← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 122–161 · переход к 127.

стр. 122

ترجمة ابن حبان (وابنُ حِبَّان) (١) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحَّدة. قال الذهبي: هو الحافظُ العلامة أبو حاتمٍ محمدُ بنُ حِبانَ بن أحمدَ بن حِبانَ البستي صاحبُ التصانيفِ. سمعَ أممًا لا يُحصَوْنَ مِنْ مصرَ إلى خُراسانَ. حدَّثَ عنهُ الحاكمُ وغيرهُ، كانَ ابنُ حِبانَ من فقهاءِ الدينِ، وحُفَّاظِ الآثارِ، عالمًا بالطِّبِّ والنجوم، وفنونِ العلمِ، صنفَ "المسندَ الصحيح"، و"التاريخ"، و"كتابَ الضعفاءِ"، وفقَّهَ الناسَ بسمرقند، قالَ الحاكمُ: كانَ ابنُ حبانَ من أوعيةِ العلمِ والفقهِ واللغةِ والوعظ، منْ عقلاءِ الرجالِ. توفيَ في شوالَ سنةَ أربعٍ وخمسينَ وثلاثمائةٍ. وهو في عَشْرِ الثمانينَ. وقد سبقتِ الإشارةُ إلى أن هذا الحديثَ هو دليلُ الشافعية في جعلهم الكثيرَ ما بلغَ قلَّتين، وسبقَ اعتذارُ الهادويةِ والحنفيةِ عن العملِ بهِ بالاضطرابِ في متنهِ (٢)؛ إذ في روايةٍ: إذا بلغَ ثلاثَ قِلالٍ، وفي رواية: قُلَّةً، وَبجهَالَةِ قَدرِ القُلَّةِ، وباحتمالِ معناهُ؛ فإنَّ قولهُ: "لم يَحْمِلِ الخَبَثَ" يحتملُ أنهُ لا يقدرُ [على حمله] (٣)، بل يضرهُ الخبثُ، ويحتملُ أنه يتلاشى فيهِ الخبثُ. وقد أجابَ الشافعيةُ عن هذا كله. وقد بسطهُ في الشرحِ إلا الأخيرَ فلم يذكرهُ، كأنهُ تركهُ لضعفهِ؛ لأن روايةَ: (لَم يَنْجَسْ) صريحةٌ فِي عدمِ احتمالهِ المعنى الأولَ. النهي عن البول في الماء الدائم ثم الاغتسال منه ٥/ ٥ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَغْتَسِل أَحَدُكمْ في الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ" [صحيح]

стр. 123

أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). - ولِلْبُخَارِيِّ (٢): "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكمْ في الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ". ولِمُسْلِمٍ (٣): "منْهُ"، ولأَبِي دَاوُدَ (٤): "وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الجَنَابَةِ". (وعن أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الماءِ الدَّائِمِ) هو الراكدُ الساكنُ، ويأتي وصفُهُ بأنهُ الذي لا يجري، (وَهُوَ جُنُبٌ). أخْرَجَهُ بهذا اللفظِ (مسلمٌ)، (وللبخاريِّ) روايةٌ بلفظِ: (لا يبولَنَّ أحَدُكُمْ في الماءِ الدائِم الذي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فيهِ) يُروى برفع اللام على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: ثم هو [يَغْتَسِلُ] (٥)، وقد جُوِّزَ جَزمُهُ على عطفهِ على موضع يبولَنَّ، ونصبِهِ بتقديرِ أَنْ على إلحاق ثم بالواو [في ذلك] (٦)، وإنْ أفادَ أن النهي إنما هُو عن الجمعِ بينَ البولِ والاغتسالِ دون إفرادِ أحدِهما، معَ أنه منهيٌّ عن البولِ فيهِ مطلقًا؛ فإنه لا يُخِلُّ بجوازِ النصبِ؛ لأنه يستفادُ منْ هذا النهي عن الجمعِ ومِنْ غيرهٍ النهيُ عن إفرادِ البولِ وإفرادِ الاغتسالِ. هذا بناءً على أن (ثم) صارتْ بمعنى الواو تفيدُ الجمعَ، وهذا قالهُ النووي (٧) معترضًا به على ابن مالك، حيث جوَّز النصب، وأقرَّه ابن دقيق العيد في غير شرح "العمدة"، إلا أنه أجاب على النووي بما أفادَهُ قولُنا: فإنه لا يخلُّ بجوازِ النصبِ إلى آخرهِ. قلتُ: والذي تقتضيه قواعدُ العربيةِ أَنَّ النَّهي في الحديثِ إنما هو عن الجمعِ بينَ البولِ ثم الاغتسال [منه] (٨)، سواءٌ رفعت اللَام أوْ نصبت؛ وذلكَ لأنَّ (ثمَّ) تفيدُ [ما تفيدهُ] (٩) الواوُ العاطفةُ في أنها للجمع، وإنما اختصَّتْ ثُمَّ بالترتيبِ، فالجميعُ واهمونَ فيما قرَّروهُ، ولا يستفادُ النهيُ عنْ كلِّ واحدٍ على انفرادِهِ منْ

стр. 124

روايةٍ البخاريِّ؛ لأنها إنما تفيدُ النهيَ عن الجمعِ، وروايةُ مسلم تفيدُ النهيَ عن الاغتسالِ فقطْ، إذا لم تقيَّدْ بروايةِ البخاريِّ. [ثم] (١) روايةُ أبِي داودَ بلفظِ: "لا يبولَنَّ أحدكُمْ فِي الماءِ الدائمِ، ولا يغتسِلْ فيهِ" تفيدُ النهيَ عن كلِّ واحدٍ على انفرادِهِ. (فيه. ولمسلمٍ) في روايتهِ (منهُ) بدلًا عَنْ قولِهِ: فيهِ؛ فالأولى تفيدُ أنه لا يَغْتَسِلُ فيه بالانغماسِ مثلًا، والثانيةُ تفيدُ أنهُ لا يتناولُ منهُ ويغتسلُ خارجَهُ. (ولأبي داودَ) بلفظِ: (ولا يغتسلْ فيه) عوضًا عن ثُمَّ يغتسلُ (مِنَ الجَنَابَةِ) عوضًا عن قولهِ: "وهو جُنُبٌ". وقوله هنا: "ولا يغتسلْ"، دالٌّ على أن النهيَ عن كلِّ واحدٍ من الأمرينِ على انفرادِه كما هوَ أحدُ الاحتمالينِ الأولينِ في روايةٍ ثمَّ يغتسلُ منهُ. قال في الشرحِ: وهذا النهيُ في الماءِ الكثيرِ للكراهةِ، وفِي الماءِ القليلِ للتحريمِ قيلَ عليهِ: إنهُ يؤدي إلى استعمالِ لفظِ النهيِ في حقيقتهِ ومجازِهِ، فالأحسنُ أنْ يكونَ منْ عمومِ المجازِ، والنهيُ مستعملٌ في عدَمِ الفعلِ الشاملِ للتحريم وكراهةِ التنزيهِ. فأما حكمُ الماءِ الراكدِ، وتنجيسُهُ بالبولِ، أو منعه مِنَ التطهيرِ بالاغتسالِ فيهِ للجنابةِ، فعندَ القائلين بأنهُ لا ينجُسُ إلا ما تغيرَ أحدُ أوصافِه: النهيُ عنهُ للتعمدِ وهوَ طاهرٌ في نفسهِ، وهذا عندَ المالكيةِ، فإنهُ يجوزُ التطَهرُ بهِ؛ لأنَّ النهيَ عندهُم للكراهَةِ، وعندَ الظاهريةِ أنهُ للتحريمِ، وإنْ كانَ النهيُ تعبدًا لا لأجل التنجيس، لكنَّ الأصلَ في النهيِ التحريمُ، وأما عندَ مَنْ فَرَّقَ بينَ القليل والكثير فقالوا: إنْ كانَ الماءُ كثيرًا وكِلَ على أصلهِ في حدهِ ولم يتغيرْ أحدُ أوصافِه، فهوَ الطاهرُ، والدليلُ على طهوريته [تخصيصُ] (٢) هذا العمومِ إلا أنَّهُ قدْ يقالُ: إذا قلتم: النهيُ للكراهةِ في الكثيرِ فلا تخصيصَ لعمومِ حديثٍ البابِ، وإنْ كانَ الماءُ قليلًا وكِلَ في حدهِ على أصلهِ: فالنهيُ عنهُ للتحريمِ؛ إذ هوَ غيرُ طاهرٍ ولا مطهِّرٍ، وهذا على أصلهِمْ في كونِ النهيِ للنجاسة. وذكرَ في الشرح الأقوالَ في البول في الماءِ [وهو أنَّهُ] (٣) لا يحرمُ في الكثير الجاري كما يقتضيه مفهومُ هذا الحديثِ،

стр. 125

والأولى اجتنابهُ. أما القليلُ الجاريِ فقيلَ: يكرهُ، وقيلَ: يحرُمُ وهو الأولى. قلتُ: بلِ الأولى خلافُهُ؛ إذِ الحديثُ في النهي عن البولِ فيما لا يجري، فلا يشملُ الجاريَ قليلًا كان أم كثيرًا. (نعم) لو قيلَ بالكراهةِ لكانَ قريبًا. وإنْ كانَ كثيرًا راكدًا فقيلَ: يكرهُ مطلقًا، وقيلَ: [إنْ] (١) كانَ قاصدًا إلا إذا عرضَ وهوَ فيهِ فلا كراهَةَ. قالَ في الشرحِ: ولو قيلَ بالتحريمِ لكانَ أظهرَ وأوفَقَ لظاهرِ النهي؛ لأنَّ فيهِ إفسادًا لهُ على غيرِه، ومضارَّةً للمسلمين. وإنْ كانَ راكدًا قليلًا فالصحيَحُ التحريمُ للحديثِ، ثم هلْ يلحقُ غيرُ البولِ كالغائطِ بهِ في تحريم ذلك في هذا الماءِ القليلِ؟ فالجمهورُ يلحق بهِ بالأولى، [وعنْ] (٢) أحمدَ بن حنبلَ لا يلحَقُ بهِ غيْرُهُ بلْ يختصُّ الحكمُ بالبولِ. وقولهُ: "في الماءِ" صريحٌ في النهي عن البولِ فيهِ، وأنهُ يجتنبُ إذا كانَ كذلكَ، فإذا بالَ فِي إناءٍ وصبهُ في الماءِ الدائمِ فالحكمُ واحدٌ. وعنْ داودَ لا ينجِّسُهُ ولا يكونُ منهيًا عنهُ إلا في الصورةِ الأولى لا غيرُ. وحكمُ الوضوءِ في الماءِ الدائمِ الذي بالَ فيهِ منْ يريدُ الوضوءَ حكمُ الغُسْلِ؛ إِذ الحكمُ واحدٌ. وقد وردَ في روايةٍ: "لا يبولَنَّ أحدُكمْ في الماءِ الدائمِ ثُمَّ يتوضَّأُ منهُ"، ذكرَها في الشرحِ ولم ينسبْها إلى أحدٍ. وقد أخْرَجَها عبدُ الرزاق (٣)، وأحمد (٤)، وابن أبي شيبة (٥)، والترمذي (٦). وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وابْنُ حبان (٧) منْ حديثٍ أبي هريرة مرفوعًا، وأخرجَهُ الطحاوي (٨)، وابنُ حِبانَ (٩)، والبيهقيُّ (١٠) بزيادةِ: "أو يَشْرَبُ منه".

стр. 126

اغتسال المرأة بفضل الرجل والعكس ٦/ ٦ - وَعَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أن تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوِ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا". [صحيح] أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وَالنَّسَائِيُّ (٢) وَإِسْنَادُهُ صَحيحٌ (٣). (وَعَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبيَّ ﷺ قال: نهى رسولُ الله ﷺ : أن تغتسلَ المرأة بفضلِ الرجل) أي الماءِ الذي يفضلُ [من] (٤) غُسلِ الرجلِ، (أو الرجل بفضلِ المرأةِ) مثله، (وليغترفا) من الماءِ عندَ اغتسالهما منهُ (جميعًا. أخرجه أبو داودَ والنسائيُّ وإسنادُة صحيحٌ)، إشارةٌ إلى ردِّ قولِ البيهقيُّ حيثُ قال: إنه في معنى المرسلِ، أو إلى قولِ ابن حزمٍ [حيثُ قالَ] (٥): إنَّ أحدَ رواتِهِ ضعيفٌ. أما الأولُ [وهوَ كونهُ في معنى المرسل] (٦)؛ فلأن إبهامَ الصحابيِّ لا يضرُّ؛ لأنَّ الصحابةَ كلَّهُمْ عدولٌ عندَ المحدثينَ، وأما الثاني؛ فلأنهُ أرادَ ابنُ حزمٍ بالضعيفِ داودَ بنَ عبدِ اللَّهِ الأودي، وهوَ ثقةٌ، وكأنهُ في البحرِ اغترَّ بقولِ ابن حزمٍ فقالَ بعدَ ذكرِ الحديثِ: إنَّ راويهِ ضعيفٌ وأسنَدهُ إلى مجهولٍ. وقالَ المصنفُ في "فتح الباري" (٧): إنَّ رجالَهُ ثقاتٌ، ولم نقفْ له على عِلةٍ، فلهذا قالَ هنا: وهوَ صحيحٌ، نعمْ هوَ مُعارَضٌ بما يأتي من قولهِ في الحديث [الآتي] (٨):

стр. 127

٧/ ٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ : "كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيمُونَةَ ﵂". [صحيح] أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). - وَلأَصحَابِ السُّنَنِ (٢): اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ في جَفْنَةٍ، فَجَاءَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا، فَقَالَت: إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا، فَقَالَ: "إِن الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ". [صحيح] وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٣)، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (٤). ترجمة ابن عباس (وعن ابن عباسٍ) (٥) هوَ حيثُ أطلقَ بحرُ الأمةِ وحبرُها عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ، ولدَ قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنينَ. وشهرةُ إمامتهِ في العلمِ ببركاتِ الدعوةِ النبويةِ بالحكمةِ والفقهِ في الدينِ والتأويل، تغني عن التعريفِ بهِ. كانتْ وفاتهُ بالطائفِ سنةَ ثمانٍ وستينَ فِي آخرِ أيامِ ابن الزبيرِ، بعدَ أنْ كُفَّ بصرُهُ. (أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَغْتسلُ بفضلِ ميمونَةَ. أخرجه مسلمٌ) من روايةٍ عمرِو بن دينارٍ بلفظِ: أكبر علمي - والذي يخطرُ على بالي أَنَّ أبا الشعثاء أخبرني،

стр. 128

الحديث. وأعلَّهُ قومٌ بهذا التردُّدِ، ولكنهُ قد ثبتَ عندَ الشيخينِ (١) بلفظِ: "إنَّ النبيَّ ﷺ وميمونَةَ كانا يغتسلانِ من إناءٍ واحدٍ". ولا يخفى أنهُ لا تعارُضَ؛ لأنهُ يحتملُ أنهما كانا يغترفان معًا فلا تعارُضَ. نعم المعارِضُ قوله: (ولأصحابِ السننِ) أي منْ حديثٍ ابن عباسٍ كما أخرجَهُ البيهقيُّ (٢) في السننِ، ونسبهُ إلى أبي داودَ: (اغْتَسَلَ بعضُ أَزواجِ النَّبيِّ ﷺ في جَفْنَةٍ فجاءَ) أي النبيُّ ﷺ (ليغتسلَ منها فقالتْ: إني كنْتُ جُنُبًا)، أي وقد اغتسلتُ منها، فقالَ: (إنَّ الماءَ لا يجْنِبُ). في القاموس (٣): جَنِبَ كفَرِحَ وجنُبَ كَكَرُمَ، فيجوزُ فتحُ النونِ وضمُّها هنا، هذا إنْ جعلته مِنَ الثلاثي، ويصح من أَجنبَ يُجْنِبُ، وأما اجتنبَ فلم يأتِ بهذا المعنى وهو: إصابةُ الجنابةِ، (وصححَهُ الترمذيُّ وابن خزيمةَ). ومعنى الحديثِ قد وردَ من طرقٍ سردَها في الشرحِ، وقد أفادَتْ معارضَةَ الحديثِ الماضي، وأنهُ يجوزُ غُسْلُ الرجلِ بفضلِ المرأةِ، ويقاسُ عليهِ العكسُ لمساواتهِ لَهُ. وفي الأمرينِ خلافٌ، والأظهرُ جوازُ الأمرينِ وأنَّ النهيَ محمولٌ على التنزيهِ. تطهير الإناء من ولوغ الكلب ٨/ ٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبع مَرَّاتٍ، أُوْلَاهُنَّ بالتُّرَابِ". [صحيح] أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤)، وَفِي لَفْظٍ لَهُ (٥): "فَلْيُرِقْهُ"، وَللتِّرْمِذِيِّ (٦): "أُخْرَاهُنَّ، أَوْ أولَاهُنَّ بالتراب".

стр. 129

(وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : طُهُورُ) في الشرح الأظهر فيه ضَمُّ الطاء ويقال: بفتحها لغتان (إناء أحَدَكُمْ إِذَا وَلَغَ فيهِ الكَلْبُ) في القاموس (١): ولغَ الكلب في الإناءِ وفي الشَّرابِ يَلَغْ، كَيَهَبُ، ويالَغُ، [وولغ] كَوَرِكَ وَوَجِلَ، شَرِبَ ما فيهِ بأطرافِ لسانهِ أو أدخلَ لِسانَهُ فيهِ فحَرَّكَهُ، (أنْ يَغْسِلَهُ) أي الإناءَ (سَبعَ مراتٍ أولاهُنَّ بالترابِ. أخرجهُ مسلمٌ. وفي لفظٍ لهُ: فَلْيُرِقْهُ) أي الماءَ الذي ولغَ فيه. (وللترمذي: أُخراهُنَّ) أي السبعُ، (أو أُولاهُنَّ بالتراب). دلَّ الحديثُ على أحكامٍ: أحكام فقهية من الحديث: (أولها): نجاسةُ فم الكلب من حيثُ أمره ﷺ بالغسلِ لِمَا وَلَغَ فيهِ، والإراقة للماءِ، وقولهُ: "طُهُورُ إناءِ أَحَدِكُمْ" فإنهُ لا غُسْلَ إِلَّا [مِنْ] (٢) حَدَثٍ، أو نَجَسٍ، وليسَ هنا حدثٌ فتعينَ النَّجَسُ، والإراقَةُ إضاعَةُ مالٍ فلو كانَ الماءُ طاهرًا لما أَمَر بإضاعتِهِ؛ إذ هو منهيٌّ عن إضَاعَةَ المالِ. وهوَ ظاهرٌ في نجاسةِ فمهِ، وأُلحقَ بهِ سائرُ بدنِه قياسًا عليهِ (٣)، وذلكَ لأنهُ إذا ثبتتْ نجاسةُ لُعَابِهِ، ولُعَابُهُ جزءٌ منْ فمهِ إذ

стр. 130

هوَ عَرَقُ فمهِ، ففمُهُ نجسٌ إذ العَرَقُ جزءٌ متحلِّبٌ مِنَ البدنِ، فكذلكَ بقيةُ بدنِهِ، إلا أن مَنْ قَالَ: إن الأمرَ بالغُسْلِ ليس لنجاسةِ الكلبِ، قالَ: يحتملُ أَنَّ النجاسةَ في فمِهِ ولُعابهِ؛ إذ هوَ محلُّ استعمالهِ للنجاسةِ بحسب الأغلبِ، وعَلَّقَ الحكمَ بالنظرِ إلى غالبِ أحوالهِ من أكلهِ النجاساتِ [بفمهِ] (١)، ومباشرتهِ لها، فلا يدلُّ على نجاسةِ عينهِ. والقولُ بنجاسته قولُ الجماهيرِ. والخلافُ لمالكٍ وداودَ والزهريِّ، وأدلةُ الأولينَ ما سمعتَ، وأدلةُ غيرهِمْ، وهم القائلونَ بأنَّ الأمرَ بالغُسْلِ للتعبدِ لا للنجاسةِ، [لأنه] (٢) لو كانَ للنجاسةِ لاكتفى بما دونَ السبعِ إذْ نجاستُهُ لا تزيدُ على العَذِرَةِ، وأجيبَ عنهُ بأنَّ أصلَ الحكم، وهو الأمرُ بالغسل معقولُ المعنى، ممكنُ التعليلِ أي بأنهُ للنجاسةِ، والأصلُ في الأحكامِ التعليلُ فيحملُ على [الأعم] (٣) الأغلب، والتعبدُ إنما هو في العددِ فقط، كذا في الشرحِ وهو مأخوذٌ منْ "شرحِ العمدةِ". وقد حققنا في حواشيهِ خلافَ ما قرَّرهُ من أغلبيةِ تعليلِ الأحكامِ، وطوَّلنا هنالكَ الكلامَ. (الحكم الثاني): أنَّهُ دلَّ الحديثُ على وجوبِ سبعٍ غَسَلاتٍ للإناءِ وهو واضحٌ، ومن قالَ: لا تجبُ السبعُ بل ولوغُ الكلب كغيرِه من النجاساتِ والتسبيعُ ندبٌ، اسْتَدَلَّ على ذلكَ بأنَّ راوي الحديثِ وهو أَبو هريرةَ قالَ: يُغْسَلُ من ولوغِهِ ثلاثَ مراتٍ كما أخرجهُ [عنه] (٤) الطحاوي (٥)، والدارقطني (٦)، وأجيب عن هذا

стр. 131

بأنَّ العملَ بما رواهُ عن النبي ﷺ لا بما رآهُ وأفتى بهِ، وبأنهُ معارَضٌ بما رُوي عنه، [وأيضًا] (١) أنَّه أفتى بالغُسلِ سبعًا، وهي أرجحُ سندًا. وترجَّحَ أيضًا بأنها توافقُ الروايةَ المرفوعةَ. [ومما] (٢) رُوي عنهُ ﷺ أنهُ قالَ في الكلبِ يَلَغُ في الإناء: "يُغْسَلُ ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا" (٣)، قالوا: فالحديثُ دلَّ على عدمِ تعيينِ السبع، وأنهُ مخيرٌ ولا تخييرَ في مُعَيَّنٍ. وأجيبَ عنهُ بأنهُ حديثٌ ضعيفٌ (٤) لا تقومُ بهِ حجةٌ. (الحكمُ الثالثُ): وجوب التتريبِ للإناءِ لثبوتهِ فِي الحديثِ، ثم الحديثُ يدلُّ على تَعَيُّنِ التراب، وأنهُ في الغَسلةِ الأولى. ومَنْ أوجبهُ قالَ: لا فرقَ بينَ أَنْ يُخلَطَ الماءُ بالترَابِ حتى يتكدَّرَ، أو يُطْرَحَ الماءُ على الترابِ، أو [يُطْرَحَ] (٥) الترابُ على الماءِ، وبعضُ منْ قالَ بإيجابِ التسبيعِ قالَ: لا تجبُ غُسْلةُ الترابِ لعدمِ ثبوتها عندَهُ. ورُدَّ بأنها قد ثبتتْ فِي الروايةِ الصحيحةِ بلا [ريبٍ] (٦)، والزيادَةُ مِنَ الثقةِ مقبولةٌ. وأَوردَ على روايةٍ الترابِ بأنها قد اضطربتْ فيها الروايةُ فروي: أُولَاهُنَّ، أو أُخْرَاهُنَّ، أو إِحْدَاهُنَّ، أو السابعةُ أو الثامنةُ، والاضطرابُ قادحٌ فيجبُ الاطِّراحُ لها. وأجيبَ عنهُ بأنهُ لا يكونُ الاضطرابُ قادحًا إلا معَ استواءِ الرواياتِ وليسَ ذلكَ هنا كذلكَ، فإنَّ روايةَ أُولاهُنَّ أرجحُ لكثرةِ رواتها، وبإخراجِ [أحد] (٧) الشيخين (٨) لها، وذلك من وجوه الترجيحِ عندَ التعارض.

стр. 132

وألفاظ الرواياتِ التي عورضَتْ بها أولاهُنَّ لا تقاومُها. وبيانُ ذلكَ أن روايةَ أُخْرَاهُنَّ مُتَفَرِّدَةٌ لا توجدُ في شيءٍ مِنْ كتبِ الحديثِ مسندة (١)، وروايةُ السابعة بالتراب (٢) اختُلِفَ فيها فلا تقاوِمُ روايةَ أولاهُنَّ بالتراب، وروايةُ إحداهُنَّ بالحاءِ والدالِ المهملتينِ ليستْ في الأمهاتِ، [بل رواها] (٣) البزارُ (٤)، فعلى صحتها فهيَ مطلقةٌ يجبُ حَمْلُها على المقيدةِ، وروأيةُ أولاهُنَّ أو أخراهُنَّ بالتخييرِ إنْ كانَ ذلكَ مِنَ الراوي فهو شكٌّ منهُ فيرجَعُ إلى الترجيحِ، وروايةُ أولاهُنَّ أرجحُ وإنْ كانَ مِنْ كلامِهِ ﷺ فهوَ تخييرٌ منهُ ﷺ ، ويرجِعُ إلى ترجيح أولاهُنَّ لثبوتِها فقط عندَ أحد الشيخينِ (٥) كما عرفْتَ. وقولهُ: "إناءِ أحدِكم" الإضافةُ ملغاةٌ هنا؛ لأنَّ حُكمَ الطهارةِ والنجَاسَةِ [هنا] (٦) لا يتوقفُ على ملْكِهِ الإناءَ. وكذا قولُه: "فليغْسِلْهُ" لا يتوقفُ على أَنْ يكونَ مالكَ الإناءِ هُو الغاسِلُ، وقولهُ: وفي لفظٍ: "فَلْيُرِقْهُ" هي مِنْ ألْفاظِ رواية مسلمٍ (٧)، وهي أمرٌ بإراقَةِ الماءِ الذي وَلَغَ فيهِ الكلبُ، أو الطعام؛ وهي مِنْ أقوى الأدِلَّةِ على النجاسةِ؛ إذْ المراقُ أعمُّ من أن يكونَ ماءَ أو طعامًا، ولو كانَ طاهرًا لم يأمرْ بماراقتهِ كما عرفْتَ؛ إلا أنه نَقَلَ المصنفُ في "فتح الباري" (٨): عدمَ صحةِ هذهِ اللفظةِ عَنِ الحفاظ. وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: لم ينقلْها أحدٌ مِنَ الحفاظِ منْ

стр. 133

أصحابِ الأعمشِ. وقال ابنُ مَنْدَه: لا تُعرفُ عن النبيِّ ﷺ بوجهٍ مِنَ الوجوهِ. نعمْ أَهْمَلَ المصنفُ ذِكْرَ الغَسْلَةِ الثامِنَةِ، وقدْ ثبتَ عِندَ مسلمٍ (١): "وعفِّروهُ الثامنةَ بالترابِ". قال ابنُ دقيق العيد: إنَّهُ قال بها الحسنُ البصري ولم يقُلْ بها غيرُهُ، ولعلَّ المرادَ بذلك مِنَ المتقدمينَ. والحديثُ قويٌّ فيها، ومَنْ لم يقُلْ بهِ احتاجَ إلى تأويلهِ بوجهٍ فيهِ استكراهٌ. اهـ. قلتُ: والوجهُ [أي المستكرَهُ] (٢) في تأويلهِ ذكرَهُ النوويُّ (٣) فقالَ: المرادُ اغْسِلُوهُ سبعًا واحدةً منهنَّ بالترابِ معَ الماءِ، فكأن الترابَ قائمٌ مقامَ غَسْلَةٍ، فسُميت ثامنَةً، [قلت] (٤): ومثلَهُ قال الدَّميرِي في "شرحِ المنهاجِ"، وزادَ أنهُ أطلقَ الغُسْلَ على التعفيرِ مجازًا. قلتُ: ولا يخفى أن طيَّ المصنفِ لذكرها وتأويلِ مَنْ ذكر بإخراجها إلى المجازِ كلُّ ذلكَ محاماةٌ على المذهبِ، والحقُّ مع الحسنِ البصريِّ، وأمَّا الأمر بقتلِ الكلابِ ثم النهي عنهُ وذكر ما يباحُ اتخاذهُ منها فيأتي الكلامُ عليهِ في بابِ الصيد، [إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى] (٥). طهارة الهرة وسؤرها ٩/ ٩ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ - فِي الْهِرَّةِ -: "إِنَّهَا لَيسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيكُمْ". [صحيح] أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (٦)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ (٧).

стр. 134

ترجمة أبي قتادة (وَعَنْ أَبِي قَتَادَة) (١) بفتح القاف، فمثناة فوقية، بعد الألف دال مهملة، اسمه في أكثر الأقوال: الحارثُ بن رِبْعيّ بكسر الراء، فموحَدة ساكنة، فمهملة مكسورة، ومثناة تحتية مشدَّدة، الأنصاريُّ، فارسُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، شَهِدَ أُحدًا وما بعدَها، [وكانتْ] (٢) وفاتهُ سنةَ أربعٍ وخمسينَ بالمدينةِ، وقيلَ: ماتَ بالكوفةِ في خلافةِ عليٍّ ﵁، وشَهِدَ معهُ حروبَهُ كُلَّها. (أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ في الهِرَّةِ). سبب الحديث والحديثُ لهُ سببٌ وهو أن أبا قَتَادَةَ سُكِبَ لهُ وَضُوءٌ، فجاءَتْ هِرَّةٌ تشربُ منهُ فأَصغى لها الإناءَ حتى شربَتْ، فقيلَ لهُ في ذلكَ فقالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : (إنَّها لَيْسَتْ بِنَجَسٍ)، أي فلا ينجَسُ [ما لامستْهُ] (٣) (إنَّمَا هِيَ مِنَ الطوَّافينَ) جمع طوَّافٍ (عَلَيْكُمْ)، قالَ ابنُ الأثير (٤): (الطائفُ الخادمُ الذي يَخْدُمُكَ برفقٍ وعنَايةٍ، والطَّوَّاف فَعَّال منه، شَبَّهها بالخَادِمِ الذي يَطُوفُ على مَولاة ويدورُ حوله [أخْذًا مِنْ قولِهِ] (٥) تعالى [بعدهنَّ] (٦) ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ (٧)، يعني الخدم والمماليك. وفي رواية مالك (٨)، وأحمد (٩)، وابن حِبان (١٠)، والحاكم (١١)، وغيرهم (١٢) زيادة لفظ: "والطَّوّافات"، جمع الأول جَمْعَ مذكرٍ سالمٍ نظرًا إلى ذكور الهِرِّ، والثاني جَمْعَ مؤنثٍ سالمٍ نظرًا إلى إناثها.

стр. 135

فإنْ قلتَ: قد فاتَ في جمعِ المذكرِ السالم شرطُ كونِهِ يعقلُ، وهو شرطٌ لِجَمْعِهِ عَلَمًا وصفَةً. قُلْتُ: لما [نزل] (١) منزلة من يعقل [بوصفه] (٢) بصفته وهو الخادم [أجراهُ] (٣) مُجراهُ في جَمْعِهِ صفة. وفي التعليل إشارةٌ إلى أنهُ تعالى لما جعلها بمنزلةِ الخادمِ في كثرةِ اتصالها بأهل المنزِلِ وملابستِها لهم، ولما فِي منزلهم، خفَّفَ تعالى على عبادِهِ بجعلها غيرَ نَجَسٍ رفعًا للحرج. (أخرجَهُ الأربعَةُ وصحَّحَهُ الترمذيُّ، وابنُ خُزَيْمَةَ)، وصحَّحَهُ أيضًا البخاريُّ، والعقيليُّ، والدارقطني (٤). والحديث دليل على طهارة الهرة وسؤرها، وإنْ باشرتْ نَجَسًا، وأنه لا تقييدَ لطهارةِ فمها بزمانٍ. وقيل: لا يطهُرُ فمها إلا بمضي زمان من ليلةٍ، أو يومٍ، أو ساقَي، أو شرِبها الماءَ، أو غيبتها حتى يحصُلَ ظنٌّ بذلكَ، أو بزوالِ عينِ النجاسةِ مِنْ فمِها، وهذا الأخيرُ أوضحُ الأقوال [لأنه] (٥) معَ بقاءِ عينِ النجاسَةِ في فمِها فالحكم بالنجاسةِ لتلك العين لا لفمها، فإنْ زالتِ العين فقد حكم الشارع بأنها ليست بنَجَس. نجاسة بول الإنسان ١٠/ ١٠ - وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ

стр. 136

الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنهَاهُمُ النَّبيُّ ﷺ ، فَلَمَّا قضى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] ترجمة أنس بن مالك (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) (٢) هو أبو حَمزةَ بالحاء المهملة فزاي، أنصاري نجاري خزرجي، خادم رسولِ اللَّهِ ﷺ منذُ قَدِمَ المدينةَ إلى وفاتِهِ ﷺ . وقَدِمَ ﷺ المدينة [وهوَ ابنُ عَشْرِ سنينَ أو ثمانٍ أو تسعٍ] (٣)، أقوالٌ. سَكَنَ البَصْرَةَ مِنْ خَلافَةِ عُمَرَ لِيفقِّهَ النَّاسَ، وطالَ عمرهُ إلى مائةٍ وثلاثِ سنينَ، وقيلَ: أقلُّ مِنْ ذلكَ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: أصحُّ ما قيلَ: تسعٌ وتسعونَ سنةً. وهوَ آخِرُ مَنْ ماتَ بالبصرَةِ مِنَ الصحابةِ سنةَ إحدى أو اثنتينِ أو ثلاثٍ وتسعينَ. (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابيُّ) بفتح الهمزة نسبة إلى الأعراب، وهم سكان البادية، سواء أكانوا عربًا أو عجمًا، وقد ورد تسميته أنه ذو الخويصرة اليماني، وكان رجلًا جافيًا (فَبَالَ في طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ) ناحيته، والطائفة القِطْعَة من الشيء، (فَزَجَرَهُ النَّاسُ) بالزاي فجيم فراء، أي نهروهُ، وفي لفظٍ: (فقامَ إليهِ النَّاسُ ليقعوا به)، وفِي أخرى: (فقالَ أصحابُ رسول الله ﷺ : مَهْ، مَهْ)، (فنهاهم رسولُ الله ﷺ ) بقولِه لهم: "دعوهُ"، وفي لفظٍ: "لا تُزْرِمُوهُ" (٤)، (فلما قضي بَوْلَهُ أمرَ النبيِّ ﷺ

стр. 137

بِذَنُوبٍ) بفتح الذال المعجمة فنونٍ آخرهُ موحَّدَةٍ، وهيَ الدَّلْوُ الملآنُ ماءً، وقيلَ: العظيَمة (١)، (مِنْ ماءٍ) تأكيدٌ، وإلا فقدْ أفادَهُ لفظُ الذَّنوبِ فهوَ مِنْ بابِ كتبتُ بيدي، وفي روايةٍ (سَجْلًا) بفتح السينِ المهملة، وسكون الجيم، وهو بمعنى الذَّنوب (٢)، (فأهريقَ عليهِ) أصلُهُ فأريقَ عليه ثم أبدلتِ الهاءُ مِنَ الهمزَةِ فصارَ [فهُريقُ] (٣) عليهِ وهو روايةٌ، ثم زيدتْ همزةٌ أخرى بعدَ إبدالِ الأولى فقيلَ: فأهريقَ، (متفقٌ عليه) عندَ الشيخينِ كما عرفْتَ. أحكام فقهية من الحديث والحديثُ فيهِ دلالةٌ على نجاسةِ بولِ الآدمي وهو إجماعٌ، وعلى أن الأرضَ إذا تنجَّسَتْ طَهُرَتْ بالماءِ كسائرِ المتنجساتِ، وهلْ يجزئُ في طهارِتها غيرُ الماءِ؟ قيلَ: تطهرُها الشمسُ والريحُ، فإن تأثيرَهُما في إزالةِ النجاسةِ أعظمُ إزالةً مَن الماء، ولحديثِ: "ذكاةُ الأرضِ يُبْسُها"، ذكره ابن أبي شيبة (٤)، وأجيبَ بأنَّهُ ذكرهُ موقوفًا، وليسَ من كلامهِ ﷺ ، كما ذكرَ عبدُ الرزاقِ (٥) حديثَ أبي قِلابةَ

стр. 138

موقوفًا عليهِ بلفظ: "جفوفُ الأرضِ طهورُها"، فلا تقومُ بهما حجةٌ. والحديثُ ظاهرٌ في أن صبَّ الماءِ يُطَهِّرُ الأرضَ رِخْوَةً كانتْ أو صُلْبَةً، وقيلَ: لا بدَّ من غسلِ الصُّلْبَةِ كغيرها مِنَ المتنجساتِ، وأرضُ مسجدهِ ﷺ كانتْ رِخْوَةً فكفى فيها الصبُّ. [وكذلكَ الحديثُ ظاهرٌ] (١) في أنها لا تتوقفُ الطهارةُ على نضوبِ الماءِ، لأنهُ ﷺ لم يشترط في الصَّبِّ على بولِ الأعرابي شيئًا، وهو الذي اختارَهُ المهدي في "البحر" (٢)؛ وفِي أنهُ لا يشترطُ حَفْرُها وإلقَاءُ الترابِ. وقال أبو حنيفة: إذا كانتْ صُلْبَةً فلا بدَّ من حَفْرِها وإلقاءِ الترابِ؛ لأنَّ الماءَ لم يعمَّ أعلاها وأسفَلَها، ولأنهُ وردَ في بعضِ طرقِ [هذا] (٣) الحديثِ أنهُ قالَ ﷺ : "خذوا ما بالَ عليهِ مِنَ الترابِ فألقوهُ، وأَهْريقوا على مكانهِ ماءً".

стр. 139

قالَ المصنفُ في "التلخيص" (١): له إسنادانِ موصولانِ، (أحدُهما): عن ابن مسعودٍ (٢)، (والآخرُ): عن وَاثِلَةَ بن الأسقَع (٣)، وفيهما مقالٌ. ولو ثبَتتْ هذهِ الزيادة لبطلَ قولُ منْ قالَ: إنَّ أرضَ مسجدِه ﷺ رِخْوَةٌ، فإنهُ يقولُ: لا يحفرُ ويلقى الترابُ إلا مِنَ الأرضِ الصُّلْبَةِ. فوائد من الحديث وفي الحديثِ فوائدُ، (منها): احترامُ المساجدِ؛ فإنهُ ﷺ لما فَرَغَ الأعرابيُّ من بولِهِ دعاه ثم قالَ لهُ: "إنَّ هذه المساجدَ لا تصلحُ لشيءٍ مِنْ هذا البولِ، ولا القذرِ، إنما هيَ لذكرِ اللَّهِ وقراءةِ القرآنِ"، [ولأنَّ الصحابة تبادروا إلى الإنكارِ عليه وأقرَّهم ﷺ ] (٤)، وإنما أمرَهُم بالرفقِ كما في روايةٍ الجماعةِ للحديث

стр. 140

هذا إلا مسلمًا (١) أنَّهُ قال لهم: "إنما بعثتم ميسِّرينَ ولم تبعثوا معسِّرينَ"، ولو كانَ الإنكارُ غيرَ جائزٍ لقالَ لهم: إنهُ لم يأتِ الأعرابيُّ ما يوجبُ نهيَكُم لَهُ. (ومنها): الرفقُ بالجاهلِ وعدمُ التعنيفِ، (ومنها): حُسْنُ خُلُقِهِ ﷺ ولطفُهُ في التعليم، (ومنها): أن الإبعادَ عندَ قضاءِ الحاجةِ إنما هي لِمَنْ يريدُ الغائطَ لا البولَ؛ فإنهُ كانَ عُرْفُ العربِ عدمَ ذلكَ وأقرَّهُ الشارعُ. وقد بالَ ﷺ وجعلَ رجلًا عند عَقِبِهِ يسترهُ، (ومنها): دفعُ أعظمِ المضرَّتينِ بأخفِّهما؛ لأنهُ لو قطعَ عليه بولَهُ لأضرَّ به وكانَ يحصلُ مِنْ تقويمهِ منْ محلهِ معَ ما قدْ حصلَ من تنجيسِ المسجدِ تنجيسُ بدنهِ وثيابِهِ ومواضع من المسجدِ غير الذي قد وقعَ فيهِ البول أولًا. ما أُحِلَّ من الميتة والدم ١١/ ١١ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فالطِّحَالُ وَالْكَبِدُ". [صحيح] أَخْرَجَهُ أحْمَدُ (٢)، وَابْن مَاجهْ (٣) وَفيهِ ضَعْفٌ (٤).

стр. 141

(وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ)، أي بعد تحريمها الذي دلَّتْ عليهِ الآياتُ، (وَدَمَانِ) كذلك؛ (فَأَمَّا الميتتانِ فَالْجَرَادُ) أي: ميتته، (وَالْحُوتُ) أي: مَيْتَتُهُ. (وَأَمَّا الدَّمَانِ فالطِّحَالُ) بزِنَةِ كِتاب، (وَالْكَبِدُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وابنُ ماجَهْ، وفيهِ ضَعْفٌ)؛ لأنَّهُ رواهُ عبدُ الرحمن بنُ زيدِ بن أسلَمَ (١) عن أبيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ أَحْمَدُ: حديثُهُ منكَرٌ، وصحَّ أَنَّهُ موقوفٌ كما قالَ أبو زرعةَ وأبو حاتمٍ (٢)؛ فإذا ثَبَتَ أَنَّهُ موقوفٌ فلهُ حكمُ المرفوعِ لأنَّ قولَ الصحابيِّ: أُحِلَّ لنَا كذا، وحُرِّمَ علينَا كذا، مثلُ قولِهِ: أُمِرْنا، ونُهينا، فيتمُّ بهِ الاحتجاجُ. ويدلُّ على حِلِّ مَيْتَةِ الجرادِ على أي حالٍ [وُجدَتْ] (٣)، فلا يعتبرُ في الجرادِ شيءٌ سواءٌ ماتَ حتفَ أنفِهِ أوْ بسببٍ. والحديثُ حجةٌ على منِ اشترطَ موتَها بسببٍ آدمي، أو بقطعِ رأسِها، وإَلَّا حَرُمَتْ. وكذلكَ يدلُّ على حِلِّ مَيْتَةِ الحوتِ على أي صفةِ وجدَ - طافيًا كانَ أو غيرَهُ - لهذا الحديثِ، وحديثُ: "الحِلُّ مَيْتَتُه" (٤). وقيلَ: لا يحلُّ منهُ إلَّا ما كانَ موتُهُ بسببٍ آدميٍّ، أو جَزْرِ الماءِ، أو قذفِهِ، أو نضوبِهِ، ولا يحلُّ الطافي لحديثِ: "ما ألقاهُ البحرُ أو جَزَرَ عنهُ فكلوا، ومَا مَاتَ فيهِ [فَطَفَا فَلَا تأكلُوه"] (٥). أخرَجَهُ أحمدُ (٦)، وأبو داودَ (٧) من حديثِ جابرٍ، وهو خاصٌّ فيُخَصُّ بهِ عمومَ الحديثين. وأُجيبَ عنهُ: بأنهُ حديثٌ ضعيفٌ باتفاقِ أئمةِ الحديثِ.

стр. 142

قالَ النوويُّ (١): "حديثُ جابرٍ هذا ضعيف باتفاق أئمة الحديث لا يجوزُ الاحتجاجُ بهِ لو لم يعارِضْهُ شيءٌ، كيفَ وهو معارَضٌ " اهـ. فلا يخصُّ بهِ العامَّ، ولأنه ﷺ أكلَ مِنَ العَنْبَرةِ التي قذفَها البحرُ لأصحابِ السُّرِيّةِ، ولم يسأَلْ بأيِّ سببٍ كانَ موتُها كما هُو معروفٌ في كتب الحديث (٢) والسِّيَرِ. والكَبِدُ حلالٌ بالإجماعِ، وكذلكَ مثلُها الطِّحالُ فإنهُ حلالٌ، إلا أن في البحرِ: أنه [يكرهُ لحديثِ عليٍّ ﵁: (إنهُ لقْمَةُ الشيطانِ)، أي: إنهُ يُسرُّ بأكلهِ، إلا أنهُ حديثٌ لا يُعرفُ مَنْ أخرجَهُ] " (٣). وقوع الذباب في الشراب ١٢/ ١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رَسُولُ الله ﷺ : "إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لْيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَد جَنَاحَيهِ دَاءَ، وَفِي الآخَرِ شِفَاء". [صحيح] أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٤) وَأَبُو دَاوُدَ (٥)، وَزَادَ: "وَإِنَّهُ يَتقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ". (وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرَابِ أَحَدِكُم)، وهو كما أسلفناهُ مِنْ أن الإضافَةَ ملغاةٌ كما في قولهِ: "إذا وَلَغَ الكلبُ في إِناءِ

стр. 143

أحدِكُم" (١) وفي لفظٍ: "في طعامِ"، (فَلْيَغْمِسْهُ)، زادَ في روايةٍ البخاريِّ: "كُلَّهُ"، وفي لفظِ أبي داودَ: "فَامْقُلوهُ"، وفي لفظِ ابن السكَنِ: "فَلْيَمْقُلْهُ"، (ثم لْيَنْزِعْهُ)، فيهِ أَنَّهُ يمهَلُ في نزعِهِ بعدَ غمسِهِ؛ (فَإِن في أَحَد جَنَاحَيْهِ دَاءَ وَفِي الآخَرِ شِفَاءً)، هذا تعليلٌ للأمرِ بغَمْسِهِ. ولفظُ البخاريِّ: "ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ فإنَّ في أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وفي الآخَرِ داءً"، وفي لفظٍ: "سُمًّا"، (أخرجَه البخاريُّ وأبو داود وزادَ: وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداءُ)، وعند أحمد (٢) وابن ماجه (٣): إنهُ يقدِّمُ السُّمَّ، ويؤخِّرُ الشِّفاءَ". والحديثُ دليلٌ ظاهرٌ على جواز قتلِهِ دفعًا لضرِرِه، وأَنَّهُ يُطْرَحُ ولا يُؤكَلُ، وأنَّ الذُبابَ إذا ماتَ في مائع فإِنَّه لا ينجِّسُهُ، لأنهُ ﷺ أمرَ بغمسِهِ، ومعلومٌ أَنَّهُ يموتُ من ذلكَ، ولا سيما إذا كانَ الطعامُ حارًا، فلوْ كانَ ينجِّسُهُ لكانَ أمرًا بإفسادِ الطعامِ وهوَ ﷺ إنما أمرَ بإصلاحِهِ، ثمَّ عدَّى [هذا الحكمَ] (٤) إلى كلِّ ما لا نفسَ لهُ سائلةٌ؛ كالنَّحلةِ، والزُّنْبُورِ (٥)، والعنكبوتِ، وأشباه ذلكَ؛ إذِ الحكمُ يعمُّ بعمومِ علتِهِ، وينتفي بانتفاءِ سببِهِ، فلما كانَ سببَ التنجيس هوَ الدَّمُ [المحتقِنُ] (٦) في

стр. 144

الحيوانِ بموتِه، وكانَ ذلكَ مفقودًا فيما لا دَمَ لهُ سائلٌ انتفى الحكمُ بالتنجيسِ لانتفاءِ علَّتِهِ. والأمرُ بغمسِهِ لِيخرُجَ الشفاءُ منهُ كما خرجَ الداءُ منهُ، وقد عُلِمَ أنَّ في الذبابِ قوةَ سُمِّيَّةَ كما يدلُّ [عليها] (١) الورَمُ والحِكَّةُ الحَاصِلَةُ من لسْعِهِ، وهي بمنزلةِ السلاحِ، فإِذَا وقَعَ فيما يؤذيهِ اتقاهُ بسلاحِهِ كما قالَ ﷺ : "فإنَّهُ يتقي بجناحِهِ الذي فيهِ الداءُ"؛ فأمرَ ﷺ أَنْ تُقابَلَ تلكَ السُّمِّيَّةُ بما أودَعَهُ اللَّهُ فيهِ مِنَ الشفاءِ في جناحِهِ الآخَرِ بغمسِهِ كلِّهِ، فتقابلُ المادةُ السُّمِّيَّةُ المادَّةَ النافِعَةَ فيزولُ ضرَرُها. وقد ذَكرَ غيرُ واحدٍ مِنَ الأطباءِ أَن لسعَةَ العقرَبِ والزُّنْبُورِ إذا دلكَ موضِعَها بالذُّبابِ [نفعَ] (٢) منهُ نَفْعًا بيِّنًا، [وَيُسَكِّنُهَا] (٣)، وما ذلكَ إلَّا للمادَّةِ التي فيهِ من الشفاءِ. ما قطع من البهيمة وهي حيَّة فهو ميت ١٣/ ١٣ - وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ الليْثي ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : "مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ - وَهِيَ حَيَّةٌ - فَهُوَ مَيِّتٌ". [حسن] أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٤)، وَالترْمِذِي (٥)، وَحَسَّنَهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ. ترجمة أبي واقد الليثي (وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ) (٦) بقاف مكسورة، ودال مهملة، اسمهُ الحارِثُ بنُ عوفٍ من أقوالٍ.

стр. 145

قيل: إنهُ شهدَ بدرًا، وقيل: إنهُ مِنْ مُسْلِمَةِ الفتْحِ، والأولُ أصحُّ، ماتَ سنةَ ثمانٍ أو خَمْسٍ وستينَ بِمَكَّةَ. (اللْيثِي) بمثناة تحتية فمثلثة نسبة إلى الليث؛ لأنه مِنْ بني عَامِر [من] (١) ليثٍ. (قالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ما قُطِعَ مِنَ البهيمَةِ) في "القاموس" (٢): البهيمةُ كلُّ ذاتِ أربعِ قوائِم ولَوْ في الماءِ، وكلُّ حيٍّ لا يميزُ، والبهيمةُ أولادُ الضأْنِ والمعْزِ، ولعلَّ المرادَ هنا الأخيرُ أو الأولُ لما يأتي بيانُهُ، (وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ) أي المقطوعُ (مَيِّتٌ. أخرجه أبو داودَ والترمذِيُّ [وحسنَهُ واللفظُ لَه]) (٣)، أي قالَ: إنهُ حَسَنٌ، وقد عُرِّفَ معنى الحسَنِ من تعريفِ الصحيح فيما سلفَ، (واللفظُ له) أي للترمذيِّ. والحديثُ قد رُوي من أربَعِ طرقٍ عنْ أربعةٍ منَ الصحابةِ: عن أبي سعيدٍ (٤)، وأبي واقد (٥)، وابنِ عمرَ (٦)، وتميمٍ الداريِّ (٧). وحديثِ أبي واقدٍ هذا رواه أيضًا أحمد (٨) والحاكم (٩) بلفظِ: "قَدِمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ المدينةَ وبها ناسٌ يعمدونَ إلى

стр. 146

أَلْيَاتِ الغنمِ وأَسْنِمَةِ الإبِلِ فَقَالَ: "ما قُطِعَ مِنَ البهيمةَ وهي حيَّةٌ فهو مَيِّتٌ". والحديثُ دليل على أن ما قُطِعَ مِنَ البهيمَةِ وهي حَيَّةٌ فهو مَيِّتٌ محرَّم، وسببُ الحديثِ دالٌّ [على] (١) أنهُ أريدَ بالبهيمةِ ذاتُ الأربَعِ وهوَ المعنى الأولُ لذكرِهِ الإبلَ فيهِ، لا المعنى [الأخير] (٢) الذي ذكرهُ "القاموسُ"، لكنهُ مخصوصٌ بما أُبينَ مِنَ السَّمَكِ ولو كانتْ ذاتَ أربعِ، أو يرادُ بهِ المعنى الأوسَطُ؛ وهوَ كُلُّ حيٍّ لا يميزُ، فيخصُّ منهُ الجرادَ والسمكَ، وما أُبينَ مما لا دَمَ لَهُ. وقد أفادَ قولُهُ: "فهو ميِّتٌ"، أنهُ لا بدَّ أن يحلَّ المقطوع الحياة، لأن الميتَ هو ما منْ شأنهِ أَنْ يكونَ حيًّا. * * *

стр. 147

[الباب الثاني] باب الآنية الآنيةُ: جمعُ إناء وهو معروفٌ. وإنما بُوِّبَ لها لأنَّ الشارعَ قد نهى عن بعضِها فَقَدْ تعلَّقتْ بها أحكامٌ. تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة ١/ ١٤ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَان ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَشْرَبُوا فِي آنيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلا تَأكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ". [صحيح] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ترجمة حذيفة بن اليمان (عَنْ حُذَيْفَةَ) (٢) أي أروي أو أذكُرُ [عن حذيفة] (٣) كما سلفَ. وحُذَيْفَةُ بضم

стр. 148

الحاء المهملة، فذال معجمة، فمثناة تحتية ساكنة ففاء، هو أبو عبدِ اللَّهِ حُذَيْفَةُ (ابْنُ اليَمَانِ) بفتح المثناة التحتية، وتخفيف الميم آخره نون. وحُذيفةُ وأبوهُ صحابيانِ جليلانِ، شَهِدا أُحُدًا. وحُذيفةُ صاحبُ سِرّ رسولِ الله ﷺ ، روى عنه جماعةٌ من الصحابةِ والتابعينَ، وماتَ بالمدائنِ سنةَ خمسٍ أو ستٍّ وثلاثينَ بعدَ قتلِ عثمانَ بأربعينَ ليلةً. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لا تَشْرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَةِ، وَلَا تَأْكلُوا في صِحَافِهِمَا) جَمْعُ صَحْفَةٍ، قال [الكشافُ و] (١) الكسائي (٢): الصَّحْفَةُ تُشْبعُ الخمسَةَ؛ (فَإنَّهَا) أيْ آنِيَةُ الذَّهَب والفضَّةِ وصِحَافُهُما (لهُمْ)، أي: للمشركينَ وإِنْ لم يُذْكَرُوا فهمْ معلومونَ (في الدُّنْيَا) إِخْبَارٌ عمَّا هُمْ عليه، لا إخبارٌ بحِلِّها لَهُمْ، (ولكُمْ فِي الآخِرَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) بَيْنَ الشيخينِ. أحكام فقهية من الحديث الحديثُ دليلٌ على تحريم الأكْلِ والشُّربِ في آنيةِ الذهَبِ والفِضَّةِ، وصِحَافِهِمَا، سواءٌ كان الإناءُ خالصًا ذهبًا، أو مخلوطًا بالفضةِ؛ إذ هو مما يشمَلُهُ أنه إِناءُ ذهبٍ وفِضَّةٍ، قالَ النوويُّ (٣): إنَّهُ انعقدَ الإجماعُ على تحريمِ الأكلِ والشربِ فيهما. واختُلِفَ في العلةِ فقيلَ: للخُيلاء، وقيل: بل لكونه ذهبًا وفضةً. [واختلفوا في الإناء] (٤) المطليِّ بهما هل يُلْحَقُ بِهما في التحريم؟ فقيل: إنْ كانَ يمكنُ فصلُهُما حَرُمَ إجماعًا؛ لأنَّهُ مستعملٌ للذهبِ والفضَّةِ، وإِنْ كانَ لا يُمكنُ فصلُهُما لم يَحْرُم، [والأقرب أنه إذا أطلق عليه أنه إناء ذهب أو فضة، وسمِّي به، شمله لفظ الحديث، وإلا فلا، والعبرة بتسميته في عصر النبوة، فإن جُهِلَت فالأصل الحِلُّ، وأما الإناء المضبَّب بهما فإنه يجوز الأكل والشرب فيه إجماعًا، وهذا في الأكل والشرب فيما ذكر لا خلاف فيه (٥).

стр. 149

وأما غير الأكل والشرب من سائر الاستعمالات فهل يحرم؟ فإن] (١) النصَّ لم يردْ إلا في الأكلِ والشربِ، وقيلَ: يحرمُ أيضًا سائرُ الاستعمالاتِ إجماعًا، ونازعَ بعضُ المتأخرينَ وقالَ: النصُّ وردَ في الأكلِ والشربِ لا غير، وإلحاقُ سائرِ الاستعمالات بهما قياسًا لا تتمُّ فيه شرائطُ القياسِ. والحقُّ ما ذهب إليهِ القائلُ بعدمِ تحريمِ غير الأكلِ والشربِ فيهما؛ إذْ هو الثابتُ بالنصِّ، ودعوى الإجماعِ غيرُ صحيحةٍ. وهذا من شُؤْم تبديلِ اللفظِ النبويِّ بغيرِه؛ فإنَّهُ وردَ بتحريمِ الأكلِ والشربِ فقط، فعدلوا عن عبارتهِ إلى الاستعمال، وهجروا العبارَةَ النبويةَ، وجاءوا بلفظٍ عامٍّ من تلقاء أنفسهم، ولها نظائرُ في عباراتِهم، وكأنه ذكَرَ المصنفُ هذا الحديثَ هنا لإفادةِ تحريمِ الوضوء في آنيةِ الذهبِ والفضةِ، لأنهُ استعمالٌ لهما على مذهبهِ في تحريمِ ذلكَ، وإلا فبابُ هذا الحديثِ بابُ الأطعمةِ والأشربةِ. ثم هلْ يلحقُ بالذهبِ والفضَّةِ نفائسُ الأحجارِ كالياقوتِ والجواهرِ؟ فيه خلافٌ، والأظهرُ عدمُ إلحاقهِ وجوازُهُ على أَصْلِ الإباحةِ لعدمِ الدليلِ الناقلِ عنها. ٢/ ١٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : "الَّذِي يَشْرَبُ في إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْه (٢). [صحيح] ترجمة أم سلمة (وَعَنْ أمِّ سلمةَ) (٣) هي أمُّ المؤمنينَ زوجُ النبيّ ﷺ ، اسمها هندُ بنتُ

стр. 150

أبي أميةَ، كانتْ تحتَ أبي سلمةَ بن عبدِ الأسدِ، هاجرت إلى أرضِ الحبشةِ مع زوجِها، وتوفيَ عنها في المدينةِ بعد عَودَتِهِما منِ الحبشةِ، وتزوَّجَها النبيُّ ﷺ في المدينةِ سنةَ أربعٍ منِ الهجرةِ، وتوفيتْ سنةَ تسعٍ وخمسينَ، وقيلَ: [سنة] (١) اثنتينِ وستينَ، ودفنتْ بالبقيعِ وعمرُها أربعٌ وثمانونَ سنةً. (قالت: قال رسول الله ﷺ : الذي يشربُ في إناءِ الفضَّةِ) هكذا عندَ الشيخينِ، وانفردَ مسلمٌ في روايةٍ أخرى بقوله: "في إناء الفضة والذهبِ"، (إنما يُجَرْجِرُ) بضم المثناة التحتية، وجيم، فراء وجيم مكسورة. والجَرْجَرَةُ صوتُ وقوعِ الماءِ في الجوفِ (٢)، وصوتُ البعيرِ عندَ الجَرة (٣). جعلَ الشربَ والجرْعَ جَرْجَرَةً، (في بطنهِ نارَ جهنمَ. متفقٌ عليه) [بين الشيخينِ] (٤). قال الزمخشريُّ: يروى برفعِ النارِ أيْ على أنها فاعلٌ مجازًا، وإلا فنارُ جهنمَ على الحقيقةِ لا تُجَرْجِرُ في بطْنِه إنما جعلَ جَرْعَ الإنسانِ للماءِ في هذه الأوأني المنهيِّ عنها واستحقاق العقابِ على استعمالها كجَرْجَرَةِ نارِ جهنمَ في جوفهِ مجازًا، هكذا على روايةِ الرفعِ. وذِكْرُ الفعلِ [يعني] (٥) يُجَرْجِرُ وإِنْ كان فاعلهُ النارُ وهي مؤنثةٌ للفصلِ بينها وبين فعلِها؛ ولأنَّ تأنيثَها غيرُ حقيقيٍّ، والأكثرُ على نصبِ نارِ جهنمَ، وفاعلُ الجَرْجَرَةِ هو الشاربُ والنارَ مفعولُهُ، والمعنى: كأنما يَجْرَعُ نارَ جهنمَ من بابِ ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (٦). قال النوويُّ (٧): والنصبُ هوَ الصحيحُ المشهورُ الذي عليه الشارحونَ، وأهلُ الغَرِيبِ، واللغةِ، وجزم بهِ الأزهريُّ. وجهنمُ عَجَميةٌ لا تنصرفُ للتأنيثِ والعَلَميةِ؛ إذ هيَ عَلَمٌ لطبقةٍ من طبقاتِ النارِ (أعاذنا اللَّهُ منها) سُميتْ بذلكَ لبعدِ قَعْرِهَا، وقيلَ: لغلظِ أمرِها في

стр. 151

العذابِ (١). والحديثُ يدلُّ على ما دلَّ عليهِ حديثُ حذيفة الأوَّلُ. إذا دبغ الإهاب فقد طهر ٣/ ١٦ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا دُبغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ". [صحيح] أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). - وَعِنْدَ الأرْبَعَةِ (٣): "أَيُّمَا إِهَاب دُبغَ". [حسن] (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِذا دُبِغَ الإِهَابُ) بزنةِ كتابٍ [هو] (٤) الجِلْدُ، أو ما لم يُدْبَغْ كما في "القاموس" (٥)، ومثلُهُ في "النهاية" (٦)، (فقَدْ طَهُرَ) بفتح الطاء والهاء، ويجوز ضمها كما يفيدُهُ "القاموس" (٧). (أخرجه مسلم) بهذا اللفظ، (وَعِنْدَ الأَرْبَعَةِ)؛ وهم أهلُ السننِ: (أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ) تمامهُ "فَقَدْ طَهُرَ". والحديثُ أخرجَهُ الخمسةُ (٨) وإنما اختلفَ لفظُهُ، والحديث قد رُوي بألفاظٍ، وذُكِرَ لهُ سببٌ؛ وهو أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بشاةٍ ميتةٍ لميمونَةَ فقالَ: "أَلَّا اسْتَمْتَعْتُم بإِهَابِها؛ فإنَّ دباغَ الأديم [طهورٌ"] (٩).

стр. 152

وروى البخاري (١) من حديثِ سودَةَ قالتْ: "ماتَتْ لنا شاةٌ فدبَغْنا مَسْكَهَا (٢)، ثم مَا زِلْنَا نَنتبذُ فيهِ حتى صارَ شَنًّا" (٣). والحديثُ دليلٌ على أن الدِّباغَ مُطَهِّرٌ لجلدِ ميتةِ كلِّ حيوانٍ كما يفيدُهُ عمومُ كلمةِ: أَيُّمَا (٤)، وأنَّهُ يَطْهُرُ باطنُهُ وظاهر. أقوال العلماء في تطهير جلد ميتة كل حيوان بالدباغ وفي المسألة سبعةُ أقوالٍ: (الأول): يُطَهِّرُ جلدَ الميتةِ باطنهُ وظاهِرَهُ، ولا يخص منه شيئًا، عملًا بظاهر حديث ابن عباسٍ وما في معناهُ، وهذا مرويٌّ عن عليٍّ ﵇ وابنِ مسعود. (الثاني): [وهو أظهر الأقوال دليلًا] (٥) لا يُطهّرُ الدباغُ شيئًا، وهو مذهبُ جماهير الهادويةِ، ويروى عن جماعةٍ منَ الصحابةِ، مستدلينَ بحديثٍ أخرجه الشافعي (٦)، وأخرجه أحمد (٧)، والبخاري في تاريخه (٨)، والأربعة (٩)، والدارقطني (١٠)، والبيهقي (١١)، وابنُ حبانَ (١٢) عَنْ عَبدِ اللَّهِ بن عُكَيم قالَ: أتانا

стр. 153

كتابُ رسول اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ: "أن لا تنتفعوا منَ الميتةِ بإهابٍ ولا عَصَبٍ"، وفي رواية الشافعيِّ، وأحمد (١)، وأبي داودَ (٢): قَبْلَ موتِهِ بشهرٍ، وفي روايةٍ: بشهرٍ أو شهرين. قال الترمذيُّ: حسنٌ، وكانَ أحمدُ يذهبُ إليهِ ويقولُ: هذا آخرُ الأمرينِ، ثم تركَهُ. قالوا: فهذا ناسخ لحديث ابن عباسٍ لدلالتهِ على تحريمِ الانتفاعِ من الميتةِ بإهابها وعصبِها. وأجيبَ عنهُ بأجوبةٍ: الأولُ: أنَّهُ حديثٌ مضطربٌ (٣) في سندِهِ؛ فإنه رُوي تارةً عن كُتَّاب النبيِّ ﷺ ، وتارةً عن مشايخ من جُهَيْنَةَ، وتارةً عمَّنْ قرأَ كتابَ النبيِّ ﷺ . ومضطربٌ أيضًا في متنهِ؛ فرُوي مِنْ غيرِ تقييدٍ في روايةِ الأكثر، ورُوي [بالتقييدِ بشهر] (٤) أو شهرين، أو أربعينَ يومًا أو ثلاثةَ أيامٍ. ثم إنهُ مُعَلٌّ أيضًا بالإرسالِ؛ فإنهُ لم يسمعْهُ عبدُ اللَّهِ بنُ عُكَيم منهُ ﷺ ، وبالانقطاع؛ فإنه لم يسمعْهُ عبدُ الرحمنِ

стр. 154

ابنُ أبي ليلى مِنْ ابن عُكَيم، ولذلكَ تركَ أحمدُ بنُ حنبلٍ القَولَ بهِ آخرًا، وكانَ يذهبُ إليهِ أولًا كما قالَ عنه الترمذي (١). [وثانيًا: بأنهُ] (٢) لا يقوى على النسخِ؛ لأنَّ حديثَ الدِّباغِ أصحُّ؛ فإنَّهُ أخرجه مسلمٌ (٣)، وروي من طرقٍ متعددةٍ في معناهُ عدةُ أحاديثَ عن جماعةٍ مِنَ الصحابةِ؛ فعنْ ابن عباسٍ حديثان (٤)، وعن أمِّ سلمةَ ثلاثة (٥)، وعن أنسٍ حديثانِ (٦)،

стр. 155

وعن سلمةَ بن المُحَبِّق (١)، وعائشة (٢)، والمغيرة (٣)، وأبي أمامة (٤)، وابن مسعود (٥)، ولأنَّ الناسخَ لا بدَّ من تحقيقِ تأخرهِ، ولا دليلَ على تأخرِ

стр. 156

حديثِ ابن عُكَيم، وروايةُ التاريخِ فيه بِشهرٍ أو شهرين مُعَلَّةٌ؛ فلا تقومٌ بها حجَّةٌ على النسخ، على أنها لو كانتْ روايةُ التاريخ صحيحةً ما دلتّ على أنهُ آخرُ الأمرينِ جزمًا، ولا يقالُ: فإذا لم يتمَّ النسخُ تعارضَ الحديثانِ؛ حديثُ ابن عُكَيم، وحديثُ ابن عباسٍ ومن معهُ، ومعَ التعارُضِ يُرْجَعُ إلى الترجيحِ أو الوقف: لأنا نقولُ لا تعارُضَ إلا معَ الاستواءِ؛ وهو مفقودٌ كما عَرَفْتَ من صحةِ حديثِ ابن عباسٍ، وكثرةِ مَنْ معهُ مِنَ الرواةِ، وعدمُ ذلكَ في حديثِ ابن عُكَيْم. وثالثًا: بأنَّ الإهابَ كما عرفْتَ [من] (١) "القاموس" (٢) و"النهايةِ" (٣)، اسمٌ لما لم يُدْبَغْ في أحد القولينِ. وقال النضرُ بنُ شميلٍ: الإهابُ لِمَا لَمْ يُدْبَغْ، وبعدَ الدَّبغ يقالُ لَهُ: شَنٌّ وقِرْبَةٌ، وبهِ جزمَ الجوهريُّ. قيلَ: فلما احتملَ الأمرينِ، ووردَ الحديثانِ في صورةِ المتعارِضَيْنِ، جمعنا بينهما بأنهُ نُهيَ عن الانتفاع بالإهابِ ما لمْ يُدْبَغْ، فإِذَا دُبغَ لم يُسمَّ إِهابًا؛ فلا يدخلْ تحتَ النهي، وهو حَسَنٌ (٤). (الثالث): يَطْهُرُ جلدُ ميتةِ المأكولِ لا غيرُهُ، ويرده عمومُ "أيُّما إهابٍ". (الرابع): يَطْهُرُ الجميع إلا الخنزيرَ؛ فإنَّهُ لا جلدَ لَهُ، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ. (الخامسُ): يَطْهُرُ إلا الخنزيرَ، لقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٥)، والضميرُ للخنزيرِ فقد حَكَمَ بِرِجسيّتِهِ كُلِّهِ، والكلبُ مقيسٌ عليهِ بجامعِ النجاسةِ؛ وهو قولُ الشافعيِّ. (السادسُ): يَطْهُرُ الجميع لكنّ ظاهرَهُ دونَ باطنِهِ، فيستعملُ في اليابسات دون المائعاتِ، ويصلَّى عليهِ، ولا يصلَّى فيهٍ؛ وهو مرْويُّ عن مالكٍ جمعًا منهُ بينَ الأحاديثِ لما تعارَضَتْ.

стр. 157

(السابعُ): يُنْتَفَعُ بجلودِ الميتةِ وإنْ لم تُدْبَغْ، ظاهرًا وباطنًا، لما أخرجَهُ البخاريُّ (١) من روايةِ ابن عباسٍ أنَّهُ ﷺ بشاةٍ ميتةٍ فقالَ: "هلَّا انتفعتم بإهابها"، قالوا: إِنَّها ميتةٌ، قالَ: "إِنَّمَا حَرُمَ أكلُها"، وهو رأي الزهريِّ (٢). وقد أجيبَ عنهُ بأنَّهُ مُطْلَقٌ قيَّدتْهُ أحاديثُ الدباغِ التي سلفَتْ. ٤/ ١٧ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيتَةِ طُهُورُهَا". [حسن] صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). ترجمة سلمة بن المحبِّق (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ المُحبِّقِ ﵁) (٤) هو بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحَّدة المكسورة، والقاف، وسَلَمَةُ صحابيٌّ يعدُّ في البصريينَ، روى عنهُ ابنهُ سنانُ، ولسنانَ أيضًا صحبةٌ (٥). (قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : دِبَاغُ جُلُودِ المَيْتةِ طُهُورُهَا. صَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ)، أي: أخرجَهُ وصحَّحَهُ، وقد أخرجه غيره بألفاظٍ عندَ أحمدَ (٦)، وأبي داود (٧)، والنسائي (٨)، والبيهقي (٩)،

стр. 158

وابن حبان عن سلمة بلفظِ: "دِبَاغُ الأديمِ (١) ذكاته"، وفي لفظ: "دباغها ذكاتها"، وفي أخرى: "دباغها طهورها"، وفي لفظ: "ذكاتها دِباغها"، وفي لفظٍ [آخَرَ] (٢): "ذكاةُ الأديمِ دباغُهُ"، وفي الباب أحاديثُ بمعناهُ (٣). وهو يدلُّ على ما دلَّ عليهِ حديثُ ابن عباسٍ. وفي تشبيهِهِ الدبَاغَ بالذكاةِ إعلامٌ بأنَّ الدِّبَاغَ في التطهيرِ بمنزلةِ تذكيةِ الشاةِ في الإحلالِ؛ لأنَّ الذبحَ يطهِّرُها ويُحِلُّ أكْلَها. ٥/ ١٨ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ: مَرَّ النَّبي ﷺ بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا، فَقَالَ: "لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا"؟ فَقَالُوا: إنَّها مَيْتَةٌ، فَقَالَ: "يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ". [حسن لغيره] أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٤) وَالنَّسَائِي (٥). ترجمة ميمونة (وَعَنْ مَيْمُونَةَ) (٦) هي أمُّ المؤمنينَ مَيْمُونَةُ بنتُ الحارثِ الهلاليةُ، كانَ اسمها

стр. 159

بَرَّة فسمَّاها رسولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ، تزوَّجَها ﷺ في شهرِ ذي القعدةِ سنةَ سبعٍ في عُمْرَةِ القضيةِ، [وكانتْ] (١) وفاتُها سنةَ إحدى وستينَ، وقيلَ: إحدى وخمسينَ، وقيلَ: ستٍّ وستينَ، وقيلَ غيرُ ذلكَ؛ وهي خالةُ ابن عباسٍ، ولم يتزوجْ ﷺ بعدَها. (قَالَتْ: مَرَّ رسول اللَّهِ ﷺ بشاةٍ يَجرُّونَهَا فَقَالَ: لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: يُطَهِّرُهَا الماءُ والقَرَظُ (٢). أَخرَجَهُ أبو دَاوُدَ والنَّسَائي)، وفي لفظٍ عندَ الدارقطني (٣) عن ابن عباسٍ: "أليسَ في الماءِ والقَرَظ ما يُطَهِّرُهَا؟ "، وأما روايةُ: "أليسَ فِي الشَّثِّ (٤) والقَرَظِ ما يُطَهِّرُهَا؟ "، فَقَالَ النوويُّ (٥): إنهُ بهذا اللفظِ باطلٌ لا أصلَ لَهُ. بم يجوز الدباغ وقالَ في "شرحِ مسلمِ" (٦): يجوزُ الدِّبَاغُ بكلِّ شيءٍ يُنشِّفُ فضلاتِ الجلْدِ، ويُطَيِّبُهُ، ويمنعُ من ورودِ الفسادِ عليهِ؛ كالشثِّ -[بالمعجمة، وجزم الأزهري بأن آخره موحدة، وقال: هو من الجواهر التي جعلها الله في الأرض، تشبه الزاج، وجزم غيره بأن آخره مثلثة قال الجوهري: إنه طيب الرائحة مُرّ الطعم يدبغ به] (٧) -، والقَرَظِ، وقشورِ الرمانِ، وغيرِ ذلكَ من الأدويةِ الطاهرةِ، ولا يحصلُ بالشمسِ إلا عندَ الحنفيةِ، ولا بالترابِ والرماد والملح على الأصحِّ.

стр. 160

حكم استعمال آنية الكفار ٦/ ١٩ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: "لَا تأكُلُوا فِيهَا، إِلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا". [صيحيح] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ترجمة أبي ثعلبة الخشني (وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَة) (٢) بفتح الثاء بعدها عين مهملة ساكنة، فلام مفتوحة، فموحَّدة، (الخُشَنِيِّ ﵁) بضم الخاء المعجمة، فشين معجمة مفتوحة، فنون، نسبة إلى خُشَيْنِ بن النَّمِرِ من قُضَاعَةَ، حذفت ياؤه عند النسبة، واسمه: جُرْهُمْ بضم الجيم، بعدها راء ساكنة، فهاء مضمومة، ابن ناشبٍ بالنونِ، وبعدَ الألفِ شينٌ معجمة آخرَهُ موحَّدة، اشتهرَ بكنيته. بايعَ النبيَّ ﷺ بيعةَ الرضوانِ، وضَرَبَ لَهُ بسهمٍ يَومَ خيبرَ، وأرسَلَهُ إلى قومِهِ؛ فأسلموا. نزلَ بالشامِ وماتَ بها سنةَ خمسٍ وسبعينَ، وقيلَ غيرُ ذلك. (قَالَ: قلْتُ: يَا رسُولَ اللَّهِ: إِنَّا بَأرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكْل فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: لَا تأْكُلُوا فِيهَا إلَّا أَنْ لا تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) بَيْنَ الشيخينِ. أحكام فقهية من الحديث استُدِلَّ بهِ على نجاسةِ آنيةِ أهْلِ الكتابِ، وهلْ هوَ لنجاسةِ رُطوبِتِهم، أو لجوازِ أكلِهِمْ فيها الخنزير، وشرب الخمرِ أو للكراهَةِ؟ ذهبَ إلى الأولِ القائلونَ

стр. 161

بنجاسةِ رطوبةِ الكفارِ وهم الهادويةُ والقاسميةُ [ونصره ابن حزم] (١)، واستدلوا أيضًا بظاهرِ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٢). والكتابيُّ يسمَّى مشركًا إذ قدْ قالوا: المَسِيحُ ابنُ الله، وقالوا: عُزَيْرُ ابْنُ الله (٣). وذهبَ غيرُهم من أهلِ البيت كالمؤيَّدِ باللَّه وغيرِه إلى طهارةِ رطوبتهم، وهوَ الحقُّ لقولهِ تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ [وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ]﴾ (٤)، ولأنهُ ﷺ توضأ من مزادَةِ مشركَةٍ (٥)، ولحديثِ جابرٍ عندَ أحمدَ (٦)، وأبي داودَ (٧): "كُنَّا نَغْزُو معَ رسولِ الله ﷺ ؛ فَنُصِيْبُ مِنْ آنيةِ المشركينَ وَأسْقِيَتِهِمْ، ولا يَعيبُ ذلكَ علينَا"، وأجيبَ بأنَّ هذا بعد الاستيلاءِ ولا كلامَ فيه، وهذا الجواب بالشرح، وهو مبنيٌ على أن استيلاء أهل الإسلام على أموال أهل الشرك مطهر، ونحن لا نقول به؛ إذ لا دليل عليه، بل نقول رطوبة الكفار طاهرة، وما استولى عليه المسلمون من أموالهم طاهرة أصالة لا أنه طهر بالاستيلاء، وإن سُلِّم ففي غيرِه من الأدلةِ غُنْيَةٌ عَنْهُ.
следующие страницы →