Полный текст (14 757 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل فيها نزل مقرونا بسم الله ولذلك حينما نتلوه فإننا نبدأ نفس البداية التي أرادها الله ﵎ وهي أن تكون البداية بسم الله. وأول الكلمات التي نطق بها الوحي لمحمد ﷺ َ كانت ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾. وهكذا كانت بداية نزول القرآن الكريم ليمارس مهمته في الكون. . هي بسم الله. ونحن الآن حينما نقرأ القرآن نبدأ نفس البداية.
ولقد كان محمد ﵊ ُ في غار حراء حينما جاءه جبريل وكان أول لقاء بين الملك الذي يحمل الوحي بالقرآن. . وبين رسول الله ﷺ َ قول الحق ﵎: ﴿اقرأ﴾.
واقرأ تتطلب أن يكون الإنسان. . إما حافظا لشيء يحفظه، أو أمامه شيء مكتوب ليقرأه. . ولكن رسول الله ﷺ َ ما كان حافظا لشيء يقرؤه. . وما كان أمامه كتاب ليقرأ منه. . وحتى لو كان أمامه كتاب فهو أميّ لا يقرأ ولا يكتب.
وعندما قال جبريل: ﴿اقرأ﴾. . قال رسول الله ﷺ َ ما أنا بقارئ. . وكان الرسول ﵊ ُ منطقيا مع قدراته. وتردد القول ثلاث مرات. . جبريل ﵇ بوحي من الله يقول للرسول ﴿اقرأ﴾ ورسول الله ﷺ َ يقول ما أنا بقارئ. . ولقد أخذ خصوم الاسلام هذه النقطة. . وقالوا كيف يقول الله لرسوله اقرأ ويرد الرسول ما أنا بقارئ.
نقول إن الله ﵎. . كان يتحدث بقدراته التي تقول للشيء كن فيكون،
стр. 2
بينما رسول الله ﷺ َ كان يتحدث ببشريته التي تقول إنه لا يستطيع أن يقرأ كلمة واحدة، ولكن قدرة الله هي التي ستأخذ هذا النبي الذي لا يقرأ ولا يكتب لتجعله معلما للبشرية كلها إلى يوم القيامة. . لأن كل البشر يعلمهم بشر. . ولكن محمد ﷺ َ سيعلمه الله . ليكون معلما لأكبر علماء البشر. . يأخذون عنه العلم والمعرفة. لذلك جاء الجواب من الله : ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ١ - ٢] أي أن الله الذي خلق من عدم سيجعلك تقرأ على الناس ما يعجز علماء الدنيا وحضارات الدنيا على أن يأتوا بمثله. . وسيكون ما تقرؤه وأنت النبي الأميّ إعجازا. . ليس لهؤلاء الذين سيسمعونه منك فقط لحظة نزوله. ولكن للدنيا كلها وليس في الوقت الذي ينزل فيه فقط، ولكن حتى قيام الساعة، ولذلك قال ﷻ : ﴿اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم الذى عَلَّمَ بالقلم﴾
[العلق: ٣ - ٤] . أي أن الذي ستقرؤه يا محمد. . سيظل معلما للإنسانية كلها إلى نهاية الدنيا على الأرض. . ولأن المعلم هو الله قال: ﴿اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم﴾ مستخدما صيغة المبالغة. فهناك كريم وأكرم. . فأنت حين تتعلم من بشر فهذا دليل على كرم الله ﷻ . . لأنه يسر لك العلم على يد بشر مثلك. . أما إذا كان الله هو الذي سيعلمك. . يكون «أكرم» . . لأن ربك قد رفعك درجة عالية ليعلمك هو . .
والحق يريد أن يلفتنا إلى أن محمدا ﵊ ُ لا يقرأ القرآن لأنه تعلم القراءة، ولكنه يقرؤه باسم الله، ومادام بسم الله. . فلا يهم أن يكون رسول الله ﷺ َ تعلم من بشر أو لم يتعلم. لأن الذي علمه هو الله. . وعلمه
стр. 3
فوق مستوى البشرية كلها.
على أننا نبدأ أيضا تلاوة القرآن بسم الله. . لأن الله ﵎ هو الذي أنزله لنا. . ويسر لنا أن نعرفه ونتلوه. . فالأمر لله علما وقدرة ومعرفة. . واقرأ قول الحق : ﴿قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] لذلك أنت تقرأ القرآن باسم الله. . لأنه ﷻ هو الذي يسره لك كلاما وتنزيلا وقراءة. . ولكن هل نحن مطالبون أن نبدأ فقط تلاوة القرآن بسم الله؟ إننا مطالبون أن نبدأ كل عمل باسم الله. . لأننا لابد أن نحترم عطاء الله في كونه. فحين نزرع الأرض مثلا. . لابد أن نبدأ بسم الله. . لأننا لم نخلق الأرض التي نحرثها. . ولا خلقنا البذرة التي نبذرها. ولا أنزلنا الماء من السماء لينمو الزرع.
إن الفلاح الذي يمسك الفأس ويرمي البذرة قد يكون أجهل الناس بعناصر الأرض ومحتويات البذرة وما يفعله الماء في التربة لينمو الزرع. . إن كل ما يفعله الإنسان هو أنه يعمل فكره المخلوق من الله في المادة المخلوقة من الله. . بالطاقة التي أوجدها الله في أجسادنا ليتم الزرع.
والإنسان لا قدرة له على إرغام الأرض لتعطيه الثمار. . ولا قدرة له على خلق الحبة لتنمو وتصبح شجرة. ولا سلطان له على إنزال الماء من السماء. . فكأنه حين يبدأ العمل باسم الله، يبدؤه باسم الله الذي سخر له الأرض. . وسخر له الحب، وسخر له الماء، وكلها لا قدرة له عليها. . ولا تدخل في طاقته ولا في استطاعته. . فكأنه يعلن أنه يدخل على هذه الأشياء جميعا باسم من سخرها له. .
والله ﵎ سخر لنا الكون جميعا وأعطانا الدليل على ذلك. فلا تعتقد أن لك قدرة أو ذاتية في هذا الكون.
. ولا تعتقد أن الأسباب والقوانين في الكون لها ذاتية. بل هي تعمل بقدرة خالقها. الذي إن شاء أجراها وإن شاء أوقفها.
стр. 4
الجمل الضخم والفيل الهائل المستأنس قد يقودهما طفل صغير فيطيعانه. ولكن الحية صغيرة الحجم لا يقوى أي انسان على أن يستأنسها. ولو كنا نفعل ذلك بقدراتنا. . لكان استئناس الحية أو الثعبان سهلا لصغر حجمهما. . ولكن الله أراد أن يجعلهما مثلا لنعلم أنه بقدراته هو قد أخضع لنا ما شاء، ولم يخضع لنا ما شاء. ولذلك يقول الحق ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٢] وهكذا نعرف أن خضوع هذه الأنعام لنا هو بتسخير الله لها وليس بقدرتنا.
يأتي الله إلى أرض ينزل عليها المطر بغزارة. والعلماء يقولون إن هذا يحدث بقوانين الكون. فيلفتنا الله ﵎ إلى خطأ هذا الكلام. بأن تأتي مواسم جفاف لا تسقط فيها حبة مطر واحدة لنعلم أن المطر لا يسقط بقوانين الكون ولكن بإرادة خالق الكون. . فإذا كانت القوانين وحدها تعمل فمن الذي عطلها؟ ولكن إرادة الخالق فوق القوانين إن شاءت جعلتها تعمل وإن شاءت جعلتها لا تعمل. . اذن فكل شيء في الكون باسم الله. . هو الذي سخر وأعطى. . وهو الذي يمنح ويمنع. حتى في الأمور التي للإنسان فيها نوع من الاختيار. . واقرأ قول الحق ﵎: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠] والاصل في الذرية أنها تأتي من اجتماع الذكر والأنثى. . هذا هو القانون. . ولكن القوانين لا تعمل الا بأمر الله. . لذلك يتزوج الرجل والمرأة ولا تأتي الذرية لأنه ليس القانون هو الذي يخلق. . ولكنها إرادة خالق القانون. . ان شاء جعله
стр. 5
يعمل. . وان شاء يبطل عمله. . والله لا تحكمه القوانين ولكنه هو الذي يحكمها.
وكما أن الله قادر على ان يجعل القوانين تفعل او لا تفعل. . فهو قادر على ان يخرق القوانين. . خذ مثلا قصة زكريا ﵇. . كان يكفل مريم ويأتيها بكل ما تحتاج إليه. . ودخل عليها ليجد عندها ما لم يحضره لها. .
وسألها وهي القديسة العابدة الملازمة لمحرابها. . ﴿قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا﴾ [آل عمران: ٣٧] الحق يعطينا هذه الصورة. . مع أن مريم بسلوكها وعبادتها وتقواها فوق كل الشبهات. . ولكن لنعرف أن الذي يفسد الكون. . هو عدم السؤال عن مصدر الأشياء التي تتناسب مع قدرات من يحصل عليها..
الأم ترى الأب ينفق ما لا يتناسب مع مرتبه. . وترى الابنة ترتدي ما هو أكبر كثيرا من مرتبها أو مصروفها. . ولو سألت الأم الأب أو الابنة من أين لك هذا؟ لما فسد المجتمع. . ولكن الفساد يأتي من أننا نغمض أعيننا عن المال الحرام.
بماذا ردت مريم ﵍؟ ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] اذن فطلاقة قدرة الله لا يحكمها قانون. . لقد لفتت مريم زكريا ﵉ إلى طلاقة القدرة. . فدعا زكريا ربه في قضية لا تنفع فيها الا طلاقة القدرة. . فهو رجل عجوز وامرأته عجوز وعاقر ويريد ولدا. . هذه قضية ضد قوانين الكون. . لأن الانجاب لا يتم الا وقت الشباب، فإذا كبر الرجل وكبرت المرأة لا ينجبان. . فما بالك إذا كانت الزوجة أساسا عاقرا. . لم تنجب وهي شابة وزوجها شاب. .
стр. 6
فكيف تنجب وهي عجوز وزوجها عجوز. . هذه مسألة ضد القوانين التي تحكم البشر. . ولكن الله وحده القادر على أن يأتي بالقانون وضده. . ولذلك شاء أن يرزق زكريا بالولد وكان. . ورزق زكريا بابنه يحيى.
إذن كل شيء في هذا الكون باسم الله. . يتم باسم الله وبإذن من الله. . الكون تحكمه الأسباب نعم ولكن ارادة الله فوق كل الأسباب.
أنت حين تبدأ كل شيء باسم الله. . كأنك تجعل الله في جانبك يعينك. . ومن رحمة الله أنه علمنا أن نبدأ كل شيء باسم الله. . لأن الله هو الاسم الجامع لصفات الكمال . . والفعل عادة يحتاج إلى صفات متعددة. . فأنت حين تبدأ عملا تحتاج إلى قدرة الله وإلى عونه وإلى رحمته. . فلو أن الله لم يخبرنا بالاسم الجامع لكل الصفات. . كان علينا أن نحدد الصفات التي نحتاج إليها. . كأن نقول باسم الله القوي وباسم الله الرازق وباسم الله المجيب وباسم الله القادر وباسم الله النافع. . إلى غير ذلك من الأسماء والصفات التي نريد أن نستعين بها. . ولكن الله ﵎ جعلنا نقول بسم الله بسم الله بسم الله الجامع لكل هذه الصفات.
على أننا لابد أن نقف هنا عند الذين لا يبدأون أعمالهم بسم الله وإنما يريدون الجزاء المادي وحده. . إنسان غير مؤمن لا يبدأ عمله باسم الله. . وإنسان مؤمن يبدأ كل عمل وفي باله الله. . كلاهما يأخذ من الدنيا لأن الله رب للجميع. . له عطاء ربوبية لكل خلقه الذين استدعاهم للحياة. . ولكن الدنيا ليست هي الحياة الحقيقية للإنسان.
. بل الحياة الحقيقية هي الآخرة. . الذي في باله الدنيا وحدها يأخذ بقدر عطاء الربوبية. . بقدر عطاء الله في الدنيا. . والذي في باله الله يأخذ بقدر عطاء الله في الدنيا والآخرة. . ولذلك يقول الحق ﵎: ﴿الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَلَهُ الحمد فِي الآخرة وَهُوَ الحكيم الخبير﴾ [سبأ: ١]
стр. 7
لأن المؤمن يحمد الله على نعمه في الدنيا. . ثم يحمده عندما ينجيه من النار والعذاب ويدخله الجنة في الآخرة. . فلله الحمد في الدنيا والآخرة.
ورسول الله ﷺ َ قال:
«كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بباسم الله الرحمن الرحيم أقطع»
ومعنى أقطع أي مقطوع الذنب أو الذيل. . أي عمل ناقص فيه شيء ضائع. . لانك حين لا تبدأ العمل باسم الله قد يصادفك الغرور والطغيان بأنك أنت الذي سخرت ما في الكون ليخدمك وينفعل لك. . وحين لا تبدأ العمل باسم الله. . فليس لك عليه جزاء في الآخرة فتكون قد أخذت عطاءه في الدنيا. . وبترت أو قطعت عطاءه في الآخرة. . فإذا كنت تريد عطاء الدنيا والآخرة. فأقبل على كل عمل باسم الله. . قبل أن تأكل قل باسم الله لأنه هو الذي خلق لك هذا الطعام ورزقك به. . عندما تدخل الامتحان قل بسم الله فيعينك على النجاح. . عندما تدخل إلى بيتك قل باسم الله لأنه هو الذي يسر لك هذا البيت. . عندما تتزوج قل باسم الله لانه هو الذي خلق هذه الزوجة وأباحها لك. . في كل عمل تفعله ابدأه باسم الله. . لأنها تمنعك من أي عمل يغضب الله . . فأنت لا تستطيع أن تبدأ عملا يغضب الله باسم الله. . اذا أردت أن تسرق أو أن تشرب الخمر. . أو أن تفعل عملا يغضب الله. . وتذكرت بسم الله. . فإنك ستمتنع عنه. . ستستحي أن تبدأ عملا باسم الله يغضب الله. . وهكذا ستكون أعمالك كلها فيما أباحه الله.
الله ﵎ حين نبدأ قراءة كلامه باسم الله. . فنحن نقرأ هذا الكلام لأنه من الله. . والله هو الاله المعبود في كونه. . ومعنى معبود أنه يطاع فيما يأمر به. . ولا نقدم على ما نهى عنه. . فكأنك تستقبل القرآن الكريم بعطاء الله في العبادة. . وبطاعته في افعل ولا تفعل. . وهذا هو المقصود أن تبدأ قراءة القرآن بسم الله الذي آمنت به ربا وإلها. . والذي عاهدته على أن تطيعه فيما أمر وفيما نهى. . والذي بموجب عبادتك لله تقرأ كتابه لتعمل بما فيه. . والذي خلق وأوجد ويحيي ويميت وله الأمر في الدنيا والآخرة.
. والذي ستقف أمامه يوم القيامة
стр. 8
ليحاسبك أحسنت أم أسأت. . فالبداية من الله والنهاية إلى الله .
بعض الناس يتساءل كيف أبدأ بسم الله. . وقد عصيت وقد خالفت. . نقول اياك أن تستحي أن تقرأ القرآن. . وأن تبدأ بسم الله إذا كنت قد عصيت. . ولذلك أعطانا الله الحيثية التي نبدأ بها قراءة القرآن فجعلنا نبدؤه باسم الله الرحمن الرحيم. . فالله لا يتخلى عن العاصي. . بل يفتح له باب التوبة ويحثه عليها. . ويطلب منه أن يتوب وأن يعود الي الله. . فيغفر له ذنبه، لأن الله رحمن رحيم. . فلا تقل أنني أستحي أن أبدأ باسم الله لأنني عصيته. . فالله يطلب من كل عاص أن يعود الي حظيرة الايمان وهو رحمن رحيم. . فاذا قلت كيف أقول باسم الله وقد وقعت في معصية أمس. . نقول لك قل باسم الله الرحمن الرحيم. . فرحمة الله تسع كل ذنوب خلقه. . وهو الذي يغفر الذنوب جميعا.
والرحمة والرحمن والرحيم. . مشتق منها الرحم الذي هو مكان الجنين في بطن أمه. . هذا المكان الذي يأتيه فيه الرزق. . بلا حول ولا قوة. . ويجد فيه كل ما يحتاجه إليه نموه ميسرا. . رزقا من الله بلا تعب ولا مقابل. . انظر إلى حنو الأم على ابنها وحنانها عليه. . وتجاوزها عن سيئاته وفرحته بعودته اليها. . ولذلك قال الحق في حديث قدسي.
«أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته»
الله يريد أن نتذكر دائما أنه يحنو علينا ويرزقنا. . ويفتح لنا أبواب التوبة بابا بعد آخر. . ونعصي فلا يأخذنا بذنوبنا ولا يحرمنا من نعمه. . ولا يهلكنا بما فعلنا. ولذلك فنحن نبدأ تلاوة القرآن الكريم بسم الله الرحمن الرحيم. . لنتذكر دائما أبواب الرحمة المفتوحة لنا. . نرفع أيدينا إلى السماء. . ونقول يا رب رحمتك. . تجاوز عن ذنوبنا وسيئاتنا. وبذلك يظل قارئ القرآن متصلا بأبواب رحمة الله. . كلما ابتعد عن المنهج أسرع ليعود اليه. . فمادام الله رحمانا ورحيما لا تغلق أبواب الرحمة أبدا.
стр. 9
على أننا نلاحظ أن الرحمن الرحيم من صيغ المبالغة. . يقال راحم ورحمن ورحيم. . اذا قيل راحم فيه صفة الرحمة. . وإذا قيل رحمن تكون مبالغة في الصفة. . وإذا قيل رحيم تكون مبالغة في الصفة. . والله رحمن الدنيا ورحيم الآخرة. .
صفات الله لا تتأرجح بين القوة والضعف.
. وإياكم أن تفهموا أن الله تأتيه الصفات مرة قليلة ومرة كثيرة. بل هي صفات الكمال المطلق. . ولكن الذي يتغير هو متعلقات هذه الصفات. . اقرأ قول الحق : ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] هذه الآية الكريمة. . نفت الظلم عن الله ، ثم تأتي الآية الكريمة بقول الله ﷻ : ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] نلاحظ هنا استخدام صيغة المبالغة. . «ظلام» . . أي شديد الظلم. . وقول الحق : «ليس بظلام» . . لا تنفي الظلم ولكنها تنفي المبالغة في الظلم، تنفي أن يظلم ولو مثقال ذرة. . نقول انك لم تفهم المعنى. . ان الله لا يظلم أحدا. . الآية الأولى نفت الظلم عن الحق ﵎ ولو مثقال ذرة بالنسبة للعبد. . والآية الثانية لم تقل للعبد ولكنها قالت للعبيد. . والعبيد هم كل خلق الله. . فلو اصاب كل واحد منهم أقل من ذرة من الظلم مع هذه الاعداد الهائلة. . فإن الظلم يكون كثيراً جداً، ولو أنه قليل في كميته لأن عدد من سيصاب به هائل. . ولذلك فإن الآية الاولى نفت الظلم عن الله . والآية الثانية نفت الظلم أيضا عن الله ﵎. . ولكن صيغة المبالغة استخدمت لكثرة عدد الذين تنطبق عليهم الآية الكريمة.
стр. 10
نأتي بعد ذلك إلى رحمن ورحيم. . رحمن في الدنيا لكثرة عدد الذين يشملهم الله برحمته. . فرحمة الله في الدنيا تشمل المؤمن والعاصي والكافر. . يعطيهم الله مقومات حياتهم ولا يؤاخذهم بذنوبهم، يرزق من آمن به ومن لم يؤمن به، ويعفو عن كثير. . اذن عدد الذين تشملهم رحمة الله في الدنيا هم كل خلقه. بصرف النظر عن ايمانهم أو عدم ايمانهم.
ولكن في الآخرة الله رحيم بالمؤمنين فقط. . فالكفار والمشركون مطرودون من رحمة الله. . اذن الذين تشملهم رحمة الله في الآخرة. . أقل عددا من الذين تشملهم رحمة الله في الدنيا. . فمن أين تأتي المبالغة؟ . . تأتي المبالغة في العطاء وفي الخلود في العطاء. . فنعم الله في الآخرة اكبر كثيراً منها في الدنيا. . المبالغة هنا بكثرة النعم وخلودها. . فكأن المبالغة في الدنيا بعمومية العطاء، والمبالغة في الآخرة بخصوصية العطاء للمؤمن وكثرة النعم والخلود فيها.
لقد اختلف عدد العلماء حول بسم الله الرحمن الرحيم. . وهي موجودة في ١١٣ سورة من القرآن الكريم هل هي من آيات السور نفسها. . بمعنى أن كل سورة تبدأ ﴿بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾ تحسب البداية على أنها الآية الأولى من السورة، أم أنها حسبت فقط في فاتحة الكتاب، ثم بعد ذلك تعتبر فواصل بين السور. .
وقال العلماء أن ﴿بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾ آية من آيات القرآن الكريم. . ولكنها ليست آية من كل سورة ما عدا فاتحة الكتاب فهي آية من الفاتحة. . وهناك سورة واحدة في القرآن الكريم لا تبدأ ب ﴿بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾ وهي سورة التوبة وتكررت بسم الله الرحمن الرحيم في الآية ٣٠ من سورة النمل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾ [النمل: ٣٠]
стр. 11
فاتحة الكتاب هي أم الكتاب، لا تصلح الصلاة بدونها، فأنت في كل ركعة تستطيع أن تقرأ آية من القرآن الكريم، تختلف عن الآية التي قرأتها في الركعة السابقة، وتختلف عن الآيات التي قرأتها في صلواتك. . ولكن إذا لم تقرأ الفاتحة فسدت الصلاة، ولذلك قال رسول الله ﷺ َ «من صلى صلاة لم يقرأ فيها أم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تام» أي غير صالحة.
فالفاتحة أم الكتاب التي لا تصلح الصلاة بدونها، والله يقول في حديث قدسي: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. . فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين. قال الله حمدني عبدي. فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله : أثنى علي عبدي، فإذا قال مالك يوم الدين، قال الله مجدني عبدي. . فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. . وإذا قال: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين﴾ قال الله : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» .
وعلينا أن نتنبه ونحن نقرأ هذا الحديث القدسي ان الله تعالى يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، ولم يقل قسمت الفاتحة بيني وبين عبدي، ففاتحة الكتاب هي أساس الصلاة، وهي أم الكتاب.
نلاحظ ان هناك ثلاثة أسماء لله قد تكررت في بسم الله الرحمن الرحيم، وفي فاتحة الكتاب، وهذه الاسماء هي: الله. والرحمن والرحيم. نقول أن ليس هناك تكرار
стр. 12
في القرآن الكريم، وإذا تكرر اللفظ يكون معناه في كل مرة مختلفا عن معناه في المرة السابقة، لأن المتكلم هو الله . . ولذلك فهو يضع اللفظ في مكانه الصحيح، وفي معناه الصحيح. .
قولنا: ﴿بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾ هو استعانة بقدرة الله حين نبدأ فعل الأشياء. . إذن فلفظ الجلالة ﴿الله﴾ في بسم الله، معناه الاستعانة بقدرات الله وصفاته. لتكون عونا لنا على ما نفعل. ولكن إذا قلنا: الحمد لله. . فهي شكر لله على ما فعل لنا. ذلك اننا لا نستطيع أن نقدم الشكر لله إلا إذا استخدمنا لفظ الجلالة. الجامع لكل صفات الله تعالى. لأننا نحمده على كل صفاته ورحمته بنا حتى لا نقول باسم القهار وباسم الوهاب وباسم الكريم، وباسم الرحمن. . نقول الحمد لله على كمال صفاته، فيشمل الحمد كمال الصفات كلها.
وهناك فرق بين ﴿بِسْمِ الله﴾ الذي نستعين به على ما لا قدرة لنا عليه. . لأن الله هو الذي سخر كل ما في الكون، وجعله يخدمنا، وبين ﴿الحمد للَّهِ﴾ فإن لفظ الجلالة إنما جاء هنا لنحمد الله على ما فعل لنا.
فكأن «بسم الله في البسملة» طلب العون من الله بكل كمال صفاته. . وكأن الحمد لله في الفاتحة تقديم الشكر لله بكل كمال صفاته.
و ﴿الرحمن الرحيم﴾ في البسملة لها معنى غير ﴿الرحمن الرحيم﴾ في الفاتحة، ففي البسملة هي تذكرنا برحمة الله وغفرانه حتى لا نستحي ولا نهاب أن نستعين باسم الله ان كنا قد فعلنا معصية. . فالله يريدنا أن نستعين باسمه دائما في كل اعمالنا. فإذا سقط واحد منا في معصية، قال كيف استعين باسم الله، وقد عصيته؟ نقول له ادخل عليه سبحانك وتعالى من باب الرحمة. . فيغفر لك وتستعين به فيجيبك.
وانت حين تسقط في معصية تستعيذ برحمة الله من عدله، لأن عدل الله لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها.
стр. 13
وأقرأ قول الله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ ياويلتنا مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٩] ولولا رحمة الله التي سبقت عدله. ما بقي للناس نعمة وما عاش أحد على ظهر الأرض. . فالله ﷻ يقول: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ ولكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١] فالانسان خلق ضعيفا، وخلق هلوعا. ورسول الله ﷺ َ يقول: «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته، قالوا: حتى أنت يا رسول الله قال: حتى أنا» .
فذنوب الانسان في الدنيا كثيرة. . إذا حكم فقد يظلم. وإذا ظن فقد يسئ. . وإذا تحدث فقد يكذب. . وإذا شهد فقد يبتعد عن الحق. . وإذا تكلم فقد يغتاب.
هذه ذنوب نرتكبها بدرجات متفاوتة. ولا يمكن لأحد منا ان ينسب الكمال لنفسه حتى الذين يبذلون اقصى جهدهم في الطاعة لا يصلون الى الكمال، فالكمال لله وحده. ورسول الله ﷺ َ يقول: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» .
стр. 14
ويصف الله الانسان في القرآن الكريم: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] ولذلك أراد الحق ألا تمنعنا المعصية عن ان ندخل الى كل عمل باسم الله. . فعلمنا أن نقول: ﴿بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾ لكي نعرف أن الباب مفتوح للاستعانة بالله. وأن المعصية لا تمنعنا من الاستعانة في كل عمل باسم الله. . لأنه رحمن رحيم، فيكون الله قد أزال وحشتك من المعصية في الاستعانة به .
ولكن الرحمن الرحيم في الفاتحة مقترنة برب العالمين، الذي أوجدك من عدم. . وأمدك بنعم لا تعد ولا تحصى. انت تحمده على هذه النعم التي أخذتها برحمة الله في ربوبيته، ذلك أن الربوبية ليس فيها من القسوة بقدر ما فيها من رحمة.
والله رب للمؤمن والكافر، فهو الذي استدعاهم جميعا الى الوجود. ولذلك فإنه يعطيهم من النعم برحمته. . وليس بما يستحقون. . فالشمس تشرق على المؤمن والكافر. . ولا تحجب أشعتها عن الكافر وتعطيها للمؤمن فقط، والمطر ينزل على من يعبدون الله. ومن يعبدون أوثانا من دون الله. والهواء يتنفسه من قال لا إله إلا الله ومن لم يقلها.
وكل النعم التي هي من عطاء الربوبية لله هي في الدنيا لخلقه جميعا، وهذه رحمة. . فالله رب الجميع من أطاعه ومن عصاه. وهذه رحمة، والله قابل للتوبة، وهذه رحمة. .
إذن ففي الفاتحة تأتي ﴿الرحمن الرحيم﴾ بمعنى رحمة الله في ربوبيته لخلقه، فهو يمهل العاصي ويفتح ابواب التوبة لكل من يلجأ اليه.
وقد جعل الله رحمته تسبق غضبه. وهذه رحمة تستوجب الشكر. فمعنى ﴿الرحمن
стр. 15
الرحيم﴾ في البسملة يختلف عنها في الفاتحة. فإذا انتقلنا بعد ذلك الي قوله تعالى:
﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ فالله محمود لذاته ومحمود لصفاته، ومحمود لنعمه، ومحمود لرحمته، ومحمود لمنهجه، ومحمود لقضائه، الله محمود قبل ان يخلق من يحمده. ومن رحمة الله أنه جعل الشكر له في كلمتين اثنتين هما الحمد لله.
والعجيب أنك حين تشكر بشرا على جميل فعله تظل ساعات وساعات. . تعد كلمات الشكر والثناء، وتحذف وتضيف وتأخذ رأي الناس. حتى تصل الى قصيدة أو خطاب ملئ بالثناء والشكر. ولكن الله جلت قدرته وعظمته نعمه لا تعد ولا تحصى، علمنا أن نشكره في كلمتين اثنتين هما: الحمد لله. .
ولعلنا نفهم ان المبالغة في الشكر للبشر مكروهة لأنها تصيب الانسان بالغرور والنفاق وتزيد العاصي في معاصيه. . فلنقلل من الشكر والثناء للبشر. . لأننا نشكر الله لعظيم نعمه علينا بكلمتين هما: الحمد لله، ومن رحمة الله أنه علمنا صيغة الحمد. فلو أنه تركها دون أن يحددها بكلمتين. . لكان من الصعب على البشر أن يجدوا الصيغة المناسبة ليحمدوا الله على هذا الكمال الالهي. . فمهما أوتي الناس من بلاغة وقدرة على التعبير. فهم عاجزون على أن يصلوا الى صيغة الحمد التي تليق بجلال المنعم. . فكيف نحمد الله والعقل عاجز أن يدرك قدرته أو يحصي نعمه أو يحيط برحمته؟ ورسول الله ﷺ َ أعطانا صورة العجز البشري عن حمد كمال الالوهية لله، فقال: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» .
وكلمتا الحمد لله، ساوى الله بهما بين البشر جميعا، فلو أنه ترك الحمد بلا تحديد، لتفاوتت درجات الحمد بين الناس بتفاوت قدراتهم على التعبير. فهذا أمي لا يقرأ ولا يكتب لا يستطيع أن يجد الكلمات التي يحمد بها الله. وهذا عالم له قدرة على التعبير يستطيع ان يأتي بصيغة الحمد بما أوتي من علم وبلاغة. وهكذا تتفاوت درجات البشر في الحمد. . طبقا لقدرتهم في منازل الدنيا.
ولكن الحق ﵎ شاء عدله أن يسوي بين عباده جميعا في صيغة الحمد له. . فيعلمنا في أول كلماته في القرآن الكريم. . أن نقول ﴿الحمد للَّهِ﴾ ليعطي
стр. 16
الفرصة المتساوية لكل عبيده بحيث يستوي المتعلم وغير المتعلم في عطاء الحمد ومن أوتي البلاغة ومن لا يحسن الكلام.
ولذلك فإننا نحمد الله على أنه علمنا كيف نحمده وليظل العبد دائما حامدا. ويظل الله دائما محمودا. . فالله قبل أن يخلقنا خلق لنا موجبات الحمد من النعم، فخلق لنا السماوات والارض وأوجد لنا الماء والهواء. ووضع في الأرض أقواتها الى يوم القيامة. . وهذه نعمة يستحق الحمد عليها لأنه ﷻ جعل النعمة تسبق الوجود الانساني، فعندما خلق الانسان كانت النعمة موجودة تستقبله. بل ان الله ﷻ قبل أن يخلق آدم أبا البشر جميعا سبقته الجنة التي عاش فيها لا يتعب ولا يشقى. فقد خلق فوجد ما يأكله وما يشربه وما يقيم حياته وما يتمتع به موجودا وجاهزا ومعدا قبل الخلق. . وحينما نزل آدم وحواء الى الأرض كانت النعمة قد سبقتهما. فوجدا ما يأكلانه وما يشربانه، وما يقيم حياتهما. . ولو أن النعمة لم تسبق الوجود الانساني وخلقت بعده لهلك الانسان وهو ينتظر مجيء النعمة.
بل ان العطاء الالهي للانسان يعطيه النعمة بمجرد أن يخلق في رحم أمه فيجد رحما مستعدا لاستقباله وغذاء يكفيه طول مدة الحمل. فاذا خرج الى الدنيا يضع الله في صدر أمه لبنا ينزل وقت أن يجوع ويمتنع وقت أن يشبع. وينتهي تماما عندما تتوقف فترة الرضاعة. ويجد أبا وأما يوفران له مقومات حياته حتى يستطيع أن يعول نفسه. . وكل هذا يحدث قبل ان يصل الانسان إلى مرحلة التكليف وقبل أن يستطيع ان ينطق: ﴿الحمد للَّهِ﴾ .
وهكذا نرى أن النعمة تسبق الْمُنْعَمَ عليه دائما. . فالانسانَ حيث يقول «الحمد لله» فلأن موجبات الحمد وهي النعمة موجودة في الكون قبل الوجود الانساني.
والله خلق لنا في هذا الكون أشياء تعطي الانسان بغير قدرة منه ودون خضوع له، والانسان عاجز عن أن يقدم لنفسه هذه النعم التي يقدمها الحق ﵎ له بلا جهد.
فالشمس تعطي الدفء والحياة للارض بلا مقابل وبلا
стр. 17
فعل من البشر، والمطر ينزل من السماء دون ان يكون لك جهد فيه أو قدرة على إنزاله. والهواء موجود حولك في كل مكان تتنفس منه دون جهد منك ولا قدرة. والأرض تعطيك الثمر بمجرد أن تبذر فيها الحب وتسقيه. . فالزرع ينبت بقدرة الله. . والليل والنهار يتعاقبان حتى تستطيع أن تنام لترتاح، وأن تسعى لحياتك. . لا أنت أتيت بضوء النهار، ولا أنت الذي صنعت ظلمة الليل، ولكنك تأخذ الراحة في الليل والعمل في النهار بقدرة الله دون أن تفعل شيئا.
كل هذه الاشياء لم يخلقها الانسان، ولكنه خلق ليجدها في الكون تعطيه بلا مقابل ولا جهد منه. ألا تستحق أن نقول الحمد لله على نعمة تسخير الكون لخدمة الانسان؟ إنها تقتضي وجوب الحمد.
وآيات الله في كونه تستوجب الحمد. . فالحياة التي وهبها الله لنا، والآيات التي أودعها في كونه لتدلنا على أن لهذا الكون خالقاً عظيماً. فالكون بشمسه وقمره ونجومه وأرضه وكل ما فيه مما يفوق قدرة الانسان. . ولا يستطيع أحد أن يدعيه لنفسه. فلا أحد مهما بلغ علمه يستطيع أن يدعي أنه خلق الشمس أو أوجد النجوم أو وضع الأرض أو وضع قوانين الكون أو أعطى غلافها الجوي. . أو خلق نفسه أو خلق غيره.
هذه الآيات كلها أعطتنا الدليل على وجود قوة عظمى، وهي التي أوجدت وهي التي خلقت. . وهذه الآيات ليست ساكنة، لتجعلنا في سكونها ننساها، بل هي متحركة لتلفتنا الي خالق هذا الكون العظيم.
فالشمس تشرق في الصباح فتذكرنا باعجاز الخلق، وتغيب في المساء لتذكرنا بعظمة الخالق. . وتعاقب الليل والنهار يحدث أمامنا كل يوم علمنا نلتفت ونفيق. . والمطر ينزل من السماء ليذكرنا بألوهية من أنزله. . والزرع يخرج من الأرض يسقي بماء واحد. ومع ذلك فإن كل نوع له لون وله شكل وله مذاق وله رائحة، وله تكوين يختلف عن الآخر، ويأتي الحصاد فيختفي الثمر والزرع. . ويأتي موسم الزراعة فيعود من جديد.
كل شيء في هذا الكون متحرك ليذكرنا اذا نسينا، ويعلمنا أن هناك خالقاً عظيماً.
стр. 18
ونستطيع أن نمضي في ذلك بلا نهاية فنعم الله لا تعد ولا تحصى. . وكل واحدة منها تدلنا على وجود الحق ، وتعطينا الدليل الايماني على ان لهذا الكون خالقاً مبدعاً. . وانه لا أحد يستطيع أن يدعي أنه خلق الكون أو خلق ما فيه. . فالقضية محسومة لله. . و ﴿الحمد للَّهِ﴾ لأنه وضع في نفوسنا الإيمان الفطري ثم أيده بإيمان عقلي بآياته في كونه.
بل إن كل شيء في هذا الكون يقتضي الحمد، ومع ذلك فإن الانسان يمتدح الوجود وينسى الموجود!! فأنت حين ترى زهرة جميلة مثلا أو زهرة غاية في الإبداع.
. أو أي خلق من خلق الله يشيع في نفسك الجمال تمتدح هذا الخلق. . فتقول: ما أجمل هذه الزهرة أو هذه الجوهرة أو هذا المخلوق. . ولكن المخلوق الذي امتدحته، لم يعط صفة الجمال لنفسه. . فالزهرة لا دخل لها أن تكون جميلة أو غير جميلة، والجوهرة لا دخل لها في عظمة خلقها. . وكل شيء في هذا الكون لم يضع الجمال لنفسه وانما الذي وضع الجمال فيه هو الله ، فلا نخلط ونمدح المخلوق وننسى الخالق. . بل قل: الحمد لله الذي أوجد في الكون ما يذكرنا بعظمة الخالق ودقة الخلق.
ومنهج الله يقتضي منا الحمد، لان الله أنزل منهجه ليرينا طريق الخير ويبعدنا عن طريق الشر.
فمنهج الله الذي أنزله على رسله قد عرفنا ان الله ﵎ هو الذي خلق لنا هذا الكون وخلقنا. . فدقة الخلق وعظمته تدلنا على أن هناك خالقاً عظيماً. . ولكنها لا تستطيع أن تقول لنا من هو، ولا ماذا يريد منا. ولذلك أرسل الله رسله، ليقولوا لنا إن الذي خلق هذا الكون وخلقنا هو الله ﵎ وهذا يستوجب الحمد.
ومنهج الله بين لنا ماذا يريد الحق منا، وكيف نعبده. . وهذا يستوجب الحمد. ومنهج الله ﷻ أعطانا الطريق وشرع لنا اسلوب حياتنا تشريعاً حقاً. . فالله ﵎ لا يفرق بين أحد منا. . ولا يفضل أحداً على احد إلا بالتقوى، فكلنا خلق متساوون أمام الله ﷻ . .
إذن: فشريعة الحق، وقول الحق، وقضاء الحق، هو من الله، أما تشريعات
стр. 19
الناس فلها هوى، تميز بعضا عن بعض. . وتأخذ حقوق بعض لتعطيها للآخرين، لذلك نجد في كل منهج بشرى ظلما بشريا.
فالدول الشيوعية أعضاء اللجنة المركزية فيها هم أصحاب النعمة والترف. بينما الشعب كله في شقاء. . لأن هؤلاء الذي شرعوا اتبعوا هواهم. ووضعوا مصالحهم فوق كل مصلحة. . وكذلك في الدول الرأسمالية. أصحاب رأس المال يأخذون كل الخير. ولكن الله حين نزل لنا المنهج قضى بالعدل بين الناس. . وأعطى كل ذي حق حقه. وعلمنا كيف تستقيم الحياة على الأرض عندما تكون بعيدة عن الهوى البشري خاضعة لعدل الله، وهذا يوجب الحمد.
والحق ، يستحق منا الحمد لأنه لا يأخذ منا ولكنه يعطينا. فالبشر في كل عصر يحاولون استغلال البشر. . لأنهم يطمعون لما في ايديهم من ثروات وأموال، ولكن الله لا يحتاج الى ما في أيدينا، إنه يعطينا ولا يأخذ منا، عنده خزائن كل شيء مصداقا لقوله ﷻ : ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] فالله دائم العطاء لخلقه، والخلق يأخذون دائما من نعم الله، فكأن العبودية لله تعطيك ولا تأخذ منك وهذا يستوجب الحمد..
والله في عطائه يجب أن يطلب منه الانسان، وأن يدعوه وان يستعين به، وهذا يتوجب الحمد لأنه يقينا الذل في الدنيا. فأنت إن طلبت شيئا من صاحب نفوذ، فلابد ان يحدد لك موعدا أو وقت الحديث ومدة المقابلة، وقد يضيق بك فيقف لينهي اللقاء. . ولكن الله بابه مفتوح دائما. . فأنت بين يديه عندما تريد، وترفع يديك الى السماء وتدعو وقتما تحب، وتسأل الله ما تشاء، فيعطيك ما تريده إن كان خيرا لك. . ويمنع عنك ما تريده ان كان شرا لك.
стр. 20
والله يطلب منك ان تدعوه وان تسأله فيقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ويقول : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] والله يعرف ما في نفسك، ولذلك فإنه يعطيك دون أن تسأل. واقرأ الحديث القدسي:
يقول رب العزة:
«من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» .
والله عطاؤه لا ينفد، وخزائنه لا تفرغ، فكلما سألته ﷻ كان لديه المزيد، ومهما سألته فإنه لا شيء عزيز على الله ، إذا أراد أن يحققه لك. .
واقرأ قول الشاعر:
حسب نفسي عزا بأنني عبد ... يحتفي بي بلا مواعيد رب
هو في قدسه الاعز ولكن ... أنا ألقى متى وأين أحب
стр. 21
إذن: عطاء الله يستوجب الحمد. . ومنعه العطاء يستوجب الحمد.
ووجود الله الواجب الوجود يستوجب الحمد. . فالله يستحق الحمد لذاته، ولولا عدل الله لبغى الناس في الارض وظلموا، ولكن يد الله ﵎ حين تبطش بالظالم تجعله عبرة. . فيخاف الناس الظلم. . وكل من أفلت من عقاب الدنيا على معاصيه وظلمه واستبداده سيلقى الله في الاخرة ليوفيه حسابه. . وهذا يوجب الحمد. . أن يعرف المظلوم أنه سينال جزاءه فتهدأ نفسه ويطمئن قلبه ان هناك يوما سيرى فيه ظالمه وهو يعذب في النار. . فلا تصيبه الحسرة، ويخف احساسه بمرارة الظلم حين يعرف ان الله قائم على كونه لن يفلت من عدله أحد.
وعندما نقول: ﴿الحمد للَّهِ﴾ فنحن نعبر عن انفعالات متعددة. . وهي في مجموعها تحمل العبودية والحب والثناء والشكر والعرفان. . وكثير من الانفعالات التي تملأ النفس عندما تقول: «الحمد لله» كلها تحمل الثناء العاجز عن الشكر لكمال الله وعطائه. . هذه الانفعالات تأتي من النفس وتستقر في القلب. . ثم تفيض من الجوارح على الكون كله..
فالحمد ليس ألفاظا تردد باللسان، ولكنها تمر أولا على العقل ليعي معنى النعم. . ثم بعد ذلك تستقر في القلب فينفعل بها. . وتنتقل الي الجوارح فأقوم واصلي لله شاكرا ويهتز جسدي كله، وتفيض الدمعة من عيني. . وينتقل هذا الانفعال كله الي من حولي.
ونفسر ذلك قليلا. . هب انني في أزمة أو كرب أو شيء سيؤدي الي فضيحة. . وجاءني من يفرج كربي فيعطيني مالا أو يفتح لي طريقا. . أول شيء انني سأعقل هذا الجميل فأقول انه يستحق الشكر. . ثم ينزل هذا المعنى الي قلبي فيهتز القلب الي صانع هذا الجميل. . ثم تنفعل جوارحي لأترجم هذه العاطفة إلي عمل يرضيه على جميل صنعه. ثم أحدث الناس عن جميله وكرمه فيسارعون إلي الالتجاء اليه. . فتتسع دائرة الحمد وتنزل النعم على الناس. . فيمرون بنفس ما حدث لي فتتسع دائرة الشكر والحمد. .
стр. 22
والحمد لله تعطينا المزيد من نعم الله مصداقا لقوله ﵎: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] وهكذا نعرف ان الشكر على النعمة يعطينا مزيدا من النعمة. . فنشكر عليها فتعطينا المزيد وهكذا يظل الحمد دائماً والنعمة دائمة. . اننا لو استعرضنا حياتنا كلها فكل حركة فيها تقتضي الحمد، عندما ننام ويأخذ الله أرواحنا، ثم يردها الينا عندما نستيقظ، فإن هذا يوجب الحمد، فالله يقول: ﴿الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مَوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التي قضى عَلَيْهَا الموت وَيُرْسِلُ الأخرى إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] وهكذا فإن مجرد استيقاظنا من النوم، وان الله رد علينا أرواحنا، وهذا الرد يستوجب الحمد، فإذا قمنا من السرير فالله هو الذي يعطينا القدرة على الحركة، ولولا عطاؤه ما استطعنا ان نقوم. . وهذا يستوجب الحمد. . فإذا تناولنا افطارنا فالله هيأ لنا طعاما من فضله، فهو الذي خلقه، وهو الذي انبته، وهو الذي زرقنا به، وهذا يستوجب الحمد. .
فإذا نزلنا الى الطريق يسر الله لنا ما ينقلنا الى مقر اعمالنا وسخره لنا، سواء كنا نملك سيارة او نستخدم وسائل المواصلات، فله الحمد، واذا تحدثنا مع الناس فالله هو الذي اعطى السنتنا القدرة على النطق ولو شاء لجعلها خرساء لا تنطق. . وهذا يستوجب الحمد، فإذا ذهبنا الى أعمالنا، فالله يسر لنا عملا نرتزق منه لنأكل حلالا. . وهذا يستوجب الحمد. .
واذا عدنا الى بيوتنا فالله سخر لنا زوجاتنا ورزقنا بأولادنا وهذا يستوجب الحمد.
стр. 23
اذن فكل حركة حياة في الدنيا من الانسان تستوجب الحمد. . ولهذا لابد ان يكون الانسان حامدا دائما. . بل ان الانسان يجب ان يحمد الله على اي مكروه أصابه؛ لأنه قد يكون الشيء الذي يعتبره شرا هو عينه الخير.
فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء: ١٩] اذن فأنت تحمد الله لأن قضاءه خير. . سواء أحببت القضاء أو كرهته فإنه خير لك. . لأنك لا تعلم والله يعلم.
وهكذا من موجبات الحمد أن تقول الحمد لله على كل ما يحدث لك في دنياك. فأنت بذلك ترد الامر الى الله الذي خلقك. . فهو أعلم بما هو خير لك.
فاتحة الكتاب تبدأ بالحمد لله رب العالمين. . لماذا قال الله رب العالمين؟ نقول إن ﴿الحمد للَّهِ﴾ تعني حمد الألوهية. فكلمة الله تعني المعبود بحق. . فالعبادة تكليف والتكليف يأتي من الله لعبيده. . فكأن الحمد اولا لله. . ثم يقتضي بعد ذلك أن يكون الحمد لربوبية الله على ايجادنا من عدم وامدادنا من عدم. . لأن المتفضل بالنعم قد يكون محمودا عند كل الناس. . لكن التكليف يكون شاقا على بعض الناس. . ولو علم الناس قيمة التكليف في الحياة. . لحمدوا الله أن كلفهم بافعل ولا تفعل. . لأنه ضمن عدم تصادم حركة حياتهم. . فتمضي حركة الحياة متساندة منسجمة. اذن فالنعمة الاولى هي أن المعبود ابلغنا منهج عبادته، والنعمة الثانية أنه رب العالمين.
في الحياة الدنيا هناك المطيع والعاصي، والمؤمن وغير المؤمن. . والذين يدخلون في عطاء الالوهية هم المؤمنون. . أما عطاء الربوبية فيشمل الجميع. . ونحن نحمد الله على عطاء ألوهيته، ونحمد الله على عطاء ربوبيته، لأنه الذي خلق، ولأنه رب العالمين. . الكون كله لا يخرج عن حكمه. . فليطمئن الناس في الدنيا ان
стр. 24
النعم مستمرة لهم بعطاء ربوبيه. . فلا الشمس تستطيع أن تغيب وتقول لن أشرق ولا النجوم تستطيع أن تصطدم بعضها ببعض في الكون، ولا الأرض تستطيع أن تمنع إنبات الزرع. . ولا الغلاف الجوي يستطيع أن يبتعد عن الأرض فيختنق الناس جميعا. .
اذن فالله يريد ان يطمئن عباده انه رب لكل ما في الكون فلا تستطيع اى قوى تخدم الانسان ان تمتنع عن خدمته. . لأن الله مسيطر على كونه وعلى كل ما خلق. . انه رب العالمين وهذه توجب الحمد. . ان يهيئ الله للانسان ما يخدمه، بل جعله سيدا في كونه. . ولذلك فإن الانسان المؤمن لا يخاف الغد. . وكيف يخافه والله رب العالمين. اذا لم يكن عنده طعام فهو واثق ان الله سيرزقه لأنه رب العالمين.
. واذا صادفته ازمة فقلبه مطمئن الي ان الله سيفرج الازمة ويزيل الكرب لأنه رب العالمين. . واذا اصابته نعمة ذكر الله فشكره عليها لانه رب العالمين الذي انعم عليه.
فالحق يحمد على انه رب العالمين. . لا شيء في كونه يخرج عن مراده الفعلي. . اما عطاء الالوهية فجزاؤه في الاخرة. . فالدنيا دار اختبار للايمان، والاخرة دار الجزاء. . ومن الناس من لا يعبد الله. . هؤلاء متساوون في عطاء الربوبية مع المؤمنين في الدنيا. . ولكن في الآخرة يكون عطاء الالوهية للمؤمنين وحدهم. . فنعم الله لأصحاب الجنة، وعطاءات الله لمن آمن. . واقرأ قوله ﵎. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا خَالِصَةً يَوْمَ القيامة كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢] على ان الحمد لله ليس في الدنيا فقط. . بل هو في الدنيا والاخرة. . الله محمود دائما. . في الدنيا بعطاء ربوبيته لكل خلقه. . وعطاء الوهيته لمن آمن به وفي الاخرة بعطائه للمؤمنين من عباده. . واقرأ قوله ﷻ :
стр. 25
﴿وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ [الزمر: ٧٤] وقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [يونس: ١٠] فاذا انتقلنا الى قوله تعالى: ﴿الرحمن الرحيم﴾ فمن موجبات الحمد أن الله رحمن رحيم. . يعطي نعمه في الدنيا لكل عباده عطاء ربوبية، وعطاء الربوبية للمؤمن والكافر. . وعطاء الربوبية لا ينقطع الا عندما يموت الانسان. .
والله لا يحجب نعمه عن عبيده في الدنيا. . ونعم الله لا تعد ولا تحصى ومع كل التقدم في الآلات الحاسبة والعقول الالكترونية وغير ذلك فإننا لم نجد أحدا يتقدم ويقول انا سأحصي نعم الله. . لأن موجبات الاحصاء ان تكون قادرا عليه. . فانت لا تقبل على عد شيء الا اذا كان في قدرتك ان تحصيه. . ولكن مادام ذلك خارج قدرتك وطاقاتك فانك لا تقبل عليه. . ولذلك لن يقبل احد حتى يوم القيامة على احصاء نعم الله ﵎ لان احدا لا يمكن ان يحصيها.
ولابد ان نلتفت الى ان الكون كله يضيق بالانسان، وان العالم المقهور الذي يخدمنا بحكم القهر والتسخير يضيق حين يرى العاصين. . لان المقهور مستقيم على منهج الله قهرا. . فحين يرى كل مقهور الانسان الذي هو خدمته عاصيا يضيق.
واقرأ الحديث القدسي لتعرف شيئا عن رحمة الله بعباده. . يقول الله : «ما من يوم تطلع شمسه إلا وتنادي السماء تقول يا رب إئذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم؛ فقد طعم خيرك ومنع شكرك وتقول البحار يا رب إئذن لي أن أغرق ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك. وتقول الجبال يا رب إئذن لي أن أطبق على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك. فيقول الله تعالى: دعوهم دعوهم لو خلقتموهم
стр. 26
لرحمتوهم إنهم عبادي فإن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم»
رواه الإِمام أحمد بن حنبل في مسنده «.
تلك تجليات صفة الرحمن وصفة الرحيم. . وكيف ضمنت لنا بقاء كل ما يخدمنا في هذا الكون مع معصية الانسان. . انها كلها تخدمنا بعطاء الربوبية وتبقى في خدمتنا بتسخير الله لها لانه رحمن رحيم. .
بعض الناس قد يتساءل هل تتكلم الارض والسماء وغيرها من المخلوقات في عالم الجماد والنبات والحيوان؟ نقول نعم ان لها لغة لا نعرفها نحن وانما يعرفها خالقها. . بدليل انه منذ الخلق الاول ابلغنا الحق ﵎ ان هناك لغة لكل هذه المخلوقات. . واقرأ قوله ﷻ : ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] إذن فالأرض والسماء فهمت كلتاهما عن الله. . وقالت له ﴿أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ ألم يُعَلَمْ الله سليمان منطق الطير ولغة النمل؟ ألم تسبح الجبال مع داود؟ إذن كل خلق الله له ادراكات مناسبة له. . بل له عواطف. . فعندما تكلم الله عن قوم فرعون. . قال: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السمآء والأرض وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٩] اذن فالسماوات والارض لهما انفعال. . انفعال يصل الى مرحلة البكاء. . فهما لم تبكيا على فرعون وقومه. . ولكنهما تبكيان حزنا عندما يفارقهما الانسان المؤمن المصلي المطبق لمنهج الله. . ولقد قال علي بن ابي طالب ﵁: (إذا مات المؤمن
стр. 27
بكى عليه موضعان موضع في الارض وموضع في السماء. . اما الموضع في الارض فهو مكان مصلاه الذي اسعده وهو يصلي فيه. واما الموضع في السماء فهو مصعد عمله الطيب) .
стр. 28
اذا كانت كل نعم الله تستحق الحمد. . فإن ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ تستحق الحمد الكبير. . لأنه لو لم يوجد يوم للحساب، لنجا الذي ملأ الدنيا شروراً. دون أن يجازى على ما فعل. . ولكان الذي التزم بالتكليف والعبادة وحرم نفسه من متع دنيوية كثيرة إرضاء لله قد شقي في الحياة الدنيا. . ولكن لأن الله ﵎ هو ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ . . أعطى الاتزان للوجود كله. . هذه الملكية ليوم الدين هي التي حمت الضعيف والمظلوم وأبقت الحق في كون الله. . إن الذي منع الدنيا أن تتحول إلي غابة يفتك فيها القوي بالضعيف والظالم بالمظلوم هو أن هناك آخرة وحسابا، وأن الله هو الذي سيحاسب خلقه.
والإِنسان المستقيم استقامته تنفع غيره؛ لأنه يخشى الله ويعطي كل ذي حق حقه ويعفو ويسامح. . إذن كل من حوله قد استفاد من خلقه الكريم ومن وقوفه مع الحق والعدل
أما الأنسان العاصي فيشقى به المجتمع لأنه لا احد يسلم من شره ولا احد الا يصيبه ظلمه. . ولذلك فإن ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ هي الميزان. . تعرف أنت ان الذي يفسد في الأرض تنتظره الآخره. . لن يفلت مهما كانت قوته ونفوذه، فتطمئن اطمئنانا كاملاً إلي أن عدل الله سينال كل ظالم.
على أن ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ لها قراءتان. . ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ . . وملك يوم الدين. والقراءتان صحيحتان. . والله ﵎ وصف نفسه في القرآن الكريم بأنه: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ . . ومالك الشيء هو المتصرف فيه وحده. . ليس هناك دخل لأي فرد آخر. . أنا أملك عباءتي. . وأملك متاعي، وأملك منزلي، وانا المتصرف في هذا كله أحكم فيه بما أراه. .
فمالك يوم الدين. . معناها أن الله سيصرف أمور العباد في ذلك اليوم بدون أسباب. . وأن كل شيء سيأتي من الله مباشرة. . دون ان يستطيع أحد أن يتدخل ولو ظاهراً. .
стр. 29
ففي الدنيا يعطى الله الملك ظاهرا لبعض الناس. . ولكن في يوم القيامة ليس هناك ظاهر. . فالامر مباشر من الله . . ولذلك يقول الله في وصف يوم الدين: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بالدين﴾ [الانفطار: ٩] فكأن الله خلق الإنسان في الدنيا لتمضي بها الحياة. . ولكن في الآخرة لا توجد أسباب. الملك في ظاهر الدنيا من الله يهبه لمن يشاء. . واقرأ قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الخير إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] ولعل قوله تعالى: «تنزع» تلفتنا إلى أن أحدا في الدنيا لا يريد ان يترك الملك.
. ولكن الملك يجب ان ينتزع منه انتزاعا بالرغم عن ارادته. . والله هو الذي ينزع الملك ممن يشاء. .
وهنا نتساءل هل الملك في الدنيا والآخرة ليس لله؟ . . نقول الأمر في كل وقت لله. . ولكن الله ﵎ استخلف بعض خلقه أو مكنهم من الملك في الأرض. . ولذلك نجد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الملك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ الذي كَفَرَ والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [البقرة: ٢٥٨]
стр. 30
والذي حاج ابراهيم في ربه كافر منكر للألوهية. . ومع ذلك فإنه لم يأخذ الملك بذاته. . بل الله ﷻ هو الذي اتاه الملك. . اذن الله ﵎ هو الذي استخلف بعض خلقه ومكنهم من ملك الارض ظاهريا. . ومعنى ذلك انه ملك ظاهر للناس فقط. . أن بشرا أصبح ملكا. . ولكن الملك ليس نابعا من ذات من يملك. . ولكنه نابع من أمر الله. . ولو كان نابعا من ذاتية من يملك لبقى له ولم ينزع منه. . والملك الظاهر يمتحن فيه العباد، فيحاسبهم الله يوم القيامة. . كيف تصرفوا؟ وماذا فعلوا؟ . . ويمتحن فيه الناس هل سكتوا على الحاكم الظالم؟ . . وهل استحبوا المعصية؟ أم أنهم وقفوا مع الحق ضد الظلم؟ . . والله لا يمتحن الناس ليعلم المصلح من المفسد. . ولكنه يمتحنهم ليكونوا شهداء على أنفسهم. . حتى لا يأتي واحد منهم يوم القيامة ويقول: يا رب لو أنك أعطيتني الملك لا تبعت طريق الحق وطبقت منهجك.
وهنا يأتي سؤال. . اذا كان الله يعلم كل شيء فلماذا الامتحان؟ . . نقول اننا اذا أردنا ان نضرب مثلا يقرب ذلك الي الأذهان. . ولله المثل الاعلى. . نجد ان الجامعات في كل انحاء الدنيا تقيم الامتحانات لطلابها. . فهل اساتذة الجامعة الذي علموا هؤلاء الطلاب يجهلون ما يعرفه الطالب ويريدون ان يحصلوا منه على العلم؟ . . طبعا لا. . ولكن ذلك يحدث حتى اذا رسب الطالب في الامتحان. . وجاء يجادل واجهوه بإجابته فيسكت. . ولو لم يعقد الامتحان لادعي كل طالب انه يستحق مرتبة الشرف.
اذا قال الحق ﵎: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ . . أي الذي يملك هذا اليوم وحده يتصرف فيه كما يشاء. . واذا قيل: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ . . فتصرفه أعلى على المالك لأن المالك لا يتصرف إلاّ في ملكه. . ولكن الملك يتصرف في ملكه وملك غيره.
. فيستطيع أن يصدر قوانين بمصادرة أو تأميم ما يملكه غيره.
الذين قالوا: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ اثبتوا لله انه مالك هذا اليوم يتصرف فيه كما يشاء دون تدخل من احد ولو ظاهرا: والذين يقرأون ملك. . يقولون ان الله في ذلك اليوم يقضي في امر خلقه حتى الذين مَلَّكَهُم في الدنيا ظاهرا. . ونحن نقول عندما يأتي يوم القيامة لا مالك ولا ملك الا الله.
стр. 31
الله ﵎ يريد ان يطمئن عباده. . انهم اذا كانوا قد ابتلوا بمالك او ملك يطغى عليهم فيوم القيامة لا مالك ولا ملك الا الله ﷻ . . عندما تقول مالك او ملك يوم الدين. . هناك يوم وهناك الدين. . اليوم عندنا من شروق الشمس الي شروق الشمس. . هذا ما نسيمه فكليا يوما. . واليوم في معناه ظرف زمان تقع فيه الاحداث. . والمفسرون يقولون: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ اي مالك أمور الدين لأن ظرف الزمان لا يملك. . نقول ان هذا بمقاييس ملكية البشر، فنحن لا نملك الزمن. . الماضي لا نستطيع ان نعيده، والمستقبل لا نستطيع ان نأتي به. . ولكن الله ﵎ هو خالق الزمان. . والله ﷻ لا يحده زمان ولا مكان. . كذلك قوله تعالى: «مالك يوم الدين» لا يحده زمان ولا مكان. . واقرأ قوله سبحانه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] واذا تأملنا هاتين الايتين نعرف معنى اليوم عند الله ﵎. . ذلك ان الله ﷻ هو خالق الزمن. . ولذلك فانه يستطيع ان يخلق يوما مقداره ساعة. . ويوما كأيام الدنيا مقداره أربع وعشرون ساعة. . ويوما مقداره ألف سنة. . ويوما مقداره خمسون الف سنة ويوما مقداره مليون سنة. . فذلك خاضع لمشيئة الله.
ويوم الدين موجود في علم الله . بأحداثه كلها بجنته وناره. . وكل الخلق الذين سيحاسبون فيه. . وعندما يريد ان يكون ذلك اليوم ويخرج من علمه ﷻ الي علم خلقه. . سواء كانوا من الملائكة او من البشر أو الجان يقول: كن. . فالله وحده هو خالق هذا اليوم. . وهو وحده الذي يحدد كل أبعاده. . واليوم نحن نحدده ظاهرا بانه اربع وعشرون ساعة. . ونحدده بأنه الليل والنهار. . ولكن الحقيقة أن الليل والنهار موجودان دائما على الارض. . فعندما تتحرك الارض، كل
стр. 32
حركة هي نهاية نهار في منطقة وبداية نهار في منطقة اخرى. . وبداية ليل في منطقة ونهاية ليل في منطقة اخرى.
. ولذلك في كل لحظة ينتهي يوم ويبدأ يوم. . وهكذا فإن الكرة الارضية لو أخذتها بنظرة شاملة لا ينتهي عليها نهار أبدا. . ولا ينتهي عنها ليل أبدا. . إذن فاليوم نسبي بالنسبة لكل بقعة في الارض. . ولكنه في الحقيقة دائم الوجود على كل الكرة الارضية.
والله يريد أن يطمئن عباده. . أنهم إذا أصابهم ظلم في الدنيا. . فإن هناك يوم لا ظلم فيه. . وهذا اليوم الامر فيه لله وحده بدون أسباب. . فكل انسان لو لم يدركه العدل والقصاص في الدنيا فإن الآخرة تنتظره. . والذي أتبع منهج الله وقيد حركته في الحياة يخبره الله ان هناك يوم سيأخذ فيه أجره. . وعظمة الآخرة أنها تعطيك الجنة. . نعيم لا يفوتك ولا تفوته.
ولقد دخل أحد الأشخاص على رجل من الصالحين. . وقال له: أريد أن أعرف. . أأنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟ . . فقال له الرجل الصالح. . ان الله أرحم بعباده، فلم يجعل موازينهم في أيدي أمثالهم. . فميزان كل انسان في يد نفسه. . لماذا؟ . . لأنك تستطيع أن تغش الناس ولكنك لا تغش نفسك. . ميزانك في يديك. . تستطيع أن تعرف أأنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة.
قال الرجل كيف ذلك؟ فرد العبد الصالح: اذا دخل عليك من يعطيك مالا. . ودخل عليك من يأخذ منك صدقة. . فبأيهما تفرح؟ . . فسكت الرجل. . فقال العبد الصالح: اذا كنت تفرح بمن يعطيك مالا فأنت من اهل الدنيا. . واذا كنت تفرح بمن يأخذ منك صدقة فأنت من أهل الآخرة. . فإن الانسان يفرح بمن يقدم له ما يحبه. . فالذي يعطيني مالا يعطيني الدنيا. . والذي يأخذ مني صدقة يعطيني الآخرة. . فإن كنت من أهل الآخرة. . فافرح بمن يأخذ منك صدقة. . أكثر من فرحك بمن يعطيك مالا.
ولذلك كان بعض الصالحين اذا دخل عليه من يريد صدقة يقول مرحبا بمن جاء يحمل حسناتي الي الآخرة بغير أجر. . ويستقبله بالفرحة والترحاب.
стр. 33
قول الحق : ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ . . هي قضية ضخمة من قضايا العقائد. . لأنها تعطينا أن البداية من الله، والنهاية الي الله ﷻ . . وبما أننا جميعا سنلقى الله، فلابد أن نعمل لهذا اليوم. . ولذلك فإن المؤمن لا يفعل شيئا في حياته إلا وفي باله الله. . وأنه سيحاسبه يوم القيامة. . ولكن غير المؤمن يفعل ما يفعل وليس في باله الله. . وعن هؤلاء يقول الحق سبحانه: ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب﴾
[النور: ٣٩] وهكذا من يفعل شيئا وليس في باله الله. . فسيفاجأ يوم القيامة بأن الله ﵎ الذي لم يكن في باله موجود وانه ﷻ هو الذي سيحاسبه.
وقوله تعالى: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ هي أساس الدين. . لأن الذي لا يؤمن بالآخرة يفعل ما يشاء. . فمادام يعتقد انه ليس هناك آخره وليس هناك حساب. . فمم يخاف؟ . . ومن أجل مَنْ يقيد حركته في الحياة. .
ان الدين كله بكل طاعاته وكل منهجه قائم على أن هناك حسابا في الآخرة. . وأن هناك يوما نقف فيه جميعا أمام الله . . ليحاسب المخطئ ويثيب الطائع. . هذا هو الحكم في كل تصرفاتنا الايمانية. . فلو لم يكن هناك يوم نحاسب فيه. . فلماذا نصلي؟ . . ولماذا نصوم؟ . . ولماذا نتصدق؟ . .
стр. 34
ان كل حركة من حركات منهج السماء قائمة على اساس ذلك اليوم الذي لن يفلت منه أحد. . والذي يجب علينا جميعا أن نستعد له. . ان الله سمى هذا اليوم بالنسبة للمؤمنين يوم الفوز العظيم. . والذي يجعلنا نتحمل كل ما نكره ونجاهد في سبيل الله لنستشهد. . وننفق اموالنا لنعين الفقراء والمساكين. . كل هذا أساسه أن هناك يوما سنقف فيه بين يدي الله. . والله ﵎ سماه يوم الدين. . لأنه اليوم الذي سيحاسب فيه كل انسان على دينه عمل به أم ضيعه. . فمن آمن واتبع الدين سيكافأ بالخلود في الجنة. . ومن أنكر الدين وأنكر منهج الله سيجازى بالخلود في النار. .
ومن عدل الله ان هناك يوما للحساب. . لأن بعض الناس الذين ظلموا وبغوا في الأرض ربما يفلتون من عقاب الدنيا. . هل هؤلاء الذين أفلتوا في الدنيا من العقاب هل يفلتون من عدل الله؟ . . أبدا لم يفلتوا. . بل إنهم انتقلوا من عقاب محدود الي عقاب خالد. . وافلتوا من العقاب بقدرة البشر في الدنيا. . الى عقاب بقدرة الله ﵎ في الآخرة. . ولذلك لابد من وجود يوم يعيد الميزان. . فيعاقب فيه كل من أفسد في الارض وأفلت من العقاب. . بل إن الله يجعل انسانا يفلت من عقاب الدنيا. . فلا تعتقد أن هذا خير له بل انه شر له. . لانه أفلت من عقاب محدود إلى عقاب أبدي.
والحمد الكبير لله بأنه ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ . . وهو وحده الذي سيقضي بين خلقه. فالله يعامل خلقه جميعا معاملة متساوية. . وأساس التقوى هو يوم الدين.
وقبل ان نتكلم عن قول الحق ﵎: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . . لابد أن نتحدث عن قضية مهمة.
. فهناك نوعان من الرؤية. . الرؤية العينية أي بالعين. . والرؤية الإيمانية أي بالقلب. . وكلاهما مختلف عن الآخر. . رؤية العين هي أن يكون الشيء أمامك تراه بعينيك، وهذه ليس فيها قضية ايمان. . فلا تقول أنني أومن أنني أراك أمامي لانك تراني فعلا. . مادمت تراني فهذا يقين. . ولكن الرؤية الايمانية هي أن تؤمن كأنك ترى ما هو غيب أمامك. . وتكون هذه الرؤية أكثر يقينا من رؤية العين. . لأنها رؤية إيمان ورؤية بصيرة. . وهذه قضية مهمة جدا.
стр. 35
«وقد روى عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ َ ذات يوم اذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر. لا يرى عليه أثر السفر. ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس الى النبي ﷺ َ. فأسند ركبتيه الى ركبتيه. ووضع كفيه على فخذيه قال: يا محمد أخبرني عن الاسلام؟ فقال رسول الله ﷺ َ: الاسلام أن تشهد أن لا اله الا الله. وأن محمدا رسول الله. وتقيم الصلاة. وتؤتي الزكاة. وتصوم رمضان. وتحج البيت ان استطعت اليه سبيلا قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه.
قال: فاخبرني عن الايمان.
قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وتؤمن بالقدر؛ خيره وشره
قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الاحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه. فان لم تكن تراه فانه يراك.
قال: فأخبرني عن الساعة
قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل
قال: فاخبرني عن أماراتها
قال: أن تلد الأمة ربتها. وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان.
قال: ثم انطلق فلبثت مليا. . ثم قال لي النبي ﷺ َ: يا عمر أتدري من السائل؟
قلت: الله ورسوله أعلم
قال: فإنه جبريل اتاكم يعلمكم دينكم»
قول رسول الله ﷺ َ: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . هو بيان للرؤية الايمانية في النفس المؤمنة. . فالانسان حينما يؤمن، لابد أن يأخذ كل قضاياه برؤية ايمانية. . حتى اذا قرأ آية عن الجنة فكأنه يرى أهل الجنة وهم ينعمون. . واذا قرأ آية عن أهل النار اقشعر بدنه. . وكأنه يرى أهل النار وهم يعذبون.
стр. 36
ذات يوم «شاهد رسول الله ﷺ َ أحد صحابته وكان اسمه الحارث. . فقال له:
كيف أصبحت يا حارث؟
فقال: أصبحت مؤمنا حقا
قال الرسول: فانظر ما تقول. فإن لكل قول حقيقة. فما حقيقة إيمانك؟
قال الحارث: عزفت نفسي عن الدنيا. فأسهرت ليلي. وأظمأت نهاري. وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا. وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها. وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. (يتصايحون فيها) .
قال النبي» يا حارث عرفت فالزم «
ولذلك نجد أن الحق وهو يخاطب الرسول ﷺ َ. . يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل﴾ [الفيل: ١] يأخذ بعض المستشرقين هذه الآية في محاولة للطعن في القرآن الكريم. . فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ . . ورسول الله ﷺ َ ولد في عام الفيل. . انه لم ير لأنه كان طفلا عمره أيام أو شهور، لو قال الله ألم تعلم لقلنا علم من غيره. . فالعلم تحصل عليه انت او يعطيه لك من عَلِمَهُ. . اي يعلمك
стр. 37
غيرك من البشر. . ولكن الله قال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ . .
نقول ان هذه قضية من قضايا الايمان. . فما يقوله الله هو رؤية صادقة بالنسبة للانسان المؤمن. . فالقرآن هو كلام متعبد بتلاوته حتى قيام الساعة. . وقول الله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ . . معناها ان الرؤية مستمرة لكل مؤمن بالله يقرأ هذه الآية. . فما دام الله ﵎ قال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ . . فأنت ترى بإيمانك ما تعجز عينك عن أن تراه. . هذه هي الرؤية الايمانية، وهي أصدق من رؤية العين. . لأن العين قد تخدع صاحبها ولكن القلب المؤمن لا يخدع صاحبه أبدا. .
على أن هناك ما يسمونه ضمير الغائب. . اذا قلت زيد حضر. . فهو موجود أمامك. . ولكن إذا قلت قابلت زيدا. . فكأن زيداً غائب عنك ساعة قلت هذه الجملة. . قابلته ولكنه ليس موجوداً معك ساعة الحديث. .
اذن فهناك حاضر وغائب ومتكلم. . الغائب هو من ليس موجوداً أو لا نراه وقت الحديث. . والحاضر هو الموجود وقت الحديث. . والمتكلم هو الذي يتحدث. وقضايا العقيدة كلها ليس فيها مشاهدة، ولكن الايمان بما هو غيب عنا يعطينا الرؤية الايمانية التي هي كما قلنا أقوى من رؤية البصر.
فالله حين يقول ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ . . ﴿للَّهِ﴾ غيب و ﴿رَبِّ العالمين﴾ غيب. . و ﴿الرحمن الرحيم﴾ . . «غيب» . . و ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ غيب. . وكان السياق اللغوي يقتضي أن يقال إياه نعبد. ولكن الله غير السياق ونقله من الغائب الي الحاضر. . وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فانتقل الغيب الي حضور المخاطب. . فلم يقل إياه نعبد. . ولكنه قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ . . فأصبحت رؤية يقين ايماني.
فأنت في حضرة الله الذي غمرك بالنعم، وهذه تراها وتحيط بك لأنه ﴿رَبِّ العالمين﴾ . . وجعلك تطمئن الى قضائه لأنه ﴿الرحمن الرحيم﴾ أي أن ربوبيته ﷻ ليست ربوبية جبروت بل هي ربوبية ﴿الرحمن الرحيم﴾ فإذا لم
стр. 38
تحمده وتؤمن به بفضل نعمه التي تحسها وتعيش فيها.
فاحذر من مخالفة منهجه لأنه «مالك يوم الدين» .
حين يستحضر الحق ذاته بكل هذه الصفات. . التي فيها فضائل الألوهية، ونعم الربوبية. . والرحمة التي تمحو الذنوب والرهبة من لقائه يوم القيامة تكون قد انتقلت من صفات الغيب الى محضر الشهود. . استحضرت جلال الألوهية لله وفيوضات رحمته. . ونعمه التي لا تحد وقيوميته يوم القيامة. .
عندما تقرأ قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فالعبارة هنا تفيد الخصوصية. . بمعنى أنني اذا قلت لانسان انني سأقابلك، قد أقابله وحده، وقد أقابله مع جمع من الناس. ولكن اذا قلت اياك سأقابل. . فمعنى ذلك ان المقابلة ستكون خاصة. .
الحق حين قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قصر العبادة على ذاته الكريمة. . لأنه لو قال نعبدك وحدك فهي لا تؤدي المعنى نفسه. . لأنك قد تقول نعبدك وحدك ومعك كذا وكذا. ولكن اذا قلت ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وقدمت إياك. . تكون قد حسمت الأمر بأن العبادة لله وحده فلا يجوز العطف عليها. . فالعبادة خضوع لله بمنهجه افعل ولا تفعل. . ولذلك جعل الصلاة أساس العبادة، والسجود هو منتهى الخضوع لله. . لأنك تأتي بوجهك الذي هو أكرم شيء فيك وتضعه على الأرض عند موضع القدم. فيكون هذا هو منتهى الخضوع لله. . ويتم هذا امام الناس جميعا في الصلاة. لإعلان خضوعك لله امام البشر جميعا.
ويستوي في العبودية الغني والفقير والكبير والصغير. . حتى يطرد كل منا الكبر والاستعلاء من قلبه امام الناس جميعا فيساوى الحق ﷻ بين عباده في الخضوع له وفي اعلان هذا الخضوع.
وقول الحق : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تنفي العبودية لغير الله. . أي لا نعبد غير الله ولا يعطف عليها أبدا. . اذن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أعطت تخصيص العبادة لله وحده لا إله غيره ولا معبود سواه. . وعلينا أن نلتفت الي قوله ﵎: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢]
стр. 39
وهكذا فإننا عندما نقول ﴿الحمد للَّهِ﴾ فإننا نستحضر موجبات الحمد وهي نعم الله ظاهرة وباطنة. . وحين نقول ﴿رَبِّ العالمين﴾ نستحضر نعم الربوبية في خلقه وإخضاع كونه. . وحين نستحضر ﴿الرحمن الرحيم﴾ فاننا نستحضر الرحمة والمغفرة ومقابلة الاساءة بالاحسان وفتح باب التوبة. . وحين نستحضر: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ نستحضر يوم الحساب وكيف أن الله ﵎ سيجازيك على أعمالك. . فإذا استحضرنا هذا كله نقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي أننا نعبد الله وحده. . اذن عرفنا المطلوب منا وهو العبادة.
وهنا نتوقف قليلا لنتحدث عما يطلقون عليه في اللغة «العلة والمعلول» إذا أراد ابنك ان ينجح في الامتحان فإنه لابد أن يذاكر.
. وعلة المذاكرة هي النجاح. . فكأن النجاح ولد في ذهني اولا بكل ما يحققه لي من ميزات ومستقبل مضمون وغير ذلك مما أريده وأسعى اليه.
إذن فالدافع قبل الواقع. . أي أنك استحضرت النجاح في ذهنك. . ثم بعد ذلك ذاكرت لتجعل النجاح حقيقة واقعة. وأنت إذا أردت مثلا أن تسافر الى مكان ما فالسيارة سبب يحقق لك ما تريد وقطع الطريق سبب آخر. ولكن الدافع الذي جعلني أنزل من بيتي واركب السيارة وأقطع الطريق هو انني أريد أن أسافر الى الاسكندرية مثلا. . الدافع هنا وهو الوصول الى الاسكندرية. . هو الذي وجد في ذهني أولا ثم بعد ذلك فعلت كل ما فعلته لتحقيقه.
والله خلقنا في الحياة لنعبده. . مصداقا لقوله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] إذن فعلّة الخلق هي العبادة. . ولقد تم الخلق لتتحقق العبادة وتصبح واقعا. . ولكن «العلة والمعلول» لا تنطبق على أفعال الله . . نقول ليس هناك علة تعود على الله ﷻ بالفائدة. لأن الله ﵎ غني عن العالمين. . ولكن العلة تعود على الخلق بالفائدة. . فالله خلقنا لنعبده. ولكن علة الخلق ليس لأن هذه العبادة ستزيد شيئا في ملكه. . وإنما عبادتنا تعود علينا
стр. 40
نحن بالخير في الدنيا والآخرة. .
أن أفعال الله لا تعلل، والمأمور بالعبادة هو الذي سينتفع بها.
ولكن هل العبادة هي الجلوس في المساجد والتسبيح أو أنها منهج يشمل الحياة كلها. . في بيتك وفي عملك وفي السعي في الارض؟ . . ولو أراد الله من عباده الصلاة والتسبيح فقط لما خلقهم مختارين بل خلقهم مقهورين لعبادته ككل ما خلق ما عدا الانس والجن. . والله ﵎ له صفة القهر. . من هنا فانه يستطيع أن يجعل من يشاء مقهورا على عبادته. . مصداقا لقوله ﷻ : ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٣ - ٤] فلو أراد الله ان يخضعنا لمنهجه قهراً لا يستطيع أحد أن يشذ عن طاعته. . وقد أعطانا الله الدليل على ذلك بأن في أجسادنا وفي أحداث الدنيا ما نحن مقهورون عليه. . فالجسد مقهور لله في أشياء كثيرة. القلب ينبض ويتوقف بأمر الله دون ارادة منا. . والمعدة تهضم الطعام ونحن لا ندري عنها شيئا. . والدورة الدموية في اجسادنا لا ارادة لنا فيها. . وأشياء كثيرة في الجسد البشري كلها مقهورة لله . . وليس لإرادتنا دخل في عملها. . وما يقع على في الحياة من أحداث أنا مقهور فيه.
. لا أستطيع أن أمنعه من الحدوث. . فلا استطيع أن أمنع سيارة أن تصدمني. . ولا طائرة أن تحترق بي. . ولا كل ما يقع علي من أقدار الله في الدنيا. .
اذن فمنطقة الاختيار في حياتي محددة. . لا أستطيع أن أتحكم في يوم مولدي. . ولا فيمن هو أبي ومن هي أمي. . ولا في شكلي هل أنا طويل أم قصير؟ جميل أم قبيح أو غير ذلك. اذن فمنطقة الاختيار في الحياة هي المنهج أن أفعل أو لا أفعل. الله له من كل خلقه عبادة القهر. . ولكنه يريد من الانس والجن عبادة المحبوبية. . ولذلك خلقنا ولنا اختيار في أن نأتيه أو لا نأتيه. . في أن نطيعه أو نعصيه. في أن نؤمن به أو لا نؤمن.
следующие страницы →