفرُ النعمةِ والإحسانِ وأخوةِ الإسلامِ، لا كفرُ الجحودِ، وسمَّاهُ كفرًا لأنهُ قد يؤولُ به إلى الكفر لما يحصلُ منَ المعاصي منَ الرينِ على القلبِ حتى يعمَى عن الحقِّ فقدْ [تصير] (٢) كفرًا، أو إنهُ فِعلٌ كفعلِ الكافرِ الذي يقاتلُ المسلمَ. التحذير من الظن لأنه أكذب الحديث ٨/ ١٤٠٤ - وَعَن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإن الظَّنَّ أكذَبُ الْحَدِيثِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الْحَدِيثِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). المرادُ بالتحذيرِ التحذيرُ منَ الظنِّ بالمسلمِ شرًا نحوَ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾، والظنُّ هوَ ما يخطرُ بالنفسِ منَ التجويزِ المحتملِ للصحةِ والبطلانِ، فيحكمُ بهِ ويعمل عليهِ، كذا فسَّرَ الحديثَ في مختصرِ النهايةِ. وقالَ الخطابيُّ: المرادُ التهمةُ ومحلُّ التحذيرِ. والنَّهيُ إنَّما هوَ عن التهمةِ التي لا سببَ لما يوجِبُها كمن اتُّهم بالفاحشةِ ولم يظهرْ عليهِ ما يقتضي ذلكَ. قال النوويُّ: والمرادُ التحذيرُ منْ تحقيقِ التهمةِ والإصرارِ عليها، وتقرُّرِها في النفس دونَ ما يعرضُ ولا يستقرُّ، فإنَّ هذا لا يكلَّفُ بهِ كما في الحديثِ: "تجاوزَ اللَّهُ عما [تحدثتْ] (٤) بهِ الأمةُ أنفسَها ما لم تتكلمْ أو تعملْ" (٥)، ونقلَه عياضٌ عنْ سفيانَ. والحديثُ واردٌ في حقِّ مَنْ لم يظهرْ منهُ شر ولا فُحْشٌ ولا فجورٌ، ويقيدُ إطلاقَه حديثُ: "احترِسُوا منَ الناسِ بسوءِ الظنِّ" (٦) أخرجَهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ (٦)،

стр. 2447

والبيهقي (١) والعسكريُّ (٢) منْ حديثِ أنسٍ مرفُوعًا. قالَ البيهقيُّ: تفرَّدَ بهِ بقيةٌ. وأخرجَ الديلميُّ (٣) عنْ عليٍّ ﵁ موقوفًا: "الحَزْمُ سُوءُ الظَّنِّ". وأخرجَهُ القُضَاعيُّ (٤) مرفُوعًا منْ حديثِ عبدِ الرحمنِ بن عائذٍ مرسلًا، وكلُّ طرقِه ضعيفةٌ، وبعضُها يقوِّي بعضًا، ويدلُّ على أن لها أصلًا. وقدْ قالَ ﷺ : "أخوكَ البكريُّ ولا تأمنْه"، أخرجَهُ الطبراني في الأوسطِ (٥) عنْ عمرَ، وأبو داودَ (٦) عنْ عمرِو بن [العاص] (٧). وقدْ قسَّمَ الزمخشريُّ (٨) الظنَّ إلى واجبٍ ومندوبٍ وحرامٍ ومباحٍ، فالواجبُ حُسْنُ الظنِّ باللهِ، والحرامُ سوءُ الظنّ بهِ تعالَى، وبكلِّ مَنْ ظاهرُه العدالةُ منَ المسلمينَ، وهوَ المرادُ بقولِه ﷺ : "إياكم والظنَّ"، الحديثَ. والمندوبُ حسنُ الظنّ بمنْ ظاهرُه العدالةُ منَ المسلمينَ، والجائزُ مثلُ قولِ أبي بكرٍ لعائشةَ: إنما هو أخوك أو أُختكِ لما وقعَ في قلبه أن الذي في بطنِ امرأتِه أنثى. ومنْ ذلكَ

стр. 2448

سوءُ الظنِّ بمن اشتهرَ بينَ الناسِ بمخالطةِ الريبِ، والمجاهرةِ بالخبائثِ، فلا يحرمُ سوءُ الظنِّ بهِ لأنهُ قدْ دلَّ على نفسهِ، ومن سترَ على نفسِه لم يُظَنَّ بهِ إلا خيرٌ، ومنْ دخلَ في مداخلِ السوءِ اتُّهِم، ومنْ هتكَ نفسَه ظننا بهِ السوءَ. والذي يميزُ الظُّنونَ التي يجبُ اجتنابُها عما سواها أن كلَّ ما لا تُعْرَفُ لهُ أمارةٌ صحيحةٌ وسببٌ ظاهرٌ كانَ حرامًا واجبَ الاجتنابِ، وذلك كأهل السترِ والصلاح ومنْ آنست منهُ الأمانة في الظاهرِ، ومقابله بعكسِ ذلكَ. ذكرَ معناهُ في الكشافِ (١). وقولُه: "فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث"، سمَّاه حديثًا لأنهُ حديثُ نفسٍ، وإنَّما كانَ الظنُّ أكذبَ الحديثِ لأنَّ الكذبَ لمخالفته الواقعَ منْ غيرِ استنادِ إلى أمارةٍ، وقبحُه ظاهرٌ لا يحتاجُ إلى إظهارهِ، وأما الظنُّ فيزعمُ صاحبُه أنهُ استندَ إلى شيءٍ فيخفَى على السامعِ كونُه كاذِبًا بحسبِ الغالبِ [فكان] (٢) أكذبَ الحديثِ. من ضيَّع من استرعاه الله أو خانهم حرَّم الله عليه الجنة ٩/ ١٤٠٥ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيتِهِ، إلَّا حَرّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وَعَنْ مَعقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَا مِنْ عَبدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إلَّا حَرّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ). أخرجَهُ البخاريُّ منْ روايةِ الحسنِ، وفيهِ قصةٌ، وهي: أن عُبَيْدَ اللَّهِ بنَ زيادٍ عادَ معقلَ بنَ يسارٍ في مرضِه الذي ماتَ فيهِ، وكانَ عبيدُ اللهِ عاملًا على البصرةِ في إمارةِ معاويةَ وولدِهِ يزيدَ. أخرجه الطبرانيُّ (٤) في الكبير منْ وجهٍ آخرَ

стр. 2449

عن الحسنِ قالَ: قدمَ علينا عبيدُ اللَّهِ بنُ زيادٍ أميرًا أمَّرهُ علينا معاويةُ غُلامًا سَفِيهًا يسفكُ الدماءِ سَفْكًا شديدًا، وفيها معقلُ المزنيُّ فدخلَ عليهِ ذاتَ يومٍ فقالَ لهُ: انتهِ عما أراكَ تَصْنعُ فقال لهُ: وَمَا أَنتَ وَذَاكَ؟ ثم خرج إلى المسْجِدِ فقُلنَا لهُ: مَا كنتَ تصنعُ بكلامِ هذا السفيهِ على رؤوسِ الناسِ؟ فقالَ: إنهُ كانَ عندي علمٌ فأحببتُ أنْ لا أموتَ حتَّى أقولَ بهِ على رؤوسِ الناسِ، ثمَّ مرضَ فدخلَ عليهِ عبيدُ اللهِ يعودُه فقالَ لهُ معقلُ بنُ يسارٍ: إني أحدِّثُكَ حديثًا سمعتُه منْ رسولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: "ما منْ عبدٍ يسترعيهِ اللهُ رعيَّةً فلم يُحِطْها بنصيحةٍ لم يرحْ رائحةَ الجنةِ". ولفظُ روايةِ المصنِّفِ أحدُ روايتي مسلمٍ. وأخرجَ مسلمٌ (١): "ما مِنْ أميرٍ يلي أمرَ المسلمينَ، لا يجتهدُ لهم، ولا ينصحُ لهم إلا لم يدخلْ معهمُ الجنةَ". ورواهُ الطبرانيُّ (٢)، وزادَ: كنُصْحِه لنفسِه. وأخرجَ الطبرانيُّ (٣) بإسنادٍ حسنٍ: "ما منْ إمامٍ ولا والٍ باتَ ليلةً سوداءَ غاشًّا لرعيتِه إلا حرَّم اللَّهُ عليهِ الجنةَ، وعَرْفُها يوجدُ يومَ القيامةِ منْ مسيرةِ سبعينَ عامًا". وأخرجَ الحاكمُ (٤) وصحَّحَهُ منْ حديثِ أبي بكرٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ وُلِّيَ منْ أمرِ المسلمينَ شيْئًا فأمَّرَ عليهمْ أحدًا محاباةً فعليهِ لعنةُ اللَّهِ، لا يقبلُ اللَّهُ منهُ صرْفًا ولا عدْلًا حتَّى يدخلَه جهنَّمَ". وأخرجَ أحمدُ (٥) والحاكمُ (٦) أيضًا وصحَّحهُ منْ حديثِ ابن عباسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "من استعملَ رجلًا على عصابةٍ وفيهمْ منْ هوَ أرْضَى للهِ منهُ، فقدْ خانَ اللَّهَ ورسولَه

стр. 2450

والمؤمنينَ"، وفي إسنادِه واهٍ، إلَّا أن ابنَ نُمَيْرٍ وثَّقَهُ، وحسَّنَ لهُ الترمذيُّ أحاديثَ. والراعي هوَ القائمُ بمصالحِ مَنْ يرعاهُ. وقولُه: (يومَ يموتُ) مرادُه أنهُ يدركُه الموتُ وهوَ غاشٌّ لرعيتِه غيرَ تائبٍ منْ ذلكَ. والغِشُّ بالكسرِ ضدُّ النصحِ، ويتحققُ غِشُّهُ بظلمِه لهمْ بأخذِ أموالِهم، وسفْكِ دمائِهم، وانتهاكِ أعراضِهم، واحتجابِه عنْ خلتهم وحاجتهم، وحبْسهِ عنْهم ما جعلَه اللَّهُ لهم منْ مالِ اللهِ سبحانَه المعيَّنِ للمصارِف، وتركِ تعرِيفهم بما يجبُ عليهمْ منْ أمرِ دينهم ودنياهُم، وإهمالِ الحدودِ، وردعِ أهلِ الفسادِ، وإضاعةِ الجهادِ وغيرِ ذلكَ مما فيهِ مصالحُ العبادِ. ومنْ ذلك توليتُه لمنْ لا يحوطُهم، ولا يراقبُ أمرَ اللَّهِ فيهم، وتوليتُه منْ غيره أرضَى لله تعالى معَ وجودِه. والأحاديثُ دالةٌ على تحريمِ الغِشِّ وأنهُ من الكبائرِ لورودِ الوعيدِ عليهِ بعينِه، فإنَّ تحريمَ الجنةِ هو وعيدُ الكافرينَ في القرآنِ كما قال تعالى: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ (١)، وهوَ على رأي مَنْ يقولُ بخلودِ أهلِ الكبائر في النارِ واضحٌ، وقدْ حمَلَهُ مَنْ لا يَرَى خلودَ أهلِ الكبائرِ في النارِ على الزجرِ والتغليظِ. قال ابنُ بطالٍ: هذا وعيدٌ شديدٌ على أئمةِ الجورِ، فمنْ ضَيَّعَ من استرْعَاه اللهُ، أو خانَهم، أوْ ظلَمَهُم فقدْ توجَّه إليهِ الطلبُ بمظالمِ العبادِ يومَ القيامةِ، فكيفَ يقدِرُ على التحلُّلِ منْ ظلمِ أمةٍ عظيمةٍ. ومعنَى: ﴿حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ أي أنفذَ [عليهِ] (٢) الوعيدَ، ولمْ يُرْضِ عنهُ المظلومينَ. أمر الوالي بالرفق برعيته ١٠/ ١٤٠٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُم مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتي شَيئًا فَشَقَّ عَلَيهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيهِ"، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وَعَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسول اللهِ ﷺ : اللَّهُمّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا

стр. 2451

فَشَق عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). شقَّ عليهمْ أدخلَ عليهمْ المشقةَ، أي المضرةَ. والدعاءُ عليهِ منْهُ ﷺ بالمشقةِ جزاءٌ مِنْ جِنْسِ الفعلِ، وهوَ عامٌّ لمشقةِ الدنيا والآخرةِ، وتمامُه: "ومَنْ ولي منْ أمرِ أمتي شيئًا فرفقَ بهم فارفقْ بهِ". ورواهُ أبو عوانة (١) في صحيحهِ بلفظِ: "ومنْ ولي منْهم شيئًا فشقَّ عليهمْ فعليهِ بهلةُ اللَّهِ، [فقالوا] (٢): يا رسولَ اللهِ، وما بهلةُ اللَّهِ؟ قال: لعنةُ الله". والحديثُ دليلٌ على أنهُ يجبُ على الوالي تيسيرُ الأمورِ على منْ وَليَهم، والرفقُ بهمْ، ومعاملتُهم بالعفوِ والصفحِ وإيثارِ الرخصةِ على العزيمةِ في حقِّهم، [لئلا] (٣) يدْخِلَ عليهمُ المشقةَ، ويفعلُ بهم ما يحبُ أنْ يفعلَ بهِ اللهُ. النهي عن ضرب الوجه ١١/ ١٤٠٧ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا قَاتَلَ أحَدُكُمْ) أي غَيْرَه كما يدلُّ لهُ فاعلُ، (فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ. مُتفَقٌ عليهِ). وفي روايةٍ: "إذا ضربَ أحدُكم (٥) "، وفي روايةِ: "فلا يلطمنَّ الوجْهَ" (٦)، الحديثَ. وهوَ دليل على تحريمِ ضرب الوجْهِ، وأنهُ يُتَّقَى فلا يُضْرَبُ ولا يُلْطَمُ، ولو في حدٍّ منَ الحدودِ الشرعيةِ، ولوَ في الجهادِ، وذلكَ لأنَّ الوجْهَ لطيفٌ يجمعُ المحاسنَ، وأعضاؤهُ لطيفة نفيسة، وأكثرُ الإدراكِ بها فقدْ يبطلُها ضربُ الوجهِ، وقدْ ينقصُها، وقدْ يشينُ الوجهَ، والشَّيْنُ فيهِ فاحشٌ لأنهُ بارزٌ ظاهرٌ لا يمكنُ ستْرُهُ، ومتَى أصابَهُ ضرب لا يسلمُ غالِبًا منْ شَيْنٍ وهذا النَّهْيُ عامُّ لكلِّ ضربٍ ولطمٍ منْ تأديبٍ وغيرِه.

стр. 2452

النهي عن الغضب ١٢/ ١٤٠٨ - وَعَنْهُ ﵁ أن رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي، قَالَ: "لَا تَغْضَبْ"، فَرَدَّدَ مِرَارًا، وَقَالَ: "لَا تَغْضَبْ"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] (وعَنْهُ) أي أبي هريرةَ (أن رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أوَصْنِي، قَالَ: لَا تَغضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: لَا تَغْضَبْ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ). جاءَ في روايةِ أحمدَ تفسيرُه بأنهُ جاريةُ بالجيمِ ابنُ قدامةَ، وجاءَ في حديثٍ [آخر] (٢) أنهُ سفيانُ بنُ عبدِ اللَّهِ الثقفيُّ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، قلْ لي قولًا أنتفعُ بهِ وأقْلِلْ، قالَ: "لا تغضبْ، ولكَ الجنةُ". ووردَ عنْ آخرينَ منَ الصحابةِ (٣) مثلُ ذلكَ. والحديثُ نهيٌ عن الغضبِ، وهوَ كما قالَ الخطابي (٤) نهيٌ عن اجتنابِ أسبابِ الغضبِ، [وعدم] (٥) التعرضِ لما يجلبهُ. وأما نفسُ الغضبِ فلا يتأتى النَّهْيُ عنهُ لأنهُ أمرٌ جِبِلِّيٌّ. وقالَ غيرُه: وقعَ النهيُ [عمَّا] (٦) كانَ من قبيلِ ما يكتسَبُ فيدفعُه بالرياضةِ. وقيلَ: [هوَ] (٧) نهيٌ عما ينشأُ عنهُ الغضبُ وهوَ الكِبْرُ لكونِه يقعُ عندَ مخالفةِ أمرٍ يريدُه فيحملُه الكبرُ علَى الغضبِ، والذي يتواضعُ حتَّى [تذهبَ] (٨) عنهُ عِزَّةُ النفسِ يسلَمُ منْ شرِّ الغضبِ، وقيلَ: معناهُ لا تفعلْ ما يأمرُكَ بهِ الغضبُ. قيلَ: وإنَّما اقتصرَ ﷺ على هذهِ اللفظة لأنَّ السائلَ كانَ غضُوبًا، وكانَ ﷺ يفتي كلَّ أحدٍ بما هوَ أَوْلَى بهِ.

стр. 2453

قالَ ابنُ التينِ (١): جمعَ النبيُّ ﷺ في قولِه: "لا تغضبْ" خيرَ الدنيا والآخرةِ، لأنَّ الغضبَ يؤُولُ إلى التقاطعِ، ومنعِ الرفقِ، ويؤولُ إلى أن يؤذيَ الذي غضبَ عليهِ بما لا يجوزُ فيكونُ نَقْصًا في دينِه، انتَهى. ويحتملُ أنْ يكونَ منْ بابِ التنبيهِ بالأعْلَى على الأدْنى، لأنَّ الغضبَ ينشأ عن النفسِ والشيطانِ، فمنْ جاهدَهما حتَّى يغلبَهُما مع مَا في ذلكَ منْ شدةِ المعالجةِ كانَ لقهرِ نفسِه عنْ غيرِ ذلكَ بالأَوْلَى. وتقدَّمَ كلامٌ يتعلَّقُ بالغضبِ وعلاجِه. لا يحل لمن ولي شيئًا من الأموال العامة أن يأخذ فوق حاجته ١٣/ ١٤٠٩ - وَعَنْ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إن رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ في مَالِ الله بِغَيرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَومَ الْقِيَامَةِ"، أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] (وَعَنْ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسول اللهِ ﷺ : إنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُّونَ في مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْم الْقِيَامَةِ. أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ). الحديثُ دليلٌ على أنهُ يحرمُ على مَنْ لم يستحقَّ شيئًا منْ مالِ اللَّهِ بأنْ لا يكونَ منَ المصارِفِ التي عيَّنَها الله تعالَى أنْ يأخذَه ويتملَّكَه، وأنَّ ذلكَ منَ المعاصي الموجبةِ للنارِ. وفي قولِه يتخوضُونَ دلالةٌ على أنهُ يقبحُ توسُّعُهم منهُ زيادةً على ما يحتاجونَ، فإنْ كانُوا منْ ولاةِ الأموالِ أُبِيْحَ لهم قدْر ما يحتاجونَه لأنفسِهم منْ غيرِ زيادةٍ. وقدْ تقدَّم [من] (٣) الكلامُ في ذلكَ. تحريم الظلم ١٤/ ١٤١٠ - وَعَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ: "يَا عِبَادي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَينَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلا تَظَالَمُوا"، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح]

стр. 2454

(وَعَنْ أبي ذَرٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَروِيهِ عَنْ رَبِّهِ تعالى) منَ الأحاديثِ القدسيةِ (قَالَ) الربُّ ﵎: (يَا عِبَادي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي)، وأخبرَ [بأنهُ] (١) لا يفعلُه في كتابِه بقولِه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٢)، (وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). التحريم لغةً: المنعُ عن الشيءِ، وشرْعًا: ما يستحقُّ فاعلُه العقابَ. وهذا غيرُ صحيحٍ إرادتُه في حقِّه تعالَى، بلِ المرادُ بهِ أنهُ تعالَى منزَّهٌ متقدِّسٌ عن الظلمِ، وأطلقَ عليهِ لفظَ التحريمِ لمشابهتِه الممنوعَ بجامعِ عدمِ الشيءِ، والظلمُ مستحيلٌ في حقِّه تعالَى، لأنَّ الظلمَ في عُرْفِ اللغةِ التصرفُ في غيرِ الملكِ، أوْ مجاوزةُ الحدِّ، وكلاهُما محالٌ في حق الله تعالَى، لأنهُ المالكُ للعالم كلِّه، المتصرفُ بسلطانِه في دِقِّهِ وجُلِّهِ. وقولُه: (فلا تَظَالَمُوا) تأكيدٌ لقولِه: وجعلته بينَكم محرَّمًا. والظلمُ قبيحٌ عقلًا أقرَّه الشارعُ، وزادَه قُبْحًا، وتوعدَ عليهِ بالعذابِ، وقال: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (٣) وغيرُها. الغيبةُ وتغليظ النهي عنها ١٥/ ١٤١١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ "، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "ذِكرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ"، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: "إنْ كانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإنْ لمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح]

стр. 2455

(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أن رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: أتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟) بكسرِ الغينِ المعجمةِ (قالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، [قالَ] (١): أَفَرَأَيْتَ إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَانْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ بَهَتَّهُ) بفتحِ الموحدةِ، وفتحِ الهاءِ، من البهتانِ، (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). الحديثُ كأنهُ سِيقَ لتفسيرِ الغيبةِ المذكورةِ في قولِه تعالَى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (٢). ودلَّ الحديثُ علَى حقيقةِ الغيبةِ. قالَ في النهايةِ (٣): هيَ أنْ تذكرَ الإنسانَ في غيبتهِ بسوءٍ، وإنْ كانَ فيهِ. وقال النوويُّ (٤) في الأذكارِ تبعًا للغزاليِّ: ذكرُ المرءِ بما يكْرَهُ سواءٌ كانَ في بدنِ الشخصِ أوْ دينِه [أو دنياهُ] (٥)، أو نفسِه أو خُلُقِهِ، أو خلقه، أوْ مالِه، أوْ والدِه، أوْ ولدِه، أو زَوْجِهِ، أو خادمِه، أوْ حركتِه، أو طلاقتِه، أو عبوستِه، أوْ غيرِ ذلكَ مما يتعلَّقُ بهِ ذكرُ سوءٍ، سواءٌ ذُكِرَ باللفظِ، أو بالرمزِ، أوْ بالإشارةِ. قالَ النوويُّ (٦): ومَنْ ذلكَ التعريضُ في كلامِ المصنفينَ كقولِهم: قالَ من يدَّعي العلمَ، أو بعضُ مَنْ يُنْسَبُ إلى الصلاحِ، أوْ نحوُ ذلكَ مما يُفْهِمُ السامعَ المرادَ بهِ، ومنهُ قولُهم عندَ ذكرِه: اللَّهُ يعافينا، اللَّهُ يتوبُ علينا، نسألُ الله السلامةَ، ونحوَ ذلكَ [فكلُّ ذلكَ] (٧) منَ الغيبةِ. وفي قوله: "ذِكْرُكَ أخاكَ بما يكرهُ" شاملٌ لذكرِه في غيبتهِ وحضرتِه، وإلى هذا ذهبَ طائفةٌ، ويكونُ الحديثُ بيانًا لمعناها الشرعيِّ. وأما معناها لغة: فاشتقاقها من الغيب يدل على أنها لا تكون إلا في الغيبة. ورجح جماعة أن معناهَا الشرعيَّ موافِقٌ لمعناها اللغويّ، ورَوَوْا في ذلكَ حديثًا مسندًا إلى النبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: "ما كرهتُ أنْ تواجِهَ بهِ أخاكَ فهوَ غيبةٌ" (٨)،

стр. 2456

فيكونُ هذا إن ثبتَ مخصِّصًا لحديثِ أبي هريرة، وتفاسيرُ العلماءِ دالةٌ على هذَا ففسَّرها بعضُهم بقولِه: ذِكْرُ العيبِ بظهر الغيبِ، وآخرُ بقولِه: هيَ أنْ تذكرَ الإنسانَ منْ خَلْفِه بسوءٍ وإنْ كانَ فيهِ. نعمْ ذكرُ العيب في الوجْهِ حرامٌ لما فيهِ منَ الأذَى وإنْ لم يكنْ غيبةً. وفي قولِه: (أخاكَ) أي أخُ الدينِ، دليلٌ على أن غيرَ المؤمنِ تجوزُ غيبتُه، وتقدَّم الكلامُ في ذلكَ. قالَ ابنُ المنذرِ: في الحديثِ دليلٌ على أن مَنْ ليسَ بأخٍ كاليهوديِّ والنصرانيِّ وسائرِ أهلِ المللِ، ومَنْ قدْ أخرجَتْه بدعتُه عن الإسلامِ لا غيبةَ له. وفي التعبيرِ عنهُ بالأخِ جذبٌ للمغتاب عنْ غيبتِه لمنْ يغتابُ لأنهُ إذا كانَ أخاهُ فالأَوْلَى الحنوُّ عليهِ، وطيُّ مساويهِ، والتأولُ لمعايبهِ لا نشرُها بذكرِها. وفي قولِه: "بما يكْرَهُ" ما يشعرُ بهِ بأنهُ إذا كانَ لا يكرهُ ما يُعابُ بهِ كأهلِ الخلاعةِ [والمجونِ] (١)، فإنهُ لا يكونُ غيبةً. وتحريمُ الغيبةِ معلومٌ منَ الشرعِ ومتفقٌ عليهِ. وإنما اختلفَ العلماءُ هلْ هوَ منَ الصغائرِ أو من الكبائرِ؟ فنقلَ القرطبي (٢) الإجماعَ على أنَّها منَ الكبائر. وقد استدلَّ لكبرِها بالحديثِ الثابت: "إن دماءَكُم، وأعراضَكم، وأموالَكم، عليكُم حرامٌ" (٣). وذهبَ الغزاليُّ وصاحبُ العمدةِ منَ الشافعيةِ إلَى أنَّها منَ الصغائرِ. قالَ [الأوزاعيُّ] (٤): لم أرَ مَنْ صرَّحَ أنَّها منَ الصغائرِ غيرُهما، وذهبَ المهدي إلى أنَّها محتملةُ بناءً على أن ما لم يقطعْ بكبرِه فهوَ محتملٌ كما تقولُه المعتزلةُ، قالَ الزركشيُّ: والعجبُ ممنْ يعدُّ

стр. 2457

أكَل الميتةِ كبيرةً، ولا يعدُّ الغيبةَ كذلكَ، واللَّهُ أنزَلهما منزلةَ أكْلِ لحمِ الآدميِّ، أي: ميتًا. والأحاديثُ (١) في التحذيرِ منَ الغيبةِ واسعةٌ جدًّا دالةٌ على شدةِ تحريمها. واعلمْ أنهُ قد استثنَى العلماءُ منِ الغيبةِ أمورًا ستةً: الأول: التظلمُ، فيجوزُ أنْ يقولَ المظلومُ فلانٌ ظلمني وأخذَ مالي، أوْ أنهُ ظالمٌ، ولكنْ إذا كانَ ذكرُه لذلكَ شكاية لمن له قدرةٌ على إزالتها أو تخفيفِها، ودليلُه قولُ هندٍ عندَ شكايتها عليه ﷺ مِنْ أبي سفيانَ إنهُ رجلٌ شحيحٌ. الثاني: الاستعانةُ على تغييرِ المنكرِ بذكرهِ لمنْ يظنُّ قدرتَه على إزالتِه، فيقولُ: فلانٌ فعلَ كذَا، في حقِّ مَنْ لم يكنْ مجاهِرًا بالمعصيةِ. الثالث: الاستفتاءُ، بأنْ يقولَ للمفتي: فلانٌ ظلمني بكذَا فما [طريقي] (٢) إلى الخلاصِ عنهُ، ودليلُه أنهُ لا يعرفُ الخلاصَ عما يحرُم عليهِ إلا بذكرِ ما وقعَ منهُ. الرابع: التحذيرُ للمسلمينَ منَ الاغترارِ به، كجرحِ الرواةِ والشهودِ، ومنْ يتصدَّرُ [للتدريسِ] (٣) والإفتاءِ معَ عدمِ الأهليةِ، ودليلهُ قوله ﷺ : "بئسَ أخو العشيرةِ" (٤)، وقولُه ﷺ : "أما معاويةُ فصعلوكٌ" (٥)، وذلك أنَّها جاءتْ فاطمةُ بنتُ

стр. 2458

قيسٍ تستأذنُه ﷺ وتستشيرُه، وتذكرُ أنهُ خطبَها معاويةُ بنُ أبي سفيانَ وخطبَها أبو جهمٍ فقال: "أما معاويةُ فصعلوكٌ لا مالَ لهُ، وأما أبو جهمٍ فلا يضعُ عصاهُ عن عاتقِه، ثمَّ قالَ: انكحي فلانًا"، الحديث. الخامس: ذكرُ منْ جاهرَ بالفسقِ أو بالبدعةِ كالمكَّاسينَ، وذوي الولايات الباطلة، [فيجوزُ ذكرُهم] (١) بما يجاهرونَ بهِ دونَ غيرِه، وتقدَّمَ دليلُه في حديثِ: "اذكروا الفاجرَ". السادس: التعريفُ بالشخصِ بما فيه مِنَ العيبِ كالأعورِ والأعرجِ والأعمشِ، ولا يرادُ بهِ نقصُه وغيبتُه، وجَمَعَها ابنُ أبي شريفٍ: الذمُ ليسَ بغيبةٍ في ستةٍ … متظلم ومعرِّفٍ ومحذِّر ولمظهرٍ فسقًا ومستفتٍ ومَنْ … طلبَ الإعانةَ في إزالةِ منكرِ النهي عن أسباب البغض بين المسلمين ١٦/ ١٤١٢ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا، المُسْلِمُ أخُو الْمُسْلِمِ: لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يُحَقرُهُ، التقْوَى هَا هُنَا - ويُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ، ثَلَاثَ مَرّاتٍ - بِحَسَبِ امْرِئ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ. كُل الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وَعَنْهُ) أي أبي هريرةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشوا) بالجيمِ والشينِ المعجمةِ، (وَلَا تَبَاغَضوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبْغِ) بالغينِ المعجمةِ منَ البغيَ، وبالمهملةِ منَ البيعِ (بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضِ، وَكونُوا عِبَادَ اللهِ) مَنْصوبٌ على

стр. 2459

النداءِ، (إخْوانًا، الْمُسْلِمُ أَخو الْمُسْلِم، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ) بفتحِ حرفِ المضارَعَةِ، وسكونِ الحاءِ المهملةِ، وبالقافِ، فراءٍ. قالَ القاضي عياضٌ: ورواهُ بعضُهم: لا يُخفرُه بضمِّ الياءِ وبالخاءِ المعجمةِ وبالفاءِ، أي: لا يغدرُ بعهدِه ولا ينقضُ أمانه. قالَ: والصوابُ الأولُ: (التَّقْوَى هَاهُنَا ويشِيرُ إِلَي صَدْرِهِ ثَلاثِ مَراتٍ. بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ. كل الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرضُهُ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). الحديثُ اشتملَ على أمورٍ نهَى عنْها الشارعُ. الأولُ: التحاسدُ وهوَ تفاعلٌ يكونُ بينَ اثنينِ. فهو نَهَى عنْ حسد كلِّ واحدٍ منْهما صاحبَه منَ الجانبيْنِ، ويُعْلَمُ منهُ النَّهْيُ عن الحسدِ منْ جانب واحدٍ بطريقِ الأوْلَى، لأنهُ إذا نُهِيَ عنهُ معَ مَنْ يكافِئُه ويجازيهِ بحسدِه لا معَ أنهُ منْ بابِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (١)، فهوَ معَ عدمِ ذلكَ أوْلَى بالنَّهْي. وتقدَّمَ تحقيقُ الحسدِ. الثاني: النَّهْيُ عن المناجشةِ [في البيعِ، وقد تقدم في كتاب] (٢) البيعِ، ووجْهُ النهي عنْها أنَّها منْ أسبابِ العداوةِ والبغضاءِ، وقدْ رُوِيَ بغيرِ هذَا اللفظِ في الموطأ (٣) بلفظِ: "ولا تنافسُوا" منَ المنافسةِ، وهيَ الرغبةُ في الشيءِ، ومحبةُ الانفرادِ بهِ. ويُقَالُ: نافستُ في الشيءِ منافسة ونَفَاسًا إذا رغبتُ فيهِ، والنَّهيُ [عنها] (٤) نهيٌ عن الرغبةِ في الدُّنيا وأسبابِها وحظوظِها [كما قال: يا خاطب الدنيا الدنيَّة إنها يسرك الرد وقراره الأوجه] (٥). الثالث: النَّهيُ عن التباغضِ وهوَ تفاعلٌ، وفيه أما في "تحاسدُوا" منَ] (٦) النهيَ عن التقابلِ في المباغضةِ، والانفرادِ بها بالأولَى، وهوَ نهيٌ عنْ تعاطي أسبابِه، لأنَّ البغضَ لا يكونُ إلَّا عنْ سبب، [والنهي] (٧) متوجهٌ إلى [البغض] (٨) لغيرِ اللَّهِ تعالى، فأما ما كانتْ للهِ فهيَ واجبةٌ، فإنَّ البغضَ في اللَّهِ، والحبَّ في اللَّهِ منَ الإيمانِ، بلْ وردَ في الحديثِ حصرُ الإيمانِ عليهمَا.

стр. 2460

الرابع: النهيُ عن التدابرِ. قالَ الخطابيُّ (١): أي لا تهاجَرُوا فيهجرَ أحدُكم أخاهُ، مأخوذٌ منْ توليةِ الرجلِ للآخرِ دُبُرَهُ إذا أعرضَ عنهُ حينَ يراهُ. وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٢): قيلَ للإعراضِ تدابرٌ لأنَّ منْ أبغضَ أعرضَ، ومَنْ أعرضَ ولَّى دُبُرَهُ، والمحبُّ بالعكسِ. وقيلَ: معناهُ لا يستأثرْ أحدُكم على الآخرِ، وسمَّى المستأثِرَ مستدبرًا لأنهُ يولِّي دُبُرَهُ حينَ يستأثرُ بشيءٍ دونَ الآخرِ: وقال المازري (٣): معنَى التدابرِ المعاداةِ، تقولُ دابرتُه أي عاديتُه، وفي الموطأِ عن الزهريِّ: التدابرُ الإعراضُ عن السلامِ [يعرض] (٤) عنهُ بوجْههِ، وكأنهُ أخذَهُ منْ بقيةِ الحديث، وهيَ: "يلتقيانِ فيعرضُ هذا، ويعرضُ هذا، وخيرُهُما الذي يبدأ بالسلامِ" (٥)، فإنهُ يفهمُ منهُ أن صدورَ السلامِ منْهما أوْ منْ أحدِهِما يرفعُ الإعراضَ. الخامس: النهيُ عن البغي إنْ كانَ بالغينِ المعجمةِ، وإنْ كانَ بالمهملةِ فعنْ بيعِ بعضٍ على بعضٍ، وقدْ تقدَّم في كتابِ البيعِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: تضمَّنَ الحديثُ تحريمَ بُغْضِ المسلم، والإعراضِ عنهُ، وقطيعتهِ بعدَ صحبته بغيرِ ذنب شرعيٍّ، والحسدِ لهُ [بما] (٦) أَنعمَ اللَّهُ تعالى عليهِ، ثمَّ أمرَ أنْ يعامِلَه معاملةَ الأخِ [من النسب] (٧)، ولا يبحثُ عن معايبه، ولا فَرْقَ في ذلكَ بينَ الحاضِرِ والغائبِ، والحيِّ والميِّتِ، وبعدَ هذهِ المناهي الخمسةِ حثَّهم بنولِه: "وكونُوا عبادَ اللَّهِ إخْوانًا" فأشارَ بقولِه عبادَ اللَّهِ إلى أن منْ حقِّ العبوديةِ لله تعالى الامتثالَ لما أمروا به، قالَ القرطبيُّ (٨): المعنَى كونُوا [كإخوانِ] (٩) النَّسَبِ في الشفقةِ والرحمةِ والمحبةِ، والمواساةِ والمعاونةِ، والنصيحةِ، وفي روايةٍ لمسلم (١٠) زيادةٌ: "كما أمركم اللَّهُ" بهذهِ الأمورِ فإنَّ أمرَ رسولِ اللَّهِ ﷺ أمرٌ منهُ تعالَى: [﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ

стр. 2461

رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١)] (٢). وزادَ المسلمُ حثًا على [أخوةِ] (٣) أخيه المسلمِ بقولِه: "المسلمُ أخُو المسلمِ"، وذكرَ منْ حقوقِ الأخوَّةِ أنَّهُ لا يظلمُه، وتقدَّم تحقيقُ الظلمِ وتحريمُه والظلمُ محرَّمٌ في حق الكافرِ أيضًا، وإنَّما خصَّ المسلمَ لشرفِه. "ولا يخذُلُه" والخذلانُ تركُ الإعانةِ والنصرِ، ومعناهُ إذا استعانَ بهِ في دفعِ أي ضُرٍّ، أو جَلْبِ أي نفع أعانَهُ، "ولا يحقرُه" لا يحتقرُه ولا يتكبَّرُ عليهِ ويستخفُّ بهِ. ويُرْوَى: "ولا يحتقرُه" وهوَ بمعناهُ. وقولُه: "التقوى هاهُنا" إخبارٌ بأنَّ عمدةَ التَّقْوى ما يحلُّ في القلب منْ خشيةِ اللَّهِ تعالى وعظمته ومراقبتِه وإخلاصِ الأعمالِ لهُ. [كما] (٤) دلَّ حديثُ مسلمٍ: "إنَّ اللَّهَ لا ينظرُ إلى أجسامِكُم، ولا إلى صورِكُم، ولكنْ ينظرُ إلى قلوبِكم" (٥)، أي: أن المجازاةَ والمحاسبةَ إنَّما تكونُ على ما في القلبِ دونَ الصورةِ الظاهرةِ، والأعمالِ البارزةِ، فإنَّ عُمدَتَها النياتُ، ومحلَّها القلبُ. وتقدَّم أن في الجسدِ مضغةً إذا صلُحتْ صَلُحَ الجسدُ، وإذا فسدتْ فسدَ الجسدُ. وقولُه: (بحسبِ امرئٍ منَ الشرِّ أنْ يحقرَ أخاهُ) أي يكفيهِ أنْ يكونَ منْ أهلِ الشرِّ بهذهِ الخصلةِ وحدَها. وفي قولِه: (كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ) [إخبارٌ] (٦) بتحريمِ الدماءِ والأموالِ والأعْراضِ، هذا هو معلومٌ منَ الشرعِ عِلْمًا قَطْعيًا. استعاذة الرسول ﷺ من منكرات الأخلاق ١٧/ ١٤١٣ - وَعَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللهُمَّ جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ الأخْلاقِ وَالأَعْمَالِ، والأَهْوَاءِ، وَالأَدْواءِ"، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٧)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٨). وَاللَّفْظُ لَهُ. [صحيح]

стр. 2462

(وَعَنْ قُطْبَةَ) بضمِّ القافِ وسكونِ الطاءِ المهملةِ، وفتحِ الموحدةِ (ابن مالكٍ) يُقَالُ لهِ التغلبيُّ بالمثناةِ الفوقيةِ، والغينِ المعجمةِ. ويقالُ الثعلبيُّ بالمثلثةِ والعينِ المهملةِ (قَالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقول: اللَّهمَّ جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ الأَخْلَاقِ وَالأَعْمَالِ وَالأَهْوَاءِ وَالأَدْوَاء أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَه الْحَاكِمُ، وَاللَّفْظ لَهُ). التجنيبُ المباعدةُ، أي باعدْني. والأخلاقُ جمعُ خُلُقٍ، قالَ القرطبيُّ (١): الأخلاقُ أوصافُ الإنسانِ التي يعامِلُ بها غيرَه، وهيَ محمودةٌ ومذمومةٌ، فالمحمودةُ على الإجمالِ أنْ [تكونَ] (٢) معَ غيرِكَ على نفسِكَ فتنتصفَ [منْها، ولا تنتصفَ] (٣) لها، وعلى التفصيلِ العفوُ، والحلمُ، والجودُ، والصبرُ، وتحمُّلُ الأذَى، والرحمةُ، والشفقةُ، وقضاءُ الحوائجِ، والتودُّدُ، ولينُ الجانبِ، ونحوُ ذلكَ. والمذمومةُ ذلكَ وهيَ منكراتُ الأخلاقِ التي سألَ ﷺ ربَّه أنْ يجنبهُ إيَّاهَا في هذا الحديثِ. وفي قولِه: "اللَّهمَّ كما حسَّنْتَ خَلْقي فحسِّنْ خُلُقِي"، أخرجَهُ أحمدُ (٤)، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (٥). وفي دعائِه ﷺ في الافتتاحِ: "واهدني لأحسنِ الأخلاقِ، لا يهدي لأحسنها سواكَ، واصرفْ عني سيِّئهَا، لا يصرفُ سيّئَها غيرُكَ" (٦). ومنكراتُ الأعمالِ ما يُنْكَرُ شرْعًا أوْ عادةً، ومنكراتُ الأهواءِ هي جمعُ هوًى، والهوَى هو

стр. 2463

ما تشتهيهِ النفسُ منْ غيرِ نظرٍ إلى مقصدٍ يحمل عليهِ شرْعًا. ومنكراتُ الأدواءِ جمعُ داء، وهيَ الأسقامُ المنفردةُ التي كانَ النبيُّ ﷺ يتعوذُ منْها كالجذامِ والبرصِ، والمهلكةِ كذاتِ الجنبِ، وكانَ ﷺ يستعيذُ منْ سيءِ الأسقامِ (١). تشديد الرسول ﷺ في المراء ١٨/ ١٤١٤ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُمَارِ أَخَاكَ، وَلَا تُمَازِحْهُ، وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفَهُ"، أَخْرَجَ الترْمِديُّ (٢) بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف] (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُمَارِ) منَ الممارةِ المجادلةُ (أَخَاكَ، [وَلَا تُمَازِحْهُ]) (٣) منَ المزحِ، (وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخلِفَهُ. أَخْرَجَه التِّرمِذِيُّ بسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٍ) لكنَّ في معناهُ أحاديثَ سيَّما في المراءِ، فإنهُ رَوَى الطبرانيُّ (٤) أن جماعةً منَ الصحابةِ قالُوا: "خرجَ علينا رسول اللَّهِ ﷺ ونحنُ نتمارَى في شيءٍ منْ أمرِ الدينِ، فغضِبَ غضَبًا شديدًا لم يغضبْ مثله، ثمَّ [انتهرنا] (٥) وقالَ: أبهذَا يا أمَّةَ محمدٍ أُمِرْتُمْ؟ إنما هلكَ مَنْ كانَ قبلَكُم بمثلِ هذَا، ذرُوا المراءَ لقلةِ خيرِه، ذرُوا المراءَ فإن المؤمنَ لا يماري، ذرُوا المراءَ فإنَّ المماري قدْ تمتْ خسارتُه، ذروا المراءَ، كفَى إثْمًا أنْ لا تزالَ مماريًا، ذرُوا المراءَ فإنَّ المماري لا

стр. 2464

[أشفعُ] (١) لهُ يومَ القيامةِ، ذرُوا المراءَ فأنا زعيمٌ بثلاثةِ أبياتٍ في الجنة ورياضِها أسفلِها وأوسطِها وأعلاهَا لمنْ تركَ المراءَ وهو صادقٌ، ذرُوا المراءَ فإنهُ أولُ ما نهاني عنهُ ربي بعدَ عبادةِ الأوثانِ". وأخرجَ الشيخانِ (٢) مرفُوعًا: "إنَّ أبغضَ الرجالِ إلى اللَّهِ الألدُّ الخصِمُ"، أي الشديدُ الخصومةِ أي الذي يُحِجُّ صاحبَه. وحقيقةُ المراءِ طعنُكَ في كلامِ غيرِك لإظهارِ خللٍ فيهِ لغيرِ غرضٍ سوى تحقيرِ قائله وإظهارِ مزيَّتِكَ عليهِ. والجدالُ هوَ ما يتعلقُ بإظهارِ المذاهبِ وتقريرِها. والخصومةُ لجاجٌ في الكلامِ ليستوفي بهِ مالًا أو غيرَه، ويكونُ تارةً ابتداءً وتارةً اعتراضًا، [والمِراءُ] (٣) [أن] (٤) لا يكونَ [إلا اعتراضًا] (٥)، والكلُّ قبيحٌ إذا لم يكنْ لإظهارِ الحقِّ وبيانِه، وإدحاضِ الباطلِ وهدمِ أركانِه. وأما مناظرةُ أهلِ العلم للفائدةِ وإنْ لم تخلُ عن الجدالِ فليستْ داخلةً في النَّهْي. وقدْ قالَ تعالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٦)، وقدْ أجمعَ عليهِ المسلمونَ سلفًا وخلَفًا. وأفادَ الحديثُ النَّهيَ عن ممازحةِ الأخِ، والمزاحُ الدعابةُ. والمنهيُّ عنهُ ما يجلبُ الوحشةَ أوْ كانَ بباطلٍ، وأما ما فيهِ بسطُ الخلُقِ، وحسنُ التخاطبِ، وجبرُ الخاطرِ فهوَ جائزٌ. فقدْ أخرجَ الترمذيُّ (٧) من حديثِ أبي هريرةَ: "أنَّهم قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنكَ لتداعِبُنا قالَ: إنِّي لا أقولُ إلَّا حقًّا". وأفادَ الحديثُ النَّهْيَ عنْ إخلافِ الوعدِ. وتقدَّمَ أنهُ منْ صفاتِ المنافقينَ - وظاهرُه التحريمُ - وقدْ قيَّدهُ حديثُ: "أنْ تعدَه وأنتَ مضمِرٌ لخلافِه". وأما إذا وعدتَه وأنتَ عازِمٌ على الوفاءِ فعرضَ مانعٌ فلا يدخلُ تحتَ النَّهي.

стр. 2465

سوء الخلق يفسد كل خير ١٩/ ١٤١٥ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ "خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ في مُؤْمِنٍ: البُخْلُ، وَسُوءُ الْخُلُقِ"، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (١)، وفي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. [ضعيف] (وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤمِنٍ، الْبُخْلُ، وَسُوءُ الْخُلُقِ. وقدْ ذمَّه الله تعالى في كتابِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ (٢)، بلْ ذمَّ مَنْ لم يأمرِ الناسَ بالبحث على خلافِه فقالَ تعالَى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٣)، جعلَه منْ صفاتِ الذينَ يُكَذِّبُونَ بالدين. وقالَ في الحكايةِ عنِ الكفارِ إنَّهم قالُوا وهمْ في طبقاتِ النارِ: [لم نكن من المصلين] (٤) ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (٥). وإنَّما اختلفَ العلماءُ في المذمومِ منهُ، وقدَّمْنا كلامَهُم في ذلكَ. وحدَّهُ بعضُهم بأنهُ في الشرعِ منعُ الزكاةِ: والحقُّ أنهُ منعُ كلِّ واجبٍ، فمنْ منعَ ذلكَ كانَ بخيلًا ينالُه العقابُ، قال الغزاليُّ (٦): وهذا الحدُّ غيرُ كافٍ فإنَّ مَنْ يردَّ اللحمَ والخبزَ إلى القصابِ والخبازِ لنقصِ وزنِ حبةٍ يُعَدُّ بخيلًا اتفاقًا، وكذَا من يضايقُ عياله في لقمةٍ أو تمرةٍ أكلُوها من ماله بعدَ ما سلَّم لهم ما فرض القاضي لهمْ، وكذا من بين يديه رغيفٌ فحضرَ من يظنُّ أنهُ يشاركُه فأخفاهُ يعدُّ بخيلًا. اهـ. قلت: هذا في البخيلِ عُرفًا لا من يستحقُّ العقابَ فلا يردُّ

стр. 2466

نقْضًا. وأما حسنُ الخلقِ فقدْ تقدَّم القولُ فيهِ، وسوءُ الخلقِ ضدُّه. وقدْ وردتْ فيهِ أحاديثُ دالَّةٌ على أنهُ ينافي الإيمانَ، فأخرجَ (١) الحاكمُ: "سوءُ الخلقِ يفسدُ العملَ كما يفسدُ الخلُّ العسلَ"، وأخرجَ ابنُ منده (٢): "سوءُ الخلقِ شُومٌ، وطاعةُ النساءِ ندامةٌ، وحسنُ الملكةِ نماءٌ". وأخرجَ الخطيبُ (٣): "إنَّ لكلِّ شيءٍ توبةً إلا صاحبَ سوءِ الخلقِ، فإنهُ لا يتوبُ صاحبه منْ ذنبٍ إلا وقعَ فيما هو شرٌّ منهُ"، وأخرجَ الصابوني (٤): "ما منْ ذنبٍ إلا ولهُ عندَ اللَّهِ توبةٌ إلا سوءُ الخلقِ فإنهُ لا يتوبُ صاحبُه منْ ذنبٍ إلا وقعَ إلى ما هوَ شرٌ منهُ". وأخرجَ الترمذيُّ (٥) وابنُ ماجهْ (٦):

стр. 2467

"لا يدخلُ الجنةَ سيءُ الخلُقِ". والأحاديثُ (١) في البابِ واسعةٌ، ولعلَّهُ يحملُ المؤمنَ في الحديثِ على كامل الإيمانِ، وأنهُ خرجَ مخْرَجَ [الزجر] (٢) والتحذيرِ، وأرادَ إذا تركَ [إخراجَ الزكاةِ] (٣) مستحِلًّا لتركِ واجبٍ قطعيٍّ. انتصاف المرء لنفسه ٢٠/ ١٤١٦ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا، فَعَلَى الْبَادِئِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح] (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الْمُسْتَبّانِ مَا قَالَا، فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). دَلَّ الحديثُ على جوازِ مجازاةِ منِ ابتدَأ الإنسانَ بالأذيةِ بمثلِها، وأنَّ إثمَ ذلكَ عائدٌ على البادي، لأنهُ المتسببُ لكلِّ ما قالَهُ المجيبُ، إلَّا أنْ [يعتديَ] (٥) المجيبُ في أذيتِه بالكلامِ اختص بهِ إثمٌ ذلكَ، لأنهُ إنما أذنَ لهُ في [المجازاة] (٦) مثلَ ما عُوقِبَ بهِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٧)، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٨).

стр. 2468

هذا وعدمُ المكافأةِ والصبرُ [هو الأَولى والأفضل] (١)، فقدْ ثبتَ: "أن رجلًا سبَّ أبا بكرٍ ﵁[بحضرتِه] (٢) ﷺ فسكتَ أبو بكرٍ، والنبيّ ﷺ قاعدٌ، ثمَّ أجاب أبو بكرٍ (٣) فقامَ النبيُّ ﷺ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ، فقالَ: إنهُ لما سكتَ أبو بكرٍ كانَ ملكٌ يجيبُ عنهُ، فلمَّا انتصفَ لنفسِه حضرَ الشيطانُ. هذا اللفظ [أو نحوه] (٤) "، قالَ تعالَى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٥). النهي عن مضارَّة المسلم ٢١/ ١٤١٧ - وَعَنْ أَبي صِرْمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ اللهُ، وَمَنْ شَاقَّ مُسْلِمًا شَق اللهُ عَلَيهِ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٦)، وَالتِّرْمِذيُّ (٧)، وَحَسَّنَهُ. [حسن] (وَعَنْ أبي صِرمَةَ) بكسرِ الصادِ المهملةِ، وسكونِ الراءِ، اشتُهِرَ بكُنيتِه، واختُلِفَ في اسمِه اختلافًا كثيرًا، وهوَ منْ بني مازنِ بن النجارِ، شهدَ بدرًا وما بعدَها منَ المشاهدِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ اللهُ، وَمَنْ شَاقَّ مُسْلِمًا [شَقَّ] (٨) اللهُ عليهِ. أخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، والتَّرمِذِيُّ، وَحَسَنَهُ)، أي: مَنْ أدخلَ على مسلمٍ مضرةً في مالِه أوْ نفسِه أو عِرْضِه بغير حقٍّ ضارَّهُ اللَّهُ، أي: جازاهُ منْ جنسِ فعلِه، وأدخلَ عليهِ المضرَّةَ. والمشقةَ المنازعةُ، أي: مَنْ نازعَ مسلِمًا ظُلْمًا وتعدِّيًا أنزلَ اللَّهُ عليهِ [المضرة] (٩) والمشقةَ جزاءً وفاقًا. والحديثُ تحذير [من] (١٠) أذَى المسلمِ بأيِّ شيءٍ.

стр. 2469

المسلم ليس بذيئًا ولا فاحشًا ٢٢/ ١٤١٨ - وَعَنْ أَبي الدَّرْداءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إن الله يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ"، أَخْرَجَهُ الترْمِذِيُّ (١)، وَصَحّحَهُ. [صحيح] (وَعَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسول اللهِ ﷺ : إنَّ الله يبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ. أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ [وَصَحَّحَه]) (٢). البغضُ ضدُّ المحبةِ، وبغضُ اللَّهِ عبدَه إنزالُ العقوبةِ بِهِ، وعدمُ إكرامهِ إياهُ، والبذيُّ فعيلٌ منَ البذاءِ، وهوَ الكلامُ القبيحُ الذي ليسَ منْ صفاتِ المؤمنِ [كما دلَّ لهُ الحديثُ الآتي] (٣). ٢٣/ ١٤١٩ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ رَفَعَهُ: "لَيسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ" وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٤)، وَرَجّحَ الدَّارَقُطْنيُّ (٥) وَقْفَهُ. [صحيح] [(وَلَهُ) أي للترمذيِّ (مِنْ حَدِيثِ] ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ. [أخرجه الترمذي] (٦) وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَه الْحَاكِمُ،

стр. 2470

وَرَجّحَ الدَّارَقطنيُّ وَقْفَهُ). الطعنُ السبُّ، يقالُ: طعن في عرضِه، أي سبَّه. واللعَّانُ: اسمُ فاعلٍ للمبالغةِ بزنةِ فعَّالٍ، أي: كثيرُ اللعنِ، ومفهومُ الزيادةِ غيرُ مرادٍ، فإنَّ اللعنَ محرَّمٌ قليلُه وكثيرُه. والحديثُ إخبارٌ بأنهُ ليسَ منْ صفاتِ المؤمنِ [الكاملِ الإيمانِ] (١) السبُّ واللعنُ، إلَّا أنهُ [يُسْتَثْنَى] (٢) منْ ذلكَ لعنُ الكافرِ، وشاربِ الخمرِ، ومَنْ لَعَنهُ اللَّهُ ورسولُه. النهي عن سبِّ الأموات ٢٤/ ١٤٢٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فإنَّهُمْ قَدْ أفْضَوا إلَى ما قَدَّمُوا"، أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٣). [صحيح] (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : لا تَسبُّوا الأَمْوَاتَ [فقد] (٤) أَفْضَوْا إلَى ما قَدَّمُوا. أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ). سبُّ الأمواتِ عامُّ للكافرِ وغيرِه، وتقدَّم. وعلَّلهُ ﷺ بإفضائِهم إلى ما قدَّموا منْ أعمالِهم، وصارَ أمرُهم إلى اللَّهِ . وقدْ مرَّ الحديثُ بلفظِه [في آخرِ] (٥) الجنائزِ [والكلامُ عليهِ] (٦). ٢٥/ ١٤٢١ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٧). [صحيح]

стр. 2471

(وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَدْخُلُ الْجَنَّة قَتَّاتٌ) [متفق عليه] (١). [القتات] (٢) بقافٍ ومثناةٍ فوقيةٍ، وبعدَ الألفِ مثناةٌ وهوَ النمامُ، وقدْ رُوِيَ بلفظِه [(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)] (٣). وقيلَ إنَّ بينَ القتاتِ والنمَّامِ [فرْقًا] (٤)؛ فالنمَّامُ الذي يحضرُ القضية فيبلغها، والقتاتُ الذي يتسمعُ منْ حيثُ لا يعلمُ بهِ ثمَّ ينقلُ ما سمعَه، وحقيقةُ النميمةِ نقلُ كلامِ الناسِ بعضُهم إلى بعضٍ للإفسادِ بينَهم. قالَ الغزاليُّ (٥): إنَّ حدَّها كشفُ ما يُكْرهُ كشفُه سواءٌ كرهَهُ المنقولُ إليهِ، أو المنقولُ عنهُ، [أوْ ثالثٌ] (٦)، وسواءٌ كانَ الكشفُ بالرمزِ [أو الإشارة] (٧)، أو بالكتابةِ، [أو بالإيماءِ] (٨). قالَ: فحقيقةُ النميمةِ إفشاءُ السرِّ وهتكُ الستر [عمَّا يُكْرَهُ كشفُه] (٩)، فلو رآهُ يُخْفِي مالًا لنفسِه فذكرهُ فهوَ نميمة، كذَا قالَه. قلتُ: ويحتملُ أنَّ مثلَ هذا لا يدخلُ في النميمةِ بلْ يكونُ منْ إفشاءِ السرِّ، وهوَ محرَّمٌ أيضًا. ووردَ في النميمةِ عِدَّةُ أحاديثَ أخرجَ الطبرانيُّ (١٠) مرفُوعًا: "ليسَ مِنَّا ذو حسدٍ ولا نميمةٍ، ولا كهانةٍ ولا أنا منْهُ". ثمَّ تلا قوله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ (١١) الآية. وأخرجَ أحمدُ (١٢): "خيارُ عبادِ اللَّهِ الذينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ،