← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 87–126 · переход к 92.

стр. 87

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدِّمة المؤلف الحمدُ للَّهِ الذي منَّ علينا ببلوغِ المرام من خدمةِ السنةِ النبويةِ، وتفضَّل علينَا بتيسيرِ الوصولِ إلى مطالبها العلية، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله شهادةً تُنَزلُ قائلَها الغرفَ الأخروية، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه الذي باتِّباعه يُرجى الفوزُ بالمواهبِ اللَّدُنِّية، ﷺ وعلى آله الذين حُبُّهم ذخائرُ العقبى، وهم خير البريةِ (وبعدُ): فهذا شرحٌ لطيفٌ على بلوغِ المرامِ. تأليفُ الشيخِ العلامةِ القاضي شيخِ الإسلام أحمدَ بن علي بن حجر أحلَّه اللَّهُ دارَ السلامِ، اختصرتُه من شرحِ القاضي العلامةِ شرفِ الدينِ: الحسين بن محمدٍ المغربي (١)، أعلى الله درجاتِه في عليينَ، مقتصرًا على حلّ ألفاظهِ وبيانِ

стр. 88

معانيهِ، قاصدًا بذلكَ وجهَ اللَّهِ، ثم التقريبَ للطالبينَ والناظرينَ فيهِ، مُعْرِضًا عن ذكرِ الخلافاتِ والأقاويلِ، إلَّا أنْ يدعوَ إليه ما يرتبطُ به الدليلُ، متجنبًا للإيجازِ المخلِّ والإطنابِ المملِّ. وقد ضممتُ إليه زياداتٍ جمَّة على ما في الأصلِ من الفوائِدِ، واللَّهَ أسألُ أنْ يجعلَهُ في المعَادِ من خير العوائِدِ، فهو حسبي ونعمَ الوكيلُ، وعليه في البدايةِ والنهايةِ التعويلُ. معنى الحمد للَّه (الحمد للَّه) افتتح كلامَهُ بالثناء على اللَّهِ تعالى، امتثالًا لما وردَ في البدايةِ به منَ الآثارِ، ورجاءً لبركةِ تأليفهِ؛ لأنَّ كُلَّ أمرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدأُ فيه بحمد اللَّهِ منزوعُ البركةِ كما وردتْ به تلك الأخبارُ (١)، واقتداءً بكتابِ اللَّهِ المُبينِ، وسلوكِ مسالِكِ العلماءِ المؤلفينَ.

стр. 89

قالَ المُناوي (١) في "التعريفاتِ" في حقيقةِ الحمدِ: إنَّ الحمدَ اللغويَّ: الوصفُ بفضيلةٍ على فضيلةٍ على جهةِ التعظيم بِاللسانِ، والحمدَ العرفيَّ: فِعْلٌ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ المُنْعِمِ لكونِهِ مُنْعِمًا، والحمدَ القوليَّ: حمدُ اللسانِ وثناؤُهُ على الحقِ بما أثنى بِهِ على نَفْسِهِ على لسانِ أنبيائِهِ ورسُلِهِ، والحمدَ الفعليَّ: الإتيانُ بالأعمالِ البدنيةِ ابتغاءَ وجْهِ اللَّهِ تعالى. وذكرَ الشارحُ التعريفَ المعروفَ للحمدِ بأنَّهُ لغةً: الوصفُ بالجميلِ على الجميل الاختياري، واصطلاحًا: الفعلُ الدال على تعظيمِ المنعمِ من حيثُ إنَّهُ مُنْعمٌ، واصلةً تلكَ النعمةُ أو غيرَ واصلةٍ. واللَّهُ هو اسم للذات الواجب الوجودِ، المستحقُّ لجميعِ المحامِدِ. النعمُ الظاهرة والباطنة (عَلَى نِعَمِهِ) جمعُ نِعمةٍ. قال الرازيُّ: النعمةُ المنفعةُ المفعولةُ على جهةِ الإحسانِ إلى الغير. وقال

стр. 90

الراغب (١): النعمةُ [ما قصدت] (٢) بهِ الإحسانَ في النفعِ، والإنعامُ: إيصالُ الإحسانِ [الظاهر] (٣) إلى الغيرِ، (الظَّاهِرَةِ والبَاطِنَةِ) مأخوذٌ مِنْ قولِهِ تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٤). وقد أخرَج البيهقيُّ في "شُعب الإيمانِ" (٥) عن عطاءٍ قالَ: سألتُ ابن عباسٍ عن قولِهِ تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٤). قال: هذا مِنْ كُنوزِ علمي، سألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَ: "أَما الظاهرةُ فما سَوَّى مِنْ خَلْقِكَ، وأَمَّا الباطنةُ فما سَتَرَ مِنْ عورَتِكَ، ولو أبدَاهَا لقلاكَ أَهْلُكَ فمنْ سِواهُم". وأخرجَ أيضًا عَنْهُ والديلمي وابنُ النَّجارِ (٦) سألتُ رسولَ الله ﷺ عن هذِهِ الآيةِ فقالَ: "أمَّا الظَاهِرةُ فالإسلامُ، وما سوَّى مِنْ خَلْقِكَ، وما أَسْبَغَ عَلَيْكَ من رزقِهِ، وأمَّا الباطِنَةُ فما سَتَر مِنْ عَمَلِكَ"، وفي روايةٍ عَنْهُ موقوفةٍ: "النعمةُ الظاهرةُ الإسلامُ، والباطنةُ كلُّ ما ستر عليكَ من الذنوبِ والعيوبِ والحدودِ"، أخرجَها ابنُ مردويه (٧) عَنْهُ.

стр. 91

وفِي روايةٍ عَنْهُ موقوفةٍ أيضًا: "النعمةُ الظاهرةُ والباطنةُ هي لا إله إلا اللَّهُ"، أخرجَها عنه ابنُ جرير (١) وغير. وتَفْسِيرُهُما ما قالَهُ مُجاهدٌ: نعمةٌ ظاهرة هي لا إله إلا اللَّهُ على اللسانِ، وباطنةٌ قالَ: في القلب، أخرجَهَا سعيدُ بنُ منصورٍ وابنُ جريرٍ (٢). وفسَّرَهُمَا الشارحُ بما هو معروفٌ، ورَأيْنَا التفسيرَ المرفوعَ، وتفسيرَ السلفِ أولى بالاعتمادِ. (قديمًا وَحَدِيثًا) منصوبان على أنَّهُمَا حالانِ مِنْ نِعَمِهِ ولم يؤنَثْ؛ لأنَّ الجمعَ لما أُضِيفَ صارَ للجنسِ فكأنَّهُ قال: على جنسِ نعمهِ. ويُحتَملُ النَّصْبُ على الظرفية، وأنَّهُمَا صفةٌ لزمانٍ محذوفٍ، أي: زمانًا قديمًا وحديثًا. والقديمُ ما تقدَّم زمنه على الزمن الحاضر، والحديث ما حضر منه، ونِعمُ الرب تعالى قديمة على عبدِه من حينِ نَفخ فيه الروح، ثم في كل آنٍ من آنات زمانِهِ؛ فهي مسبَغةٌ عليهِ في قديم زمنه وحديثهِ، وحالِ تكلُّمِهِ، ويُحتملُ أنْ يرادَ بقديم النعمِ التي أنعم الله بها على الآباءِ فإنها نِعمٌ على الأبناء، كما أمرَ اللَّهُ بني إسرائيلَ بذكر نعمه التي أنعمَ بها على آبائهم فقالَ: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ (٣). الآيات في مواضِعَ من القرآنِ أشارَ إليهِ الشارحُ ﵀، إلا أنهُ قال: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمة الله) الآية. والتلاوةُ نعمتي فكأنه سبق قلم، ويراد بالحديث ما أنعم الله به على عبدِه مِنْ حينِ نفخ فيه الروح، فهي حادثةٌ نظرًا إلى النعمةِ على الآباءِ. معنى الصلاة والسلام على رسول الله (وَالصَّلَاةُ) عطف اسميةٍ على اسميةٍ؛ وهل هما خبريَّتانِ أو إنشائيَّتانِ؟ فيه خلافٌ بينَ المحققينَ، والحقُّ أنهما خبريَّتان لفظًا يرادُ بها الإنشاءُ. ولما كانت الكمالاتُ الدينيةُ والدنيويةُ، وما فيه صلاحُ المعاشِ والمعاد فائضةً من الجنابِ الأقدسِ على العباد بواسطَةِ هذا الرسول الكريم ﷺ ، ناسَبَ

стр. 92

إِرْدافُ الحمدِ للَّهِ بالصلاةِ عليه والتسليم لذلك؛ وامتثالًا للآية الكريمة: [﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ (١)]، ولحديث: "كل كلام لا يذكر الله فيه، ولا يصلى عليَّ فيه، فهو أقطعُ أكتعُ ممحوقُ البركةِ" (٢)، ذكره في الشرح ولم يخرجْهُ. وفي "الجامع الكبير" أنَّهُ أخرجَهُ الديلمي، والحافظُ عبدُ القادرِ بن عبدِ اللَّهِ الرهاوي في "الأربعينَ" عن أبي هريرَةَ، قال الرهاوي: غريبٌ تفرَّدَ بذكرِ الصلاةِ فيهِ إسماعيلُ بنُ أبي زياب الشاميُّ وهو ضعيف جدًّا (٣) لا يُعتدُّ بروايتِهِ ولا بزيادتِهِ، انتهى. والصلاةُ من اللَّهِ لرسولِهِ: تشريفهُ وزيادَةُ تكرِمَتِهِ، فالقائِلُ: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ طالبٌ لهُ زيادَةَ التشريف والتَّكْرِمَةِ. وقيلَ: المرادُ منها آتِهِ الوسيلة، وهي التي طلب ﷺ من العبادِ أن يسألوها لَهُ، كما يأتي في الأذان. (والسَّلامُ)، قال الراغب (٤): السلامُ والسلامَةُ التعرِّي من الآفاتِ الباطِنَةِ والظاهرِةِ. والسلامةُ الحقيقيةُ لا تكون إلا في الجنةِ؛ لأنَّ فيها بقاء بلا فناءِ، وغَناءَ بلا فَقْرٍ، وعِزًا بلا ذُلٍّ، وصحةً بلا سَقَمٍ. (على نبيِّه) يتنازعُ فيه المصدران قبله، [والنبيُّ من النَّبْوَة وهي الرِّفعة] (٥)، فعيل بمعنى مُفْعِلٍ، أي: المنبئُ عن اللَّهِ بما تَسكنُ إليه العقولُ الزاكية. والنبوَّةُ سَفارَةٌ بين اللَّهِ وبينَ ذوي العقولِ من عِبادِهِ؛ لإزاحةِ عِلَلِهِم في معاشِهِم ومعادِهِمْ. (وَرَسولِهِ) في الشرح: النبيُّ في لسانِ الشرع عبارةٌ عن إنسان أُنزلَ عليهِ شريعَةٌ من عندِ اللَّهِ بطريقِ الوحي، فإذا أُمِرَ بتبليغِهَا إلى الغَيْرِ سُمِّيَ رسولًا. وفي "أنوار التنزيل" (٦): الرسول مَنْ بعثَهُ اللَّهُ بشريعة مجدِّدة يدعو الناسَ إليها، والنبيُّ أعمُّ

стр. 93

منهُ. والإضافة إلى ضميره [تعالى] (١) في رسوله وما قبلهُ عهديةٌ، إذ المعهودُ هُوَ محمدٌ ﷺ فزادَهُ بيانًا بقوله: (مُحَمَّدِ)، فإِنَّهُ عطفُ بيانٍ على نبيهِ، وهو عَلَمٌ مشتَّقٌ من حُمِّدَ، مجهولٌ مُشَدَّدُ العينِ، أيْ: [كثير] (٢) الخِصالِ التي يُحْمَدُ عليها. [فهو يُحْمَدُ] أكثر مِمَّا يُحْمَدُ غَيْرُهُ من البشر، فهو أبلَغُ من محمودٍ؛ لأن هذا مأخوذٌ من المزيدِ، وذاك من الثلاثي. وأبلغ من أَحْمَدَ؛ لأنَّه أَفعلُ تفضيل مشتقٌّ من الحمد. وفيه قولانِ: هل هو أكثَرُ حامديةً للَّهِ تعالى فهو أحْمَدُ الحامدين [للَّه] (٣)، أو هو بمعنى أكثر محمودية فيكون كمُحمدٍ في معناهُ. وفي المسألة خِلافٌ وجدالٌ، وَالمختارُ ما ذَكرنَاه [أولًا] (٤)، وقرَّرَهُ المحققونَ. وأطالَ فيهِ ابنُ القيمِ في أوائل "زادِ المعاد" (٥). (وآله) (٦) والدعاء للآل بعد الدعاء له ﷺ امتثالًا لحديثِ التعليمِ، وسيأتي في الصلاة (٧)، وللوجهِ الذي سنذكر قريبًا. معنى الصحابي (وصحبه) اسم جمع لصاحبٍ. وفي المرادِ بهم أقوالٌ اختارَ المصنفُ في "نُخْبَةِ الفِكرِ" أن الصحابي من لَقي النبيَّ ﷺ وكان مؤمنًا وماتَ على الإسلامِ (٨).

стр. 94

ووجه الثناء عليهم وعلى الآل بالدعاء لهم هو الوجه في الثناء عليه ﷺ بعدَ الثناءِ على الربِّ؛ لأنهم الواسطة في إبلاغِ الشرائع إلى العباد فاستحقوا الإحسانَ إليهم بالدعاء لهم ﴿الَّذِينَ سَارُوا في نُصْرَةِ دِينِهِ﴾ هو صفة للفريقين الآلِ والأصحاب، والسَّيْرُ هنا يراد به الجِدُّ والاجتهادُ والنصرُ. والنُّصرَةُ العَوْنُ. والدينُ وضعٌ إلهيٌّ يدعو أصحاب العقول إلى القَبولِ لما جاءَ بهِ الرسولُ، والمراد أنهم أعانوا صاحبَ الدينِ المبلغَ وهو الرسول. وفي وصفهم بهذا إشارةٌ إلى أنهم استحقوا الذِّكرَ والدّعاءَ بذلك. (سَيْرًا) مصدرٌ نوعيٌّ لوصفِهِ بقولِهِ: (حثيثًا)؛ فإن المصدر إذا أُضيفَ أو وُصِفَ كان للنوع، والحثيثُ السريعُ كما في "القاموس" (١)، وفي نسخة (في صحبته) وهي عِوضٌ عن قولهِ [في] نصرةِ دينه (وَعَلَى أَتْباعِهِم) أتباعِ الآل والأصحابِ. العلم ميراث الأنبياء (الَّذِينَ وَرِثُوا عِلْمَهُمْ) وهو علمُ الكتابِ والسنةِ، (وَالعُلَماءُ وَرَثَةُ الأنبياءِ) هو اقتباسٌ من حديث: "العلماءُ ورثَةُ الأنبياء"، أخرجه أبو داود (٢)، وقد ضُعِّفَ، وإِليهِ أَشَارَ بعضُ علماءِ الآل فقال:

стр. 95

العلمُ ميراثُ النبيِّ كذا أتى … في النَّصِّ والعلماءُ هُمْ ورَّاثُهُ ما خَلَّفَ المختارُ غَيْرَ حديثِهِ … فينا فذاكَ متاعُهُ وأثاثه (أَكْرِمْ) فعلُ تعجُب، (بِهِمْ) فاعلُه والباءُ زائدةٌ، أو مفعولٌ بهِ وفيهِ ضميرُ فاعلهِ (١)، (وَارثًا) نُصِبَ عَلى التمييزِ وهو ناظرٌ إلى الأتباع (وَمَوْرُوثًا) ناظرٌ إلى مَنْ تقدمَهم، وفيهِ مِنَ البديعِ اللفُّ والنَّشْرُ مُشَوشًا، ويحتملُ عودُ الصِّفَتَيْنِ إلى الكُلِّ من الآلِ والأصحابِ والأتباعِ؛ فإن الآلَ والأصحابَ ورثوا علمَ رسولِ الله ﷺ وَوَرَّثوه للأتباع، فهُمْ وارثونَ مُوَرِّثُونَ، وكذلك الأتباعُ وَرِثوا علم مَنْ تَقدَّمهُمْ أيضًا، ووَرَّثوا أَتباعَ الأتْبَاعِ، ولعل هذا أولى لعمومِهِ. (أَمَّا) هي حرفُ شرطٍ، وقولُهُ: (بَعْدُ) قائمٌ مقامَ شرطها، وبَعْدُ ظرفٌ له ثلاثُ حالات: إضافَتُهُ، فيُعربُ كقوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ (٢)، وقَطْعُهُ عن الإضافةِ معَ نيةِ المضافِ إليه، فَيُبنَى على الضَّمِّ نحوُ: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٣)، وَقَطْعُهُ عن الإضافة معَ عدمِ نيةِ المضاف إليه، فيُعرب منَوَّنًا [كقوله]: فساغَ ليَ الشرابُ وكُنْتُ قَبْلًا … [أكادُ أَغَصُّ بالماءِ الفُرات] (٤) (فَهذَا) الفاءُ جوابُ الشرطِ، واسمُ الإشارَةِ لما في الذِّهْنِ من الألفاظ والمعاني، (مُخْتَصَرٌ) في "القاموس" (٥): اختصر الكلام أوجزهُ، (يَشْتمِلُ) يحتوي. معنى الأصل والدليل لغة وعُرفًا (عَلَى أْصُول) جمعُ أَصْل، وهُوَ أَسفَلُ الشَّيءِ كما في "القاموس" (٦)، وفسَّرهُ في الشرح بما هو معروف بما يُبنى عليهِ غيرُهُ.

стр. 96

(الأَدِلَّةِ) جمعُ دليلٍ [وهو في اللغةِ المرشِدُ إلى المطلوب] (١)، وهو في عُرف الأصوليينَ ما يُمْكِنُ التوصُّلُ بالنظرِ الصحيحِ فيهِ إلى مطلوب خبريّ، وعندَ أهلِ الميزانِ: ما يلزَمُ منَ العلمِ بهِ العلمُ بشيء آخَرَ. وإضافَة الأصولِ إلى الأدِلَّةِ بيانِيَّةٌ، أي: الأصول هيَ الأدلَّة، وهي أربعةٌ: الكتابُ، والسنةُ، والإجماعُ، والقياسُ. (الحَدِيثيَّةِ) صفةٌ للأصولِ مخصصَةٌ عن غيرِ الحديثيةِ، وهي نسبةٌ إلى حديثِ رسولِ اللَّهِ ﷺ . (للأحكامِ) جمعُ حكيم، وهو عندَ أهلِ الأصولِ خطابُ اللَّهِ تعالى المتعلِّقُ بأفعالِ المكلَّف من حيثُ إنهُ مكلفٌ وهي خمسةٌ: الوجوبُ، والتحريمُ، والندبُ، والكراهَةُ، والإباحَةُ. (الشَّرْعِيَّةِ) وصفٌ للأحكامِ يخصِّصُها عن العقليةِ. والشرعُ ما شرعَهُ اللَّهُ لعبادِهِ كما في "القاموس" (٢)، وفي غيرهِ: الشرع نهجُ الطريقِ الواضح، واستعيرَ للطريقة الإلهية منَ الدينِ. (حَرَّرْتُة) بالمُهملات، والضميرُ للمختصَرِ، في "القاموس" (٣): تحريرُ الكلام، وغيرِهِ: تقويمُهُ، وهو يناسبُ قولَ الشارحِ تهذيبُ الكلامِ وتنقيحُهُ، (تَحْرِيرًا) مصدرٌ نوعيٌّ لوصفهِ بقولِهِ: (بَالِغًا) بالغينِ المعجمةِ، في "القاموس" (٤): البالغُ الجيدُ (لِيَصِيرَ) علةً لحرَّرتْهُ. (مَنْ يَحْفَطة مِنْ بَيْنِ أَقْرَانِهِ) جمع قِرْنٍ بكسر القاف، وسكون الراء، وهو الكَفْوُ والمِثْلُ، (نَابِغًا) بالنونِ وموحدةٍ ومعجمةٍ، مِنْ نَبَغَ. قال في "القاموس" (٥): النابغةُ الرجلُ العظيمُ الشأنِ. (وَيَسْتَعينَ) عطفٌ على لِيصيرَ (بهِ الطَّالِبُ) لأدلةِ الأحكامِ الشرعيةِ الحديثيةِ (المُبْتَدي)؛ فإنه قد قَرَّبَ له الأدلةَ وهذَّبَها، (وَلا يَسْتَغْنِي عَنْه الرَّاغِبُ) في العلوم (المُنْتَهِي) البالغُ نهايةَ

стр. 97

مطلوبه؛ لأن رغبتَهُ تبعثُهُ على أَنْ لا يستغني عن شيءٍ فيه، سيَّما ما قَدْ هذُبَ وَقَرُبَ. (وقَدْ بَيَّنْتُ عَقِبَ) من عَقبه إِذا خلَفَهُ كما في "القاموس" (١)، أي: في آخِرِ (كُل حَدِيثٍ مَنْ أَخْرَجَه مِنَ الأَئِمَّةِ) من ذكرِ إسناده وسياق طُرقه (لإِرَادَةِ نُصْحِ الأُمَّةِ) عِلَّة لذكرِهِ مَنْ خَرَّجَ الحديثَ، وذلك لأن فِي ذكر مَنْ أَخْرَجَهُ عِدَّةَ نصائِحَ للأُمةِ: (منها): بيانُ أَنَّ الحديثَ ثابتٌ في دواوينِ الإسلامِ، (ومنها): أنهُ قد تداولتة الأئمةُ الأعلامُ، (ومنها): أنة قد تَتَبَّعَ طرقَة وبيَّنَ ما فيها مِنْ مقالٍ مِنْ تصحيحٍ وتحسين وإعلالٍ، (ومنها): إرشادُ المنتهي أَنْ يراجِعَ أصولَها التي منها انْتُقي هذا المختَصَر (٢). وكان يحسنُ أَنْ يقولَ المصنفُ بعدَ قولِه: (مَنْ أَخرَجَهُ منَ

стр. 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 99

الأئمةِ): وما قيلَ في الحديثِ مِنْ تصحيح وتحسينٍ وتضعيفٍ، فإنَّه يذكُرُ ذلكَ بعد ذكر من خَرَّجَ الحديثَ في غالبِ الأحاديث كما ستعرفُه. (فَالمُرَاد) أي: مرادي (بالسَّبْعةِ) لأنَّهُ ليسَ مُرادًا لكل مصنفٍ، ولا هو جنسُ المرادِ، بل اللام عِوَضٌ عن الإضافة، والفاءُ جوابُ شرط محذوفٌ، أي: إذا عرفْتَ ما ذكرتهُ فالمرادُ بالسبعةِ حيثُ يقولُ عَقيبَ الحديثِ: أخرجَهُ السبعَة، هم الذين بيَّنهم بالإبدالِ من لفظ العدد. ترجمة الإمام أحمد بن حنبل (أَحْمَدُ) (١) هو أبو عبد الله أحمد بن محمدِ بن حنبلٍ، وقد وسَّع الشارحُ أوسَّع اللَّهُ عليه، في تراجم السبعة، فنقتصر على قَدْرٍ يُعْرفُ به شريف صفاتِهِمْ، وأزمنَةُ ولادتِهِم ووفاتِهِم. فنقولُ: ولد أحمد [بن محمد] بن حنبل في شهر ربيع الأول سنَة أربع وستينَ ومائة، وطلب هذا الشأنَ صغيرًا، ورحلَ لطلبهِ إلى الشام والحجازِ واليمنِ وغيرِها، حتى أُجمِعَ على إمامتِه وتقواه وورعه وزهادته. قال أبو زُرعة: كانت كتبهُ اثني عشر حِملًا وكلان يحفظُها على ظهرِ قلبهِ، وكان يحفظ ألف ألف حديث. وقال الشافعي: خرجتُ من بغدادَ وما خلَّفْتُ بها

стр. 100

أتقى ولا أزهَد ولا أورَعَ ولا أعلمَ منه. وألَفَ "المسندَ الكبيرَ" أعظمَ المسانيدِ وأحسنَها وضعًا وانتقادًا، فإنه لم يُدْخِلْ فيهِ إلا ما يُحتج بهِ مع كونِهِ انتقاهُ من أكثَر من سبعمائةِ ألفِ حديثٍ وخمسينَ ألف حديثٍ. وكانتْ وفاتُهُ سنةَ إحدى وأربعينَ ومائتينِ على الأصح ببغدادَ مدينةِ السلامِ، وقبْرهُ بها معروفٌ مَزورٌ. وقد أُلِّفتْ فِي ترجمَتَهِ كتبٌ بسيطةٌ مستقلةٌ. ترجمة الإمام البخاري (وَالْبُخَاريُّ) (١) هو الإمام القدوةُ في هذا الشأنِ، أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ، مولدُهُ في شوالَ سنةَ أربعٍ وتسعينَ ومائةٍ. طلبَ هذا الشأنَ صغيرًا وردَّ على بعضِ مشايخِه غلطًا، وهو في إحدى عشرَةَ سنة [فأصلحَ] (٢) كتابَهُ من حفظِهِ. سمع الحديث ببلدةِ بخارى، ثم رحل إلى عدة أماكِنَ، وسمعَ الكثيرَ وَألَّفَ الصحيحَ منهُ من زهاءِ ستمائةِ ألفِ حديثٍ ألفهُ بمكَّةَ وقالَ: ما أدخلتُ فيهِ إلا صحيحًا، وأحفظُ مائةَ ألفِ حديثٍ صحيح، ومائتي ألفِ حديث غير صحيح، وقد ذكر تأويلَ هذه العدة في الشرحِ. وقد أُفْرِدَتْ ترجمتُهُ بالتأليف وذكرَ المصنفُ منها شطرًا صالحًا في مقدمة "فتح الباري". وكانت وفاتُهُ بقريةِ سمرقَنْدَ وقْثَ العِشاءِ ليلةَ السبتِ، ليلةِ عيدِ الفطرِ سنة ست وخمسين ومائتينِ عن اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ولم يُخَلِّفْ ولدًا. ترجمة الإمام مسلم (وَمُسْلِمٌ) (٣) هو الإمامُ الشهيرُ مسلمُ بنُ الحجاجِ القشيري، أحدُ أئمةِ هذا

стр. 101

الشأنِ، ولد سنة أربع ومائتين، وطلب علم الحديث صغيرًا، وسمِعَ من مشايخ البخاري وغيرهم، وروى عنه أئمةٌ من كبارِ عصرِهِ وحفَّاظهِ، وألَّفَ المؤلفاتِ النافعةَ، وأنفعُها صحيحُهُ الذي فاقَ بحسنِ ترتيبِهِ، وحُسنِ سياقِهِ، وبديعِ طريقَتِهِ وحاز نفائِسَ التحقيق. وللعلماءِ في المفاضلةِ بينهُ وبينَ صحيحِ البخاريِّ خلافٌ، وأنصفَ بعضُ العلماءِ في قولهِ: تشاجَرَ قومٌ في البخاريِّ ومُسلمٍ … إليَّ وقالوا: أيُّ ذَيْنِ تُقَدِّمُ؟ فقلتُ: لَقَدْ فاقَ البخاريُّ صِحَّةً … كما فاقَ في حُسْنِ الصناعَةِ مُسلمُ وكانت وفاتُهُ عشيَّةَ الأحَدِ لأربعِ بقينَ من شهر رجبَ سنةَ إحدى وستينَ ومائتينِ، ودُفنَ يومَ الاثنينِ بنيسابورَ، وقبرُهُ بها مشهورٌ مَزورٌ. ترجمة أبي داود (وَأَبو دَاوُدَ) (١) هو سليمانُ بنُ الأشعثِ السجستاني، مولدُهُ سنةَ اثنتينِ ومائتينِ، سمعَ الحديثَ من أحمدَ، والقَعْنَبِي، وسليمانَ بن حربٍ، وغيرِهم، وعنهُ خلائقُ كالترمذي والنسائي. وقال: كتبتُ عن النبي ﷺ خمسمائَةِ ألفِ حديثٍ، انتخبتُ منها ما تضمَّنَهُ كتابُ "السننِ" وأحاديثُهُ أربعةُ آلافِ حديثٍ وثمانمائة ليسَ فيها حديثٌ أجمع الناسُ على تركه. روى سننَهُ ببغدادَ وأخذَها أهلُها عنهُ، وعرضَها على أحمدَ فاستجَاده واستحسنه. قالَ الخطابي: هي أحسنُ وضعًا وأكثَرُ فقهًا مِنَ الصحيحين، وقالَ

стр. 102

ابنُ الأعرابي: مَنْ عندَهُ كتابُ اللَّهِ و"سننُ أبي داودَ" لم يحتجْ إلى شيءٍ معهما مِنَ العلمِ. ومِنْ ثمَّ صرَّحَ الغزالي بأنه يكفي المجتهدَ في أحاديث الأحكامِ، وتبعَهُ أَئمةٌ على ذلكَ. وكانت وفاته بالبصرة سنة خمس وسبعين ومائتين. ترجمة الإمام الترمذي (والتِّرْمِذِيُّ) (١) هو أبو عيسى محمدُ بنُ عيسى بنُ سَوْرةَ التِّرْمِذي، مثلثُ الفوقية، والميم مكسورة ومضمومة، نسبة إلى مدينةٍ قديمةٍ على طرفِ جيحونَ نهرِ بلخ. لم يذكرِ الشارحُ، ولا الذهبي، ولا ابنُ الأثير (٢) ولادته، وسمعَ الحديث عن البخاري وغيرِهِ من شيوخِ البخاري. وكان إمامًا ثبتًا حجةً، وألفَ كتابَ "السننِ"، وكتابَ "العللِ"، وكانَ ضريرًا، قال: عرضتُ كتابي هذا أي كتابُ "السننِ" المسمَّى بالجامع على علمَاءِ الحجازِ والعراقِ وخراسانَ فرضوا بهِ. ومن كان في بيته فكأنما في بيته نبيٌّ يتكلمُ. قالَ الحاكمُ: سمعتُ عمرَ بنَ علك يقول: ماتَ البخاري ولم يُخَلِّفْ بخراسانَ مثلَ أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهدِ. وكانتْ وفاتُهُ بترمِذَ أواخرَ رجبَ سنةَ سبع وستينَ ومائتين. ترجمة الإمام النسائي (وَالنَّسَائِيُّ) (٣) هو أحمدُ بن شُعَيبٍ الخراسانيُّ، ذكرَ الذهبيُّ أن مولدَهُ سنةَ

стр. 103

خمسَ عَشْرَةَ ومائتينِ، وسمعَ مِنْ [قتيبة بن] (١) سعيدٍ، وإسحاقَ بن راهويهِ، وغيرِهم من أئمةِ هذا الشأنِ بخراسانَ وَالحجازِ، والعراقِ، ومصرَ، والشامِ، والجزيرةِ، وبرعَ في هذا الشأنِ، وتفردَ بالمعرفةِ والإتقانِ وعلوِّ الإسنادِ، واستوطَنَ مصرَ. قال أئمةُ الحديث: إنه كانَ أحفظَ مِنْ مسلمٍ صاحبِ "الصحيحِ". وسنَنُهُ أقلُّ السُّنَنِ بعدَ الصحيحينِ حديثًا ضعيفًا. واختارَ مِنْ سننِه كتابه "المُجْتَبى" لمَّا طُلبَ منهُ أَنْ يفرد الصحيحَ من السننِ. وكانتْ وفاتُهُ يومَ الاثنينِ لثلاثَ عَشْرَةَ خلتْ من شهرِ صَفَرَ، سنةَ ثلاثٍ وثلثمائةٍ، بالرملةِ. ودُفِنَ ببيتِ المقدسِ، ونسبتهُ إلى نَسَاءَ بفتح النون وفتح السين المهملة، وبعدها همزة؛ وهي مدينةٌ بخراسان خرج منها جماعةٌ مِنَ الأعيانِ. ترجمة ابن ماجه (وَابْنُ مَاجَهْ) (٢) هو أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ يزيدَ بن عبدِ اللَّهِ بن ماجَهْ القزويني. مولدُهُ سنةَ سبعٍ ومائتينِ، وطلبَ هذا الشأنَ ورحلَ فِي طلبهِ، وطافَ البلادَ حتى سمعَ أصحاب مالكٍ، والليثِ وروى عنهُ خلائقُ، وكان أحدَ الأعلام. ألَّفَ "السنن" وليست لها رتبة ما أُلِّف من قبلهِ؛ لأنَّ فيها أحاديثَ ضعيفة بل مُنكرةً، ونقلَ عن الحافظِ المِزِّي أن غالبَ ما انفردَ به [الضعفُ] (٣)، ولذا جرى كثيرٌ من القدماءِ على إضافةِ "الموطأ" إلى الخمسةِ. قالَ المصنفُ: وأولُ مَنْ أضافَ ابنَ ماجَهْ إلى الخمسةِ أبو الفضلِ ابنُ طاهرِ في الأطرافِ، وكذا في شروطِ أئمةِ الستة، ثم الحافظُ عبدُ الغني في كتابه "أسماءُ الرجالِ". وكانتْ وفاتُهُ يومَ الثلاثاءِ لثمانِ بَقينَ مِنْ رمضانَ سنةَ ثلاثٍ أو خمسٍ وسبعينَ ومائتينِ.

стр. 104

شرح اصطلاحات المؤلف (وَبِالسِّتَّةِ) أي: والمراد بالسِّتةِ إذا قالَ: أخرجَهُ السِّتَّةُ (مَنْ عَدَا أَحْمَدَ)؛ وهم المعروفون بأهلِ الأمَّهاتِ السِّتِّ. (وَبِالخَمْسَةِ مَنْ عَدَا البُخارِيَّ وَمُسْلِمًا. وَقَدْ أقُولُ) عوضًا عن قولِه: الخمسةَ (الأَرْبَعَة)، وهم أصحابُ السننِ إذا قيل: أصحابُ السننِ (وأحمدُ و) المراد (بالأربعةِ) عندَ إطلاقِهِ لهم (مَنْ عَدَا الثَّلاثَةَ الأوَلَ) الشيخينِ وأَحمدَ، (وَ) المرادُ (بِالثَّلاثَةِ) عندَ إطلاقِهِ لهم (مَنْ عَدَاهُمْ) أي: مَنْ عدا الشيخين وأحمدَ والذي عداهم هم الأربعةُ أصحابُ السننِ (وَعَدَا الأخِيرَ) وهو ابنُ ماجه، فيرادُ بالثلاثة أبو داودَ والترمذيُّ والنسائيُّ. (وَ) المراد (بِالمُتَّفقِ) إذا قالَ: متفقٌ عليهِ (البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ)؛ فإنهما إذا أخرجا الحديثَ جميعًا من طريقِ صحابي واحد قيل له: متفقٌ عليهِ، أي: بينَ الشيخينِ (وَقَدْ لَا أَذْكرُ مَعَهُمَا) أي: الشيخين غيرَهما، كأنهُ يريدُ أنه قد يخرِّجُ الحديثَ السبعةُ أو أقلُّ، فيكتفي بنسبتِهِ إلى الشيخين، (وَمَا عَدَا ذَلِكَ) أي: ما أخرجَهُ غيرُ مَنْ ذُكِرَ كابنِ خزيمةَ والبيهقي والدارقطني (فَهُوَ مُبَيَّنٌ) بذكرِهِ صريحًا. (وَسَمَّيتُهُ) أي المختصر (بلوغَ المَرَامِ)، هُوَ مِنْ بلغَ المكانَ بلوغًا وصلَ إليهِ كما في "القاموس" (١)، والمَرامُ: الطلبُ، والمعنى الإضافيُّ وصولُ الطلبِ بمعنى المطلوبِ أي: فالمرادُ وصولي إلى مطلوبي (مِنْ جَمْعِ أَدِلَّةِ الأحْكَامِ)، ثم جعلهُ اسمًا لمختصرِه. ويحتملُ أنه إضافةٌ إلى مفعولِ المصدرِ، أي: بلوغِ الطالبِ مطلوبَهُ مِنْ أدلةِ الأحكامِ. (وَاللَّهَ) بالنصب على المفعولية (أَسْأَلُ) قدِّمَ عليهِ لإفادةِ الحصر، أي: لا أسألُ غيْرَهُ (أَنْ لَا يَجْعَلَ مَا عَلِمنَا عَلَيْنَا وَبالًا) بفتح الواو، هو الشِّدةُ والثِّقلُ كما في "القاموس" (٢)، أي: لا يجعلهُ شِدةً في الحساب، وثقلًا من جملة الأوزار، إذِ الأعمالُ الصالحةُ إذا لم تخلُصْ لوجهِ اللَّهِ انقلبتْ أوزارًا وآثامًا. (وَأَنْ يَرْزقَنَا العَمَلَ بِمَا يرْضِيهِ أُنزِّهُهُ عن كلِ قبيحٍ، وأثبتُ لهُ العلوَّ على كلِّ عالٍ في جميعِ صفاتِه، وكثيرًا ما قُرِنَ التسبيحُ بصفةِ العلوِّ كسبحانَ ربيَ الأعلى، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.

стр. 105

[الكتاب الأول] كتاب الطهَارة الكتابُ، والطهارةُ [هما] (١) في الأصلِ مصدرانِ أضيفا وجُعِلا اسمًا لمسائلَ مِنْ مسائلِ الفقهِ، تشتملُ على مسائلَ خاصةٍ. وبدأَ بالطهارةِ اتباعًا لسنةِ المصنفينَ في ذلكَ، وتقديمًا للأمور الدينيةِ على غيرها، واهتمامًا بأهمها وهي الصلاةُ. ولما كانتِ الطهارةُ شرطًا من شروطها بدأ بها، وهي هنا اسمُ مصدرٍ - أي طَهَّرَ تطهيرًا وطهارةً، مثلُ كلَّمَ تكليمًا وكلامًا. وحقيقتُها استعمالُ المطهِّرَيْنِ أي: الماءُ والترابُ أو أحدُهما على الصفةِ المشروعةِ في إزالةِ النجس والحدثِ؛ لأنَّ الفقيهَ إنما يبحثُ عن أحوالِ أفعالِ المكلَّفينَ من الوجوب وغيرِهِ. ثم لما كَانَ الماءُ هو المأمورِ [بالتطهُّر] (٢) بهِ أصالة قدَّمهُ [أي قدَّم الكلامَ على أحكامه] (٣) فقال:

стр. 106

[البابُ الأولُ] بابُ المياه البابُ لغةً: ما يُدخَلُ ويُخرَجُ منهُ، ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ (١)، ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (٢). وهو هنا مجازٌ، شبَّهَ الدخولَ إلى الخوضِ في مسائلَ مخصوصةٍ بالدخولِ في الأماكن المحسوسةِ، ثم أثبتَ لها البابَ. والمياهُ جمع ماءٍ، وأصله مَوْهٌ، ولذا ظهرتِ الهاءُ في جمعِهِ. وهوَ جنسٌ يقعُ على القليلِ والكثير، إلا أنهُ جُمِعَ لاختلافِ أنواعه باعتبار حكم الشرع؛ فإنَّ فيهِ ما يُنهى عنهُ، وفيه ما يُكْرَهُ؛ وباعتبار الخلاف في بعضِ المياهِ كماءِ البحرِ فإنَّهُ نقلَ الشارحُ الخلافَ في التطهر بهِ عن ابن عُمَر (٣)، وابن عمرو (٤). وفي النهاية (٥) أنَّ في كونِ ماءِ البحرِ مطهِّرًا خلافًا لبعضِ أهل الصدرِ الأولى (٦)، وكأنهُ لقِدم الخلافِ فيهِ بدأَ المصنفُ بحديثٍ يفيدُ طهوريتَهُ، وهو حُجَّةُ الجماهيرِ فقال:

стр. 107

طهارة ماء البحر ١/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الْبَحْرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ". [صحيح] أخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (١)، وَابْنُ أَبي شَيْبَةَ (٢)، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٣)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٤)، [وَرَوَاهُ مَالِكٌ (٥)، وَالشَّافِعِي (٦)، وَأَحْمَدُ (٧)] (٨). (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁) الجار [والمجرور] (٩) متعلقٌ بمقدَّرٍ، فكأنه قال: باب المياه أروي، أو أذكرُ، أو نحوُ ذلكَ حديثًا عن أبي هريرةَ، وهو الأولُ من أحاديثِ البابِ. ترجمة أبي هريرة وأبو هريرة (١٠) هو الصحابي الجليل الحافظُ المكثرُ. واخْتُلِفَ في اسمِهِ

стр. 108

واسم أبيهِ على نحوٍ مِنْ ثلاثينَ قولًا، قال ابنُ عبدِ البرِّ: الذي تسكنُ النفسُ إليهِ مِنَ الأقوالِ أنهُ عبدُ الرحمنِ بنُ صخرٍ، وبهِ قالَ محمدُ بنُ إسحاقَ، والحاكمُ أبو أحمدَ. وذُكر لأبي هريرةَ في مسندِ بقيِّ بن مخلدٍ خمسةُ آلافِ حديثٍ وثلاثُمائَةٍ وأربعةٌ وسبعونَ حديثًا. وهوَ أكثرُ الصحابةِ حديثًا، فليسَ لأحدٍ من الصحابةِ هذا القدْرُ ولا ما يقاربُه. قلتُ: كذا في الشرحِ، والذي رأيتُه في "الاستيعابِ" لابنِ عبدِ البرِّ بلفظِ: "إلا أن عبدَ اللَّهِ أو عبدَ الرحمنِ هو الذي يسكنُ إليه القلبُ في اسمِه في الإسلام". ثم قال فيه: "مات في المدينةِ سنةَ تسعٍ وخمسينَ، وهو ابنُ ثمانٍ وسبعينَ سنةً ودفنَ بالبقيعِ". وقيل: مات بالعقيقِ، وصلَّى عليهِ الوليدُ بنُ عقبةَ بن أبي سفيانَ وكانَ يومئذٍ أميرًا على المدينةِ كما قالهُ ابنُ عبد البرِّ. (قَالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ في البَحْرِ) أي في حُكْمِهِ. والبحرُ الماءُ الكثيرُ، أو المالحُ فقط، كما في "القاموس" (١). وهذا اللفظُ ليسَ من مقولهِ ﷺ ، بل مقولُهُ: (هُوَ الطَّهورُ)، بفتح الطاء المصدرُ واسمُ ما يُتَطَهَّرُ بهِ، أو الطاهِرُ المُطَهِّرُ، كما في "القاموس" (٢). وفي الشرعِ: يطلقُ على المُطَهِّرِ. وبالضمِّ مصدرٌ. وقال سيبويه: "إنهُ بالفتح لهما ولم يذكرهُ [في] (٣) القاموسِ بالضمِّ، ولا الجوهري. (ماؤه) هو فاعلُ المصدرِ، وضميرُ ماؤهُ يقتضي أنَّهُ أريد بالضمير في قولِهِ: (هو). البحر: بمعنى مكانه، إذ لو أُرِيدَ بهِ الماءُ لما احتيج إلى قولِهِ: (ماؤهُ) إذ يصير المعنى: الماء طهورٌ ماؤهُ (والحِلُّ) هو مصدرُ حلَّ الشيءُ ضِدّ حَرُمَ، ولفظُ الدارقطني (٤): الحلالُ (مَيْتَتُه) هو فاعله أيضًا، (أخرجه الأربعة).

стр. 109

ترجمة ابن أبي شيبة (وابنُ أبي شَيبةَ) هو أبو بكرٍ. قالَ الذهبي (١) في حَقِّهِ: "الحافظُ العديمُ النظيرِ الثَّبْتُ النِّحْريرُ، عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بن أبي شيبةَ صاحبُ المسندِ والمصنفِ وغيرِ ذلكَ"، هو مِنْ شيوخِ البخاريِّ ومسلمٍ، وأبي داودَ، وابنِ ماجَهْ. (واللفظُ لهُ) أي لفظُ الحديثِ السابقِ سربٌ لابنِ أبي شيبةَ وغيرِهِ - ممن ذَكَرَ - أخرجوه بمعناهُ. (وصحَّحه ابنُ خُزيمةَ) هو بضم الخاءِ المعجمة، فزاي بعدها مثناة تحتية فتاء تأنيث. ترجمة ابن خزيمة قال الذهبي (٢): "الحافظُ الكبيرُ إمامُ الأئمةِ شيخُ الإسلامِ أبو بكرٍ محمدُ بنُ إسحاقَ بن خزيمةَ، انتهتْ إليهِ الإمامةُ والحفظُ في عصرِه بخُراسَانَ". (و) صحَّحَهُ (الترمذيِّ) أيضًا فقالَ عقبَ سردِهِ: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ". وسألتُ محمدَ بن إسماعيلَ البخاريَّ عن هذا الحديث فقالَ: "حديثٌ صحيحٌ". هذا لفظُ الترمذيِّ كما في مختصرِ السننِ للحافظِ المنذري (٣). تعريف الحديث الصحيح وحقيقةُ الصحيح عندَ المحدثينَ: "ما نقلَهُ عدلٌ تامُّ الضبطِ عن مثلهِ، متصلَ السندِ غيرَ مُعَلٍّ ولا شاذٍّ (٤). هذا وقد ذكر المصنفُ هذا الحديث في "التلخيصِ" (٥) من تِسعِ طرقٍ عن تسعةٍ منَ الصحابةِ، ولم تخلُ طريقٌ منها عن مقالٍ إلا أنه قد جزمَ بصحتهِ مَنْ سمعت. وصحَّحهُ ابنُ عبدِ البرِّ، وصحَّحهُ ابنُ مَنْدَهْ، وابنُ المنذرِ، وأبو محمدٍ البغويُّ.

стр. 110

قالَ المصنفُ: "وقد حُكمَ بصحةِ جملةٍ من الأحاديثِ لا تبلغُ درجةَ هذا ولا تقاربُهُ"، قال الزُّرقاني في "شرحِ الموطأ" (١): "وهذا الحديثُ أصلٌ من أصولِ الإسلامِ، تلقَّتهُ الأمةُ بالقبولِ، وتداولهُ فقهاءُ الأمصار في جميع الأقطار، وفي سائر الأعصار، ورواهُ الأئمةُ الكبارُ". ثمَّ عدَّ مَنْ رواهُ ومَنْ صحَّحهُ. والحديث وقعَ جوابًا عن سؤالٍ كما في "الموطأِ" أن أبا هريرةَ قال: "جاءَ رجلٌ". وفي مسندِ أحمد (٢): "من بني مُدْلجٍ"، وعندَ الطبراني (٣): "اسمه عبدُ الله"، إلى رسول اللَّهِ ﷺ فقالَ: "يا رسولَ اللَّهِ إنَّا نركبُ البحرَ ونحملُ معنا القليلَ منَ الماءِ فإنْ توضَّأنا بهِ عطِشنا أفنتوضأُ بهِ؟ " - وفي لفظِ أبي داود (٤) - بماءِ البحرِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "هو الطهور .... " الحديث. فأفاد ﷺ أن ماءَ البحرِ طاهرٌ مطهِّرٌ لا يخرجُ عن الطَّهُورية بحالٍ، إلَّا ما سيأتي من تخصيصِهِ بما إذا تغيَّرَ أحدُ أوصافِه. بعض فوائد الحديث ولم يجبه ﷺ بقولِهِ: نعمْ معَ إفَادَتِها الغرضَ، بلْ أجابَ بهذا اللفظِ لِيُقْرِنَ الحُكْمَ بعلَّتِه، وهي الطَّهُوريةُ المتناهيةُ في بابها، وكأنَّ السائِلَ لما رأى ماءَ البحر خالفَ المياهَ بملُوحةِ طعمِهِ، ونَتْنِ ريحِهِ توهَّم، أنَّهُ غيرُ مرادٍ مِنْ قولهِ تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ (٥) أي بالماء المعلوم إرادتُهُ من قولِهِ: فاغْسِلُوا، أو أنَّهُ لَمَّا عَرَفَ من قولِهِ تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٦) ظَنَّ اختصاصَهُ، فسألَ عنهُ فأفادَهُ ﷺ الحكمَ، وزادهُ حكمًا لم يسألْ عنهُ وهو حِلُّ مَيْتَتِهِ، قال الرافعي (٧): "لَمَّا عَرَفَ ﷺ

стр. 111

اشتباهَ الأمرِ على السائلِ في ماءِ البحرِ أشْفَقَ أنْ يَشْتَبِهَ عليهِ حكمُ مَيْتَتِهِ، وقد يُبْتَلَى به راكبُ البحر فَعَقَّبَ الجوابَ عن سؤالِهِ ببيانِ حكمِ الميتَةِ. قالَ ابنُ العربي (١): "وذلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الفَتْوى أنْ يُجاءَ في الجوابِ بأكثرَ مما سئلَ عنهُ تتميمًا للفائِدَةِ، وإفادَةً لعلم آخر غيرِ المسؤولِ عنهُ". ويتأكدُ ذلِكَ عندَ ظهورِ الحاجَةِ إلى الحُكْمِ كَمَا هُنَا؛ لأنَّ مَنْ تَوَقَّفَ في طَهُوريَّةِ ماءِ البحرِ فهوَ عن العلمِ بحلِّ مَيْتَتِهِ مَعَ [تقديم] (٢) تحريمِ الميتَةِ أشدُّ توقفًا. ثم المراد بميتَتِهِ ما ماتَ فيهِ مَن دوابِّهِ مما لا يعيشُ إلَّا فيهِ، لا ما ماتَ فيهِ مُطْلَقًا؛ فإنَّهُ وإِنْ صَدَقَ عليهِ لُغَةً أنَّهُ مَيْتَةُ بَحْرٍ فمعلومٌ أنهُ لا يرادُ إلا ما ذَكَرْنَا. وظاهرُهُ حِلُّ كُلِّ ما ماتَ فيهِ ولو كانَ كالكلبِ والخنزيرِ. ويأتي الكلام في ذلكَ في بابِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. طهارة الماء ٢/ ٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمَاءَ طَهُورْ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ". [صحيح] أَخْرَجَهُ الثَّلاثَةُ (٣) وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ (٤).

стр. 112

ترجمة أبي سعيد (وعن أبي سعيد (١) ﵁). اسمهُ سعدُ بنُ مالكِ بن سنانٍ الخزرجي الأنصاريُّ (الخُدْرِيُّ) بضم الخاء المعجمة، ودال مهملة ساكنة، نسبة إلى خُدْرَةَ حيٍّ من الأنصارِ كما في القاموس (٢). قالَ الذهبيُّ: "كان مِنْ عُلماءِ الصحابَةِ، وَمِمنْ شَهِدَ بيعَةَ الشجرَةِ، وروى حديثًا كثيرًا، وأفتى مُدَّةً. عاش أبو سعيدٍ ستًا وثمانينَ سنةً، ومات في أوَّلِ سنةِ أربعٍ وسبعينَ، وحديثُهُ كثيرٌ، وحدَّثَ عَنْهُ جماعَةٌ مِنَ الصحابَةِ، وله في الصحيحين أربعةٌ وثمانونَ حديثًا، (قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : إنَّ الماءَ طهورٌ لا ينجِّسُهُ شَيْءٌ. أخرَجَهُ الثلاثة) هُم أصحابُ السُّننِ ما عدا ابن ماجَهُ كما عرفْتَ. (وصحَّحَهُ أحمدُ)، قالَ الحافظُ المنذريُّ في مختصر السنن (٣): "إنهُ تكلَّمَ فيهِ بعضُهُمْ. وحُكِيَ عن الإمامِ أحمدَ أنهُ قالَ: "حديثُ بِئرِ بُضَاعَةَ صحِيحٌ". وقال الترمذيُّ: "هذا حديثٌ حسنٌ". وقدْ جَوَّدَ أبو أسامةَ (٤) هذا الحديثَ، ولم يروِ حديثَ أبي سعيدٍ في بئرِ بُضاعَةَ بأحسنَ مما روى أبو أسامَةَ. وقدْ روي هذا الحديثَ من غيرِ وجهٍ عن أبي سعيدٍ. والحديثُ لهُ سببٌ؛ وهو أنهُ قيلَ لرسولِ اللَّهِ ﷺ : "أنتوضَّأُ من بِئرِ

стр. 113

بُضَاعَةَ (١)؛ وهي بئرٌ يُطْرَحُ فيها الحِيضُ (٢)، ولحمُ الكلابِ والنَّتْنُ (٣)، فقال: الماءُ طَهُورٌ". الحديث هكذا في "سنن أبي داود"، وفي لفظٍ فيه: "إنَّ الماءَ" كما ساقَهُ المصنفُ. واعلم أنهُ قد أطالَ في الشرحِ (٤) المقال، واستوفى ما قيلَ في حُكْمِ المياهِ منَ الأقوال، وَلْنَقْتَصِرْ في الخوضِ في المياهِ على قدرٍ يجتمعُ بهِ شَمْلُ الأحاديثِ، وَيُعْرَفُ مأخَذُ الأقوالِ، ووجوهُ الاستدلالِ، فنقولُ: قد وردَتْ أحاديثُ يؤخَذُ منها أحكامُ المياهِ، فورد حديثُ: "الماءُ طَهُورٌ لا ينجِّسُهُ شَيْءٌ" (٥)؛ وحديثُ: "إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِلِ الخَبَثَ" (٦)، وحديثُ الأمرُ بصبِّ ذَنَوبٍ مِنْ ماءٍ على بولِ

стр. 114

الأعرابيّ في المسجدِ (١)، وحديثُ: "إذا استيقَظَ أحدُكُمْ فلا يُدْخِلْ يدَهُ في الإناءِ حَتَّى يَغْسِلَها ثلاثًا" (٢)، وحديثُ: "لا يبولَنَّ أحدُكمْ فِي الماءِ الدائِم يغتسلُ فيهِ" (٣)، وحديثُ: "إذا ولغَ الكلبُ في إناءٍ أحدِكُمْ" (٤) الحديث، وفيهِ الأَمرُ بإراقَةِ الماءِ الذي وَلَغَ فيهِ. وهيَ أحاديثُ ثابتَة ستأتي جميعُها في كلامِ المصنفِ. إذا عَرَفْتَ هذا فَإِنَّهُ اختلفَتْ آراءُ العلماءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تعالى في الماءِ إذا خالطَتْهُ نجاسَةٌ ولم تغيِّر أحدَ أوصافِهِ، فذهبَ القاسمُ، ويحيى بنُ حمزَةَ، وجماعة مِنَ الآلِ، ومالكٌ، والظاهريةُ (٥) إلى أنه طَهُورٌ قليلًا كانَ أو كثيرًا، عملًا بحديثِ: "الماءُ طَهورٌ"، وإنما حكموا بعدمِ طَهُورية ما غيّرَت النجاسَةُ أحَدَ أوصافهِ؛ للإجماع على ذلكَ كما يأتي الكلامُ عليهِ قريبًا، وذهبَ الهادويةُ والحنفيةُ والشافعيةُ إلى قِسْمَةِ الماءِ إلى: قليل تضرُّه النجاسةُ مطلقًا، وكثير لا تضرُّه إلَّا إذا غيَّرت بعضَ أوصافِهِ، ثم اختلف هؤلاء بعدَ ذلكَ فِي تحديد القليل والكثير؛ فذهبت الهادويةُ إلى تحديدِ القليلِ بأنَّهُ: ما ظنَّ المستعملُ للماءِ الواقعةِ فيه النجاسة استعمالها باستعمالهِ، وما عدا ذلكَ فهوَ الكثيرُ، وذهبَ غيرهم في تحديد القليل إلى غير ذلك، ثم اختلفوا، فقالت الحنفية: الكثير في الماء هو ماء إذا كان بحيث إذا حرَّك أحد طرفيه آدمي لم تسر الحركة إلى الطرف الآخر، وما

стр. 115

عداه فهو القليل، وقالت الشافعية: بل الكثير ما بلغ قُلَّتَيْنِ مِنْ قِلالِ هَجَر (١)؛ وذَلكَ نحوُ خمسمائَةِ رطْلٍ، عملًا بحديثِ القُلَّتَيْنِ، وما عداهُ فهُوَ القليلُ (٢). ووجْهُ هذا الاختلافِ تعارُضُ الأحاديثِ التي أسلفناها، فإنَّ حديثَ الاستيقاظِ، وحديثَ الماءِ الدائمِ، يقتضيانِ أن قليلَ النجاسَةِ يُنَجِّسُ قليلَ الماءِ، وكذلكَ الولوغُ، والأمرُ بإراقَةِ ما وُلغَ فيهِ، وعارضَها حديثُ بولِ الأعرابيِّ، والأمْرُ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ ماءٍ عليهِ؛ فإنهُ يقتضي أن قليلَ النجاسَةِ لا ينجِّسُ قليلَ الماءِ. ومنَ المعلومِ أنَّهُ قدْ طُهِّرَ ذلكَ الموضِعُ الذي وَقَعَ فيه بولُ الأعرابيِّ بذلكَ الذَّنوبِ. وكذلكَ قولُهُ: "الماءُ طهور لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ"، فقالَ الأوَّلونَ وهُمُ القائلونَ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ إلَّا ما غيَّر أحدَ أوصافه: يُجمعُ بين الأحاديث بالقول بأنه لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ كمَا دلّ لَهُ هذا اللفظُ، ودلَّ عليهِ حديثُ بولِ الأعرابيِّ، وأحاديثُ الاستيقاظِ والماءِ الدائمِ والولوغِ ليستْ واردةً لبيانِ حكمِ نجاسَةِ الماءِ، بل الأَمْرُ باجتنابها تَعَبُّدِيٌّ لا لأجلِ النجاسَةِ، وإنما هُوَ لمعنًى لا نعرفه كعدَمِ معرفتنَا لحكمةِ أعدادِ الصلوات ونحوِها، وقيلَ: بل النهيُ في هذهِ الأحاديثِ للكراهَةِ فقط. وهي طاهِرَةٌ مُطَهّرَةٌ.

стр. 116

وجمعت الشافعيةُ بَيْنَ الأحاديثِ بأنَّ حديث: "لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" محمولٌ على ما بلغَ القُلَّتَيْنِ فما فوقَهُمَا وهو كثيرٌ، وحديثَ الاستيقاظِ، وحديثَ الماءِ الدائم محمولٌ على القليلِ. وعندَ الهادويةَ أَنَّ حديثَ الاستيقاظِ محمولٌ على النَّدْبِ، فلا يجبُ غَسْلُهُما لَهُ. وقالت الحنفية: المرادُ بلا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، الكثيرُ الذِي سَبَقَ تحديدُهُ، وقدحوا في حديثٍ القُلَّتَيْنِ بالاضطرابِ. كذلك أعلَّهُ الإمامُ المهديُ في البحر (١)، وبعضُهُمْ تأوَّلهُ، وبقية الأحاديثِ في القليلِ، ولكنَّهُ وارد عليهم حديثُ بولِ الأعرابيِّ؛ فإنَّهُ كما عرفْتَ دلَّ على أنَّه لا يَضُرُّ قليلُ النجاسَةِ قليلَ الماءِ فدفعتهُ الشافعيةُ بالفرق بين ورودِ الماءِ على النجاسةِ، وورودها عليهِ؛ فقالوا: إذا وردتْ على الماء نجَّستْهُ كما في حديثٍ الاستيقاظِ، وإذا وردَ عليها الماءُ لم تضره كما في خبر بول الأعرابيَّ. وفيه بحث حقَّقْناهُ في حواشي "شرح العمدةِ"، وحواشي "ضوءِ النَّهار" (٢). وحاصلُهُ أنَّهُم حكموا أنَّهُ إذا وردَتِ النجاسَةُ على الماءِ القَليلِ نجَّسَتهُ، وإذا وردَ عليها الماءُ القليلُ لم يَنجُسْ؛ فجعلوا عِلَّةَ عدمِ تنجيس الماءِ الورودَ على النجاسةِ، وليسَ كذلكَ، بل التحقيقُ أنَّهُ حينَ يردُ الماءُ على النجاسةِ يردُ عليها شيئًا فشيئًا حتى يفني عينَها، وتذهبَ قبلَ فنائهِ، فلا يأتي آخرُ جزءٍ من الماءِ الواردِ على النجاسةِ إلا وقدْ طَهُرَ المحلُّ الذي اتصلتْ بهِ، أو بقيَ فيه جزءٌ منها يَفْنَى ويَتَلاشى عندَ ملاقاةِ آخرِ جُزْءٍ منها يردُ [عليها من] (٣) الماء، كما تَفْنَى النجاسةُ وتَتَلاشى إذا وردتْ على الماءِ الكثيرِ بالإجماعِ؛ فلا فرقَ بينَ هذا وبينَ الماء الكثيرِ في إِفناءِ الكلِّ للنجاسةِ؛ فإنَّ الجُزْءَ الأخيرَ من الوارد على النجاسةِ يُحيلُ عينَها لكثرتِهِ بالنسبةِ إلى ما بقيَ مِنَ النجاسةِ؛ فالعلةُ في عدم تنجيسه بوروده عليها هي كثرته بالنسبة إليها، لا الورود؛ فإنه لا يعقل التفرقة بين الورودين بأن أحدهما ينجسه دونَ الآخرِ.

стр. 117

وإذا عرفْتَ ما أسلفناهُ، وأَنَّ تحديدَ الكثيرِ والقليلِ لم ينهَض على [أحدهما] (١) دليلٌ، فأقربُ الأقاويل بالنظر إلى الدليلِ هو قولُ القاسم بن إبراهيمَ ومَنْ معهُ، وهوَ قولُ جماعةٍ من الصحابةِ كما في البحر (٢)، وعليهِ عدةٌ من أئمةِ الآلِ المتأخرينَ، واختارَهُ منهم الإمام شَرَفُ الدين. وقال ابنُ دقيق العيدِ (٣): إنهُ قولٌ لأحمدَ بن حنبل، ونصرهُ بعضُ المتأخرينَ من أتباعهِ، ورجَّحَهُ أيضًا من أتباعِ الشافعيِّ القاضي أبو الحسنِ الرُّوْيَاني (٤)، صاحبُ بحرِ المذهبِ، قالهُ في "الإلمام" (٥). وقال ابنُ حزمٍ في "المحلَّى" (٦): إنَّهُ رُوي عن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ، وعمرَ بن الخطابِ، وعبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، وابنِ عباسٍ [والحسن] (٧) بن علي بن أبي طالب، وميمونةَ أمِّ المؤمنين، وأبي هريرةَ، وحذيفةَ بن اليمانِ، والأسودِ بن يزيدَ، وعبدِ الرحمنِ أخيهِ، وابن المسيب، وابن أبي ليلى، وسعيدِ بن جبيرٍ، ومجاهدٍ، وعكرمةَ، والقاسمِ بن محمدٍ، والحسنِ البصريِّ وغير هؤلاء. ٣/ ٣ - وَعَنْ أَبي أُمَامَة الْبَاهِليِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ، إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ". [ضعيف] أخْرَجه ابنُ مَاجَهْ (٨)، وَضعَّفَهُ أَبُو حاتم.

стр. 118

- وَلِلْبَيْهَقِي (١): "الْماءُ طَهُورٌ إِلَّا إِنْ تَغَيّرَ رِيْحُهُ، أَوْ طَعْمُهُ، أَوْ لَوْنُهُ، بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ". [ضعيف] ترجمة أبي أمامة (وعَن أبِي أمامة) (٢) بضم الهمزة واسمه: صُدَيٌّ بمهملتين، الأولى مضمومةٌ، والثانية مفتوحة، ومثناة تحتية مشدَّدة، (الباهليِّ) بموحَّدة نسبة إلى باهلة، في القاموس (٣): باهلة قومٌ، واسمُ أبيهِ عجلانُ. قال ابنُ عبدِ البرِّ: لم يختلفوا في ذلك، يعني فِي اسمهِ واسمه أبيهِ. سكن أبو أُمامةَ مصرَ، ثم انتقلَ عنها، وسكنَ حِمصَ وماتَ بها سنةَ إحدى، وقيل: ستٍّ وثمانينَ، وقيل: هو آخرُ من ماتَ من

стр. 119

الصحابةِ بالشامِ. كانَ من المُكْثرينَ في الرواية عنهُ ﷺ . (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إِن الماءَ لا ينَجِّسه شيْءٌ، إلا ما غلبَ على ريحِهِ، وطعمهِ، ودونِهِ)، المرادُ أحدها كما يفسِّرهُ حديثُ البيهقي (أخرجه ابن ماجَه وضعَّفهُ أبو حاتمٍ). ترجمة أبي حاتم قال الذهبي (١) في حقِّهِ: أبو حاتمٍ هو الرازي، الإمامُ الحافظُ الكبيرُ، محمدُ بنُ إدريسَ بن المنذرِ الحنظلي أحدُ الأعلامِ. ولدَ سنةَ خمسٍ وتسعينَ ومائةٍ، وأثنى عليه - إلى أن قالَ: قال النسائي: ثقةٌ. وتوفي أبو حاتم في شعبانَ سنةَ سبعٍ وسبعينَ ومائتينِ، وله اثنتانِ وثمانونَ سنةً. وإنما ضَعَّفَ الحديثَ؛ لأنه من رواية رِشدين بن سعد (٢)، بكسر الراء، وسكون المعجمة. قال [أبو يوسف] (٣): كان رشدين رجلًا صالحًا فِي دينه، فأدركته غفلة الصالحين، فخلط فِي الحديثِ وهو متروك. تعريف الحديث الضعيف وحقيقة الحديث الضعيف (٤): هو ما اختلَّ فيه أحد شروطِ الصحيحِ والحسنِ. وله ستةُ أسبابٍ معروفةٍ سردَها في الشرح. ترجمة البيهقي (والبيهقي) (٥) هو الحافظُ العلَّامةُ شيخُ خراسانَ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحسينِ،

стр. 120

له التصانيفُ التي لم يُسبَقْ إلى مثلها. كان زاهدًا ورعًا تقيًّا، ارتحلَ إلى الحجاز والعراقِ. قال الذهبيُّ: تأليفهُ تقاربُ ألفَ جزءٍ. وبيهق بموحَّدة مفتوحة، ومثناة تحتية ساكنة، وهاء مفتوحة، فقاف، بلدٌ [قريبَ نيسابور. أي رواه] (١) بلفظ: "الماءُ طهورٌ إلا إن تغيرَ ريحُه أو طعمه أو لونهُ" عطف عليه (بنجاسةٍ) الباء سببية أي بسببِ نجاسةٍ (تحدث فيهِ). قال المصنفُ: أنه قال الدارقطني (٢): ولا يثبت هذا الحديث، وقال الشافعي (٣): ما قلتُ منْ أنه إذا تغيرَ طعم الماءِ، أو ريحهُ، أَو لونهُ، كانَ نجسًا يُروى عن النبيِّ ﷺ من وجهٍ لا يُثْبِتُ أهلُ الحديثِ مثلَهُ. وقال النووي (٤): اتفق المحدِّثونَ على تضعيفه. والمراد تضعيف روايةٍ الاستثناءِ، لا أصلِ الحديثِ؛ فانهُ قدْ ثبتَ في حديثٍ بئرِ بُضاعَةَ، ولكنَّ هذهِ الزيادةَ قد أجمعَ العلماءُ على القولِ بحُكْمِها، قال ابنُ المنذرِ (٥): أجمعَ العلماءُ على أَنَّ الماءَ القليلَ والكثيرَ إذا وقعتْ فيهِ نجاسةٌ فغيَّرت لهُ طعمًا أو لونًا أو ريحًا فهوَ نجسٌ، فالإجماعُ هوَ الدليلُ على نجاسةِ ما تغيَّر أحدُ أوصافِهِ لا هذهِ الزيادةُ. حكم الماء إذا بلغ قلَّتين ٤/ ٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ"، وفي لفظ: "لم ينجس". [صحيح] أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (٦)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٧) وَالْحَاكِمُ (٨) وَابْنُ حِبَّانَ (٩).

стр. 121

ترجمة ابن عمر (وَعَن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ) (١). هو ابنُ [عُمر بن] (٢) الخطابِ، أسلمَ عبدُ اللَّهِ صغيرًا بمكةَ، وأَوَّلُ مشاهدهِ الخندقُ، وعَمَّرَ، وروى عنه خلائقُ، كانَ من أوعيةِ العلمِ، وفاتهُ بمكةَ سنَة ثلاثٍ وسبعين، ودفن بها [بذي طُوى في] (٣) مقبرةِ المهاجرينَ. (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إذا كان الماءُ قُلَّتينِ لم يَحْمل الخَبثَ) بفتحِ المعجمةِ والموحدةِ؛ (وفي لفظٍ: لم ينجس)، هو بفتح الجيم وضمِّها كما في القاموس، (أخرجه الأربعة، وصححهُ ابن خزيمةَ). تقدَّمَ ذكرهُ في أولِ حديثٍ. ترجمة الحاكم (والحاكم) (٤) هو الإمامُ الكبيرُ، إمامُ المحقِّقينَ أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ النيسابوريُّ، المعروفُ بابنِ البيِّع، صاحبُ التصانيفِ. ولدَ سنةَ إحدى وعشرينَ وثلاثمِائةِ، وطلبَ هذا الشأنَ، ورحل إلى العراقِ وهوَ ابنُ عشرينَ، وحجَّ، ثم جالَ في خُراسانَ وما وراءَ النهرِ، وسمعَ من ألفي شيخٍ أو نحوِ ذلكَ، حدَّثَ عنهُ الدارقطني، وأبو يعلى الخليلي، والبيهقي، وخلائقُ. وله التصانيفُ الفائقة مع التقوى والديانةِ. ألَّفَ "المستدرَكَ"، و"تاريخَ" نيسابورَ، وغيرَ ذلكَ. توفيَ في صفرَ سنةَ خمسٍ وأربعمائةٍ.

стр. 122

ترجمة ابن حبان (وابنُ حِبَّان) (١) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحَّدة. قال الذهبي: هو الحافظُ العلامة أبو حاتمٍ محمدُ بنُ حِبانَ بن أحمدَ بن حِبانَ البستي صاحبُ التصانيفِ. سمعَ أممًا لا يُحصَوْنَ مِنْ مصرَ إلى خُراسانَ. حدَّثَ عنهُ الحاكمُ وغيرهُ، كانَ ابنُ حِبانَ من فقهاءِ الدينِ، وحُفَّاظِ الآثارِ، عالمًا بالطِّبِّ والنجوم، وفنونِ العلمِ، صنفَ "المسندَ الصحيح"، و"التاريخ"، و"كتابَ الضعفاءِ"، وفقَّهَ الناسَ بسمرقند، قالَ الحاكمُ: كانَ ابنُ حبانَ من أوعيةِ العلمِ والفقهِ واللغةِ والوعظ، منْ عقلاءِ الرجالِ. توفيَ في شوالَ سنةَ أربعٍ وخمسينَ وثلاثمائةٍ. وهو في عَشْرِ الثمانينَ. وقد سبقتِ الإشارةُ إلى أن هذا الحديثَ هو دليلُ الشافعية في جعلهم الكثيرَ ما بلغَ قلَّتين، وسبقَ اعتذارُ الهادويةِ والحنفيةِ عن العملِ بهِ بالاضطرابِ في متنهِ (٢)؛ إذ في روايةٍ: إذا بلغَ ثلاثَ قِلالٍ، وفي رواية: قُلَّةً، وَبجهَالَةِ قَدرِ القُلَّةِ، وباحتمالِ معناهُ؛ فإنَّ قولهُ: "لم يَحْمِلِ الخَبَثَ" يحتملُ أنهُ لا يقدرُ [على حمله] (٣)، بل يضرهُ الخبثُ، ويحتملُ أنه يتلاشى فيهِ الخبثُ. وقد أجابَ الشافعيةُ عن هذا كله. وقد بسطهُ في الشرحِ إلا الأخيرَ فلم يذكرهُ، كأنهُ تركهُ لضعفهِ؛ لأن روايةَ: (لَم يَنْجَسْ) صريحةٌ فِي عدمِ احتمالهِ المعنى الأولَ. النهي عن البول في الماء الدائم ثم الاغتسال منه ٥/ ٥ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَغْتَسِل أَحَدُكمْ في الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ" [صحيح]

стр. 123

أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). - ولِلْبُخَارِيِّ (٢): "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكمْ في الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ". ولِمُسْلِمٍ (٣): "منْهُ"، ولأَبِي دَاوُدَ (٤): "وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الجَنَابَةِ". (وعن أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الماءِ الدَّائِمِ) هو الراكدُ الساكنُ، ويأتي وصفُهُ بأنهُ الذي لا يجري، (وَهُوَ جُنُبٌ). أخْرَجَهُ بهذا اللفظِ (مسلمٌ)، (وللبخاريِّ) روايةٌ بلفظِ: (لا يبولَنَّ أحَدُكُمْ في الماءِ الدائِم الذي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فيهِ) يُروى برفع اللام على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: ثم هو [يَغْتَسِلُ] (٥)، وقد جُوِّزَ جَزمُهُ على عطفهِ على موضع يبولَنَّ، ونصبِهِ بتقديرِ أَنْ على إلحاق ثم بالواو [في ذلك] (٦)، وإنْ أفادَ أن النهي إنما هُو عن الجمعِ بينَ البولِ والاغتسالِ دون إفرادِ أحدِهما، معَ أنه منهيٌّ عن البولِ فيهِ مطلقًا؛ فإنه لا يُخِلُّ بجوازِ النصبِ؛ لأنه يستفادُ منْ هذا النهي عن الجمعِ ومِنْ غيرهٍ النهيُ عن إفرادِ البولِ وإفرادِ الاغتسالِ. هذا بناءً على أن (ثم) صارتْ بمعنى الواو تفيدُ الجمعَ، وهذا قالهُ النووي (٧) معترضًا به على ابن مالك، حيث جوَّز النصب، وأقرَّه ابن دقيق العيد في غير شرح "العمدة"، إلا أنه أجاب على النووي بما أفادَهُ قولُنا: فإنه لا يخلُّ بجوازِ النصبِ إلى آخرهِ. قلتُ: والذي تقتضيه قواعدُ العربيةِ أَنَّ النَّهي في الحديثِ إنما هو عن الجمعِ بينَ البولِ ثم الاغتسال [منه] (٨)، سواءٌ رفعت اللَام أوْ نصبت؛ وذلكَ لأنَّ (ثمَّ) تفيدُ [ما تفيدهُ] (٩) الواوُ العاطفةُ في أنها للجمع، وإنما اختصَّتْ ثُمَّ بالترتيبِ، فالجميعُ واهمونَ فيما قرَّروهُ، ولا يستفادُ النهيُ عنْ كلِّ واحدٍ على انفرادِهِ منْ

стр. 124

روايةٍ البخاريِّ؛ لأنها إنما تفيدُ النهيَ عن الجمعِ، وروايةُ مسلم تفيدُ النهيَ عن الاغتسالِ فقطْ، إذا لم تقيَّدْ بروايةِ البخاريِّ. [ثم] (١) روايةُ أبِي داودَ بلفظِ: "لا يبولَنَّ أحدكُمْ فِي الماءِ الدائمِ، ولا يغتسِلْ فيهِ" تفيدُ النهيَ عن كلِّ واحدٍ على انفرادِهِ. (فيه. ولمسلمٍ) في روايتهِ (منهُ) بدلًا عَنْ قولِهِ: فيهِ؛ فالأولى تفيدُ أنه لا يَغْتَسِلُ فيه بالانغماسِ مثلًا، والثانيةُ تفيدُ أنهُ لا يتناولُ منهُ ويغتسلُ خارجَهُ. (ولأبي داودَ) بلفظِ: (ولا يغتسلْ فيه) عوضًا عن ثُمَّ يغتسلُ (مِنَ الجَنَابَةِ) عوضًا عن قولهِ: "وهو جُنُبٌ". وقوله هنا: "ولا يغتسلْ"، دالٌّ على أن النهيَ عن كلِّ واحدٍ من الأمرينِ على انفرادِه كما هوَ أحدُ الاحتمالينِ الأولينِ في روايةٍ ثمَّ يغتسلُ منهُ. قال في الشرحِ: وهذا النهيُ في الماءِ الكثيرِ للكراهةِ، وفِي الماءِ القليلِ للتحريمِ قيلَ عليهِ: إنهُ يؤدي إلى استعمالِ لفظِ النهيِ في حقيقتهِ ومجازِهِ، فالأحسنُ أنْ يكونَ منْ عمومِ المجازِ، والنهيُ مستعملٌ في عدَمِ الفعلِ الشاملِ للتحريم وكراهةِ التنزيهِ. فأما حكمُ الماءِ الراكدِ، وتنجيسُهُ بالبولِ، أو منعه مِنَ التطهيرِ بالاغتسالِ فيهِ للجنابةِ، فعندَ القائلين بأنهُ لا ينجُسُ إلا ما تغيرَ أحدُ أوصافِه: النهيُ عنهُ للتعمدِ وهوَ طاهرٌ في نفسهِ، وهذا عندَ المالكيةِ، فإنهُ يجوزُ التطَهرُ بهِ؛ لأنَّ النهيَ عندهُم للكراهَةِ، وعندَ الظاهريةِ أنهُ للتحريمِ، وإنْ كانَ النهيُ تعبدًا لا لأجل التنجيس، لكنَّ الأصلَ في النهيِ التحريمُ، وأما عندَ مَنْ فَرَّقَ بينَ القليل والكثير فقالوا: إنْ كانَ الماءُ كثيرًا وكِلَ على أصلهِ في حدهِ ولم يتغيرْ أحدُ أوصافِه، فهوَ الطاهرُ، والدليلُ على طهوريته [تخصيصُ] (٢) هذا العمومِ إلا أنَّهُ قدْ يقالُ: إذا قلتم: النهيُ للكراهةِ في الكثيرِ فلا تخصيصَ لعمومِ حديثٍ البابِ، وإنْ كانَ الماءُ قليلًا وكِلَ في حدهِ على أصلهِ: فالنهيُ عنهُ للتحريمِ؛ إذ هوَ غيرُ طاهرٍ ولا مطهِّرٍ، وهذا على أصلهِمْ في كونِ النهيِ للنجاسة. وذكرَ في الشرح الأقوالَ في البول في الماءِ [وهو أنَّهُ] (٣) لا يحرمُ في الكثير الجاري كما يقتضيه مفهومُ هذا الحديثِ،

стр. 125

والأولى اجتنابهُ. أما القليلُ الجاريِ فقيلَ: يكرهُ، وقيلَ: يحرُمُ وهو الأولى. قلتُ: بلِ الأولى خلافُهُ؛ إذِ الحديثُ في النهي عن البولِ فيما لا يجري، فلا يشملُ الجاريَ قليلًا كان أم كثيرًا. (نعم) لو قيلَ بالكراهةِ لكانَ قريبًا. وإنْ كانَ كثيرًا راكدًا فقيلَ: يكرهُ مطلقًا، وقيلَ: [إنْ] (١) كانَ قاصدًا إلا إذا عرضَ وهوَ فيهِ فلا كراهَةَ. قالَ في الشرحِ: ولو قيلَ بالتحريمِ لكانَ أظهرَ وأوفَقَ لظاهرِ النهي؛ لأنَّ فيهِ إفسادًا لهُ على غيرِه، ومضارَّةً للمسلمين. وإنْ كانَ راكدًا قليلًا فالصحيَحُ التحريمُ للحديثِ، ثم هلْ يلحقُ غيرُ البولِ كالغائطِ بهِ في تحريم ذلك في هذا الماءِ القليلِ؟ فالجمهورُ يلحق بهِ بالأولى، [وعنْ] (٢) أحمدَ بن حنبلَ لا يلحَقُ بهِ غيْرُهُ بلْ يختصُّ الحكمُ بالبولِ. وقولهُ: "في الماءِ" صريحٌ في النهي عن البولِ فيهِ، وأنهُ يجتنبُ إذا كانَ كذلكَ، فإذا بالَ فِي إناءٍ وصبهُ في الماءِ الدائمِ فالحكمُ واحدٌ. وعنْ داودَ لا ينجِّسُهُ ولا يكونُ منهيًا عنهُ إلا في الصورةِ الأولى لا غيرُ. وحكمُ الوضوءِ في الماءِ الدائمِ الذي بالَ فيهِ منْ يريدُ الوضوءَ حكمُ الغُسْلِ؛ إِذ الحكمُ واحدٌ. وقد وردَ في روايةٍ: "لا يبولَنَّ أحدُكمْ في الماءِ الدائمِ ثُمَّ يتوضَّأُ منهُ"، ذكرَها في الشرحِ ولم ينسبْها إلى أحدٍ. وقد أخْرَجَها عبدُ الرزاق (٣)، وأحمد (٤)، وابن أبي شيبة (٥)، والترمذي (٦). وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وابْنُ حبان (٧) منْ حديثٍ أبي هريرة مرفوعًا، وأخرجَهُ الطحاوي (٨)، وابنُ حِبانَ (٩)، والبيهقيُّ (١٠) بزيادةِ: "أو يَشْرَبُ منه".

стр. 126

اغتسال المرأة بفضل الرجل والعكس ٦/ ٦ - وَعَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أن تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوِ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا". [صحيح] أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وَالنَّسَائِيُّ (٢) وَإِسْنَادُهُ صَحيحٌ (٣). (وَعَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبيَّ ﷺ قال: نهى رسولُ الله ﷺ : أن تغتسلَ المرأة بفضلِ الرجل) أي الماءِ الذي يفضلُ [من] (٤) غُسلِ الرجلِ، (أو الرجل بفضلِ المرأةِ) مثله، (وليغترفا) من الماءِ عندَ اغتسالهما منهُ (جميعًا. أخرجه أبو داودَ والنسائيُّ وإسنادُة صحيحٌ)، إشارةٌ إلى ردِّ قولِ البيهقيُّ حيثُ قال: إنه في معنى المرسلِ، أو إلى قولِ ابن حزمٍ [حيثُ قالَ] (٥): إنَّ أحدَ رواتِهِ ضعيفٌ. أما الأولُ [وهوَ كونهُ في معنى المرسل] (٦)؛ فلأن إبهامَ الصحابيِّ لا يضرُّ؛ لأنَّ الصحابةَ كلَّهُمْ عدولٌ عندَ المحدثينَ، وأما الثاني؛ فلأنهُ أرادَ ابنُ حزمٍ بالضعيفِ داودَ بنَ عبدِ اللَّهِ الأودي، وهوَ ثقةٌ، وكأنهُ في البحرِ اغترَّ بقولِ ابن حزمٍ فقالَ بعدَ ذكرِ الحديثِ: إنَّ راويهِ ضعيفٌ وأسنَدهُ إلى مجهولٍ. وقالَ المصنفُ في "فتح الباري" (٧): إنَّ رجالَهُ ثقاتٌ، ولم نقفْ له على عِلةٍ، فلهذا قالَ هنا: وهوَ صحيحٌ، نعمْ هوَ مُعارَضٌ بما يأتي من قولهِ في الحديث [الآتي] (٨):
следующие страницы →