← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 2397–2436 · переход к 2402.

стр. 2397

ولو بطلاقةِ الوجْهِ [والبِشْرِ] (١)، والابتسامِ في وجْهِ مَنْ يلاقيهِ منْ إخوانِهِ. وفيهِ الوصيةُ بحقِّ الجارِ وتعاهدهِ، ولو بمرقةٍ تهديْها إليهِ. الترغيب في التفريج عن المسلم والتيسير عليه ١٢/ ١٣٨٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ نَفسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ نَفَّسَ) لفظُ مسلمٍ: مَنْ فرَّجَ (عَنْ مُسْلِمٍ كُربةً مِنْ كُرَب الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ [عَنْهُ] (٣) كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِر يَسَّرَ الله عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ). هذا ليسَ في مسلمٍ كما قالَ الشارحُ، وقدْ أخرجَه غيرهُ (٤)، (وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَه اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخيهِ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). [هذا حديث جليل عظيم القدر] (٥)، وفيه مسائلُ: الأُولى: فضيلةُ منْ فرَّجَ [عن المسلمِ] (٦) كربةً منْ كربِ الدنيا، وتفريجُها إما بإعطائِه منْ مالهِ إنْ كانتْ كُرْبَتُهُ منْ حاجةٍ، أو بذلِ جاههِ في طلبِه لهُ منْ غيرهِ، أوْ قرضِه، وإنْ كانتْ كربتُه منْ ظلم ظالمٍ لهُ فرَّجَها بالسعي في رفْعِها عنهُ، أو تخفيفِها، وإنْ كانتْ كربةُ مرضٍ أَصَابَهُ أعانه على الدواءِ إنْ كانَ لديهِ، أو على

стр. 2398

[طبيبٍ] (١) ينفعُه، وبالجملةِ تفريجُ الكربِ بابٌ واسعٌ فإنهُ يشملُ إزالةَ كل ما ينزلُ بالعبدِ أوْ تخفيفه. الثانيةُ: التيسيرُ على المُعسرِ هوَ أيضًا منْ تفريجِ الكرب، وإنَّما خصُّه لأنهُ أبلغُ وهو [يشمل الإنظار للغريم] (٢) في الدَّينِ، أو إبراؤُه لهُ منهُ، أوْ غير ذلكَ؛ فإنَّ الله تعالى ييسِّرُ عليهِ أمورَه، ويسهِّلُها لهُ لتسهيلهِ لأخيه فيما عندَه. والتيسيرُ لأمورِ الآخرةِ بأنْ يهوِّنَ عليهِ المشاق فيها، ويرجحَ وزنَ الحسناتِ ويلقى في قلوبِ مَنْ لهمْ عندَهُ حق يجبُ استيفاؤهُ منه في الآخرِة المسامحةُ وغيرُ ذلكَ، ويؤخذُ منهُ أن مَنْ عسَّر على معسِر عسَّر عليهِ، ويؤخذُ منهُ أنّهُ لا بأسَ على مَنْ عسَّر على موسِر لأنَّ مطْلَه ظلمٌ يحلُّ عرضُه وعقوبتُه. الثالثةُ: منْ سترَ مسلمًا اطّلعَ منهُ على ما لا ينبغي إظهارهُ منَ الزلَّاتِ والعثراتِ، فإنهُ مأجورٌ [بستره عنه] (٣) بما ذكرهُ منْ سترهِ في الدنيا والآخرةِ، فيسترُه في الدنيا بأنْ لا يأتي زلَّةً يكرهُ اطلاعَ غيرِه عليها، وإنْ أتاهَا لم يُطلعِ اللهُ عليها أحدًا، وسترُه في الآخرةِ بالمغفرةِ لذنوبِه، وعدمِ إظهارِ قبائحِه، وغيرِ ذلكَ. وقد حثَّ ﵀ على السترِ للمسلمِ ققالَ في حقِّ ماعزٍ: "هلَّا سترتَ عليهِ بردائِكَ يا هزالُ" (٤). قالَ العلماءُ: وهذا السترُ مندوبٌ لا واجبٌ، فلو رفعهُ إلى السلطان كان جائزًا له، ولا يأثمُ به. قلتُ: ودليله أنه ﷺ لم يلم هزالًا، ولا أبانَ لهُ أنهُ آثمٌ، بلْ حرَّضَهُ على أنهُ كانَ ينبغي لهُ سترهُ، فإنْ علمَ أنهُ تابَ وأقلعَ حرُمَ عليهِ ذكرُ ما وقعَ منهُ، ووجبَ عليهِ سترهُ، وهوَ في حقِّ منْ لا يُعْرَفُ بالفسادِ والتمادي في الطغيانِ، وأما مَنْ عُرِفَ بذلكَ فانهُ لا يستحبُّ السترُ عليهِ، بَلْ يرفعُ أمرُه إلى مَنْ لهُ الولايةُ إذا لم يخفْ منْ ذلكَ مفسدةَ، وذلكَ لأنَّ الستر عليهِ يغريهِ على الفسادِ، ويجزئه على أذيةِ العبادِ، ويجرئُ غيرهَ منْ أهلِ الشرِّ والعِنادِ، وهذا بعدَ انقضاءِ فعلِ المعصيةِ. فأما إذا رآهُ وهو فيها فالواجبُ المبادرةُ لإنكارِها، والمنعُ منْها معَ القدرةِ على ذلكَ. ولا يحل تأخيرُه لأنهُ منْ بابِ إنكارِ المنكرِ لا يحلُّ

стр. 2399

تركُه معَ الإمكانِ، وأما إذا رآهُ يسرقُ مالَ زيدٍ فهلْ يجبُ عليهِ إخبارُ زيدٍ بذلكَ أو سترُ السارقِ؟ الظاهرُ أنهُ يجبُ عليهِ إخبارُ زيدٍ، وإلا كانَ مُعيِنًا للسارقِ بالكتْمِ منهُ على الإِثْمِ، واللَّهُ تعالَى يقولُ: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١). وأما جرحُ الشهودِ والرواةِ والأمناءِ على الأوقافِ والصدقاتِ وغير ذلكَ فإنهُ منْ بابِ نصيحةِ المسلمينَ الواجبةِ على كل من اطلعَ عليها، وليسَ منَ الغيبةِ المحرَّمةِ، بلْ مِنَ النصيحةِ الواجبةِ، وهوَ مجمعٌ عليهِ. الرابعةُ: الإخبارُ بأنَّ اللَّهَ تعالى في عونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عونِ أخيهِ؛ فإنهُ دالٌّ على أنهُ تعالَى يتولَّى إعانةَ مَنْ أعانَ أخاهُ وهوَ يدلُّ على أنهُ يتولَّى عونَه في حاجةِ أخيه التي يسعَى فيها، وفي حوائجِ نفسهِ، فينالُ منْ عونِ اللَّهِ ما لمْ يكنْ ينالُه بغيرِ إعانتِه وإنْ كانَ تعالَى هوَ المعينُ لعبدهِ في أمورِهِ لكنْ إذا كانَ في عونِ أخيهِ زادتْ [إعانةُ اللَّهِ] (٢)، فيؤخذُ منهُ أنهُ ينبغي للعبدِ أنْ يشتغلَ بقضائه حوائجِ أخيهِ، ويقدمها على حاجةِ نفسهِ، لينالَ منَ اللَّهِ تعالى كمالَ الإعانةِ في [حاجته] (٣). وهذهِ الجملُ المذكورةُ في الحديثِ دلَّتْ على أنهُ تعالَى يجازي العبدَ منْ جنسِ فعلِه، فمنْ سترَ سترَ عليهِ، ومنْ يسَّرَ يسَّرَ عليهِ، ومنْ أعانَ أُعِيْنَ. ثمَّ إنهُ تعالَى بفضِله وكرمِه جعلَ الجزاءَ في الدارينِ في حقِّ الميسرِ على المعسرِ، والساترِ للمسلمِ، وجعلَ تفريجَ الكربةِ يجازي بهِ يومِ القيامةِ كأنهُ لعظائمِ يومِ القيامةِ أُخِّرَ جَزاءُ تفريجِ الكربةِ، ويحتملُ أنْ يفرجَ عنه في الدُّنيا أيضًا لكنَّهُ طُوِيَ في الحديثِ وذكرَ ما هوَ أهمُّ. الدال على الخير كفاعله ١٣/ ١٣٨٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح]

стр. 2400

(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أجْرِ فَاعِلِهِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). دلَّ الحديثُ على أن الدلالةَ على الخيرِ يؤجَرُ بها الدالُّ عليهِ كأجْرِ فاعلِ الخيرِ، وهوَ مثلُ حديثِ: "منْ سنَّ سنةً حسنةً في الإسلامِ، كانَ لهُ أجرُها، وأجرُ منْ عملَ بها" (١). والدلالةُ تكونُ بالإشارةِ على الغيرِ بفعلِ الخيرِ، وعلى إرشادِ ملتمسِ الخيرِ على أنهُ يطلبَهُ منْ فلانٍ، والوعظُ والتذكيرُ، وبالتأليف للعلوم النافعةِ. ولفظُ خيرٍ [يشملُ] (٢) الدلالةَ على خيرِ الدُّنيا والآخرةِ، فللهِ درُّ الكلامِ النبويّ ما أشملَ معانيه: وأوضحَ مبانيهِ، ودلالتَه على خيرِ الدنيا والآخرةِ. من استعاذ وسأل بالله أعيذ وأعطي ١٤/ ١٣٨٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ أَتَى إِلَيكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِن لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ"، أَخْرَجُه الْبَيْهَقيُّ (٣). [صحيح] (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَألَكُمْ باللهِ فَأعْطُوهُ، وَمَنْ أَتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ. [رواه] (٤) الْبَيْهَقيُّ). وقدْ أخرجَه أبو داودَ (٥) وابنُ حبانَ (٦) في صحيحهِ، والحاكمُ (٧) [وصحَّحه] (٨) وفيهِ زيادةُ: "ومنِ استجارَ باللَّهِ فأجيرُوه، ومنْ أتى إليكمْ معروفًا فكافِئُوه، فإنْ لم تجدُوا فادعُوا لهُ، حتَّى تعلمُوا أنكُم قدْ كافأْتموهُ".

стр. 2401

وفي روايةٍ (١): "فإنْ عجزْتُم عنْ مكافأتهِ فادعُوا لهُ حتَّى تعلمُوا أنْ قدْ شكرتُم، فإنَّ الله يحبُّ الشاكرينَ". وأخرجَ الترمذيُّ (٢) وقالَ: حسنٌ غريبٌ: "منْ أعطَى عطيةً فوجدَ فليجْزهِ، فإنْ لم يجدْ فليثنِ فإنَّ منْ أثنَى فقدْ شكرَ، ومنْ كتَم فقدْ كفرَ، ومنْ تحلَّى بباطلٍ فهوَ كلابسِ ثوبي زورٍ". والحديثُ دليلٌ على أنهُ منِ استعاذَ باللهِ عنْ أيِّ أمرٍ طُلبَ منهُ غيرُ واجبٍ عليهِ، فإنهُ يعاذُ بترك ما طُلِبَ منهُ أنْ يفعلَ، وأنهُ يجبُ إعطاءُ من يسأل بالله، وإن كان قد ورد أنه لا يسأل بالله إلا الجنة فمن سأل من المخلوقين بالله شيئًا وجب إعطاؤه إلا أن يكون منهيًا عن إعطائه. وقد أخرج الطبراني بسند رجاله رجالُ الصحيحِ إِلا شيخَه - وهوَ ثقةٌ على كلامٍ فيهِ - منْ حديثِ أبي موسَى (٣) الأشعريِّ أنهُ سمعَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "ملعون منْ سألَ بوجهِ اللَّهِ، وملعونٌ منْ سُئِلَ بوجهِ اللَّهِ ثمَّ منعَ سائلَه ما لم يسألْ هُجْرًا" بضمِّ الهاءِ، وسكونِ الجيمِ، أي أمرًا قبيحًا لا يليقُ، ويحتملُ ما لم يسألْ سؤالَا قبيحًا أي بكلامِ يقبحُ، ولكنَّ العلماءَ حملُوا هذا الحديثَ علَى الكراهةِ، ويحتملُ أنهُ يرادف بهِ المضطر ويكونُ ذكرهُ هنا أن منعَه معَ سؤالهِ باللهِ تعالى أقبحُ وأفظعُ، ويحملُ لعنُ السائلِ على ما إذا ألحَّ في [المسألةِ] (٤) حتَّى أضجرَ المسؤولَ. ودلَّ الحديثُ علَى وجوبِ المكافأةِ للمحسنِ، إلا إذا لم يجدْ فإنهُ كافأه بالدعاءِ، وأجزأَه إنْ علمَ أنهُ قدْ طابتْ نفسُه أو لم تطبْ بهِ وهو ظاهرُ الحديثِ. * * *

стр. 2402

[الباب الثالث] باب الزهد والورع معنى الزهد والورع وما قيل فيهما الزهدُ هوَ قلةُ الرغبةِ في الشيءِ، وإنْ شئتَ قلتَ الرغبةِ عنهُ، وفي اصطلاح أهلِ الحقيقةِ: بغضُ الدنيا والإعراضُ عنْها، وقيلَ: تركُ راحةِ الدنيا لراحةِ الآخَرةِ، [وقيل: ترك نعيم الدنيا وشهواتها لنعيم الآخرة ولذاتها] (١)، وقيلَ: أنْ يخلُوَ قلبُك مما خلتْ منهُ يدُك، وقيلَ: بذلُكَ ما تملكُ ولا تؤثرُ ما تدرُكَ. وقيلَ تركُ الأسَفِ على معدومٍ، ونفيُ الفرح بمعلوم، قالَه المناويُّ في تعريفاتِه، وأخرجَ الترمذيُّ (٢) وابنُ ماجه (٣) منْ حديثِ أَبي ذرٍّ مرفُوعًا: "الزهادةُ في الدُّنيا ليستْ بتحريمِ الحلالِ، ولا إضاعةِ المالِ، ولكنَّ الزهادةَ في الدنيا أنْ لا يكون بما في يدك أوثقُ منكَ بما في يدي الله، وأنْ تكونَ في ثوابِ المصيبةِ إذا أنتَ أصبْتَ بها أرغبَ منك فيها لو أنها بقيتْ لكَ"، انتَهى. فهذا [تفسير الزهادة في الحديث والورع في التعريفات للمناوي] (٤). والورعُ تجنب الشبهاتِ خوفَ الوقوعِ في محرَّمٍ. وقيلَ: تركُ ما يريبكَ، ونفيُ ما يعيبُكَ، وقيلَ: الأخذُ بالأوثقِ، وحملُ النفسِ على الأشقِّ. وقيلَ: النظرُ في المطعمِ واللباسِ، وتركُ ما بهِ باسٌ، وقيلَ: تجنبُ الشبهاتِ، ومراقبة الخطراتِ.

стр. 2403

الحلال بيِّن والحرام بيِّن ١/ ١٣٨٦ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْه إِلَى أُذُنَيْهِ: "إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَينَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُن كثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشبُهَاتِ وَقَعَ في الْحَرَامِ: كَالرَّاعِي يَرْعى حَوْلَ الْحِمى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيه، أَلَا وَإنَّ لِكُل مَلِكٍ حِمَى، أَلَا وَإنَّ حمِى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِن في الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلبُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ - وَأَهْوَى النّعْمَان بِإصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: إِن الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ)، ويُرْوَى مُشَبَّهاتٌ بضمِّ الميمِ وتشديدِ الموحدةِ، ومُشبَهات [بضمّها أيضًا] (٢) وتخفيفِ الموحدةِ، (لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ) بالهمزةِ منَ البراءةِ، أي: حصلَ لهُ البراءُ منَ الذمِّ الشرعيِّ، وصانَ عرضَه منْ ذمِّ الناسِ (لِدِينهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشبُهَاتِ وَقَعَ في الْحَرَامِ)، أي يُوشكُ أنْ يقعَ فيهِ، وإنَّما حذفَهُ لدلالةِ ما بعدَه عليهِ؛ إذْ لوْ كانَ الوقوعُ في الشبهاتِ وقوعًا في الحرامِ لكانتْ منْ قسمِ الحرامِ البيِّنِ، وقدْ جعلَها قسمًا برأسِه، وكما يدلُّ له التشبيهُ بقولِه: (كَالرَّاعِي يرعي حَوْلَ الْحِمي، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيه، أَلَا وَإن لِكُل مَلِك حِمَي، ألا وإنَّ حِمَى اللهِ محَارِمُهُ، ألا وإنَّ في الجسدِ مُضغةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسدُ كلُّهُ، وإذا فسدت فسد الجسدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلبُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). أجمع الأئمةُ على عظمِ شأنِ

стр. 2404

هذا الحديثِ، وأنهُ منَ الأحاديثِ التي تدورُ عليها قواعدُ الإسلامِ. قالَ جماعةٌ: هوَ ثلثُ الإسلامِ؛ فإنَّ دَوَرَانَهُ عليهِ وعلى حديثِ: "إنما الأعمالُ بالنياتِ" (١)، وعلى حديثِ: "مِنْ حسنِ إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يَعْنِيْهِ" (٢). قالَ أبو داودَ (٣): إنهُ يدورُ على أربعةِ، هذه [ثلاثة، والرابع] (٤) حديثُ: "لا يؤمنُ أحدُكم حتَّى يحبَّ لأخيهِ ما يحبُّ لنفسهِ" (٥). وقيلَ [الرابع] (٦) حديثُ: "ازهدْ في الدنيا يحبُّكَ اللَّهُ، وازهدْ فيما في أيدي النّاسِ يُحبُّكَ الناسُ" (٧). وقولُه: "الحلالُ بيِّنٌ" أي قدْ بيَّنه اللَّهُ ورسولُه إما بالإعلامِ بأنهُ حلالٌ نحوَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (٨) الآية، وقولُه تعالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (٩)، أو سكتَ عنهُ تعالَى ولم يحرِّمهُ فالأصلُ حِلُّه، أوْ بما أخبرَ عنهُ رسولُهُ ﷺ بأنَّهُ حلالٌ، أو امتنَّ اللَّهُ تعالى به ورسُولُهُ فإنهُ لازمٌ حِلُّه. قولُه: "والحرامُ بيِّنٌ" أي بيَّنه اللَّهُ تعالى لنا في كتابِه، أو على لسانِ رسولهِ ﷺ نحوَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١٠)، أوْ بالنَّهْي عنهُ نحوَ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١١) ونحوه، والإخبارُ عن الحلالِ بأنهُ بَيّنٌ إعلامٌ بحلِّ الانتفاعِ، بهِ في وجوهِ النفعِ، كما أن الإخبارَ بأنَّ الحرامَ بَيِّنٌ إعلامٌ باجتنابهِ.

стр. 2405

وقولُه: "وبينهَما مشتبهاتٌ، لا يعلمهنَّ كثيرٌ منَ الناسِ"، المرادُ بها التي لم يعرفْ حِلَّها ولا حرمتهَا، فصارتْ مترددةَ بينَ الحلِّ والحرمةِ عندَ الكثيرِ منَ الناسِ، وهمُ الجهالُ فلا يعرفُها إلا العلماءُ بنصٍّ، فما لم يوجدْ فيهِ شيءٌ منْ ذلكَ اجتهدَ فيهِ العلماءُ وألحقوهُ بأيّهما بقياسٍ أو استصحابٍ أو نحوِ ذلكَ؛ فإنْ خفيَ دليلُه فالورعُ تركُه ويدخلُ تحتَ: "فمنِ اتقى الشبهاتِ فقدِ استبرأ"، أي: أخذَ البراءةِ "لدينهِ وعرضِه"، فإذا لم يظهرْ للعالمِ دليلُ تحريمهِ ولا [حلِّه] (١) فإنهُ يدخلُ في حكمِ الأشياء قبلَ ورودِ الشَّرعِ، فمنْ لا يثبتُ للعقلِ حكمًا يقولُ لا حكمَ فيها بشيءٍ، لأن الأحكامَ شرعيةٌ، والفرضُ أنهُ لم يُعْرَفُ فيها حكمٌ شرعيٌّ ولا حكمٌ للعقلِ. والقائلونَ بأنَّ العقلَ حاكمٌ لهم في ذلكَ ثلاثةُ أقوالٍ: التحريمُ، والإباحةُ، والوقفُ. وإنما اختُلِفَ في [المشتَبِهاتِ] (٢) هلْ هيَ مما اشتبهَ تحريمُه، أو ما اشتبهَ بالحرامِ الذي قدْ صحَّ تحريمهُ؟ رجحَ المحققونَ الأخيرَ، ومثَّلُوا ذلكَ بما وردَ في حديثِ عقبةَ بن الحارثِ الصحابيِّ (٣) الذي أخبرتْه أمةٌ سوداءٌ بأنَّها أرضعتْه، وأرضعتْ زوجتَه، فسألَ النبيَّ ﷺ عنْ ذلكَ فقالَ له ﷺ : "كيفَ وقدْ قيلَ"؛ فقدْ صحَّ تحريمُ الأختِ منَ الرضاعةِ شرْعًا قطعًا، وقد التبستْ عليهِ زوجتهُ بهذَا الحرامِ المعلومِ، ومثلُه التمرةُ التي وجدَها ﷺ في الطريقِ فقالَ: "لولا أني أخافُ [أنها] (٤) منَ الزكاةِ [أو منَ الصدقةِ] (٥) لأكلْتُها" (٦)؛ فقدْ صحَّ تحريمُ [الصدقة] (٧) عليهِ، ثمَّ والتبستْ هذهِ التمرةُ بالحرامِ المعلومِ. وأما ما التبسَ هلْ حرَّمه اللَّهُ علينا أم لا؟ فقدْ وردتْ أحاديثُ دالةٌ على أنهُ حلالٌ، منها حديثُ سعدِ بن أبي وقاصٍ (٨): "إنَّ مِنْ أعظمِ الناسِ إثمًا في المسلمينَ مَنْ سألَ عنْ

стр. 2406

شيءٍ لم يحرَّمْ فحرُمَ منْ أجلِ مسألته"؛ فإنهُ يفيدُ أنهُ كانَ قبلَ سؤالهِ حلالًا، ولما اشتبَهَ عليه سألَ عنهُ، فحرمَ منْ أجلِ مسألتهِ، ومنْها أحاديث: "ما سكتَ اللهُ عنهُ فهوَ مما عُفِيَ عنْه" (١) لهُ طرقٌ كثيرةٌ، ويدلُّ لهُ قولُه تعالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ (٢). فكلُّ ما كانَ طيبًا ولم يثبت تحريمهُ فهوَ حلالٌ وإن اشتَبَهَ علينا تحريمهُ، والمرادُ بالطيبِ ما أحلَّه اللهُ تعالى على لسانِ رسول اللهِ ﷺ أو سكتَ عنهُ، والخبيثُ ما حرَّمهُ وإنْ عدَّتْهُ النفوسُ طَيِّبًا، كالخمرِ فإنهُ أحدُ الأَطْيَبَيْنِ في لسانِ العربِ في الجاهليةِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٣): إن الحلالَ الكسبُ الطيبُ وهوَ الحلالُ المحضُ، وأنَّ المتشابهَ عندنَا في حيّز الحلالِ بدلائلَ ذكَرْناها [في غيرِ هذا الموضعِ] (٤). ذكرهَ صاحبُ تنضيد [التمهيدِ] (٥) في الترغيبِ في الصدقةِ نقلَه عنهُ السيدُ محمدُ بنُ إبراهيمَ الوزير، وقدْ حقَّقْنَا أنهُ منْ قسمِ الحلالِ البينِ في رسالتِنا المسمَّاةِ: القولُ المبينُ. وقالَ الخطابيُّ (٦): ما شككتَ فيهِ فالأَوْلَى اجتنابُه، وهوَ على ثلاثةِ أحوالٍ: واجبٍ، ومستحبٍّ، ومكروهٍ، فالواجبُ اجتنابُ ما يستلزمُ المحرَّمَ، والمندوبُ اجتنابُ معاملةِ منْ غلبَ على مالهِ الحرامُ، والمكروهُ اجتنابُ الرخصةِ المشروعةِ اهـ. قالَ في الشرحِ: وقدْ ينازعُ في المندوبِ، فإنهُ إذا كانَ الأغلبُ الحرامَ فالأولى أنْ يكونَ واجبَ الاجتنابِ، وهوَ الذي بنى عليهِ الهادويةُ في معاملةِ الظالمِ فيما لم يظنَّ تحريْمَهُ، لأنَّ الذي غلبَ عليهِ الحرامُ يظنُّ فيهِ التحريمُ اهـ. وقدْ أوضحْنا هذا في حواشي ضوءِ النهارِ. وقسَّمَ الغزاليُّ (٧) الورعَ أقسامًا: ورعَ الصدِّيقينَ، وهوَ تركُ ما لم يكنْ بينته واضحةً على حلّه، وورعُ المتقينَ، وهوَ ما لا شبهةَ فيهِ ولكنْ يخافُ أنْ يجرَّ إلى الحرامِ،

стр. 2407

وورعُ الصالحينَ وهوَ تركُ ما [لم] (١) يتطرقْ إليهِ احتمالُ التحريم بشرطِ أنْ يكونَ لذلكَ الاحتمالِ موقعٌ، وإلا فهوَ ورعُ الموسوَسينَ. وقدْ بوَّبَ لهُ البخاريُّ (٢) فقالَ: (بابُ مَنْ لم يرَ الوسواسَ في الشبهاتِ) كمن يمتنعُ منْ أكلِ الصيدِ خشيةَ أنْ يكونَ انفلتَ منْ إنسانٍ، وكمنْ تركَ شراءَ [ما] (٣) يحتاجُ إليهِ منْ مجهولٍ لا يدري أمالُه حرامٌ أم حلالٌ، ولا علامةَ تدلُّ على ذلكَ التحريمِ، وكمنْ تركَ تناولَ شيء لخبرٍ وردَ فيهِ متفقٌ على ضعفهِ، ويكونُ دليلُ إباحتِه قويًا وتاويلُه ممتنعٌ أو مستبعدٌ، والكلامُ في الحديثِ متسعٌ وفي هذا كفايةٌ. قولهُ: "لكلِّ ملكٍ حِمًى" إخبارٌ عما كانتْ عليهِ ملوكُ العربِ وغيرُهم، فإنهُ كانَ لكلِّ واحدٍ حِمَى يحميهِ منَ الناسِ ويمنعُهم عنْ دخولِه، فمنْ دخلَه أوقعَ بهِ العقوبةَ، ومنْ أرادَ نجاةَ نفسِه منَ العقوبةِ لم يقرْبهُ خوفًا منَ الوقوعِ فيهِ، وذكرَ هذا كضربِ المثلِ للمخاطبين، ثمَّ أعلمَهُم أن حمى الله تعالَى [هو] (٤) الذي حرَّمه على العبادِ. وقولُه: "ومنْ وقعَ في الشبهاتِ إلخ"، أي: منْ وقعَ فيها فقدْ حامَ حولَ الحمى فيقربُ ويشرع أنْ يقعَ فيهِ. وفيهِ إرشادٌ إلى البعدِ عنْ ذرائعِ الحرامِ وإن كانتْ غيرَ محرَّمةٍ، فإنهُ يخافُ منَ الوقوعِ فيها الوقوعُ [في الحرام] (٥)، فمنِ احتاطَ لنفسهِ لا يقربُ الشبهاتِ لئلَّا يدخلَ في المعاصي: ثم أخبرَ ﷺ منبِّهًا مؤكَّدًا أن في الجسدِ مضغةً، وهي القطعةُ منَ اللحمِ سُمِّيتْ بذلكَ لأنَّها تمضغُ في الفمِ لصغَرِها، وأنَّها معَ صِغَرِها عليها مدارُ [صلاحِ الجسدِ] (٦) وفسادِه، فإنْ صلحتْ صلُحَ وإنْ فسدتْ فسدَ. [ثم قال: ألا وهي القلب] (٧). وفي كلامِ الغزاليِّ (٨) أنهُ لا يرادُ بالقلبِ هذه المضغةُ؛ إذْ هيَ موجودةٌ للبهائمِ مدركَةٌ بحاسةِ البصرِ، بلِ المرادُ من القلبِ لطيفةٌ ربانيةٌ روحانيةٌ لها بهذا القلبِ الجسمانيِّ تعلُّقٌ، وتلك اللطيفةُ هي حقيقةُ الإنسانِ وهيَ المدرِكَةُ العارِفةُ منَ الإنسانِ، وهوَ المخاطَبُ والمعاقَبُ والمطالَبُ، ولهذهِ اللطيفةِ علاقةٌ معَ القلبِ الجسمانيِّ، وذكرَ أن جميعَ الحواسِّ والأعضاءِ أجنادٌ

стр. 2408

مسخَّرةٌ للقلبِ، وكذلكَ الحواس الباطنةُ [في حكمِ الخدمِ والأعوانِ] (١)، وهوَ المتصرفُ فيها والمردُّ لها، وقد خُلِقَتْ مجبولةً علَى طاعةِ القلبِ لا تستطيعُ لهُ خلافًا ولا تمردًا؛ فإذا أمرَ العينَ بالانفتاحِ انفتحتْ، وإذا أمرَ الرِجْلَ بالحركةِ تحركتْ، وإذا أمرَ اللسانَ بالكلامِ [وجزمَ بهِ تكلَّم] (٢)، وكذَا سائرُ الأعضاءِ. وتسخيرُ الأعضاءِ والحواسِ للقلب يشبهُ منْ وجهٍ تسخيرَ الملائكةِ للَّهِ تعالَى، فإنَّهم جُبِلُوا على طاعتِه لا يستطيعون لهُ خلافًا، وإنَّما يفترقانِ في شيءٍ وهو أن الملائكةَ [عاملة] (٣) بطاعتِها الله تعالى وامتثالِهَا، والأجفانُ تطيعُ القلبَ بالانفتاحِ والانطباقِ على سبيل التسخيرِ، ولا خيرَ لها من نفسها ومن طاعتها للقلب وإنما افتقرَ القلبُ إلى الجنودِ منْ حيثُ افْتِقَارِه إلى المركب والزادِ لسفرهِ إلى اللهِ تعالَى، وقطعِ المنازلِ إلى لقائهِ، فلأجْلِه تعالى خُلِقَتِ القَلوب، قالَ اللَّهُ تعالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٤)، وإنما مركَبُه البدنُ وزادهُ العلمُ، وإنما الأسبابُ التي توصِلُه إلى الزادِ وتمكنهُ منَ التزوُّدِ منهُ هوَ العملُ الصالحُ، ثمَّ أطالَ في هذا المعنَى بما يحتملُ مجلدةً لطيفة، وإنَّما أشرْنا إلى كلامِه ليعلمَ مقدارَ الكلام النبويّ، وأنهُ بحرٌ قطراتُه لا تنزفُ، وأما كون القلب محلَّ العقلِ، أو محله الدماغ فليستْ منْ مسائلِ علمِ الآثارِ حتَّى يشتغلَ بذكرِها وذكرِ الخلافِ فيها. التحذير من حب الدنيا ٢/ ١٣٨٧ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِي (٥). [صحيح] (وَعَنْ أبي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : تَعِسَ)، في القاموسِ أنه كسمِعَ ومنَعَ، وإذا خاطبتَ قلتَ: تعسَ كمنعَ، وإذا حكيتَ قلتَ: تعِسَ كفرِحَ (٦)، وهوَ الهلاكُ والعثارُ، والسقوطُ والشرُّ، والبعدُ، والانحطاطُ، (عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ

стр. 2409

وَالْقَطِيفَةِ)، الثوبُ الذي لهُ خملٌ (إنْ أُعطِيَ رَضِيَ، وَإنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضىَ. أَخْرَجَهُ الْبخَارِيُّ). المراد بعبدِ الدينارِ والدرهمِ منِ استعبدتْه الدنيا بطلبِها، وصارَ كالعبدِ لها تصرف فيهِ تصرفَ المالكِ لينالَها، وينغمسُ في شهواتِها [ومطالبها] (١)، وذكرُ الدينارِ والقطيفةِ مجردُ مثالٍ، وإلا فكلُّ منِ استعبدتْه الدنيا في أيِّ أمرٍ، وشغلتْه عما أمرَ اللَّهُ تعالَى، وجعلَ رضَاهُ وسخطَه متعلقًا بنيلِ ما يريدُ أو عدمِ نيلهِ، فمنَ الناسِ مَنْ [يستعبده] (٢) حبُّ الإماراتِ، ومنْهم منْ [يستعبدُه]، (٣) حبُّ الصورِ، ومنْهم منْ يستعبدُه حبُّ الأطيان. واعلمْ أن المذمومَ منَ الدنيا كلُّ ما يبعدُ العبدَ عن اللَّهِ تعالَى، ويشغلُه عنْ واجبِ طاعتهِ وعبادتِه، لا ما يعينُه على الأعمالِ الصالحةِ، فإنهُ غيرُ مذمومٍ، وقد يتعينُ طلبُه ويجبُ عليهِ تحصيلُه. وقولُه: "رضيَ" أي عن اللَّهِ تعالى بما نالَه منْ حُطامِها، "وإنْ لم يُعْطَ لمْ يرض" أي عن اللَّهِ تعالَى، ولا عنْ نفسهِ، فصارَ ساخِطًا، فهذا هو الذي تعسَ لأنهُ أدارَ رضَاه على مولاهُ، وسخطَه على نيلِ الدنيا وعدمِه. والحديثُ نظيرُ قولهِ تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ (٤) الآية. الحث على الزهد في الدنيا ٣/ ١٣٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبَيِّ فَقَالَ: "كُنْ في الدْنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ" وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِر الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٥). [صحيح] (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبَيَّ) يُرْوَى بالإفرادِ والتثنيةِ،

стр. 2410

وهوَ بكسرِ الكافِ مَجْمَعُ العضُدِ والكتِفِ (فَقَالَ: كنْ في الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ. وَكَانَ ابْن عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِر الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ). الغريبُ هو مَنْ لا مسكنَ لهُ يأويهِ، ولا سكنَ يأنسُ بهِ، ولا بلدَ يستوطنُ فيهِ كما قيلَ في المسيحِ بن مريم سعدُ المسيحِ يسيحُ، لا ولدَ يموتُ، ولا بناءَ يخربُ. وعطفَ أوْ عابر سبيلِ منْ عطفِ الترقي و"أوْ" ليستْ [للشكِ] (١) بلْ للتخييرِ أوِ الإباحةِ. والأمرُ للإرشادِ، والمعنَى: قدِّرْ نفسَك ونزِّلْها منزلةَ مَنْ هوَ غريبٌ، أو عابرُ سبيلِ. ويحتملُ أنْ [يكون] (٢) أوْ للإضرابِ، والمعنى: بلْ كنْ في الدنيا كأنكَ عابرُ سبيلٍ، لأنَّ الغريبَ قدْ يستوطنُ بلدًا بخلافِ عابرِ السبيلِ، فهمُّه قطعُ المسافةِ إلى مقصدهِ، والمقصدُ هنا إلى اللهِ: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾. قالَ ابنُ بطالٍ (٣): لما كانَ الغريبُ قليلَ الانبساطِ إلى الناسِ، بلْ هوَ مستوحشٌ منْهم لا يكادُ يمرُّ بمنْ يعرفُه فيأنسُ بهِ، فهوَ ذليلٌ في نفسِه، خائفٌ، وكذلكَ عابرُ السبيلِ لا ينفذُ في سفرهِ إلا بقوتِه وتخفيفِه منَ الأثقالِ غيرَ متشبثٍ بما يمنعهُ عنْ قطعِ سفرهِ، معهُ زادهُ وراحلتهُ، يبلغانِه إلى ما يعنيهِ منْ مقصدهِ. وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى الزهدِ في الدنيا، وأخذِ البُلغةِ منْها والكفافِ، فكما لا يحتاجُ المسافرُ إلى أكثرَ مما يبلِّغُه إلى غايةِ سفرهِ [فكذلك] (٤) المؤمنُ لا يحتاجُ في الدنيا إلى أكثرِ ممَّا يبلِّغُهُ المحل. وقولُه: "وكانَ ابنُ عمرَ إلخ" قالَ بعضُ العلماءِ (٥): كلامُ ابن عمرَ متفرعٌ منَ الحديثِ المرفوعِ، وهوَ متضمنٌ لنهايةِ تقصيرِ الأمل من الدنيا، وأن العاقل إذا أمسَى ينبغي لهُ أنْ لا ينتظرَ الصباحَ، وإذا أصبحَ ينبغي لهُ أنْ لا ينتظرَ المساءَ، بلْ يظنُ أن أجلَه قد يدركُه قبلَ ذلكَ. وفي كلامِه الإخبارُ بأنهُ لا بدَّ للإنسانِ منَ الصحةِ والمرضِ، فَيغْتَنِمُ أيامَ صحتهِ، وينفقُ ساعاتِهِ [في الخير وفيما] (٦) يعودُ عليهِ نفعُه، فإنهُ لا يدري متَى ينزلُ بهِ مرضٌ يحولُ بينَه وبينَ فعلِ الطاعاتِ، ولأنهُ إذا مرضَ كُتِبَ لهُ ما كانَ يعملُ صحيحًا،

стр. 2411

فقدْ أخذَ منْ صحتِه لمرضهِ حظَّه منَ الطاعاتِ. وقولُه: "مِنْ حياتِكَ لموتِكَ"، أي: خذْ منْ أيامِ الصحةِ والحياة والنشاطِ لموتك بتقديمِ ما ينفعكَ بعدَ الموتِ، وهوَ نظيرُ حديثِ: "بادِرُوا بالأعمالِ سبعًا، ما تنتظرونَ إلا فقرًا منسيًا، أو غنًى مُطْغيًا، أو مرضًا مفسِدًا، أوْ هرَمًا مفندًا، أو موتًا مجهِزًا، أو الدجالَ، فإنهُ شرُّ منتظرٍ، أو الساعةَ والساعةُ أدْهى وأمرُّ"، أخرجَهُ الترمذيُّ (١)، والحاكمُ (٢) منْ حديثِ أبي هريرة ﵁. يحرم التشبه بالكفار في زيٍّ وغيره ٤/ ١٣٨٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (٤) [صحيح] (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ). الحديثُ [فيهِ ضعيف] (٥)، ولهُ شواهدُ عندَ جماعةٍ منْ أئمةِ الحديثِ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ [تخرجهُ عن الضعفِ] (٦)، ومنْ شواهدِه ما أخرجه أبو يعلَي (٧) مرفُوعًا منْ حديثِ ابن مسعودٍ: "منْ رضيَ عملَ قومٍ كانَ منْهم". والحديثُ دالٌّ على أن منْ تشبَّه بالفسَّاقِ كانَ منْهم، أو بالكفارِ أو

стр. 2412

بالمبتدِعَةِ في أيِّ شيءٍ [كان] (١) ممَّا يختصون بهِ منْ ملبوسٍ أو مركوبٍ أو هيئةٍ، قالُوا: فإذا تشبَّه بالكافرِ في زيٍّ، واعتقدَ أنْ يكونَ بذلكَ مثلَه كفرَ، فإنْ لم يعتقدْ ففيهِ خلافٌ بينَ [الفقهاءِ] (٢) منْهم مَنْ قالَ: يكفرُ وهوَ ظاهرُ الحديثِ، ومنْهم منْ قالَ: لا يكفرُ ولكنْ يؤدَّبُ. حفظ الله أن تحفظ حدوده ٥/ ١٣٩٠ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبيِّ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: "يَا غُلامُ، احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظِ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٣)، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. [صحيح] (وَعَنْ ابْنِ عَبَاسٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ [يَوْمًا] (٤)، فَقَالَ: يَا غُلَامُ، احْفَظِ الله يَحْفَظكَ) بالجزم جوابُ الأمرِ، (احْفَظِ الله تَجِدْهُ) مثلُه (تُجَاهَكَ)، في القاموسِ وجِاهكَ وتُجاهَكَ مِثْلَيْنِ: تلقاءَ وجهِكَ، (وَإِذَا سَأَلْتَ) [حاجةً منْ حوائجِ الداريْنِ] (٥) (فَاسْأَلِ الله)، [فإنَّ بيدِه أمورَهما] (٦)، (وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ) وتمامُه: "واعلمْ أنّ الأمَّة لوِ اجْتمعتْ على أنْ ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوكَ إلَّا بشيءٍ قدْ كَتَبه اللَّهُ لكَ، وإن اجتمعُوا على أنْ يضرُّوكَ لم يضرُّوكَ إلا بشيءٍ قدْ كتبه اللَّهُ عليكَ، جفَّتِ الأقلامُ، وطُويَتِ الصُّحفُ". وأخرجَهُ أحمدُ (٧) عن ابن عباسٍ بإسنادٍ حسنٍ بلفظِ: "كنتُ رديفَ النبيّ ﷺ فقالَ: يا غلامُ أو يا غليِّمُ، ألا أعلمُكَ كلماتٍ ينفعُكَ اللَّهُ بهنَّ؟ فقلتُ: بلى، قال: "احفظِ اللَّهَ يحفظْكَ، احفظِ اللَّهَ تجدْه [أمامَكَ] (٨)، تعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرخاءِ يعرفْكَ في الشدةِ، وإذا سألتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعنتَ فاستعنْ باللَّهِ، قد جفَّ

стр. 2413

القلمُ بما هوَ كائنٌ، فلوْ أن الخَلْقَ جميعًا أرادوا أنْ ينفعوكَ بشيءٍ لمْ يقضِهِ اللَّهُ تعالى لمْ يقدروا عليهِ، وإنْ أرادوا أن يضروكَ بشيءٍ لم يكتبْهُ اللَّهُ عليكَ لمْ يقدروا عليه، واعلمْ أنَّ في الصبرِ على ما تكرهُ خير كثير، وأنَّ النصرَ معَ الصبرِ، وأنَّ الفرجَ معَ الكربةِ، وأنّ معَ العسرِ يسرًا". ولهُ ألفاظٌ (١) أُخَرُ، وهو حديثٌ جليلٌ أفردَهُ بعضُ علماءِ الحنابلةِ بتصنيفٍ مفردٍ (٢)، فإنَّهُ اشتملَ على وصايا جليلةٍ. والمرادُ منْ قولِهِ: (احفظِ اللَّهَ) أيْ حدوده وأوامره بالامتثال ونواهيه. وحِفْظُ ذلكَ هو الوقوفُ عندَ أوامرِه بالامتثالِ، وعندَ نواهيهِ بالاجتنابِ، وعندَ حدودِهِ أنْ لا يتجاوزَها، ولا يتعدّى ما أمرَ بهِ إلى ما نُهِيَ عنهُ، فيدخلُ في ذلكَ فِعلُ الواجباتِ كلِّها، وتركُ المنهياتِ كلِّها. وقال الله تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ (٣)، وقال: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ (٤). فسَّر العلماءُ الحفيظَ بالحافظِ لأوامرِ اللَّهِ تعالى، وفُسِّرَ بالحافظِ لذنوبهِ حتَّى [يتوب] (٥) منْها، فأمْرُه ﷺ اللَّهِ يدخلُ فيهِ كلُّ ما ذُكِرَ وتفاصيلُها واسعةٌ. وقولهُ: "تجدْه [أمامكَ] (٦) "، وفي [اللفظِ الآخرِ] (٧): (يحفْظكَ)، والمعنَى متقارِبٌ، أي تجدْه أمامَكَ بالحفظِ لكَ منْ شرورِ الداريْنِ جزاءً وِفَاقًا منْ بابِ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (٨)؛ يحفظه في دنياه [من] (٩) غشيان الذنوبِ عن كلِّ أمرٍ مَرْهوبٍ، ويحفظُ ذريتَهُ من بعدِه كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (١٠)، وقولُه: (فاسأل اللَّهَ) أمرٌ بإفراد اللَّهِ تعالى بالسؤالِ وإنزالِ الحاجاتِ بهِ وحدَه. وأخرجَ الترمذيُّ (١١) مرفُوعًا: "سلُوا اللَّهَ منْ فضله فإنه يحبُّ أنْ يُسْأَلَ". وفيهِ منْ حديثِ أبي هريرةَ مرفُوعًا: "مَنْ لا يسألِ اللَّهَ يغضبْ عليهِ" (١٢)، وفيهِ:

стр. 2414

"إنَّ اللَّهَ يحبُّ الملحِّينَ في الدعاءِ" (١)، وفي حديثٍ آخرَ: "يسألُ أحدُكم ربَّه حاجتَه كلَّها حتى شِسْعَ نعلِه إذا انقطعَ" (٢). وقدْ بايعَ النبيَّ (٣) ﷺ جماعةٌ منْ الصحابةِ على أنْ لا يسأَلُوا الناسَ شيئًا، منهمْ: الصِّدِّيقُ، وأبو ذرِّ، وثوبانُ، فكان أحدُهم يسقطُ سوطُه، أو يسقطُ خطامُ ناقتِه، فلا يسألْ أحدًا أنْ يناولَه. وإفرادُ اللَّهِ بطلبِ الحاجاتِ دونَ خلقِه يدلُّ لهُ العقلُ [والسمعُ] (٤)، فإنَّ السؤالَ بذلٌ لماءِ الوجهِ وذلٌّ، ولا يصلحُ ذلك لغير الله، لأنهُ القادرُ على كلِّ شيءٍ، الغنيُّ مطلقًا، والعبادُ بخلافِ هذا. وفي صحيحِ مسلمٍ (٥) عنْ أبي ذرٍّ ﵁ حديثٌ قدسيٌّ فيهِ: "يا عبادي لو أن أوَّلكُم وآخرَكُم، وإنْسَكُم وجِنَّكُم، قامُوا في صعيدٍ واحدٍ، فسألوني، فأعطيتُ كلَّ إنسانٍ مسألتَه، ما نقصَ ذلكَ مما عندي إلَّا كما ينقُصُ المِخْيَطُ إذا غُمِسَ فيْ البحرِ". وزادَ في الترمذيِّ (٦) وغيرهِ: "وذلكَ بأنِّي جوادٌ واجِدٌ ماجِدٌ أفعَلُ ما أريدُ، عطائي كلامٌ، وعذابي كلامٌ، إذا أردتُ شيئًا فإنَّما أقولُ لهُ كنْ فيكونُ". وقولُه: (إذا استعنتَ فاستعنْ باللَّهِ)، مأخوذٌ منْ قول الله ﵎: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٧)، أي نفردُكَ بالاستعانةِ. أمرهُ ﷺ أن [يستعينَ] (٨) بالله وحدَه [في كلِّ أمورهِ] أي، (٩) إفراده تعالى بالاستعانةِ [على ما يريدهُ. وفي إفرادهِ تعالَى بالاستعانةِ فائدتان] (١٠): فالأولى أنْ العبدَ عاجِزٌ عن

стр. 2415

الاستقلالِ بنفسهِ في عملِ الطاعاتِ، [والثانيةُ أنهُ لا معينَ لهُ على مصالحِ دينهِ ودنياهُ] (١) إلا اللَّهُ ، فمنْ أعانَه اللَّهُ فهوَ المعانُ، ومَنْ خذلَه فهوَ المخذولُ. وفي الحديثِ الصحيح عنه ﷺ "احرصْ على ما ينفعُكَ، واستعنْ باللَّهِ ولا تعجزْ" (٢). وعلَّمَ ﷺ (٣) العبادَ أنْ يقولُوا في خُطبة [الحاجةِ] (٤): "الحمدُ للَّهِ نستعينُه"، وعلَّم معاذًا (٥) أنْ يقولَ دُبُرَ الصلاةِ: "اللهمَّ أعني على ذكرِكَ، وشكرِكَ، وحسنِ عبادتِكَ"؛ فالعبدُ أحوجُ إلى مولاهُ في طلبِ إعانتهِ في فعلِ المأموراتِ، وتركِ المحظوراتِ، والصبرِ على المقدوراتِ. قال يعقوبُ ﷺ في الصبرِ على المقدورِ: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (٦). وما ذكرَ منْ هذهِ الوصايا النبويةِ لا ينافي القيامَ بالأسبابِ، فإنَّها مِنْ جملةِ سؤالِ اللَّهِ، والاستعانةِ

стр. 2416

بهِ، فإنَّ مَنْ طلبَ رزقَه بسببٍ منْ أسبابِ المعاشِ المأذونِ فيها فرُزق منْ جهتِه فهوَ منهُ تعالَى، وإنْ حُرِمَ فهوَ لمصلحة لا يعلمُها، ولو كُشِفَ الغطاءُ لعَلِمَ أن الحرمانَ خيرٌ منَ العطاء. والكسبُ الممدوحُ المأجورُ فاعلُه هوَ ما كانَ [بسبب مأذون فيه شرعًا، وكان] (١) لطلبِ الكفايةِ لهُ ولمنْ يعولُه، أوِ الزائدِ على ذلكَ إذا كان يعدُّه [لغرض صحيح] (٢) [محتاجٍ، أو صلةِ رحمٍ، أو إعانةِ طالبِ علمٍ، أو نحوِه] (٣) منْ وجوهِ الخيرِ لا [لغيرِ ذلكَ] (٤)، فإنهُ يكونُ منَ الاشتغال بالدنيا، وفتحِ بابِ محبَّتِها الذي هوَ رأسُ كلِّ خطيئةٍ. وقدْ وردَ في الحديثِ: "كسبُ الحلالِ فريضةٌ"، أخرجَهُ الطبراني (٥)، والبيهقي (٦)، والقضاعي (٧) عن ابن مسعودٍ [مرفوعًا] (٨)، وفيهِ عبادُ بنُ كثير ضعيفٌ. ولهُ [حديث] (٩) شاهدٌ منْ حديثِ أنسٍ عندَ الديلميِّ (١٠): "طلبُ الحلالِ واجبٌ". ومنْ حديثِ ابن عباسٍ مرفوعًا: "طلبُ الحلالِ جهادٌ"، رواهُ القضاعيُّ (١١)، ومثلُه في الحليةِ (١٢) عن ابن عمرَ. قالَ العلماءُ: الكسبُ الحلالُ مندوبٌ، أوْ واجبٌ إلا للعالمِ المشتغلِ بالتدريسِ، والحاكمِ المستغْرَقَةِ أوقاتهُ في إقامةِ الشريعةِ، ومنْ كانَ منْ أهلِ الولاياتِ العامةِ كالإمامِ [الأعظمِ] (١٣)، فتركُ الكسبِ [بهمْ] (١٤) أَوْلَى لما فيهِ منَ الاشتغالِ عن القيامِ بما [هم فيهِ] (١٥)، ويُرزَقُونَ منَ الأموالِ المعدةِ للمصالحِ.

стр. 2417

كيف يكون العبد محبوبًا من الناس ٦/ ١٣٩١ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللهُ، وَأَحَبّنِي النَّاسُ، فَقَالَ: "ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (١)، وَغَيْرُهُ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. [ضعيف] (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلِ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ، وَأَحَبّنِي النَّاسُ، فَقَالَ: ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يحِبَّكَ النَّاسُ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ). فيهِ خالدُ بنُ عمرَ القرشيُّ مجمَعٌ على تركهِ، [وقد] (٢) نُسِبَ إلى الوضعِ. وقدْ أخرجه أبو نعيمِ في الحليةِ منْ حديثِ مجاهدٍ عنْ أنسٍ برجالٍ ثقاتٍ، إلا أنهُ لم يثبتْ سماعُ مجاهدٍ منْ أنسٍ، وقدْ رُويَ مرسلًا. وقدْ حسَّنَ النوويُّ الحديثَ [كأنهُ] (٣)

стр. 2418

لشواهدهِ. الحديثُ دليلُ على شرفِ الزهدِ [في الدنيا] (١) وفضلهِ، وأنهُ يكونُ سببًا لمحبةِ اللَّهِ تعالى لعبدهِ، ولمحبةِ الناسِ لهُ، لأنَّ مَنْ زهِدَ فيما هوَ عندَ العبادِ أحبُّوه لأنها جُبِلَت الطباع على استثقالِ مَنْ أنزلَ [بالمخلوقينَ حاجاتِه] (٢)، وطمعَ فيما في أيديهمْ. وفيهِ أنهُ لا بأسَ بطلبِ محبةِ العبادِ، والسعي فيما يكسبُ ذلكَ، بلْ هو مندوبٌ إليهِ كما قالَ ﷺ : "والذي نفسي بيدهِ لا تؤمِنُوا حتَّى تحابوا" (٣)، وأرشد ﷺ [العباد] (٤) إلى إفشاء السلام، فإنه من جوالب المحبة، وإلى التهادي ونحو ذلك. ٧/ ١٣٩٢ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِن الله يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيِّ الْخَفِيَّ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٥). [صحيح] (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ، النقي، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). فسَّرَ العلماءُ محبةَ اللَّهِ تعالى لعبدهِ [بأنَّها إرادتهُ] (٦) الخيرَ لهُ، وهدايتهُ ورحمتهُ [ولطفه] (٧)، ونقيضُ ذلكَ بُغضُ اللهِ تعالى. والتقيُّ وهوَ الآتي بما يجبُ عليهِ المجتنِبُ لما يحرمُ عليهِ. [ومراتب التقوى متفاوتة] (٨). والغِنَى هوَ غِنَى النفسِ، فإنهُ الغِنَى المحبوبُ إليه تعالى، قالَ ﷺ : "ليسَ الغِنَى بكثرةِ العرضِ، ولكنَّ الغِنَى غِنَى النفسِ" (٩). وأشارَ عياضٌ إلى أنَّ المرادَ بهِ غِنَى المالِ وهوَ محتملٌ، والخفيُّ بالخاءِ المعجمةِ والفاءِ، أي: الخاملُ المنقطعُ إلى عبادةِ اللَّهِ، والاشتغالِ بأمورِ نفسِه، وضَبَطَهُ بعضُ رواةِ مسلمٍ بالحاءِ المهملةِ، ذكرَهُ القاضي عياضٌ. والمرادُ بهِ الوصولُ للرحمِ اللطيفِ بهم وبغيرِهم منَ الضعفاءِ. وفيهِ دليلٌ على تفضيلِ الاعتزالِ وتركِ الاختلاطِ بالناسِ.

стр. 2419

من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ٨/ ١٣٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١)، وَقَالَ: حَسَنٌ. [صحيح]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ) أي: [ما لا] (٢) يهمُّه، مِنْ عناهُ يعنيه ويعنوه، [إذا] (٢) أهمَّهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ و [حسَّنه] (٣). هذا الحديثُ منْ جوامعِ [الكلام النبوي] (٤) يعمُّ الأقوالَ [والأفعال] (٥)، كما رُوِيَ أن في صُحُفِ إبراهيمَ ﵇: منْ عدَّ كلامَهُ منْ عملهِ قلَّ كلامُه إلا فيما يعنيهِ، ويعمُّ الأفعالَ فيندرجُ [تحته] (٦) تركُ التوسُّعِ في الدُّنيا (٧)، وطلبُ المناصبِ والرياسةِ، وحبُّ [المَحمدةِ و] (٨) الثناءِ، [وغيرُ] (٩) ذلكَ مما لا يحتاجُ إليهِ المرءُ في إصلاحِ دينهِ و [كفاية] (١٠) دنياهُ. وأما اشتغالُ العلماءِ بالمسائلِ الفرضيةِ فقيلَ إنهُ ليسَ منَ الاشتغالِ بما لا يعني، بلْ هوَ مما يؤجرونَ فيهِ لأنَّهم لما عرفُوا منَ الأحاديثِ النبويةِ أنهُ في آخرِ الزمانِ يقلُّ العلمُ، ويفشو الجهلُ، اجتهدُوا في ذلكَ لما يأتي منَ

стр. 2420

الزمان، ومنْ يأتي منَ العبادِ المحتاجينَ إلى معرفةِ الأحكامِ معَ عجْزِهِمْ عن البحثِ، فإنْهم أتعبُوا القرائحَ، وخرَّجُوا التخاريجَ، وقدَّرُوا التقاديرَ. والأعمالُ بالنياتِ. قلتُ: لا يَخْفَى أنْ تخريجَ التخريج، وتقديرَ التقاديرِ ليسَ منَ العلمِ المحمودِ، لأنَّ غالبها أقوالٌ خرجتْ منْ أقوالِ المجتهدينَ، وليست أقوالًا لهمْ ولا أقوالًا لمنْ يخرجُها، ولا احتياجَ إليها. والعملُ بها مشكلٌ؛ إذْ ليستْ لقائلٍ؛ إذِ القائلُ بها ليسَ [بمجتهدٍ] (١) ضرورةً فلا يقلدُ لأنهُ إنَّما يقتَدُ مجتهدٌ عدلٌ، والفرضُ أن المخرجينَ ليسُوا مجتهدينَ. وأما تقديرُ التقاديرِ فإنهُ قسمٌ منَ التخاريجِ إذْ غالبُ ما يقدرُ أنهُ يجابُ عنهُ بأقوالِ المخرجينِ. وفي كلامِ عليٍّ ﵇: العلمُ نقطةٌ [كثَّرها] (٢) الجُهَّالُ. بل هذهِ الموضوعاتُ في التخاريجِ كانتْ مضرَّةً للنظر في الكتاب والسنةِ؛ إذْ شغلتِ الناظرين عن النظرِ فيهمَا، [ونيلِ] (٣) بركتِهمَا، فقطعُوا الأَعمارَ في تقريرِ تلكَ التخاريج. وقد أشبعَ الكلامَ على ذلكَ، وعلى ذمِّ الاشتغالِ بهِ طوائفُ منْ أئمة التحقيقِ، وإنْ كانَ الاشتغالُ بها قدْ عمَّ كل فريقٍ. النهي عن كثرة الأكل ٩/ ١٣٩٤ - وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مَلأ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًا مِنْ بَطْنِهِ"، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٤) وَحَسَّنَهُ. [صحيح] (وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيَكرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا مَلأ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ)، وأخرجَهُ ابنُ حِبَّانَ (٥) في صحيحهِ، وتمامُه: "بحسب ابن آدمَ أكلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإنْ كانَ فاعلًا لا محالةَ (وفي لفظِ ابن ماجهْ) (٦):

стр. 2421

فإنْ غلبتِ ابنَ آدمَ نفسُه [فثلثٌ] (١) لطعامِه، و [ثلثٌ] (١) لشرابهِ، و [ثلثٌ] (١) لنفَسِه". الحديثُ دليلٌ على ذمِّ التوسعِ في المأكولِ والشبَعِ والامتلاءِ، والإخْبارُ عنهُ بأنهُ [شرٌّ لما فيهِ] (٢) منَ المفاسدِ الدينيةِ والبدنيةِ، فإنَّ فضولَ الطعامِ مجلبَةُ [السقام] (٣)، ومثبِّطةٌ عن القيامِ بالأحكامِ، وهذا الإرشادُ إلى جعلِ الأكلِ ثلثَ ما يدخلُ المعدةَ مِنْ أفضلِ ما يرشد إليه سيدُ الأنامِ ﷺ ؛ فإنه يخفُّ على المعدة، ويستمدُّ منه البدنُ الغذاءَ، وتنتفعُ به القِوى، ولا يتولَّدُ عنهُ شيءٌ منَ الأدْواءِ. وقدْ وردَ منَ الكلامِ النبوي شيءٌ كثيرٌ في ذمِّ الشِّبعِ، [فقد أخرج] (٤) البزار (٥) [بإسنادينِ أحدِهما رجالُه ثقاتٌ مرفوعًا] (٦) بلفظِ: "أكثرُ الناسِ شَبَعًا في الدنيا أكثرُهم جُوعًا يومَ القيامةِ"، قالَهُ ﷺ لأبي جحيفةَ لما تجشأَ فقالَ: "ما ملأتُ بطني منذُ ثلاثينَ سنةً". وأخرجَ الطبرانيُّ (٧) بإسنادٍ حسنٍ: "أهلُ الشبعِ في الدنيا همْ أهل الجوعِ غدًا في الآخرة"، زادَ البيهقي (٨): الدنيا سجنُ المؤمنِ وجنةُ الكافرِ. وأخرجَ الطبراني (٩) بسندٍ جيدٍ أنهُ ﷺ رأى رجلًا عظيمَ البطنِ فقالَ بأُصبَعِهِ: "لوْ كانَ هذا في غيرِ هذا لكانَ خيرًا لكَ". وأخرجَ البيهقيُّ (١٠) واللفظُ لهُ، [وأخرجه] (١١)

стр. 2422

الشيخانِ مختصرًا: "ليؤتينَّ يومَ القيامةِ بالعظيمِ الطويلِ الأكُولِ الشروب فلا يزنُ عندَ اللَّهِ جناحَ بعوضةٍ، اقرؤُوا إنْ شئتُم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (١). وأخرجَ ابنُ أبي الدنيا (٢): "أنهُ ﷺ أصابَهُ جوعٌ يومًا، فعمدَ إلى حجرٍ فوضَعَهُ على بطنِه [الشريف] (٣)، ثمَّ قال: ألا رُبَّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا، جائعةٍ عاريةٍ يومَ القيامةِ، ألا رُبَّ مُكرمٍ لنفسِه وهوَ لها مُهينٌ، ألا رُبَّ مُهينٍ لنفسِه وهوَ لها مُكرِمٌ". وصحَّ حديثُ (٤): "منَ الإسرافِ أنْ تأكلَ كلَّ ما اشتهيتَ". وأخرجَ البيهقي (٥) [بإسناد] (٦) فيهِ ابنُ لهيعةَ عنْ عائشةَ: "رآني النبيُّ ﷺ وقدْ أكلتُ في اليوم مرتينِ فقال: يا عائشةُ أما تحبينَ أنْ لا يكونَ لكِ شغلٌ إلا جوفَكِ، الأكلُ في اليومِ مرتينِ منَ الإسرافِ، واللَّهُ لا يحبُّ المسرفينَ". وصحَّ [حديث] (٧): "كلُوا واشربُوا والبسُوا في غيرِ إسرافٍ ولا مخيلةٍ" (٨). وأخرجَ ابنُ أبي الدنيا (٩) والطبرانيُّ (١٠): "سيكونُ رجالٌ منْ أمتي يأكلونَ ألوانَ الطعامِ، ويشربونَ ألوانَ

стр. 2423

الشرابِ، ويلبسونَ ألوانَ الثيابِ، ويتشدَّقونَ في الكلامِ، فأولئكَ شِرارُ أمتي". وقالَ لقمانُ لابنِه (١): يا بنيَّ إذا امتلأتِ المعدةِ نامتِ الفكرةُ، وخرستِ الحكمةُ، وقعدتِ الأعضاءُ عن العبادةِ، وفي الخلوّ عن الطعامِ فوائدُ، وفي الامتلاءِ مفاسدُ، ففي الجوعِ صفاءُ القلبِ، وإيقادُ القريحةِ، ونفاذُ البصيرةِ، والشبعُ يورثُ البلادةَ، ويعمي القلبَ، ويكثرُ البخارَ في المعدةِ والدماغِ، كشبهِ السكرِ حتَّى يحتويَ على معادنِ الفكرِ، فيثقل القلبُ بسببهِ عن الجريانِ في الأفكارِ، ومنْ فوائدِه كسرُ شهوات المعاصي كلّها، والاستيلاءُ على النفسِ الأمارةِ بالسوءِ، فإنَّ منشأ المعاصي كلِّها الشهواتُ والقُوى، ومادةُ القُوى الشهواتُ، والشهواتُ [لا محالةَ] (٢) الأطعمةُ فتقليلُها يضعفُ كلَّ شهوةٍ وقوةٍ، وإنَّما السعادةُ كلُّها في أنْ يملكَ الرجلُ نفسَه، والشقاوةُ كلُّها في أنْ تملكَه نفسُه. قالَ ذُو النونِ (٣): ما شبعتُ قطُّ إلا عصيتُ، أو هممتُ بمعصيةٍ. وقالتْ عائشةُ (٤) ﵂: أولُ بدعةٍ حدثَتْ بعدَ رسولِ اللَّهِ ﷺ الشبعُ، إنَّ القومَ لما شبعتْ بطونُهم جمحتْ بهم نفوسُهم إلى الدنيا. ويقالُ: الجوعُ خزانةٌ منْ خزائنِ الله تعالى، وأولُ ما يندفع بالجوعِ شهوةُ [الفرج] (٥)، وشهوةُ الكلامِ فإنَّ الجائعَ لا تتحركُ له شهوة فضولِ الكلامِ [فيتخلصُ] (٦) من آفاتِ اللسانِ، ولا تتحركُ عليهِ شهوةُ الفرجِ، فيتخلصُ منَ الوقوعِ في [الحرام] (٧). ومنْ فوائِده قِلَّةُ النومِ؛ فإنَّ مَنْ أكلَ كثيرًا شربَ كثيرًا، فنام طويلًا، وفي كثرةِ النومِ خسرانُ الداريْنِ، [وفواتُ] (٨) كلِّ منفعةٍ دينيةٍ ودنيوية. [وقد] (٩) عدَّ الغزاليُّ في الإحياءِ (١٠) عشرَ فوائدَ لتقليلِ الطعامِ، وعدَّ عشرَ مفاسدَ [للتوسعِ منهُ] (١١)، فلا ينبغي للعبدِ أن يعوِّدَ نفسَه ذلكَ، فإنَّها تميلُ بهِ

стр. 2424

إلى الشَّرَهِ، ويصعبُ تداركُها وليُرْضِها منْ أولِ الأمرِ على السدادِ، فإنَّ ذلكَ أهونُ لهُ منْ أن يجرئَها على الفسادِ وهذا أمرٌ لا يحتملُ الإطالةَ؛ إذْ هوَ منَ الأمورِ التجريبيةِ التي قدْ جرَّبها كلُّ إنسانٍ، والتجربةُ منْ أقسامِ البرهانِ. دليل على قبول توبة من أخطأ ١٠/ ١٣٩٥ - وَعَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ بَنِي آدمَ خَطَّاءٌ، وَخَيرُ الْخَطَّائِينَ التَّوابُونَ". أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (١)، وابْنُ مَاجَهْ (٢)، وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ. [حسن] (وَعَنْ أنسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسول اللهِ ﷺ : كلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاء وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَابُونَ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْن مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ قَوِيٌ). [خطَّاؤون كثيرو الخطأ، إذ هو صيغة مبالغةٍ] (٣). والحديثُ دالٌّ على أنهُ لا يخلو من الخطيئةِ إنسانٌ لما جُبلَ عليهِ هذا النوعُ منَ الضعفِ، وعدمِ الانقيادِ لمولاهُ في فعل ما إليهِ دعاهُ وتركِ ما عنهُ [نهاه] (٤)، ولكنهُ تعالَى بلطفِه فتحَ بابَ التوبةِ لعبادِه، وأخبرَ أن خيرَ الخطائينَ التوابونَ الكثيرونَ للتوبةِ على قدرِ كثرةِ الخطأِ. وفي الأحاديثِ أدلةٌ على أن العبدَ إذا عصَى وتابَ تابَ اللَّهُ عليهِ، [ولا] (٥) يزالُ كذلكَ، ولنْ يهلكَ على اللَّهِ إلا هالكٌ. وقدْ خُصَّ منْ هذا العمومِ يحيى (٦) بنُ زكريا، فإنهُ وردَ أنهُ ما همَّ بخطيئةٍ. ورُوِيَ أنهُ لقيهُ إبليسُ ومعهُ معاليقُ منْ كلِّ شيءٍ، فسألَهُ عنْها فقالَ: هي الشهواتُ التي أصيبُ بها [بني] (٧) آدمَ، فقالَ: هلْ لي فيها شيءٌ؟ قالَ: ربَّما شبعتَ فشغلناكَ عن الصلاةِ والذكرِ، قالَ: هلْ غيرُ ذلكَ؟ قالَ لا، قالَ: للَّهِ عليَّ أنْ لا

стр. 2425

أملأَ بطني منْ طعامٍ أبدًا، فقالَ إبليسُ: [للهِ] (١) عليَّ أنْ لا أنصحَ مسلِمًا أبدًا. فضل الصمت وقلة الكلام ١١/ ١٣٩٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الصَّمْتُ حِكْمَةٌ، وَقَلِيلٌ فَاعِلَهُ" أخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ (٢) بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَصَحَّحَ أنهُ مَؤقُوفٌ مِنْ قَوْلِ لُقْمَانَ الْحَكيمِ. [موقوف] (وعنْ أنسٍ ﵁ قال: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وَقَلِيلٌ فَاعِلَهُ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، [وَصَحَّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ] (٣) مِنْ قَوْلِ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ)، وسببُه أنَّ لقمانَ دخلَ على داودَ ﵇ فرآهُ يسردُ دِرْعًا لم يكنْ رآه قبلَ ذلكَ، فجعلَ يتعجَّبُ مما رأى فأرادَ أنْ يسأله عنْ ذلكَ فمنعتْه [حكمتُه] (٤) عنْ ذلكَ، فتركَ ولم يسألْهُ فلما فرغَ داود قام ولبسَها ثمَّ قالَ: نعمَ الدرعُ للحربِ، فقالَ لقمانُ: الصمتُ حكمةٌ - الحديثَ. وقيلَ: ترددَ إليهِ سنةً وهوَ يريدُ أنْ يعلمَ ذلكَ ولم يسألْه. وفيهِ دليلٌ على حسنِ الصمتِ، ومدْحِه، والمرادُ بهِ عنْ فضولِ الكلامِ. وقدْ وردتْ عِدَّةُ أحاديثَ دالةٍ على مدحِ الصمتِ، ومدحَهُ العقلاءُ والشعراءُ، وفي الحديثِ (٥): "منْ

стр. 2426

صمتَ نجَا". وقال عقبةُ (١): قلتُ لرسولِ اللهِ ﷺ : ما النجاةُ؟ قالَ: "أمسكْ عليكَ لسانَكَ" الحديثَ. وقال ﷺ : "من تكفَّلَ لي بما بينَ لحييهِ ورجليهِ أتكفلُ لهُ بالجنةِ" (٢). وقالَ معاذٌ ﵁ لهُ ﷺ : أنُؤَاخَذُ بما نقولُ؟ قالَ: "ثكلتكَ أمُّكَ، وهلْ يَكُبُّ الناسَ على مناخِرِهِم [في النار] (٣) إلَّا حصائدُ ألسِنتهم" (٤). وقالَ ﷺ : "منْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليقلْ خيرًا أو ليصمتْ" (٥). والأحاديثُ واسعةٌ جدًّا [في حسن الصمت] (٦)، والآثارُ عن السلفِ، واعلمْ أن فضولَ الكلامِ لا تنحصرُ، بلِ المهمُّ محصورٌ في كتابِ اللهِ تعالى حيثُ قالَ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآية (٧). وآفاتُه لا تنحصرُ فعدَّ منْها الخوضَ في الباطلِ، وهوَ الحكايةُ للمعاصي من مخالطةِ النساءِ، ومجالسِ الخمرِ، ومواقفِ الفساقِ، وتنعُّم الأغنياء، وتجبُّرِ الملوكِ ومراسِمهم المذمومةِ، وأحوالِهم المكروهةِ؛ فإنَّ كلَّ ذلكَ مما لا يحلُّ الخوضُ فيهِ فهذا حرامٌ. ومنها الغيبةُ والنميمةُ وكفَى بهمَا هلاكًا في الدينِ، ومنْها المِراءُ والمجادلةُ والمِزاحُ، ومنْهَا الخصومةُ والسبُّ والفحشُ وبذاءةُ اللسانِ، والاستهزاءُ بالناس، واللعن والسخريةُ، والكذبُ. وقدْ عدَّ الغزاليُّ في الإحياءِ (٨) عشرينَ آفةً، وذكرَ في كلِّ آفةٍ كلامًا بسيطًا حسنًا، وذكرَ علاجَ هذهِ الآفاتِ. * * *

стр. 2427

[الباب الرابع] باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ذمُّ الحسد وذكر مساويه ٧/ ١٣٩٧ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١). [حسن بشواهده] - وَلابْنِ مَاجَهْ (٢) مِنْ حَدِيثِ أنَسٍ نحوُهُ. [ضعيف] (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارَ الْحَطَبَ. أخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوُهُ). إياكُم ضميرٌ منصوبٌ على التحذيرِ، والمحذَّرُ منهُ الحسدُ. وفي [ذم] (٣) الحسدِ أحاديثُ وآثارٌ كثيرةٌ. ويُقالُ (٤): كانَ أولَ ذنبِ عُصِيَ اللهُ بهِ الحسدُ، فإنهُ أمرَ إبليسَ بالسجودِ لآدمَ فحسدَه فامتنعَ عنهُ فعصَى الله تعالى فطردَه، [وتولَّدَ منْ طردِه كلُّ بلاءٍ وفتنةٍ عليهِ وعلى العبادِ] (٥).

стр. 2428

والحسدُ لا يكونُ إلَّا على نعمةٍ، فإذا أنعمَ اللهُ على [أخيكَ] (١) نعمةً فلكَ فيها حالتانِ، إحداهُما أن تكرهَ تلكَ النعمةَ وتحبَّ زوالَها، وهذهِ الحالةُ تُسَمَّى حسدًا، والثانيةُ أنْ لا تحبَّ زوالَها، ولا تكرهَ وجودَها ودوامَها، ولكنَّكَ تريدُ لنفسكَ مثلَها فهذا يسمَّى غِبْطَةً، فالأولُ حرامٌ على كلِّ حالٍ إلا نعمةً على كافرٍ أو فاجرٍ، وهوَ يستعينُ بها على [الفسادِ و] (٢) تهييج الفتنةِ وإفسادِ ذاتِ البينِ [والصلح] (٣) وإيذاءِ العبادِ، فهذهِ لا يضركَ كراهتُك لها، ومحبتُك زوالَها فإنكَ لم تحبَّ زوالَها منْ حيثُ [أنها] (٤) نعمةٌ بل منْ حيثُ هي آلةٌ للفسادِ والبغي ووجْهُ تحريمِ الحسدِ معَ ما عُلِمَ منَ الأحاديثِ أنهُ [تَسَخُّطٌ لقدرِ] (٥) اللهِ تعالَى [وحكمتِه في تفضيلِ بعضِ عبادِه على بعض، ولذا قيل] (٦): ألا قلْ لمنْ كانَ لي حاسِدًا … أتدري على مَنْ أسأتَ الأدبْ أسأتَ على اللهِ في فعلِه … لأنكَ لم ترضَ لي ما وهبْ [فجازاك عني بأن زادني … وسدَّ عليك وجوه الطلب] (٧) ثمَّ الحاسدُ إنْ وقعَ لهُ [الخاطرُ بالحسدِ فدفعَهُ] (٨) وجاهدَ نفسَه [في دفعه] (٩) فلا إثمَ عليهِ، بلْ لعلّهُ مأجورٌ في [مدافعته] (١٠). فإنْ [سعَى في زوالِ] (١١) نعمةِ المحسود، [أو سعى في إزالتها] (١٢) فهوَ باغٍ [على أخيه] (١٣)، وإنْ لم يسعَ ولم يظهرْه، فإن كان لمانع العجزِ فإنْ كانَ بحيثُ لو أمكنَه لفعلٍ فهو مأزورٌ، وإن كان لمانع التقوى فقد يعذرَ لأنهُ لا يستطيعُ دفعَ الخواطرِ النفسانيةِ فيكفيهِ في مجاهدِتها أنْ لا يعملَ بها، ولا يعزمَ على العمل بها. وفي الإحياءِ (١٤): فإنْ كانَ بحيثُ لو أُلقِيَ الأمرُ إليهِ ورُدَّ إلى اختيارِه لسعَى في إزالةِ النعمةِ فهوَ حسد حسدًا مذمومًا،

стр. 2429

وإنْ كانَ تردعه التقْوى [عنْ إزالةِ ذلكَ] (١) فيعفَى عنهُ ما يجدُه في نفسِه منِ ارتياحِه إلى زوالِ النعمةِ عنْ محسودِه مهْمَا كانَ كارهًا لذلكَ منْ نفسِه بعقلِه ودِينه، وهذا التفصيلُ يشيرُ إليهِ ما أخرجَهُ عبدُ الرزاقِ (٢) مرفوعًا: "ثلاثٌ لا يسلمُ مِنهنَّ أحدٌ: الطِّيَرةُ، والظنُّ، والحسدُ، قيلَ: فما المخرجُ منْها يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: إذا تَطيّرت فلا ترجعْ، وإذا ظننتَ فلا تُحقّقُ، وإذا حسدتَ فلا تبغِ". وأخرجَ أبو نعيمٍ (٣): "كلُّ ابن آدمَ حسودٌ ولا يضرُ حاسدًا حسدُه ما لم يتكلَّم باللسانِ أو يعملْ باليدِ". وفي معناهُ أحاديثُ (٤) لا تخلو عن مقالٍ. وفي الزواجرِ (٥) لابن حجر الهيتميِّ: أن الحسدَ مراتبٌ، وهي إما محبةُ زوالِ نعمةِ الغيرِ وإنْ لم تنتقلْ إلى الحاسدِ، وهذا غايةُ الحسدِ، أو معَ انتقالِها إليهِ أوِ انتقالِ مِثْلِهَا إليه، [وإلَّا] (٦) أحبَّ زوالَها لئلَّا يتميزُ عليهِ أو لا مع محبةِ زوالِها، وهذا الأخيرُ هوَ المعفوُّ عنهُ منَ الحسدِ إنْ كانَ في الدُّنيا، والمطلوبُ إنْ كانَ في الدِّينِ [انتهَى] (٧). وهذا القسمُ الأخيرُ يسمَّى غيرةً، فإنْ كانَ في الدينِ فهوَ المطلوبُ وعليهِ حُمِلَ ما رواهُ الشيخانِ منْ حديثِ (٨) ابن عمرَ أنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا حسدَ إلا في اثنتينِ: رجلٌ آتاهُ اللَّهُ القرآنَ، فهوَ يقومُ به آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ، ورجلٌ آتاهُ اللَّهُ مالًا، فهوَ ينفقُ منهُ آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ". والمرادُ أنهُ يغارُ ممنِ اتصفَ بهاتينِ الصِّفتينِ فَيُقْتَدَى بهِ محبةً للسلوكِ في هذا المسلكِ، ولعلَّ تسميتَه حسدًا مجازٌ.

стр. 2430

والحديثُ دليلٌ على تحريمِ الحسدِ، وأنهُ من الكبائرِ فإنه إذا أكل الحسنات فقد أحبطها ولا تحبط إلا كبيرة. ونسبةُ الأكلِ إليهِ مجازٌ منْ بابِ الاستعارةِ. وقولُه: كما تأكلُ النارُ الحطبَ تحقيقٌ لذهابِ الحسناتِ بالحسدِ كما يذهبُ الحطبُ بالنارِ، ويتلاشَى جرمُه. واعلمْ أن دواءَ الحسدِ الذي يزيلُه عن القلبِ [معرفةُ] (١) الحاسدِ أنهُ لا يضرُّ بحسدهِ المحسودَ في الدينِ ولا في الدُّنيا، وأنهُ يعودُ وبالُ حسدِه عليهِ [في الدارينِ] (٢)؛ إذْ لا تزولُ نعمةٌ بحسدٍ قطُّ وإلا لم تبقَ للَّهِ تعالى نعمةٌ [على أحدٍ] (٣) حتَّى نعمةُ الإيمانِ، لأنَّ الكفارَ يحبونَ زوالَه عن المؤمنينَ، بلِ المحسودُ يتمتعُ بحسناتِ الحاسدِ لأنهُ مظلومٌ منْ جهته إذا أطلقَ لسانَه بالانتقاصِ والغيبةِ وهتكِ السترِ، فيلقَى الله تعالى مفلِسًا منَ الحسناتِ، محرُومًا منْ نعمةِ الآخرةِ كما حرمَ سلامة الصدرِ في الدنيا، وسكون القلبِ والاطمئنانِ [في الدنيا] (٤)، فإذا تأملَ العاقلُ هذا عرفَ أنهُ جرَّ لنفسِه بالحسدِ كلَّ غمٍّ ونكدٍ في [الدنيا والآخرة] (٥). جهاد النفس أعظم من جهاد العدو ٢/ ١٣٩٨ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ الشدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح]

стр. 2431

(وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ) بضمِّ الصادِ المهملةِ، وفتح الراءِ، وبالعينِ المهملةِ على زنةِ هُمَزَةٍ صيغةُ مبالغةٍ، أي: كثيرُ الصرعِ لغيره، (إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ. مُتفَقٌ عَلَيْهِ). المرادُ بالشديدِ هُنا شدةُ القوةِ المعنويةِ، وهيَ مجاهدةُ النفسِ وإمساكُها عندَ الشرّ، ومنازعتُها للجوارحِ للانتقامِ ممنْ أغضَبها، فإنَّ النفسَ في حكمِ الأعداءِ الكثيرينَ وغلبتها عما تشتهيهِ في حُكمِ مَنْ هوَ شديدُ القوةِ في غلبةِ الجماعةِ الكثيرين فيما يريدونه منهُ، وفيهِ إشارةٌ إلى أن مجاهدةَ النفسِ أشدُّ منْ مجاهدةِ العدوِّ، لأنهُ ﷺ جعل الذي يملكُ نفسَه عندَ الغضبِ أعظمَ الناسِ قوةً. وحقيقةُ الغضبِ حركةُ النفسِ إلى خارجِ الجسدِ لإرادةِ الانتقام. والحديثُ فيه إرشادٌ إلى أن مَنْ أغضبَه أمرٌ، وأرادتِ النفسُ المبادرةَ إلى الانتقامِ ممنْ [أغضَبه] (١) أنْ يجاهِدَها ويمنعَها عما طلبتْ، والغضبُ غريزةٌ في [الإنسانِ] (٢)، فمهما قصدَ أو نُوزعَ في غرضٍ اشتعلتْ نارُ الغضبِ وثارتْ، حتَّى يحمرَّ الوجهُ والعينانِ، [وينتفخ الودجان، ويحمر البدن غالبًا] (٣) [منَ الدمِ] (٤)، لأنَّ البشرةَ تحكي لونَ ما وراءَها، وهذا إذا غضبَ على مَنْ دونَه واستشعرَ القدرةَ عليهِ، وإنْ [كانَ ممنْ] (٥) فوقَه تولَّدَ منهُ انقباضُ الدمِ منْ ظاهرِ الجلدِ إلى جوفِ القلبِ، فيصفرُّ اللونُ خوفًا، وإنْ [غضب] (٦) على [من هو نظيره] ومثله، (٧) تردَّدَ الدمُ بينَ [انقباضٍ وانبساطٍ] (٨)، فيحمرُّ ويصفرُّ، والغضبُ يترتبُ عليهِ تغيرُ الباطنِ والظاهرِ تغيرِ اللونِ والرعدةِ في الأطرافِ، وخروجِ الأفعالِ على غيرِ ترتيبٍ، واستحالةِ الخلقةِ حتَّى لو رأى الغضبانُ نفسَه حالةَ [غضبِه] (٩) لسكَنَ غضبُه حياء منْ قبحِ صورتِه، واستحالةِ خِلْقتِه، هذا [في] (١٠) الظاهرِ، وأما في الباطنِ [فقبحُه] (١١) أشدُّ منَ الظاهرِ لأنهُ [يولدُ حِقْدًا] (١٢) في القلبِ، وإضمارُ السوءِ على اختلافِ أنواعِه، بلْ قبحُ باطِنِه

стр. 2432

متقدِّمٌ على تغيُّرِ ظاهرِه، فإنَّ تغيُّرَ الظاهرِ ثمرةُ تغيُّرِ الباطنِ، فيظهرُ علَى اللسانِ الفحشُ والشتْمُ، ويظهرُ في الأفعالِ بالضربِ والقتلِ وغيرِ ذلكَ منَ المفاسدِ. وقدْ وردَ في الأحاديثِ دواءُ هذا الداءِ. فأخرجَ ابنُ عساكرَ (١) موقُوفًا: "الغضبُ منَ الشيطانِ، والشيطانُ خُلِقَ منَ النارِ، والماءُ يطفىُء النارَ، فإذا غضبَ أحدُكم فليغتسلْ"، وفي روايةٍ (٢): "فليتوضأ". وأخرجَ ابنُ أبي الدنيا (٣) مرفوعًا: إذا غضبَ أحدُكم فقالَ: أعوذُ باللَّهِ من الشيطان سكنَ غضبُه. وأخرجَ أحمدُ (٤): مرفوعًا: " [إذا غضبَ أحدُكم فليسكتْ". وأخرجَ أحمدُ (٥)، وأبو داودَ (٦)، وابنُ حبانَ (٧)] (٨): "إذا غضبَ أحدُكم فليجلسْ، فإذا ذهبَ عنه الغضبُ وإلَّا فليضطجِعْ". وأخرجَ أبو الشيخِ (٩) مرفوعًا: "الغضبُ منَ الشيطانِ، فإذا وجده أحدُكم قائمًا فليجلسْ، وإن وجدَه جالِسًا فليضطجعْ". والنَّهيُ [في الغضبِ] (١٠) متوجهٌ إلى الغضبِ [في] (١١) غيرِ الحقِّ. وقدْ بوَّبَ البخاريُّ (١٢): (بابُ ما يجوزُ

стр. 2433

منَ الغضب والشدةِ لأمرِ اللَّهِ). وقدْ قالَ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (١). وذكرَ خمسةَ (٢) أحاديثَ في كلِّ منْها غضبُه ﷺ في أسبابٍ مختلفةٍ مرجعه إلى أن كلَّ ذلكَ كانَ لأمرِ اللَّهِ تعالى، وإظهارِ الغضبِ [فيه] (٣) منهُ ﷺ ، ليكونَ أَوْكَدَ. وقدْ ذكرَ تعالَى في قصة موسَى وغضبِه [لما عُبِدَ العجلُ] (٤)، وقال: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ (٥). الظلم ظلمات يوم القيامة ٣/ ١٣٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح] (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. مُتفَقٌ عَلَيْهِ). الحديثُ منْ أدلةِ تحريمِ الظلمِ، [وهو قبيح شرعًا وعقلًا] (٧)، وهوَ يشملُ جميعَ أنواعِه سواءٌ كانَ في نفسٍ أو مالٍ أو عرضٍ في [حقِّ مؤمنٍ، أو كافرٍ، أو فاسقٍ] (٨). والإخبارُ عنهُ بأنهُ ظلماتٌ يومَ القيامةِ فيهِ [ثلاثةُ أقوالٍ] (٩): قيلَ هوَ على ظاهرهِ فيكونُ ظلماتٍ على صاحبِه لا يهتدي يومَ القيامةِ سبيلًا حيثُ يسعَى نورُ [المؤمنينَ يومَ القيامةِ] (١٠) بينَ أيديهمْ وبأيمانِهم. وقيلَ: إنه أُريدَ بالظلماتِ الشدائدُ، [وبه فُسِّرَ] (١١) قولُه تعالَى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (١٢)، أي: منْ شدائدِهما. وقيل: إنهُ كنايةٌ عن النكالِ والعقوباتِ.

стр. 2434

التحذير من الشح ٤/ ١٤٠٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اتقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ"، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وَعَنْ جَابِرِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) في الشحِّ، وفي التفرقةِ بينَه وبينَ البخلِ أقوالٌ: فقيلَ في تفسيرِ الشُحِّ، إنهُ أشدُّ منَ البخلِ وأبلغُ في المنعِ منَ البخلِ. وقيلَ: هوَ البخلُ معَ الحرصِ. وقيلَ: البخلُ في بعضِ الأمورِ، والشحُّ عامٌّ. وقيلَ: البخلُ بالمالِ خاصةً، والشحُّ بالمالِ، والمعروفِ، وقيلَ: الشحُّ الحرصُ على ما ليسَ عندَه والبخلُ بما عندَه. وقيل: (فإنهُ أهلكَ مَنْ كانَ قبلَكُم) يحتملُ أنْ يريدَ الهلاكَ الدنيويَّ المفسَّرَ بما بعدَه في تمامِ الحديثِ، وهوَ قولُه: "حملَهم على أنْ سفكُوا دماءهم، واستحلُّوا محارِمَهُم" (٢)، وهذا هلاكٌ دنيويٌّ. والحاملُ لهمْ هوَ شحُّهم على حفظِ المالِ وجمعِه، وازديادِه وصيانتِه عنْ ذهابِه في النفقاتِ، فضمُّوا إليهِ مالَ الغيرِ صيانةً لهُ، ولا يُدْرَكُ مالُ الغيرِ إلا [بالحرب] (٣) [والغصبيةِ] (٤) المفضيةِ إلى القتلِ، واستحلالِ المحارمِ، ويحتملُ أنْ يرادَ بهِ الهلاكُ الأُخرويُّ فإنهُ يتفرعُ عما اقترفوهُ منِ ارتكابِ هذهِ المظالمِ، والظاهرُ حملُه على الأمريْنِ. واعلمْ أن الأحاديثَ (٥) في ذمِّ الشحِّ والبخلِ كثيرةٌ والآياتُ القرآنيةُ: ﴿الَّذِينَ [يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ (٦)، ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (٧)، ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ] (٨) ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ

стр. 2435

خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ (١)، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). وفي الحديث: "ثلاثٌ مهلِكاتٌ: شحٌّ مطاعٌ، وهوىً متَّبعٌ، وإعجابُ كل ذي رأيٍ برأيِه". أخرجَهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ (٣). وفيهِ زيادةٌ وفي الدعاءِ النبوي: "اللهمَّ إني أعوذُ بكَ منَ الهمِّ والحزَنِ - إلى قولهِ - والبخلِ"، أخرجَهُ الشيخانِ (٤). وقالَ ﷺ : "شرُّ ما في الرجلِ شحٌّ هالِعٌ وجُبْنٌ خالِعٌ"، أخرجَهُ البخاريُّ في التاريخِ (٥)، وأبو داودَ (٦) عنْ أبي هريرةَ مرفُوعًا. [والآثارُ] (٧) فيهِ كثيرةٌ. فإن قلتَ: وما حقيقةُ البخلِ المذمومِ وما منْ أحدِ إلَّا وهوَ يرى نفسَه أنهُ غيرُ بخيلٍ، وَيرَى غيرَه بخيلًا، وربَّما صدرَ فعلٌ منْ إنسانٍ فاختلفَ فيهِ الناسُ فيقولُ جماعةٌ: إنهُ بخيلٌ ويقولُ أخرونَ: ليس بخيلَا، فماذا حدُّ البخلِ الذي يوجِبُ الهلاكَ، وما حدُّ البذلِ الذي يستحقُّ به العبدُ صفةَ السخاوةِ وثوابَها. قلتُ: السخاءُ هوَ أنْ يؤديَ ما أوجبَ اللَّهُ عليهِ، والواجبُ واجبانِ: واجبُ الشرعِ، وهوَ ما فرضَهُ اللَّهُ تعالَى منَ الزكاةِ والنفقاتِ لمنْ يجبُ عليهِ إنفاقُه وغيرُ ذلكَ، وواجبُ المروءةِ والعادةِ. والسخِيُّ هوَ الذي لا يمنعُ واجبَ الشرعِ ولا واجبَ العادة والمروءةِ، فإنْ منعَ واحدًا منْهما فهوَ بخيلٌ لكنَّ الذي يمنعُ واجبَ الشرعِ [أشد بخلًا] (٨)، فمنْ أعْطَى زكاةَ ماله مثلًا ونفقةَ عيالِه بطيبةِ نفسِه، ولا يتيممُ الخبيثَ منْ مالِه في حقِّ اللَّهِ، فهوَ السخي، والسخاءُ في المروءةِ أنْ يتركَ

стр. 2436

المضايقةَ والاستقصاءَ في المحقَّراتِ [وغيرها] (١)، فإنَّ ذلكَ مُسْتَقْبَحٌ، ويختلفُ استقباحُه باختلافِ الأحوالِ والأشخاصِ، وتفصيلُه يطولُ فمنْ أرادَ استيفاءَ ذلكَ راجعَ الإحياءَ للغزاليِّ (٢) ﵀. واعلمْ أن البُخْلَ داءٌ لهُ دواءٌ، وما أنزلَ اللَّهُ منْ داءٍ إلَّا ولهُ دواءٌ، وداءُ البخلِ سببهُ أمرانِ: الأولُ حبُّ الشهواتِ التي لا يُتَوصَّلُ إليها إلَّا بالمالِ وطولِ الأملِ، والثاني: حبُّ ذاتِ المالِ والشغفُ بهِ وببقائِه لديْهِ، فإنَّ الدنانيرَ مثلًا رسولٌ ينال بها الحاجاتُ والشهواتُ فهوَ محبوبٌ لذلكَ، ثمَّ صارَ محبُوبًا لنفسِه لأنَّ الموصِلَ إلى اللذاتِ لذيذٌ، فقدْ تُقضى الحاجاتُ والشهواتُ، وتصيرُ الدنانيرُ عندَه هيَ المحبوبةُ، وهذَا غايةُ الضلالِ، فإنهُ لا فرقَ بينَ الحَجَرِ والذهبِ إلَّا منْ حيثُ أنها تُقْضَى بهِ الحاجاتُ، فهذَا سببُ حبِّ المالِ، ويتفرعُ منهُ الشحُّ وعلاجُه بضدِّهِ، فعلاجُ الشهواتِ القناعةُ باليسيرِ، وبالصبرِ، وعلاجُ [حب المال و] (٣) طولِ الأمل [الإكثارُ منْ] (٤) ذكرِ الموتِ، وذكرِ موتِ الأقرانِ، والنظر في [ذلك] (٥) طولِ تعبهم في جَمْعِ المالِ، ثمَّ ضياعِه بعدَهم، وعدمَ نفعِه لهم. وقدْ يشحُّ بالمالِ شفقةً على مَنْ بعدَه منَ الأولادِ، وعلاجُه أنْ يعلمَ أن اللَّهَ هوَ الذي خلقَهم فهو يرزقُهم، وينظرُ في نفسِه فإنهُ ربَّما لم يخلِّفْ لهُ أبوهُ فَلْسًا، ثمَّ ينظرُ ما أعدَّه اللَّهُ تعالى لمنْ تركَ الشحَّ وبذلَ ماله في مرضاةِ اللَّهِ تعالى، وينظرُ في آياتِ القرآنِ المجيد الحاثَّةِ على الجودِ المانعةِ عن البخلِ، ثمَّ ينظرُ في عواقبِ البخلِ في الدنيا، فإنهُ لا بدَّ لجامعِ المال، (٦) منْ آفاتٍ تُخْرجُهُ على رُغْمِ أنفهِ [وذل أمره] (٧)، فالسخاءُ خيرٌ كلُّه ما لم يخرجْ إلى حدِّ الإسرافِ المنْهيِّ عنهُ. وقدْ أدَّبَ الله تعالى عبادَه أحسنَ الآدابِ فقالَ:
следующие страницы →