← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ذات يوم «شاهد رسول الله ﷺ َ أحد صحابته وكان اسمه الحارث. . فقال له: كيف أصبحت يا حارث؟ فقال: أصبحت مؤمنا حقا قال الرسول: فانظر ما تقول. فإن لكل قول حقيقة. فما حقيقة إيمانك؟ قال الحارث: عزفت نفسي عن الدنيا. فأسهرت ليلي. وأظمأت نهاري. وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا. وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها. وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. (يتصايحون فيها) . قال النبي» يا حارث عرفت فالزم « ولذلك نجد أن الحق وهو يخاطب الرسول ﷺ َ. . يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل﴾ [الفيل: ١] يأخذ بعض المستشرقين هذه الآية في محاولة للطعن في القرآن الكريم. . فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ . . ورسول الله ﷺ َ ولد في عام الفيل. . انه لم ير لأنه كان طفلا عمره أيام أو شهور، لو قال الله ألم تعلم لقلنا علم من غيره. . فالعلم تحصل عليه انت او يعطيه لك من عَلِمَهُ. . اي يعلمك

стр. 37

غيرك من البشر. . ولكن الله قال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ . . نقول ان هذه قضية من قضايا الايمان. . فما يقوله الله هو رؤية صادقة بالنسبة للانسان المؤمن. . فالقرآن هو كلام متعبد بتلاوته حتى قيام الساعة. . وقول الله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ . . معناها ان الرؤية مستمرة لكل مؤمن بالله يقرأ هذه الآية. . فما دام الله ﵎ قال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ . . فأنت ترى بإيمانك ما تعجز عينك عن أن تراه. . هذه هي الرؤية الايمانية، وهي أصدق من رؤية العين. . لأن العين قد تخدع صاحبها ولكن القلب المؤمن لا يخدع صاحبه أبدا. . على أن هناك ما يسمونه ضمير الغائب. . اذا قلت زيد حضر. . فهو موجود أمامك. . ولكن إذا قلت قابلت زيدا. . فكأن زيداً غائب عنك ساعة قلت هذه الجملة. . قابلته ولكنه ليس موجوداً معك ساعة الحديث. . اذن فهناك حاضر وغائب ومتكلم. . الغائب هو من ليس موجوداً أو لا نراه وقت الحديث. . والحاضر هو الموجود وقت الحديث. . والمتكلم هو الذي يتحدث. وقضايا العقيدة كلها ليس فيها مشاهدة، ولكن الايمان بما هو غيب عنا يعطينا الرؤية الايمانية التي هي كما قلنا أقوى من رؤية البصر. فالله حين يقول ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ . . ﴿للَّهِ﴾ غيب و ﴿رَبِّ العالمين﴾ غيب. . و ﴿الرحمن الرحيم﴾ . . «غيب» . . و ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ غيب. . وكان السياق اللغوي يقتضي أن يقال إياه نعبد. ولكن الله غير السياق ونقله من الغائب الي الحاضر. . وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فانتقل الغيب الي حضور المخاطب. . فلم يقل إياه نعبد. . ولكنه قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ . . فأصبحت رؤية يقين ايماني. فأنت في حضرة الله الذي غمرك بالنعم، وهذه تراها وتحيط بك لأنه ﴿رَبِّ العالمين﴾ . . وجعلك تطمئن الى قضائه لأنه ﴿الرحمن الرحيم﴾ أي أن ربوبيته ﷻ ليست ربوبية جبروت بل هي ربوبية ﴿الرحمن الرحيم﴾ فإذا لم

стр. 38

تحمده وتؤمن به بفضل نعمه التي تحسها وتعيش فيها. فاحذر من مخالفة منهجه لأنه «مالك يوم الدين» . حين يستحضر الحق ذاته بكل هذه الصفات. . التي فيها فضائل الألوهية، ونعم الربوبية. . والرحمة التي تمحو الذنوب والرهبة من لقائه يوم القيامة تكون قد انتقلت من صفات الغيب الى محضر الشهود. . استحضرت جلال الألوهية لله وفيوضات رحمته. . ونعمه التي لا تحد وقيوميته يوم القيامة. . عندما تقرأ قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فالعبارة هنا تفيد الخصوصية. . بمعنى أنني اذا قلت لانسان انني سأقابلك، قد أقابله وحده، وقد أقابله مع جمع من الناس. ولكن اذا قلت اياك سأقابل. . فمعنى ذلك ان المقابلة ستكون خاصة. . الحق حين قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قصر العبادة على ذاته الكريمة. . لأنه لو قال نعبدك وحدك فهي لا تؤدي المعنى نفسه. . لأنك قد تقول نعبدك وحدك ومعك كذا وكذا. ولكن اذا قلت ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وقدمت إياك. . تكون قد حسمت الأمر بأن العبادة لله وحده فلا يجوز العطف عليها. . فالعبادة خضوع لله بمنهجه افعل ولا تفعل. . ولذلك جعل الصلاة أساس العبادة، والسجود هو منتهى الخضوع لله. . لأنك تأتي بوجهك الذي هو أكرم شيء فيك وتضعه على الأرض عند موضع القدم. فيكون هذا هو منتهى الخضوع لله. . ويتم هذا امام الناس جميعا في الصلاة. لإعلان خضوعك لله امام البشر جميعا. ويستوي في العبودية الغني والفقير والكبير والصغير. . حتى يطرد كل منا الكبر والاستعلاء من قلبه امام الناس جميعا فيساوى الحق ﷻ بين عباده في الخضوع له وفي اعلان هذا الخضوع. وقول الحق : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تنفي العبودية لغير الله. . أي لا نعبد غير الله ولا يعطف عليها أبدا. . اذن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أعطت تخصيص العبادة لله وحده لا إله غيره ولا معبود سواه. . وعلينا أن نلتفت الي قوله ﵎: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢]

стр. 39

وهكذا فإننا عندما نقول ﴿الحمد للَّهِ﴾ فإننا نستحضر موجبات الحمد وهي نعم الله ظاهرة وباطنة. . وحين نقول ﴿رَبِّ العالمين﴾ نستحضر نعم الربوبية في خلقه وإخضاع كونه. . وحين نستحضر ﴿الرحمن الرحيم﴾ فاننا نستحضر الرحمة والمغفرة ومقابلة الاساءة بالاحسان وفتح باب التوبة. . وحين نستحضر: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ نستحضر يوم الحساب وكيف أن الله ﵎ سيجازيك على أعمالك. . فإذا استحضرنا هذا كله نقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي أننا نعبد الله وحده. . اذن عرفنا المطلوب منا وهو العبادة. وهنا نتوقف قليلا لنتحدث عما يطلقون عليه في اللغة «العلة والمعلول» إذا أراد ابنك ان ينجح في الامتحان فإنه لابد أن يذاكر. . وعلة المذاكرة هي النجاح. . فكأن النجاح ولد في ذهني اولا بكل ما يحققه لي من ميزات ومستقبل مضمون وغير ذلك مما أريده وأسعى اليه. إذن فالدافع قبل الواقع. . أي أنك استحضرت النجاح في ذهنك. . ثم بعد ذلك ذاكرت لتجعل النجاح حقيقة واقعة. وأنت إذا أردت مثلا أن تسافر الى مكان ما فالسيارة سبب يحقق لك ما تريد وقطع الطريق سبب آخر. ولكن الدافع الذي جعلني أنزل من بيتي واركب السيارة وأقطع الطريق هو انني أريد أن أسافر الى الاسكندرية مثلا. . الدافع هنا وهو الوصول الى الاسكندرية. . هو الذي وجد في ذهني أولا ثم بعد ذلك فعلت كل ما فعلته لتحقيقه. والله خلقنا في الحياة لنعبده. . مصداقا لقوله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] إذن فعلّة الخلق هي العبادة. . ولقد تم الخلق لتتحقق العبادة وتصبح واقعا. . ولكن «العلة والمعلول» لا تنطبق على أفعال الله . . نقول ليس هناك علة تعود على الله ﷻ بالفائدة. لأن الله ﵎ غني عن العالمين. . ولكن العلة تعود على الخلق بالفائدة. . فالله خلقنا لنعبده. ولكن علة الخلق ليس لأن هذه العبادة ستزيد شيئا في ملكه. . وإنما عبادتنا تعود علينا

стр. 40

نحن بالخير في الدنيا والآخرة. . أن أفعال الله لا تعلل، والمأمور بالعبادة هو الذي سينتفع بها. ولكن هل العبادة هي الجلوس في المساجد والتسبيح أو أنها منهج يشمل الحياة كلها. . في بيتك وفي عملك وفي السعي في الارض؟ . . ولو أراد الله من عباده الصلاة والتسبيح فقط لما خلقهم مختارين بل خلقهم مقهورين لعبادته ككل ما خلق ما عدا الانس والجن. . والله ﵎ له صفة القهر. . من هنا فانه يستطيع أن يجعل من يشاء مقهورا على عبادته. . مصداقا لقوله ﷻ : ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٣ - ٤] فلو أراد الله ان يخضعنا لمنهجه قهراً لا يستطيع أحد أن يشذ عن طاعته. . وقد أعطانا الله الدليل على ذلك بأن في أجسادنا وفي أحداث الدنيا ما نحن مقهورون عليه. . فالجسد مقهور لله في أشياء كثيرة. القلب ينبض ويتوقف بأمر الله دون ارادة منا. . والمعدة تهضم الطعام ونحن لا ندري عنها شيئا. . والدورة الدموية في اجسادنا لا ارادة لنا فيها. . وأشياء كثيرة في الجسد البشري كلها مقهورة لله . . وليس لإرادتنا دخل في عملها. . وما يقع على في الحياة من أحداث أنا مقهور فيه. . لا أستطيع أن أمنعه من الحدوث. . فلا استطيع أن أمنع سيارة أن تصدمني. . ولا طائرة أن تحترق بي. . ولا كل ما يقع علي من أقدار الله في الدنيا. . اذن فمنطقة الاختيار في حياتي محددة. . لا أستطيع أن أتحكم في يوم مولدي. . ولا فيمن هو أبي ومن هي أمي. . ولا في شكلي هل أنا طويل أم قصير؟ جميل أم قبيح أو غير ذلك. اذن فمنطقة الاختيار في الحياة هي المنهج أن أفعل أو لا أفعل. الله له من كل خلقه عبادة القهر. . ولكنه يريد من الانس والجن عبادة المحبوبية. . ولذلك خلقنا ولنا اختيار في أن نأتيه أو لا نأتيه. . في أن نطيعه أو نعصيه. في أن نؤمن به أو لا نؤمن.

стр. 41

فإذا كنت تحب الله فأنت تأتيه عن اختيار. تتنازل عما يغضبه حبا فيه، وتفعل ما يطلبه حبا فيه وليس قهرا. . فاذا تخليت عن اختيارك الى مرادات الله في منهجه. . تكون قد حققت عبادة المحبوبية لله ﵎. . وتكون قد اصبحت من عباد الله وليس من عبيد الله. . فكلنا عبيد لله ، والعبيد متساوون فيما يقهرون عليه. ولكن العباد الذين يتنازلون عن منطقة الاختيار لمراد الله في التكليف. . ولذلك فإن الحق ﷻ . . يفرق في القرآن الكريم بين العباد والعبيد. . يقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] ويقول : ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا اصرف عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٥] وهكذا نرى أن الله أعطى أوصاف المؤمنين وسماهم عبادا. . ولكن عندما يتحدث عن البشر جميعا يقول عبيد. . مصداقا لقوله تعالى: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢] ولكن قد يقول قائل: أن الله ﵎ يقول في كتابه العزيز: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل﴾ [الفرقان: ١٧]

стр. 42

الحديث هنا عن العاصين والضالين. ولكن الله قال عنهم عباد. نقول إن هذا في الاخرة. . وفي الآخرة كلنا عباد لأننا مقهورون لطاعة الله الواحد المعبود ﵎. . لأن الاختيار البشري ينتهي ساعة الاحتضار. . ونصبح جميعا عباداً لله مقهورين على طاعته لا اختيار لنا في شيء. والله قد أعطى الانسان اختياره في الحياة الدنيا في العبودية فلم يقهره في شيء ولا يلزم غير المؤمن به بأي تكليف. . بل إن المؤمن هو الذي يلزم نفسه بالتكليف وبمنهج الله فيدخل في عقد ايماني مع الله ﵎. . ولذلك نجد أن الله ﷻ لا يخاطب الناس جميعا في التكليف. . وانما يخاطب الذين آمنوا فقط فيقول: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] ويقول سبحانه: ﴿يَآأَيُّهَا الذين آمَنُواْ استعينوا بالصبر والصلاة إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ [البقرة: ١٥٣] أي أن الله ﷻ لا يكلف إلا المؤمن الذي يدخل في عقد ايماني مع الله. وسيد المرسلين محمد ﷺ َ عندما نضعه في معيار العبادية يكون القمة فهو ﷺ َ الذي حقق العبادية المرادة لله من خلق الله كما يحبها الله. . اذن فالذي يقول غاية الخلق كله محمد ﵊ ُ. . نقول ان هذا صحيح، لأنه ﷺ َ حقق العبادية المثلى المطلوبة من الله ﵎. . والتي هي علة الخلق. . وهكذا نعرف المقامات العالية لرسول الله ﷺ َ عند خالقه.

стр. 43

والله ﵎ قرن العبادة له وحده بالاستعانة به سبحانه. . فقال ﷻ : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي لا نعبد سواك ولا نستعين إلا بك. والاستعانة بالله تخرجك عن ذل الدنيا فأنت حين تستعين بغير الله فإنك تستعين ببشر مهما بلغ نفوذه وقوته فكلها في حدود بشريته. . ولأننا نعيش في عالم أغيار فإن القوى يمكن أن يصبح ضعيفا. . وصاحب النفوذ يمكن أن يصبح في لحظة واحدة طريداً شريداً لا نفوذ له. . ولو لم يحدث هذا. فقد يموت ذلك الذي تستعين به فلا تجد احدا يعينك. ويريد الله ﵎ أن يحرر المؤمن من ذل الدنيا. . فيطلب منه أن يستعين بالحي الذي لا يموت. . وبالقوي الذي لا يضعف، وبالقاهر الذي لا يخرج عن أمره أحد. . واذا استعنت بالله كان الله ﷻ بجانبك. وهو وحده الذي يستطيع أن يحول ضعفك الي قوة وَذُلك الي عز. . والمؤمن دائما يواجه قوي أكبر منه. . ذلك أن الذين يحاربون منهج الله يكونون من الأقوياء ذوي النفوذ الذي يحبون أن يستعبدوا غيرهم. . فالمؤمن سيدخل معهم في صراع. . ولذلك فإن الحق يحض عباده المؤمنين بأنه معهم في الصراع بين الحق والباطل. . وقوله تعالى: «وإياك نستعين» مثل: «إياك نعبد» . . أي نستعين بك وحدك وهي دستور الحركة في الحياة. . لأن استعان معناها طلب المعونة، أي أن الانسان استنفد أسبابه ولكنها خذلته. . حينئذ لابد أن يتذكر أن له ربا لا يعبد سواه. لن يتخلى عنه بل يستعين به. . وحين تتخلى الأسباب فهناك رب الأسباب وهو موجود دائما. . لا يغفل عن شيء ولا تفوته همسة في الكون. . ولذلك فإن المؤمن يتجه دائما الى السماء. . والله يكون معه.

стр. 44

بعد أن آمنت بالله إلها وربا. . واستحضرت عطاء الألوهية ونعم الربوبية وفيوضات رحمة الله على خلقه. وأعلنت أنه لا إله إلا الله. وقولك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي أن العبادة لله ﵎ لا نشرك به شيئا ولا نعبد إلا إياه. . وأعلنت انك ستستعين بالله وحده بقولك: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . فانك قد أصبحت من عباد الله. ويعلمك الله الدعاء الذي يتمناه كل مؤمن. . ومادامت من عباد الله، فإن الله ﷻ سيستجيب لك. . مصداقا لقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨ ٦] والمؤمن لا يطلب الدنيا أبدا. . لماذا؟ . . لأن الحياة الحقيقية للانسان في الآخرة. فيها الحياة الأبدية والنعيم الذي لا يفارقك ولا تفارقه. فالمؤمن لا يطلب مثلا أن يرزقه الله مالا كثيراً ولا أن يمتلك عمارة مثلا. . لأنه يعلم أن كل هذا وقتي وزائل. . ولكنه يطلب ما ينجيه من النار ويوصله الى الجنة. . ومن رحمة الله ﵎ أنه علمنا ما نطلب. . وهذا يستوجب الحمد لله. . وأول ما يطلب المؤمن هو الهداية والصراط المستقيم: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ . والهداية نوعان: هداية دلالة وهداية معونة. هداية الدلالة هي للناس جميعا. . وهداية المعونة هي للمؤمنين فقط المتبعين لمنهج الله. والله هدى كل عباده هداية دلالة أي دلهم على طريق الخير وبينه لهم. . فمن أراد أن يتبع طريق الخير اتبعه. . ومن أراد ألا يتبعه تركه الله لما أراد. .

стр. 45

هذه الهداية العامة هي أساس البلاغ عن الله. فقد بين لنا الله ﵎ في منهجه بافعل ولا تفعل ما يرضيه وما يغضبه. . وأوضح لنا الطريق الذي نتبعه لنهتدي. والطريق الذي لو سلكناه حق علينا غضب الله وسخطه. . ولكن هل كل من بين له الله طريق الهداية اهتدى؟ . . نقول لا. . واقرأ قوله ﷻ : ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ العذاب الهون بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧] اذن هناك من لا يأخذ طريق الهداية بالاختيار الذي أعطاه الله له. . فلو أن الله أرادنا جميعا مهديين. . ما استطاع واحد من خلقه أن يخرج على مشيئته. ولكنه ﷻ خلقنا مختارين لنأتيه عن حب ورغبة بدلا من أن يقهرنا على الطاعة. . ما الذي يحدث للذين اتبعوا طريق الهداية والذين لم يتبعوه وخالفوا مراد الله الشرعي في كونه؟ الذين اتبعوا طريق الهداية يعينهم الله عليه ويحببهم في الايمان والتقوى ويحببهم في طاعته. . واقرأ قوله ﵎: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] أي أن كل من يتخذ طريق الهداية يعينه الله عليه. . ويزيده تقوى وحبا في الدين. . أما الذين إذا جاءهم الهدى ابتعدوا عن منهج الله وخالفوه. . فإن الله ﵎ يتخلى عنهم ويتركهم في ضلالهم. واقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]

стр. 46

والله قد بين لنا المحرومين من هداية المعونة على الايمان وهم ثلاثة كما بَيَّنْهُم لنا في القرآن الكريم: ﴿ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ [النحل: ١٠٧] ﴿ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَآ أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ واتقوا الله واسمعوا والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ [المائدة: ١٠٨] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الملك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ الذي كَفَرَ والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [البقرة: ٢٥٨] اذن فالمطرودون من هداية الله في المعونة على الايمان. . هم الكافرون والفاسقون والظالمون. . الحق يقول: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ ما هو الصراط؟ . . إنه الطريق الموصلة الى الغاية. ولماذا نص على أنه الصراط المستقيم. لأن الله وضع لنا في منهجه الطريق المستقيم. . وهو أقصر الطرق الى تحقيق الغاية. . فأقصر طريق بين نقطتين هو الطريق المستقيم. ولذلك إذا كنت تقصد مكانا فأقصر طريق تسلكه هو الطريق الذي لا اعوجاج فيه ولكنه مستقيم تماما. . ولا تحسب أن البعد عن الطريق المستقيم يبدأ باعوجاج كبير. بل باعوجاج صغير جدا ولكنه ينتهي الى بُعد كبير. .

стр. 47

ويكفي أن تراقب قضبان السكة الحديد. . عندما يبدأ القطار في اتخاذ طريق غير الذي كان يسلكه فهو لا ينحرف في أول الأمر إلا بضعة ملليمترات. . أي أن أول التحويلة ضيق جدا وكلما مشيت اتسع الفرق وازداد اتساعا. بحيث عند النهاية تجد أن الطريق الذي مشيت فيه يبعد عن الطريق الأول عشرات الكيلو مترات وربما مئات الكيلو مترات. . إذن فأي انحراف مهما كان بسيطا يبعدك عن الطريق المستقيم بعدا كبيرا. . ولذلك فإن الدعاء: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ أي الطريق الذي ليس فيه إعوجاج ولو بضعة ملليمترات. . الطريق الذي ليس فيه مخالفة تبعدنا عن طريق الله المستقيم. لذلك فإن الانسان المؤمن يطلب من الله أن يهديه الى أقصر الطرق للوصول الى الغاية. . وما هي الغاية؟ انها الجنة والنعيم في الآخرة. . ولذلك نقول يا رب اهدنا وأعنا على أن نسلك الطريق المستقيم وهو طريق المنهج ليوصلنا الي الجنة دون أن يكون فيه أي اعوجاج يبعدنا عنها. ولقد قال الله في حديث قدسي. انه اذا قال العبد: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ يقول ﷻ : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل. يقول الحق ﵎: ﴿صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ما معنى ﴿الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ؟ . . اقرأ الآية الكريمة: ﴿وَمَن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: ٦٩] وأنت حين تقرأ الآية الكريمة فأنت تطلب من الله ﵎ أن تكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. . أي أنك تطلب من الله ﷻ . . أن يجعلك تسلك نفس الطريق الذي سلكه هؤلاء لتكون معهم في الآخرة. . فكأنك تطلب الدرجة العالية في الجنة. . لأن كل من ذكرناهم لهم مقام عال في جنة النعيم. . وهكذا فإن الطلب من الله هو أن يجعلك تسلك الطريق الذي لا اعوجاج فيه. والذي يوصلك في أسرع وقت الي الدرجة العالية في الآخرة.

стр. 48

وعندما نعرف أن الله قال: (هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) . . تعرف أن الاستجابة تعطيك الحياة العالية في الآخرة وتمتعك بنعيم الله. ليس بقدرات البشر كما يحدث في الدنيا. . ولكن بقدرة الله ﵎. . واذا كانت نعم الدنيا لا تعد ولا تحصى. . فكيف بنعم الآخرة؟ لقد قال الله عنها: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] أي أنه ليس كل ما تطلبه فقط ستجده أمامك بمجرد وروده على خاطرك ولكن مهما طلبت من النعم ومهما تمنيت فالله ﷻ عنده مزيد. . ولذلك فانه يعطيك كل ما تشاء ويزيد عليه بما لم تطلب ولا تعرف من النعم. . وهذا تشبيه فقط ليقرب الله ﵎ صورة النعيم إلى أذهاننا، ولكن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وبما أن المعاني لابد أن توجد أولا في العقل ثم يأتي اللفظ المعبر عنها. . فكل شيء لا نعرفه لا توجد في لغتنا ألفاظ تعبر عنه. فنحن لم نعرف اسم التليفزيون مثلا إلا بعد أن أخترع وصار له مفهوم محدد. تماما كما لم نعرف اسم الطائرة قبل أن يتم اختراعها. . فالشيء يوجد أولا ثم بعد ذلك يوضع اللفظ المعبر عنه. ولذلك فإن مجامع اللغات في العالم تجتمع بين فترة واخرى. لتضع أسماء لأشياء جديدة اخترعت وعرفت مهمتها. . ومادام ذلك هو القاعدة اللغوية، فإنه لا توجد الفاظ في لغة البشر تعبر عن النعيم الذي سيعيشه اهل الجنة لأنه لم تره عين ولم تسمع به أذن ولا خطر على القلب. . ولذلك فإن كل ما نقرؤه في القرآن الكريم يقرب لنا الصورة فقط. ولكنه لا يعطينا حقيقة ما هو موجود. ولذلك نجد الله حين يتحدث عن الجنة في

стр. 49

القرآن الكريم يقول: ﴿مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النار وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] أي أن هذا ليس حقيقة الجنة ولكنها مثل فقط يقرب ذلك الى الاذهان. . لأنه لا توجد ألفاظ في لغات البشر يمكن أن تعطينا حقيقة ما في الجنة. وقوله تعالى: ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم﴾ . . أي غير الذين غضبت عليهم يا رب من الذين عصوا. ومنعت عنهم هداية الاعانة. . الذين عرفوا المنهج فخالفوه وارتكبوا كل ما حرمه الله فاستحقوا غضبه. ومعنى غير ﴿المغضوب عَلَيْهِم﴾ أي يا رب لا تيسر لن الطريق الذي نستحق به غضبك. كما استحقه أولئك الذين غيروا وبدلوا في منهج الله ليأخذوا سلطة زمنية في الحياة الدنيا وليأكلوا أموال الناس بالباطل. . وقد وردت كلمة ﴿المغضوب عَلَيْهِم﴾ في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير وَعَبَدَ الطاغوت أولئك شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السبيل﴾ [المائدة: ٦٠] وهذه الآيات نزلت في بني اسرائيل.

стр. 50

وقول الله تعالى: «ولا الضالين» هناك الضال والْمُضِل. . الضال هو الذي ضل الطريق فاتخذ منهجا غير منهج الله. . ومشى في الضلالة بعيدا عن الهدى وعن دين الله. . ويقال ضل الطريق أي مشي فيه وهو لا يعرف السبيل الى ما يريد أن يصل إليه. . أي أنه تاه في الدنيا فأصبح وليا للشيطان وابتعد عن طريق الله المستقيم. . هذا هو الضال. . ولكن المضل هو من لم يكتف بأنه ابتعد عن منهج الله وسار في الحياة على غير هدى. . بل يحاول أن يأخذ غيره الى الضلالة. . يغري الناس بالكفر وعدم اتباع المنهج والبعد عن طريق الله. . وكل واحد من العاصين يأتي يوم القيامة يحمل ذنوبه. . الا المضل فانه يحمل ذنوبه وذنوب من اضلهم. مصداقا لقوله سبحانه: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] أي أنك وأنت تقرأ الفاتحة. . فأنك تستعيذ بالله أن تكون من الذين ضلوا. . ولكن الحق لم يأتِ هنا بالمضلين. نقول انك لكي تكون مضلا لابد أن تكون ضالا أولا. . فالاستعاذة من الضلال هنا تشمل الاثنين. لأنك مادمت قد استعذت من أن تكون ضالا فلن تكون مضلا أبدا. بقى أن نتكلم عن ختم فاتحة الكتاب. بقولنا آمين أسوة برسول الله ﷺ َ الذي علمه جبريل ﵇ أن يقول بعد قراءة الفاتحة آمين، فهي من كلام جبريل لرسول الله ﷺ َ وليست كلمة من القرآن. وكلمة آمين معناها استجب يا رب فيما دعوناك به من قولنا: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أي أن الدعاء هنا له شيء مطلوب تحقيقه. وآمين دعاء لتحقيق المطلوب. . وكلمة آمين اختلف العلماء فيها. . أهي عربية أم غير عربية. وهنا يثور سؤال. . كيف تدخل كلمة غير عربية في قرآن حكم الله بأنه عربي. .؟ نقول أن ورود كلمة ليست من أصل عربي في القرآن الكريم. لا ينفي

стр. 51

أن القرآن كله عربي. بمعنى أنه اذا خوطب به العرب فهموه. . وهناك الفاظ دخلت في لغة العرب قبل أن ينزل القرآن. . ولكنها دارت على الألسن بحيث أصبحت عربية وألفتها الاذان العربية. . فليس المراد بالعربي هو أصل اللغة العربية وحدها. . وانما المراد أن القرآن نزل باللغة التي لها شيوع على ألسنة العرب. وما دام اللفظ قد شاع على اللسان قولا وفي الآذان سمعا. فإن الأجيال التي تستقبله لا تفرق بينه وبين غيره من الكلمات التي هي من أصل عربي. . فاللفظ الجديد أصبح عربيا بالاستعمال وعند نزول القرآن كانت الكلمة شائعة شيوع الكلمة العربية. واللغة ألفاظ يصطلح على معانيها. بحيث إذا أطلق اللفظ فهم المعنى. واللغة التي نتكلمها لا تخرج عن اسم وفعل وحرف. . الاسم كلمة والفعل كلمة والحرف كلمة. . والكلمة لها معنى في ذاتها ولكن هل هذا المعنى مستقل في الفهم أو غير مستقل. . اذا قلت محمد مثلا فهمت الشخص الذي سمى بهذا الاسم فصار له معنى مستقل. . واذا قلت كتب فهمت أنه قد جمع الحروف لتقرأ على هيئة كتابة. . ولكن اذا قلت ماذا وهي حرف فليس هناك معنى مستقل. . واذا قلت «في» دَلَّتْ على الظرفية ولكنها لم تدلنا على معنى مستقل. بل لابد ان تقول الماء في الكوب. . أو فلان على الفرس. . غير المستقل في الفهم نسميه حرفا لا يظهر معناه إلا بضم شيء له. . والفعل يحتاج الي زمن، ولكن الاسم لا يحتاج الي زمن. . اذن الاسم هو ما دل على معنى مستقل بالفهم وليس الزمن جزءا منه. . والفعل ما دل على فعل مستقل بالفهم والزمن جزء منه. . والحرف دل على معنى غير مستقل. . ما هي علامة الفعل هي أنك تستطيع أن تسند اليه تاء الفاعل. . أي تقول كتبت والفاعل هو المتكلم. . ولكن الاسم لا يضاف اليه تاء الفاعل فلا تقول محمدت. . اذا رأيت شيئا يدل على الفعل أي يحتاج الى زمن. . ولكنه لا يقبل تاء الفاعل فانه يكون اسم على فعل. آمين من هذا النوع ليست فعلا فهي اسم مدلولة مدلول الفعل. . معناه استجب. . فأنت حين تسمع كلمة «آه» انها اسم لفعل بمعنى أتوجع. . وساعة

стр. 52

تقول «أف» اسم فعل بمعنى اتضجر. . وآمين اسم فعل بمعنى استجب. . ولكنك تقولها مرة وأنت القارئ، وتقولها مرة وأنت السامع. فساعة تقرأ الفاتحة تقول آمين. . أي أنا دعوت يا رب فاستجب دعائي. . لأنك لشدة تعلقك بما دعوت من الهداية فانك لا تكتفي بقول اهدنا ولكن تطلب من الله الاستجابة. واذا كنت تصلي في جماعة فأنت تسمع الامام وهو يقرأ الفاتحة. . ثم تقول آمين. لأن المأموم أحد الداعين. . الذي دعا هو الامام، وعندما قلت آمين فأنت شريك في الدعاء. . ولذلك فعندما دعا موسى ﵇ أن يطمس الله على اموال قوم فرعون ويهلكهم قال الله لموسى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فاستقيما وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩] أي أن الخطاب من الله موجهٌ الى موسى وهارون. ولكن موسى ﵇ هو الذي دعا. . وهارون أمن على دعوة موسى فأصبح مشاركا في الدعاء.

стр. 53

بدأت سورة البقرة بقوله تعالى: ﴿الم﴾ . . وهذه الحروف حروف مقطعة ومعنى مقطعة أن كل حرف ينطق بمفرده. لأن الحروف لها أسماء ولها مسميات. . فالناس حين يتكلمون ينطقون بمسمى الحرف وليس باسمه. . فعندما تقول كتب تنطق بمسميات الحروف. فإذا أردت أن تنطق بأسمائها. تقول كاف وتاء وباء. . ولا يمكن أن ينطق بأسماء الحروف إلا من تعلم ودرس، أما ذلك الذي لم يتعلم فقد ينطق بمسميات الحروف ولكنه لا ينطق بأسمائها، ولعل هذه أول ما يلفتنا. فرسول الله ﷺ َ كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ولذلك لم يكن يعرف شيئا عن أسماء الحروف. فإذا جاء ونطق بأسماء الحروف يكون هذا إعجازاً من الله . . بأن هذا القرآن موحى به إلى محمد ﷺ َ. . ولو أن رسول الله ﷺ َ درس وتعلم لكان شيئا عاديا أن ينطق بأسماء الحروف. ولكن تعالَ إلى أي أمي لم يتعلم. . إنه يستطيع أن ينطق بمسميات الحروف. . يقول الكتاب وكوب وغير ذلك. . فإذا طلبت منه أن ينطق بأسماء الحروف فإنه لا يستطيع أن يقول لك. إن كلمة كتاب مكونة من الكاف والتاء والألف والباء. . وتكون هذه الحروف دالة على صدق رسول الله ﷺ َ في البلاغ عن ربه. وأن هذا القرآن موحى به من الله . ونجد في فواتح السور التي تبدأ بأسماء الحروف. تنطق الحروف بأسمائها وتجد الكلمة نفسها في آية أخرى تنطق بمسمياتها. فألم في أول سورة البقرة نطقتها بأسماء الحروف ألف لام ميم. بينما تنطقها بمسميات الحروف في شرح السورة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]

стр. 54

وفي سورة الفيل في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل﴾ [الفيل: ١] ما الذي جعل رسول الله ﷺ َ. . ينطق ﴿الم﴾ في سورة البقرة بأسماء الحروف. . وينطقها في سورتي الشرح والفيل بمسميات الحروف. لابد أن رسول الله ﵊ ُ سمعها من الله كما نقلها جبريل ﵇ إليه هكذا. إذن فالقرآن أصله السماع لا يجوز أن تقرأه إلا بعد أن تسمعه. لتعرف أن هذه تُقرأ ألف لام ميم والثانية تقرأ ألم. . مع أن الكتابة واحدة في الاثنين. . ولذلك لابد أن تستمع إلى فقيه يقرأ القرآن قبل أن تتلوه. . والذي يتعب الناس أنهم لم يجلسوا إلى فقيه ولا استمعوا إلى قارئ. . ثم بعد ذلك يريدون أن يقرأوا القرآن كأي كتاب. نقول لا. . القرآن له تميز خاص. . إنه ليس كأي كتاب تقرؤه. . لأنه مرة يأتي باسم الحرف. ومرة يأتي بمسميات الحرف. وأنت لا يمكن أن تعرف هذا إلا إذا استمعت لقارئ يقرأ القرآن. والقرآن مبني على الوصل دائما وليس على الوقف، فإذا قرأت في آخر سورة يونس مثلا: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين﴾ [١٠٩] لا تجد النون عليها سكون بل تجد عليها فتحة، موصولة بقول الله بسم الله الرحمن الرحيم. ولو كانت غير موصولة لوجدت عليها سكونا. اذن فكل آيات القرآن الكريم مبنية على الوصل. . ما عدا فواتح السور المكونة من حروف فهي مبنية على الوقف. . فلا تقرأ في أول سورة البقرة: ﴿الم﴾ والميم عليها ضمة. بل تقرأ ألفا عليها سكون ولاما عليها سكون وميما عليها سكون. اذن كل حرف منفرد بوقف. مع أن الوقف لا يوجد في ختام السور ولا في القرآن الكريم كله. وهناك سور في القرآن الكريم بدأت بحرف واحد مثل قوله تعالى: ﴿ص والقرآن ذِي الذكر﴾ [ص: ١]

стр. 55

﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] ونلاحظ أن الحرف ليس آية مستقلة. بينما «ألم» في سورة البقرة آية مستقلة. و: «حم» . و: «عسق» آية مستقلة مع أنها كلها حروف مقطعة. وهناك سور تبدأ بآية من خمسة حروف مثل «كهيعص» في سورة مريم. . وهناك سور تبدأ بأربعة حروف. مثل «المص» في سورة «الأعراف» . وهناك سور تبدأ بأربعة حروف وهي ليست آية مستقلة مثل «ألمر» في سورة «الرعد» متصلة بما بعدها. . بينما تجد سورة تبدأ بحرفين هما آية مستقلة مثل: «يس» في سورة يس. و «حم» في سورة غافر وفصلت. . و: «طس» في سورة النمل. وكلها ليست موصلة بالآية التي بعدها. . وهذا يدلنا على أن الحروف في فواتح السور لا تسير على قاعدة محددة. «ألم» مكونة من ثلاث حروف تجدها في ست سور مستقلة. . فهي آية في البقرة وآل عمران والعنكبوت والروم والسجدة ولقمان. و «الر» ثلاثة حروف ولكنها ليست آية مستقلة. بل جزء من الآية في أربع سور هي: يونس ويوسف وهود وإبراهيم. . و: «المص» من أربعة حروف وهي آية مستقلة في سورة «الأعراف» و «المر» أربعة حروف، ولكنها ليست آية مستقلة في سورة الرعد إذن فالمسألة ليست قانونا يعمم، ولكنها خصوصية في كل حرف من الحروف. وإذا سألت ما هو معنى هذه الحروف؟ . . نقول إن السؤال في أصله خطأ. . لأن الحرف لا يسأل عن معناه في اللغة إلا إن كان حرف معنى. . والحروف نوعان: حرف مَبْنَى وحرف معنى. حرف المبنى لا معنى له إلا للدلالة على الصوت فقط. . أما حروف المعاني فهي مثل في. ومن. . وعلى. . (في) تدل على الظرفية. . و (مِنْ) تدل على الابتداء و (إلى) تدل على الانتهاء. . و (على) تدل على الاستعلاء. . هذه كلها حروف معنى. وإذا كانت الحروف في أوائل السور في القرآن الكريم قد خرجت عن قاعدة الوصل لأنها مبنية على السكون لابد أن يكون لذلك حكمة. . أولا لنعرف قول رسول الله ﷺ َ: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حَسَنَةٌ والحَسَنَةُ

стр. 56

بعَشْر أمْثَالها، لا أقولُ ألم حرف ولكن ألفٌ حرْفٌ ولاَمٌ حرف ومِيمٌ حرف» ولذلك ذكرت في القرآن كحروف استقلالية لنعرف ونحن نتعبد بتلاوة القرآن الكريم أننا نأخذ حسنة على كل حرف. فإذا قرأنا بسم الله الرحمن الرحيم. يكون لنا بالباء حسنة وبالسين حسنة وبالميم حسنة فيكون لنا ثلاثة حسنات بكلمة واحدة من القرآن الكريم. والحسنة بعشر أمثالها. وحينما نقرأ «ألم» ونحن لا نفهم معناها نعرف أن ثواب القرآن على كل حرف نقرؤه سواء فهمناه أم لم نفهمه. . وقد يضع الله من أسراره في هذه الحروف التي لا نفهمها ثوابا وأجرا لا نعرفه. ويريدنا بقراءتها أن نحصل على هذا الأجر. . والقرآن الكريم ليس إعجازا في البلاغة فقط. ولكنه يحوي إعجازا في كل ما يمكن للعقل البشري أن يحوم حوله. فكل مفكر متدبر في كلام الله يجد إعجازا في القرآن الكريم. فالذي درس البلاغة رأى الإعجاز البلاغي، والذي تعلم الطب وجد إعجازا طبيا في القرآن الكريم. وعالم النباتات رأى إعجازا في آيات القرآن الكريم، وكذلك عالم الفلك. . وإذا أراد انسان منا أن يعرف معنى هذه الحروف فلا نأخذها على قدر بشريتنا. . ولكن نأخذها على قدر مراد الله فيها. . وقدراتنا تتفاوت وأفهامنا قاصرة. فكل منا يملك مِفْتاحاً من مفاتيح الفهم كل على قدر علمه. . هذا مفتاح بسيط يفتح مرة واحدة وآخر يدور مرتين. . وآخر يدور ثلاث مرات وهكذا. . ولكن من عنده العلم يملك كل المفاتيح، أو يملك المفتاح الذي يفتح كل الأبواب. . ونحن لا يجب أن نجهد أذهاننا لفهم هذه الحروف. فحياة البشر تقتضي منا في بعض الأحيان أن نضع كلمات لا معنى لها بالنسبة لغيرنا. . وإذن كانت تمثل أشياء ضرورية بالنسبة لنا. تماما ككلمة السر التي تستخدمها الجيوش لا معنى لها إذا سمعتها. ولكن بالنسبة لمن وضعها يكون ثمنها الحياة أو الموت. . فخذ كلمات الله التي تفهمها بمعانيها. . وخذ الحروف التي لا تفهمها بمرادات الله فيها. فالله شاء أن يبقى معناها في الغيب عنده.

стр. 57

والقرآن الكريم لا يؤخذ على نسق واحد حتى نتنبه ونحن نتلوه أو نكتبه. لذلك تجد مثلا بسم الله الرحمن الرحيم مكتوبة بدون ألف بين الباء والسين. ومرة تجدها مكتوبة بالألف في قوله تعالى: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] وكلمة تبارك مرة تكتب بالألف ومرة بغير الألف. . ولو أن المسألة رتابة في كتابة القرآن لجاءت كلها على نظام واحد. ولكنها جاءت بهذه الطريقة لتكون كتابة القرآن معجزة وألفاظه معجزة. ونحن نقول للذين يتساءلون عن الحكمة في بداية بعض السور بحروف. . نقول إن لذلك حكمة عند الله فهمناها أو لم نفهمها. . والقرآن نزل على أمة عربية فيها المؤمن والكافر. . ومع ذلك لم نسمع أحداً يطعن في الأحرف التي بدأت بها السور. وهذا دليل على أنهم فهموها بملكاتهم العربية. . ولو أنهم لم يفهموها لطعنوا فيها. وأنا أنصح من يقرأ القرآن الكريم للتعبد. . ألا يشغل نفسه بالتفكير في المعنى. أما الذي يقرأ القرآن ليستنبط منه فليقف عند اللفظ والمعنى. . فإذا قرأت القرآن لتتعبد فاقرأه بسر الله فيه. . ولو جلست تبحث عن المعنى. . تكون قد حددت معنى القرآن الكريم بمعلوماتك أنت. وتكون قد أخذت المعنى ناقصا نقص فكر البشر. . ولكن اقرأ القرآن بسر الله فيه. إننا لو بحثنا معنى كل لفظ في القرآن الكريم فقد أخرجنا الأمي وكل من لم يدرس اللغة العربية دراسة متعمقة من قراءة القرآن. ولكنك تجد أميا لم يقرأ كلمة واحدة ومع ذلك يحفظ القرآن كله. فإذا قلت كيف؟ نقول لك بسر الله فيه. والكلام وسيلة إفهام وفهم بين المتكلم والسامع. المتكلم هو الذي بيده البداية، والسامع يفاجأ بالكلام لأنه لا يعلم مقدما ماذا سيقول المتكلم. . وقد يكون ذهن السامع مشغولا بشيء آخر. . فلا يستوعب أول الكلمات. . ولذلك قد تنبهه بحروف أو بأصوات لا مهمة لها إلا التنبيه للكلام الذي سيأتي بعدها.

стр. 58

وإذا كنا لا نفهم هذه الحروف. فوسائل الفهم والإعجاز في القرآن الكريم لا تنتهي، لأن القرآن كلام الله. والكلام صفة من صفات المتكلم. . ولذلك لا يستطيع فهم بشري أن يصل إلى منتهى معاني القرآن الكريم، إنما يتقرب منها. لأن كلام الله صفة من صفاته. . وصفة فيها كمال بلا نهاية. فإذا قلت إنك قد عرفت كل معنى للقرآن الكريم. . فإنك تكون قد حددت معنى كلام الله بعلمك. . ولذلك جاءت هذه الحروف إعجازا لك. حتى تعرف إنك لا تستطيع أن تحدد معاني القرآن بعلمك. . إن عدم فهم الانسان لأشياء لا يمنع انتفاعه بها. . فالريفي مثلا ينتفع بالكهرباء والتليفزيون وما يذاع بالقمر الصناعي وهو لا يعرف عن أي منها شيئا. فلماذا لا يكون الله ﵎ قد أعطانا هذه الحروف نأخذ فائدتها ونستفيد من اسرارها ويتنزل الله بها علينا بما أودع فيها من فضل سواء أفهم العبد المؤمن معنى هذه الحروف أو لم يفهمها. وعطاء الله وحكمته فوق قدرة فهم البشر. . ولو أراد الانسان أن يحوم بفكره وخواطره حول معاني هذه الحروف لوجد فيها كل يوم شيئا جديدا. لقد خاض العلماء في البحث كثيرا. . وكل عالم أخذ منها على قدر صفائه، ولا يدعي أحد العلماء أن ذلك هو الحق المراد من هذه الحروف. . بل كل منهم يقول والله أعلم بمراده. ولذلك نجد عالما يقول (ألر) و (حم) و (ن) وهي حروف من فواتح السور تكون اسم الرحمن. . نقول إن هذا لا يمكن ان يمثل فهما عاما لحروف بداية بعض سور القرآن. . ولكن ما الذي يتعبكم أو يرهقكم في محاولة ايجاد معان لهذه الحروف؟! . . لو أن الله الذي أنزل القرآن يريد أن يفهمنا معانيها. . لأوردها بمعنى مباشر أو أوضح لنا المعنى. فمثلا أحد العلماء يقول إن معنى (ألم) هو أنا الله اسمع وأرى. . نقول لهذا العالم لو أن الله أراد ذلك فما المانع من أن يورده بشكل مباشر لنفهمه جميعا. . لابد أن يكون هناك سر في هذه الحروف. . وهذا السر هو من أسرار الله التي يريدنا أن ننتفع بقراءتها دون أن نفهمها. . ولابد أن نعرف أنه كما أن للبصر حدوداً. وللأذن حدوداً وللمس والشم والتذوق حدوداً، فكذلك عقل الانسان له حدود يتسع لها في المعرفة. . وحدود فوق قدرات

стр. 59

العقل لا يصل اليها. والانسان حينما يقرأ القرآن والحروف الموجودة في أوائل بعض السور يقول إن هذا امر خارج عن قدرته العقلية. . وليس ذلك حجراً أو سَدّاً لباب الاجتهاد. . لأننا إن لم ندرك فإن علينا أن نعترف بحدود قدراتنا أمام قدرات خالقنا التي هي بلا حدود. وفي الايمان هناك ما يمكن فهمه وما لا يمكن فهمه. . فتحريم أكل لحم الخنزير أو شرب الخمر لا ننتظر حتى نعرف حكمته لنمتنع عنه. ولكننا نمتنع عنه بإيمان أنه مادام الله قد حرمه فقد أصبح حراما. ولذلك يقول رسول الله ﷺ َ: «ما عرفتم من محكمه فاعملوا به، وما لم تدركوا فآمنوا به» . والله يقول: ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابتغاء الفتنة وابتغاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب﴾ [آل عمران: ٧] اذن فعدم فهمنا للمتشابه لا يمنع أن نستفيد من سر وضعه الله في كتابه. . ونحن نستفيد من أسرار الله في كتابه فهمناها أم لم نفهمها.

стр. 60

في الآية الثانية من سورة البقرة وصف الله القرآن الكريم بأنه الكتاب. وكلمة (قرآن) معناها أنه يُقرأ، وكلمة (كتاب) معناها أنه لا يحفظ فقط في الصدور، ولكن يُدوّن في السطور، ويبقى محفوظاً إلى يوم القيامة، والقول بأنه الكتاب، تمييز له عن كل كتب الدنيا، وتمييز له عن كل الكتب السماوية التي نزلت قبل ذلك، فالقرآن هو الكتاب الجامع لكل احكام السماء، منذ بداية الرسالات حتى يوم القيامة، وهذا تأكيد لارتفاع شأن القرآن وتفرده وسماويته ودليل على وحدانية الخالق، فمنذ فجر التاريخ، نزلت على الأمم السابقة كتب تحمل منهج السماء، ولكن كل كتاب وكل رسالة نزلت موقوتة، في زمانها ومكانها، تؤدي مهمتها لفترة محددة وتجاه قوم مُحَّددين. فرسالة نوح ﵇ كانت لقومه، وكذلك ابراهيم ولوط وشعيب وصالح ﵈. . كل هذه رسالات كان لها وقت محدود، تمارس مهمتها في الحياة، حتى يأتي الكتاب وهو القرآن الكريم الجامع لمنهج الله . ولذلك بُشر في الكتب السماوية التي نزلت قبل بعثة محمد ﵊ ُ بأن هناك رسولا سيأتي، وأنه يحمل الرسالة الخاتمة للعالم، وعلى كل الذين يصدقون بمنهج السماء أن يتبعوه. . وفي ذلك يقول الحق : ﴿الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل﴾ [من الآية ١٥٧ سورة الأعراف] والقرآن هو الكتاب، لأنه لن يصل اليه أي تحريف أو تبديل، فرسالات السماء السابقة ائتمن الله البشر عليها، فنسوا بعضها، وما لم ينسوه حرفوه، وأضافوا إليه

стр. 61

من كلام البشر، ما نسبوه إلى الله ظلما وبهتانا، ولكن القرآن الكريم محفوظ من الخالق الأعلى، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ومعنى ذلك ألا يرتاب انسان في هذا الكتاب، لأن كل ما فيه من منهج الله محفوظ منذ لحظة نزوله إلى قيام الساعة بقدرة الله . يقول الحق ﷻ : ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ . والإِعجاز الموجود في القرآن الكريم هو في الأسلوب وفي حقائق القرآن وفي الآيات وفيما رُوِىَ لنا من قصص الأنبياء السابقين، وفيما صحح من التوراة والانجيل، وفيما أتى به من علم لم تكن تعلمه البشرية ولازالت حتى الآن لا تعلمه، كل ذلك يجعل القرآن لا ريب فيه، لأنه لو اجتمعت الإنس والجن ما استطاعوا أن يأتوا بآية واحدة من آيات القرآن، ولذلك كلما تأملنا في القرآن وفي أسلوبه، وجدنا أنه بحق لا ريب فيه، لأنه لا أحد يستطيع أن يأتي بآية، فما بالك بالقرآن. فهذا الكتاب ارتفع فوق كل الكتب، وفوق مدارك البشر، يوضح آيات الكون، وآيات المنهج، وله في كل عصر معجزات. إن كلمة الكتاب التي وصف الله بها القرآن تمييزا له عن كل الكتب السابقة، تلفتنا إلى معان كثيرة، تحدد لنا بعض أساسيات المنهج التي جاء هذا الكتاب ليبلغنا بها. وأول هذه الأساسيات، أن نزول هذا الكتاب، يستوجب الحمد لله . واقرأ في سورة الكهف: ﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ [الكهف: ١ ٢]

стр. 62

ويلفت الله عباده الى أن إنزاله القرآن على رسوله ﷺ َ يستوجب الحمد من البشر جميعا، لأن فيه منهج السماء، وفيه الرحمة من الله لعباده، وفيه البشارة بالجنة والطريق اليها، وفيه التحذير من النار وما يقود اليها، وهذا التحذير أو الإنذار هو رحمة من الله تعالى لخلقه. لأنه لو لم ينذرهم لفعلوا ما يستوجب العذاب، ويجعلهم يخلدون في عذاب اليم. ولكن الكتاب الذي جاء ليلفتهم الى ما يغضب الله، حتى يتجنبوه، إنما جاء برحمة تستوجب الحمد، لأنها أرتنا جميعاً، الطريق الى النجاة من النار، ولو لم ينزل الله الكتاب، ما عرف الناس المنهج الذي يقودهم الى الجنة، وما استحق احد منهم رضا الله ونعيمه في الآخرة. وفي سورة الكهف، نجد تأكيداً آخر. . ان كتاب الله، وهو القرآن الكريم لن يستطيع بشر أن يبدل منه كلمة واحدة، واقرأ قوله ﷻ : ﴿واتل مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ [الكهف: ٢٧] ويبين الله لنا أن هذا الكتاب، جاء لنفع الناس، ولنفع العباد، وأن الله ليس محتاجاً لخلقه، فهو قادر على أن يقهر من يشاء على الطاعة، ولا يمكن لخلق من خلق الله أن يخرج من كون الله عن مرادات الله، واقرأ قوله : ﴿طسم تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ١ - ٤] ويأتي الله بالقسم الذي يلفتنا الى أن كل كلمة من القرآن هي من

стр. 63

عند الله، كما ابلغها جبريل ﵇ لمحمد ﷺ َ في قوله سبحانه: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العالمين﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٠] ثم يلفتنا الحق الى ذلك الكتاب الذي هو منهج للانسان على الأرض، فبعد أن بين لنا ﷻ ، بما لا يدع مجالا للشك أن الكتاب منزل من عنده، وأنه يصحح الكتب السابقة كالتوراة، والانجيل والتي أئتمن الله عليها البشر، فحرفوها وبدلوها، وهذا التحريف أبطل مهمة المنهج الإلهي بالنسبة لهذه الكتب، فجاء الكتاب الذي لم يصل اليه تحريف ولا تبديل، ليبقى منهجاً لله، الى ان تقوم الساعة. أول ما جاء به هذا الكتاب هو إيمان القمة، بأنه لا إله إلا الله الواحد الأحد. . والله يقول: ﴿الم الله لا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل﴾ [آل عمران: ١ - ٣] وهكذا نعرف ان الكتاب نزل ليؤكد لنا، ان الله واحد أحد، لا شريك له، وأن القرآن يشتمل على كل ما تضمنته الشرائع السماوية من توراة وانجيل، وغيرها من الكتب. فالقرآن نزل ليفرق بين الحق الذي جاءت به الكتب السابقة، وبين الباطل الذي أضافه أولئك الذي ائتمنوا عليها.

стр. 64

ثم يحدد الحق ﵎ لنا مهمتنا في أن هذا الكتاب مطلوب أن نبلغه للناس جميعاً، واقرأ قوله سبحانه: ﴿المص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١ - ٢] فالخطاب هنا لرسول الله ﷺ َ، وكل خطاب لرسول الله ﷺ َ في القرآن الكريم، يتضمن خطابا لأمته جميعاً، فالرسول ﷺ َ كلف بأن يبلغ الكتاب للناس، ونحن مكلفون بأن نتبع المنهج نفسه ونبلغ ما جاء في القرآن للناس حتى يكون الحساب عدلا، وأنهم قد بلغوا منهج الله، ثم كفروا به أو تركوه، إذن فإبلاغ الكتاب من المهمات الأساسية التي حددها الله بالنسبة للقرآن. والكتاب فيه رد على حجج الكفار وأباطيلهم. واقرأ قول الله ﵎: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ﴾ [يونس: ١ - ٢] وفي هذه الآيات الكريمة: يلفتنا الله إلى حقيقتين. . الحقيقة الأول هي أن الكفار يتخذون من بشرية الرسول حُجة بأن هذا الكتاب ليس من عند الله. وكان الرد هو: أن كل الرسل السابقين كانوا بشراً، فما هو العجب في أن يكون محمد ﷺ َ رسولاً بشراً. واللفتة الثانية هي ان هذا القرآن مكتوب بالحروف نفسها التي خلقها الله لنا لنكتب بها، ومع ذلك فإن القرآن الكريم نزل مستخدماً لهذه الحروف التي يعرفها الناس جميعاً، معجزاً في ألا يستطيع

стр. 65

الانس والجن، مجتمعين أن يأتوا بسورة واحدة منه. ثم يلفتنا الحق لفتة اخرى الى أن هذا الكتاب محكم الآيات، ثم بينه الله لعباده، واقرأ قوله ﷻ في سورة هود: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [هود: ١ - ٢] هذه هي بعض الآيات في القرآن الكريم، التي أراد الله أن يلفتنا فيها الى معنى الكتاب، فآياته من عند الله الحكيم الخبير، وكل آية فيها اعجاز مُتَحدَّى به الإنس والجن، وهذا الكتاب لابد أن يبلغ للناس جميعاً، فالكتاب ينذرهم ألا يعبدوا إلا الله، ليكون الحساب عدلا في الآخرة، فمن أنذر وأطاع كان له الجنة، ومن عصى كانت له النار والعياذ بالله. ثم يلفتنا الله الى ان هذا الكتاب فيه قصص الأنبياء السابقين منذ آدم ﵇، يقول ﷻ : ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هذا القرآن وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين﴾ [يوسف: ١ - ٣] وهكذا نجد أن القرآن الكريم، قد جاء ليقص علينا أحسن القصص بالنسبة للأنبياء السابقين، والأحداث التي وقعت في الماضي، ولم يأت القرآن بهذه القصص للتسلية أو للترفيه، وإنما جاء بها للموعظة ولتكون عبرة ايمانية، ذلك أن القصص القرآني يتكرر في كل زمان ومكان. ففرعون هو كل حاكم طغى في الأرض، ونصب نفسه إلها، وقارون هو كل من أنعم الله عليه فنسب النعمة الى نفسه، وتكبر وعصى

стр. 66

الله، وقصة يوسف هي قصة كل اخوة حقدوا على أخ لهم، وتآمروا عليه، وأهل الكهف هم كل فتية آمنوا بربهم، فنشر الله لهم من رحمته في الدنيا والآخرة، ما عدا قصة واحدة هي قصة مريم وعيسى ﵉، فهي معجزة لن تتكرر ولذلك عرف الله ابطالها، فقال عيسى بن مريم وقال مريم ابنة عمران. والكتاب الذي أنزله الله فيه لفتة الى آيات الله في كونه. واقرأ قوله تعالى: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحق ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ الله الذي رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ استوى عَلَى العرش وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأمر يُفَصِّلُ الآيات لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ١ - ٢] وهكذا بين لنا الله في الكتاب آياته في الكون ولفتنا اليها، فالسماء مرفوعة بغير عمد نراها، والشمس والقمر مسخران لخدمة الانسان، وهذه كلها آيات لا يستطيع أحد من خلق الله أن يدعيها لنفسه أو لغيره، فلا يوجد، حتى يوم القيامة من يستطيع ان يدعي انه رفع السماء بغير عمد، أو أنه خلق الشمس والقمر وسخرهما لخدمة الانسان. ولو تدبر الناس في آيات الكون لآمنوا ولكنهم في غفلة عن هذه الآيات. ثم يحدد الحق مهمة هذا الكتاب وكيف أنه رحمة للناس جميعاً، فيقول ﷻ : ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾

стр. 67

[إبراهيم: ١ - ٢] أي أن مهمة هذا الكتاب هي أن يخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر والشرك الي نور الايمان، لأن كل كافر مشرك تحيط به ظلمات، يرى الآيات فلا يبصرها، ويعرف أن هناك حسابا وآخرة ولكنه ينكرهما، ولا يرى إلا الحياة الدنيا القصيرة غير المأمونة في كل شيء، في العمر والرزق والمتعة، ولو تطلع الى نور الايمان، لرأى الآخرة وما فيها من نعيم أبدي ولَعَمِلَ من أجلها، ولكن لأنه تحيط به الظلمات لا يرى. . والطريقُ لأن يرى هو هذا الكتاب، القرآن الكريم لأنه يخرج الناس إذا قرأوه من ظلمات الجهل والكفر الى نور الحقيقة واليقين. وبين الحق أن الذين يلتفتون الى الدنيا وحدها، هم كالأنعام التي تأكل وتشرب، بل ان الانعام افضل منهم، لأن الانعام تقوم بمهمتها في الحياة، بينما هم لا يقومون بمهمة العبادة، فيقول الحق ﵎: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ١ - ٣] هكذا يخبرنا الحق أن آيات كتابه الكريم ومنهجه لا تؤخذ بالتمني، ولكن لابد أن يعمل بها، وأن الذين كفروا في تمتعهم بالحياة الدنيا لا يرتفعون فوق مرتبة الأنعام، وأنهم يتعلقون بأمل كاذب في أن النعيم في الدنيا فقط، ولكن الحقيقة غير ذلك وسوف يعلمون. وهكذا بعد أن تعرضنا بإيجاز لبعض الآيات التي ورد فيها ذكر الكتاب انه كتاب يبصرنا بقضية القمة في العقيدة وهي أنه لا إله إلا الله وأن محمداً ﷺ َ رسول الله، وهو بهذا يخرج الناس من الظلمات الى النور. وأن يلفتهم الى آيات الكون. . وأن يعرفوا أن هناك آخرة ونعيماً أبدياً وشقاء أبدياً، وأن يقيم الدليل والحجة على الكافرين، وأن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الكتاب﴾ يحمل معنى التفوق الكامل الشامل على كل ما سبقه من كتب. وأنه سيظل كذلك حتى قيام الساعة ولذلك وصفه الحق ﵎ بأنه «كتاب» ليكون دليلا على الكمال.

стр. 68

ولابد أن نعرف أن ذلك ليست كلمة واحدة. . وانما هي ثلاث كلمات. . «ذا» اسم اشارة. . «واللام» تدل على الابتعاد ورفعة شأن القرآن الكريم، و «ك» لمخاطبة الناس جميعا بأن القرآن الكريم له عمومية الرسالة الى يوم القيامة. ونحن عندما نقرأ سورة البقرة نستطيع أن نقرأ آيتها الثانية بطريقتين. . الطريقة الأولى أن نقول ﴿الم ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ ثم نصمت قليلا ونضيف: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ والطريقة الثانية أن نقول: ﴿الم ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ﴾ ثم نصمت قليلا ونضيف: فيه هدى للمتقين «وكلتا الطريقتين توضح لنا معنى لا ريب أي لا شك. . أو نفي للشك وجزم مطلق أنه كتاب حكيم منزل من الخالق الأعلى. وحتى نفهم المنطلق الذي نأخذ منه قضايا الدين، والتي سيكون دستورنا في الحياة، فلابد ان نعرف ما هو الهدى ومن هم المتقون؟ الهدى هو الدلالة على طريق يوصلك الى ما تطلبه. فالاشارات التي تدل المسافر على الطريق هي هدى له لانها تبين له الطريق الذي يوصله الى المكان الذي يقصده. . والهدى يتطلب هاديا ومهديا وغاية تريد أن تحققه. فاذا لم يكن هناك غاية أو هدف فلا معنى لوجود الهدى لأنك لا تريد أن تصل الى شيء. . وبالتالي لا تريد من أحد أن يدلك على طريق. اذن لابد أن نوجد الغاية أولا ثم نبحث عمن يوصلنا اليها. وهنا نتساءل من الذي يحدد الهدف ويحدد لك الطريق للوصول إليه؟ اذا اخذنا بواقع حياة الناس فإن الذي يحدد لك الهدف لابد أن تكون واثقا من حكمته. . والذي يحدد لك الطريق لابد أن يكون له من العلم ما يستطيع به أن يدلك على أقصر الطرق لتصل الى ما تريد. فاذا نظرنا الى الناس في الدنيا نجد أنهم يحددون مطلوبات حياتهم ويحددون الطريق الذي يحقق هذه المطلوبات. . فالذي يريد أن يبني بيتا مثلا يأتي بمهندس يضع له الرسم، ولكن الرسم قد يكون قاصرا على أن يحقق الغاية المطلوبة فيظل يغير ويبدل فيه. ثم يأتي مهندس على مستوى أعلى فيضع تصوراً جديداً للمسألة كلها. . وهكذا يكون الهدف متغيرا وليس ثابتا. وعند التنفيذ قد لا توجد المواد المطلوبة فنغير ونبدل لنأتي بغيرها ثم فوق ذلك كله قد تأتي قوة أعلى فتوقف التنفيذ أو تمنعه. إذن فأهداف الناس متغيرة تحكمها ظروف

стр. 69

حياتهم وقدراتهم. . والغايات التي يطلبونها لا تتحقق لقصور علم البشر وامكاناته. اذن فكلنا محتاجون الى كامل العلم والحكمة ليرسم لنا طريق حياتنا. . وأن يكون قادرا على كل شيء، ومالكا لكل شيء، والكون خاضعا لارادته حتى نعرف يقينا أن ما نريده سيتحقق، وأن الطريق الذي سنسلكه سيوصلنا الى ما نريده. وينبهنا الله الى هذه القضية فيقول: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى﴾ [البقرة: ١٢٠] ان الله يريد أن يلفت خلقه الى انهم إذا أرادوا أن يصلوا الى الهدف الثابت الذي لا يتغير فليأخذوه عن الله. وإذا أرادوا أن يتبعوا الطريق الذي لا توجد فيه أي عقبات أو متغيرات. . فليأخذوا طريقهم عن الله ﵎. . إنك اذا اردت باقيا. . فخذ من الباقي، واذا أردت ثابتا. . فخذ من الثابت. ولذلك كانت قوانين البشر في تحديد أهدافهم في الحياة وطريقة الوصول اليها قاصرة. . علمت أشياء وغابت عنها أشياء. . ومن هنا فهي تتغير وتتبدل كل فترة من الزمان. ذلك أن من وضع القوانين من البشر له هدف يريد أن يحققه، ولكن الله ﷻ لا هوى له. . فإذا أردت أن تحقق سعادة في حياتك، وأن تعيش آمنا مطمئنا. . فخذ الهدف عن الله، وخذ الطريق عن الله. فإن ذلك ينجيك من قلق متغيرات الحياة التي تتغير وتتبدل. والله قد حدد لخلقه ولكل ما في كونه أقصر طريق لبلوغ الكون سعادته. والذين لا يأخذون هذا الطريق يتعبون أنفسهم ويتعبون مجتمعهم ولا يحققون شيئا. اذن فالهدف يحققه الله لك، والطريق يبينه الله لك. . وما عليك إلا أن تجعل مراداتك في الحياة خاضعة لما يريده الله. ويقول الله : ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ . . ما معنى المتقين؟ متقين جمع متق. والاتقاء من الوقاية. . والوقاية هي الاحتراس والبعد عن الشر. . لذلك

стр. 70

يقول الحق ﵎: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [التحريم: ٦] أي اعملوا بينكم وبين النار وقاية. احترسوا من أن تقعوا فيها. . ومن عجيب أمر هذه التقوى أنك تجد الحق يقول في القرآن الكريم والقرآن كله كلام الله «اتقوا الله» ويقول: «اتقوا النار» . كيف نأخذ سلوكا واحدا تجاه الحق وتجاه النار التي سيعذب فيها الكافرون؟! الله تعالى يقول: «اتقوا النار» . أي لا تفعلوا ما يغضب الله حتى لا تعذبوا في النار. . فكأنك قد جعلت بينك وبين النار وقاية بأن تركت المعاصي وفعلت الخير. وقول تعالى: «اتقوا الله» كيف نتقيه بينما نحن نطلب من الله كل النعم وكل الخير دائما. كيف يمكن أن يتم هذا؟ وكيف نتقي من نحب؟ . نقول ان لله صفات جلال وصفات جمال. . صفات الجلال تجدها في القهار والجبار والمذل. . والمنتقم. والضار. كل هذا من متعلقات صفات الجلال. . بل إن النار من متعلقات صفات الجلال. أما صفات الجمال فهي الغفار والرحيم وكل الصفات التي تتنزل بها رحمات الله وعطاءاته على خلقه. فاذا كنت تقي نفسك من النار وهي من متعلقات صفات الجلال لابد أن تقي نفسك من صفات الجلال كلها. لأنه قد يكون من متعلقاتها ما أشد عذابا وايلاما من النار. . فكأن الحق حين يقول: «اتقوا النار» . و: «اتقوا الله» يعني أن نتقي غضب الله الذي يؤدي بنا الى أن نتقي كل صفات جلاله. . ونجعل بيننا وبينها وقاية. فمن اتقى صفات جلال الله أخذ صفات جماله. . ولذلك يقول رسول الله ﷺ َ: «

стр. 71

إذا كانت آخر ليلة من رمضان تجلى الجبار بالمغفرة» وكان المنطق يقتضي أن يقول رسول الله ﷺ َ (تجلى الرحمن بالمغفرة) ولكن مادامت هناك ذنوب، فالمقام لصفة الجبار الذي يعذب خلقه بذنوبهم. فكأن صفة الغفار تشفع عند صفة الجبار. . وصفة الجبار مقامها للعاصين، فتأتي صفة الغفار لتشفع عندها، فيغفر الله للعاصين ذنوبهم، وجمال المقابلة هنا حينما يتجلى الجبار بجبروته بالمغفرة فساعة تأتي كلمة جبار. . يشعر الانسان بالفزع والخوف والرعب. لكن عندما تسمع (تجلى الجبار بالمغفرة) فإن السعادة تدخل الى قلبك. لأنك تعرف أن صاحب العقوبة وهو قادر عليها قد غفر لك. والنار ليست آمرة ولا فاعلة بذاتها ولكنها مأمورة. اذن فاستعذ منها بالآمر أو بصفات الجمال في الآمر. يقول الحق ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ولقد قلنا ان الهدى هدى الله. . لأنه هو الذي حدد الغاية من الخلق ودلنا على الطريق الموصل اليها. فكون الله هو الذي حدد المطلوب ودلنا على الطريق اليه فهذه قمة النعمة. . لانه لم يترك لنا أن نحدد غايتنا ولا الطريق اليها. فرحمنا بذلك مما سنتعرض له من شقاء في أن نخطئ ونصيب بسبب علمنا القاصر، فنشقى وندخل في تجارب، ونمشي في طرق ثم نكتشف أننا قد ضللنا الطريق فنتجه الى طريق آخر فيكون اضل وأشقى. وهكذا نتخبط دون أن نصل الى شيء. . وأراد سبحانه أن يجنبنا هذا كله فأنزل القرآن الكريم. . كتابا فيه هداية للناس وفيه دلالة على أقصر الطرق لكي نتقي عذاب الله وغضبه. والله قال: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أي أن هذا القرآن هدى للجميع. . فالذي يريد أن يتقي عذاب الله وغضبه يجد فيه الطريق الذي يحدد له هذه الغاية. . فالهدى من الحق ﵎ للناس جميعا. ثم خص من آمن به بهدى آخر، وهو أن يعينه على الطاعة.

стр. 72

اذن فهناك هدى من الله لكل خلقه وهو أن يدلهم ويبين لهم الطريق المستقيم. هذا هو هدى الدلالة، وهو أن يدل الله خلقه جميعا على الطريق الى طاعته وجنته. واقرأ قوله ﵎: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى﴾ [فصلت: ١٧] اذن الحق دلهم على طريق الهداية. . ولكنهم أحبوا طريق الغواية والمعصية واتبعوه. . هذه هداية الدلالة. . أما هداية المعونة ففي قوله سبحانه: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وهذه هي دلالة المعونة. . وهي لا تحق إلا لمن آمن بالله واتبع منهجه وأقبل على هداية الدلالة وعمل بها. . والله لا يعين من يرفض هداية الدلالة، بل يتركه يضل ويشقى. . ونحن حين نقرأ القرآن الكريم نجد أن الله ﵎: يقول لنبيه ورسوله ﷺ َ: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: ٥٦] وهكذا نفى الله عن رسوله ﷺ َ أن يكون هاديا لمن أحب. . ولكن الحق يقول لرسوله ﷺ َ: ﴿وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] فكيف يأتي هذا الاختلاف مع أن القائل هو الله.

стр. 73

نقول: عندما تسمع هذه الايات اعلم أن الجهة منفكة. . يعني ما نفى غير ما أثبت. . ففي غزوة بدر مثلا أخذ رسول الله ﷺ َ حفنة من الحصى قذفها في وجه جيش قريش. يأتي القرآن الكريم الى هذه الواقعة فيقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾ [الأنفال: ١٧] نفي للحدث وإثباته في الآية نفسها. . كيف رمى رسول الله ﷺ َ. . مع أن الله ﵎ قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ ؟! نقول إنه في هذه الآية الجهة منفكة. الذي رمى هو رسول الله ﷺ َ، ولكن الذي أوصل الحصى الى كل جيش قريش لتصيب كل مقاتل فيهم هي قدرة الله . فما كان لرمية رسول الله ﷺ َ حفنة من الحصى يمكن أن تصل الى كل جيش الكفار، ولكن قدرة الله هي التي جعلت هذا الحصى يصيب كل جندي في الجيش. أما قول الحق لرسوله ﷺ َ: ﴿وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ . فهي هداية دلالة. أي أن رسول الله ﷺ َ بتبليغه للقرآن وبيانه لمنهج الله قد دل الناس كل الناس على الطريق المستقيم وبينه لهم. وقوله ﵎: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ . . أي إنك لا توصل الهداية الى القلوب لأن الله هو الذي يهدي القلوب ويزيدها هدى وإيمانا. ولذلك أطلقها الله ﵎ قضية ايمانية عامة في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله﴾ فالقرآن الكريم يحمل هداية الدلالة للذين يريدون أن يجعلوا بينهم وبين غضب الله وعذابه وقاية.

стр. 74

بعد أن بين الله لنا أن هذا الكتاب وهو القرآن الكريم ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ . . أي أن فيه المنهج والطريق لكل من يريد أن يجعل بينه وبين غضب الله وقاية. . أراد أن يعرفنا صفات هؤلاء المتقين ومن هم. . وأول صفة هي قوله تعالى: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ . . ما هو الغيب الذي جعله الله أول مرتبة في الهدى. . وفي الوقاية من النار ومن غضب الله؟ . . الغيب هو كل ما غاب عن مدركات الحس. فالأشياء المحسة التي نراها ونلمسها لا يختلف فيها أحد. . ولذلك يقال ليس مع العين أين. . لأن ما تراه لا تريد عليه دليلا. . ولكن الغيب لا تدركه الحواس. . إنما يدرك بغيرها. . ومن الدلالة على دقة التعريف أنهم قالوا أن هناك خمس حواس ظاهرة هي: السمع والبصر والشم والذوق واللمس. . ولكن هناك أشياء تدرك بغير هذه الحواس. . لنفرض أن أمامنا حقيبتين. . الشكل نفسه والحجم نفسه. هل تستطيع بحواسك الظاهرة أن تدرك أيهما أثقل من الأخرى؟ . هل تستطيع الحواس الخمس أن تقول لك أي الحقيبتين أثقل؟ . . لا. . لابد أن تحمل واحدة منهما ثم تحمل الأخرى لتعرف أيهما أثقل. . بأي شيء أدركت هذا الثقل؟ . . بحاسة العضل. . لأن عضلاتك أُجهدت عندما حملت احدى الحقيبتين، ولم تجهد عندما حملت الثانية. . فعرفت بالدقة أيهما أثقل. . لا تقل باللمس؛ لأنك لو لمست احداهما ثم لمست الأخرى لا تعرف أيهما

стр. 75

أثقل. . إذن فهناك حاسة العضل التي تقيس بها ثقل الأشياء. . ولنفرض أنك دخلت محلا لبيع القماش، وأمامك نوعان من قماش واحد. . ولكن أحدهما أرق من الآخر. . بمجرد أن تضع القماشين بين أنامِلك تدرك أن أحدهما رقيق والآخر أكثر سمكا. . بأي حاسة أدركت هذا؟ ليس بحاسة اللمس ولكن بحاسة البينة وحكمها لا يخطئ. . وعندما تشعر بالجوع. . بأي حاسة أدركت أنك جوعان؟ . . ليس بالحواس الظاهرة. . وكذلك عندما تظمأ. . ما هي الحاسة التي أدركت بها أنك محتاج الى الماء. . وعندما تكون نائما. . أي حاسة تلك التي توقظك من النوم. . لا أحد يعرف. . اذن هناك ملكات في النفس وهي الحواس الظاهرة. . وهناك ادراكات في النفس. . وهي حواس لا يعلمها إلا خالقها. . لذلك عندما يأتي العلماء ليضعوا تعريفا للنفس البشرية نقول لهم: ماذا تعرفون عن هذه النفس؟! . . انكم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا. . ولكن هناك أشياء داخل النفس لا تعرفونها. . هناك ادراكات لا يعلم عنها الانسان شيئا، وهي ادراكات كثيرة ومتعددة. . لذلك يخطئ من يقول إن ما لا يدرك بالحواس البشرية الظاهرة هو غيب. . لأن هناك ملكات وادراكات متعددة تعمل بغير علم منا. لو أعطى لطالب تمرين هندسي فحله وأتى بالجواب. . هل نقول أنه عَلِمَ غيبا؟ . . لأن حل التمرين كان غيبا عنه ثم وصل اليه. . لا. . لأن هناك مقدمات وقوانين أوصلته الى هذا الحل. . والغيب بلا مقدمات ولا قوانين تؤدي اليه، وهل عندما تعلن الأرصاد الجوية أن غدا يوم مطير شديد الرياح. . أتكون قد عَلِمَتْ غيبا؟ . . لا. . لأنها أخذت المقدمات ووصلت بها الى نتائج وهذا ليس غيباً. . واذا جاء أحد من الدجالين وقال لك ان ما سرق منك عند فلان. . أيكون قد علم الغيب؟ . . لا. . لأنه يشترط في الغيب ألا يكون معلوما لمثلك. . وما سرق منك معلوم لمثلك. . فالسارق والذي بيعت له المسروقات يعرفان من الذي سرق، وما الذي حدث. . والشرطة تستطيع بالمقدمات والبصمات والبحث أن تصل الى السارق ومن اشترى المسروقات. . وإذا جاءك دجال من الذين يسخرون الجن. .
следующие страницы →