Полный текст (14 757 стр.). Показаны 10851–10890 · переход к 10856.
стр. 10851
خَلْقه، فلَكَ سمعٌ وبصر، ولله سمع وبصر، لكن إياك أنْ تظن أن سمع الله كسمْعك، أو أن بصره كبصرك.
كذلك في مسألة الاستواء على العرش، فاللحقِّ سبحانه استواء على عرشه، لكنه ليس كاستوائك أنت على الكرسي مثلاً.
والعرش في عُرْف العرب هو سرير المْلك، وهل يجلس الملك على سريره ليباشر أمر مملكته ويدير شئونها إلا بعد أنْ يستتبَّ له الأمر؟
وكذلك الخالق جَلَّ وعلا خلق الكون بأرضه وسمائه، وخلق الخَلْق، وأنزل القرآن لينظم حياتهم، وبعد أن استتبَّ له الأمر لم يترك الكون هكذا يعمل ميكانيكياً، ولم ينعزل عن كَوْنه وعن خَلْقه؛ لأنهم في حاجة إلى قيوميته تعالى في خَلْقه.
ألم يقل الحق سبحانه في الحديث القدسي: «يا عبادي ناموا مِلْءَ جفونكم، لأنِّي قَيُّوم لا أنام» .
فكوْنُ الله ليس آلةً تعمل من تلقاء نفسها، وإنما هو قائم بقيوميته عليه لا يخرج عنها؛ لذلك كانت المعجزات التي تخرق نواميس الكون دليلاً على هذه القيومية.
стр. 10852
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾
стр. 10853
الحق ﵎ يمتنُّ بما يملكه سبحانه في السموات وفي الأرض وما تحت الثرى، والله تعالى لا يمتنُّ إلا بملكية الشيء النفيس الذي يُنتفع به.
وكأنه سبحانه يلفت أنظار خَلْقه إلى ما في الكون من مُقوِّمات حياتهم المادية ليبحثوا عنها، ويستنبطوا ما ادَّخره لهم من أسرار وثروات في السموات والأرض، والناظر في حضارات الأمم يجد أنها جاءت إما حَفْريات الأرض، أو من أسرار الفضاء الأعلى في عصر الفضاء.
ولو فهم المسلمون هذه الآية منذ نزلت لَعلموا أن في الأرض وتحت الثرى وهو: (التراب) كنوزاً وثروات ما عرفوها إلا في العصر الحديث بعد الاكتشافات والحفريات، فوجدنا البترول والمعادن والأحجار الثمينة، كلها تحت الثَّرى مطمورةً تنتظر مَنْ يُنقِّب عنها وينتفع بها.
وقد أوضح العلماء أن هذه الثروات موزعة في أرض الله بالتساوي، بحيث لو أخذتَ قطاعاتٍ متساوية من أراض مختلفة لوجدتَ أن الثروات بها متساوية: هذه بها ماء، وهذه مزروعات، وهذه معادن، وهذه بترول وهكذا. فهي أشبه بالبطيخة حين تقسمها إلى قِطع متساوية من السطح إلى المركز.
لذلك يقول تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] .
стр. 10854
إذن: فالخير موجود ينتظر القَدَر ليظهر لنا وننتفع به.
ثم يقول ﵎: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بالقول﴾
стр. 10855
الحق حينما يطلب من رسوله أن يذكر يريد منه أن يُذكِّر تذكيراً مرتبطاً بنيته، لا ليقطع العَتْب عنه نفسه، فالمسألة ليست جهراً بالتذكير.
وإذا كان تعالى يقول لرسوله ﷺ َ: إنني سأحرس سرك كما أحرس علانيتك، وأن الجهر عندي مثل السر، بل وأخفى من السر، وهو ﷺ َ مؤتمن على الرسالة فإنه تعالى يقول أيضاً لأمته: إياكم أن تقولوا كلاماً ظاهره فيه الرحمة، ونيتكم غير مستقرة عليه؛ لأن الله كما يعلم الجهر يعلم السر، وما هو أخفى من السر.
وتكلمنا عن الجهر، وهو أن تُسمع مَنْ يريد أن يسمع، والسر: أن تخصَّ واحداً بأن تضع في أذنه كلاماً لا تحب أن يشيع عند الناس، وتهمس في أذنه بأنك المأمون على هذا الكلام، وأنت ترتاح نفسياً حينما تُلقِي بسرِّك إلى مَنْ تثق فيه، وتأمن أَلاَّ يذيعه، وهناك في حياة كل منا أمور تضيق النفس بها، فلا بُدَّ لك أن تُنفِّسَ عن نفسك، كما قال الشاعر:
وَلاَ بُدَّ مِنْ شَكْوَى إِلَى ذِي مُرُوءَةٍ ... يوَاسِيكَ أَوْ يُسْلِيكَ أَوْ يتوجَّعُ
فأنت إذن في حاجة لمَنْ يسمع منك ليريحك، ويُنفِّس عنك، ولا يفضحك بما أسررْتَ إليه.
стр. 10856
ومعنى ﴿وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] أي: أَخْفى من السر، فإنْ كان سِرُّك قد خرج من فمك إلى أذن سامعك، فهناك ما هو أَخْفَى من السر، أي: ما احتفظتَ به لنفسك ولم تتفوَّه به لأحد.
لذلك يقول تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ [الملك: ١٣] أي: مكنوناتها قبل أن تصير كلاماً.
وقال أيضاً: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] فوسوسة النفس، وذات الصدور هي الأَخْفى من السر، فلديْنَا إذن جَهْر، وسِرٌّ، وأخفى من السر، لكن بعض العارفين يقول: وهناك في علم الله ما هو أخْفى من الأَخفى، فما هو؟ يقول: إنه تعالى يعلم ما سيكون في النفس قبل أن يكون.
وبعد ذلك جاء الحق سبحانه بالكلمة التي بعث عليها الرسل جميعاً: ﴿الله لا إله إِلاَّ هُوَ﴾
стр. 10857
هذه الكلمة (لا إله إلا هو) هي قمة العقيدة، وقال عنها النبي ﷺ َ: «خير ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله» .
وما دام لا إله إلا الله، فهو سبحانه المؤْتَمن عليك، فليس هناك إله آخر يُعقِّب عليه، فاعمل لوجهه يكْفك كل الأوجه وتريح نفسك أن تتنازعك قوى شتى ومختلفة، ويُغنيك عن كل غنى.
«وحينما دخل أعرابي على رسول الله ﷺ َ وهو يتكلم مع أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه
стр. 10858
لم يفهم من كلامهما شيئاً، فقال: يا رسول الله أنا لا أُحسن دندنتك ولا دندنة أبي بكر، أنا لا أعرف إلا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقال ﷺ َ:» حَوْلَها ندندن يا أخا العرب «.
فهي الأساس والمركز الذي يدور حوله الإسلام.
وكلمة (اللهُ) عَلَم على واجب الوجود بكل صفات الكمال له، فهو الله الموجود، الله القادر، الله العالم، الله الحيّ، الله المحيي، الله الضار. فكل هذه صفات له سبحانه، لكن هذه الصفات لما بلغتْ حَدَّ الكمال فيه تعالى أصبحتْ كالاسم العَلَم، بحيث إذا أُطلِق الخالق لا ينصرف إلا له، والرازق لا ينصرف إلا له.
وقد يشترك الخلْق مع الخالق في بعض الصفات، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم﴾ [النساء: ٨] .
فالإنسان أيضاً يرزق، لكن رزقه من باطن رزق الله، فهو سبحانه الرازق الأعلى، ومن بَحْره يغترف الجميع.
وكما في قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] وقال تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ [العنكبوت: ١٧] .
ومعنى ذلك أن هناك خالقين غيره سبحانه، ومعنى الخَلْق:
стр. 10859
الإيجاد من عدم، فالذي جاء بالرمل وصنع منه كوباً فهو خالق للكوب، فأنت أوجدتَ شيئاً من عدم، والله تعالى أوجد شيئاً من عدم، ولكنك أوجدت من موجود الله قبل أن توجد أنتَ، فهو إذن أحسن الخالقين في حين لم يضِنّ عليك ربك بأنْ ينصفك ويسميك خالقاً. وهذا يوجب عليك أنْ تنصفه سبحانه وتقول ﴿أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] .
وأيضاً، فإن الله تعالى إذا احترم إيجادك لمعدوم فسمَّاك خالقاً له، ولم يَضِنّ عليك فأعطاك صفة من صفاته إنما أخبرك أنه أحسن الخالقين؛ لأنك تُوجِد معدوماً يظل على إيجادك ويجمد على هذه الحالة، لكن الخالق يُوجِد معدوماً ويمنحه الحياة، ويجعله يتلقى بمثله ويُنجب، فهل يستطيع الإنسان الذي أوجد كوباً أن يجعل منه ذكراً وأنثى ينتجان لنا الأكواب؟ ﴿وهل يكبر الكوب الصغير، أو يتألم إنْ كُسِر مثلاً؟﴾
إذن: فالخالق سبحانه هو أحسن الخالقين، وكذلك هو خير الرازقين، وخَيْر الوارثين، وخَيْر الماكرين.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ الأسمآء الحسنى﴾ [طه: ٨] الحُسْنى: صيغة تفضيل للمؤنث مثل: كُبْرى، تقابل «أحسن» للمذكر. إذن: فهناك أسماء حسنة هي أسماء الخَلْق، أما أسماء الله فحسنى؛ لأنها بلغتْ القمة في الكمال، ولأن الأسماء والصفات التي تنطبق عليها موجودة في الخالق الأعلى سبحانه، فحين تقول في أسماء الله تعالى (الرازق) فهي الصفة الحُسْنى لا الحسنة.
стр. 10860
لذلك لما أراد رجل يُدْعى (سعد) أن يشاور أباه في خطبة ابنته حسنى وقد تقدم لها رجلان: حسن وأحسن. فقال له أبوه (فحسنى يا سعد للأحسن) .
وقال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فلم يقل: حسنة، لأنهم أحسنوا فاستحقوا الحُسْنى بل وزيادة.
وأسماء الله تعالى هي في الحقيقة صفات، إلا أنها لما أُطلِقت على الحق ﵎ أصبحتْ أسماء. ولَكَ أنْ تُسمَّى فتاة زنجية (قمر) وتسمى قِزْماً (الطويل) لأن الاسم إذا أُطلِق عَلَماً على الغير انحلَّ عن معناه الأصلي ولزم العَلَمية فقط، لكن أسماء الله بقيتْ على معناها الأصلي حتى بعد أنْ أصبحتْ عَلَماً على الله تعالى، فهي إذن أسماء حُسْنى.
وبعد أن تكلَّم الحق ﵎ عن الرسول الخاتم صاحب المنهج الخاتم فليس بعده نبي وليس بعد منهجه منهج أراد سبحانه أنْ يُسلّيه تسليةً تُبيّن مركزه في موكب الرسالات، وأنْ يعطيه نموذجاً لمن سبقوه من الرسل، وكيف أن كل رسول تعب على قَدْر رسالته، فإنْ كانت الرسالات السابقة محدودة الزمان محدودة المكان، ومع ذلك تعب أصحابها في سبيلها، فما بالك برسول جاء لكل الزمان ولكل المكان؟ لا بُدَّ أنه سيواجه من المتاعب مثل هؤلاء جميعاً.
إذن: فوطَّن نفسك يا محمد على أنك ستلْقَى من المتاعب والصعاب ما يناسب عظمتك في الرسالة وخاتميتك للأنبياء، وامتداد رسالتك في
стр. 10861
الزمان إلى أنْ تقومَ الساعة، وفي المكان إلى ما اتسعتْ الأرض.
لذلك اختار الحق ﵎ لرسوله ﷺ َ نبياً من أُولي العزم؛ لأنه جاء لبني إسرائيل وجاء لفرعون، وقد كان بنو إسرائيل قوماً ماديين، أما فرعون فقد ادَّعى الألوهية، اختار موسى ﵇ ليقصّ على رسول الله قصته ويُسلِّيه فيما يواجهه من متاعب الدعوة، كما قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِي هذه الحق وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠] .
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل﴾ [الأحقاف: ٩] .
فأنت يا محمد كغيرك من الرسل، وقد وجدوا من المشقة على قَدْر رسالاتهم، وسوف تجد أنت أيضاً من المشقة على قَدْر رسالتك. ونضرب لذلك مثلاً بالتلميذ الذي يكتفي بالإعدادية وآخر بالثانوية أو الجامعة، وآخر يسعى للدكتوراة، فلا شَكَّ أن كلاّ منهم يبذل من الجهد على قَدْر مهمته.
لذلك يقول تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى﴾
стр. 10862
إذا جاء الاستفهام من الله تعالى فاعلم أنه استفهام على غير حقيقته، فلا يُرَاد هنا طب الفهم، لأن أخبار محمد تأتيه من ربه عَزَّ وَجَلَّ
стр. 10863
فكيف يستفهم منه. إنما المراد بالاستفهام هنا التشويق لما سيأتي كما تقول لصاحبك: هل بلغك ما حدث بالأمس؟ فيُشوِّقه لسماع ما حدث.
والحديث: أي الخبر عنه سواء أكان بالوحي، أو بغير الوحي، كأن حكيت له قصة موسى ﵇. . فهل بلغتْك هذه القصة؟ اسمعها الآن مني: ﴿إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ﴾
стр. 10864
نلحظ هنا أن السياق لم يذكر قصة موسى من أولها لما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] ثم خروجه من المدينة خائفاً وذهابه إلى شعيب. . الخ، وإنما قصد إلى مَنَاط الأمر، وهي الرسالة مباشرة.
وقوله: ﴿إني آنَسْتُ نَاراً لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النار هُدًى﴾ [طه: ١٠] آنست: أي أبصرت، وشعرت بشيء يستأنس به ويُفرَح به ويُطمأن إليه، ومقابلها (توجست) للشر الذي يخاف منه كما في قوله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى﴾ [طه: ٦٧] .
стр. 10865
(لَعلَّى) رجاء أنْ أجدَ فيها القبس، وهو شعلة النار التي تُتَّخذ من النار إنْ إدركت النار وهي ذات لَهَب، فتأخذ منها عوداً مشتعلاً مثل الشمعة.
وفي سياق آخر قال: (جذوة) وهي النار حينما ينطفىء لهبها ويبقى منها جمرات يمكن أن تشعل منها النار. وفي موضع آخر قال: ﴿سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] .
وهذه كلها صور متعددة، وحالات للنار، ليس فيها تعارض كما يحلو للبعض أن يقول، فموسى ﵇ حينما قال ﴿لعلي آتِيكُمْ﴾ [طه: ١٠] يرجو أن يجد القبس، لكن لا يدري حال النار عندما يأتيها، أتكون قَبَساً أم جَذوة؟
وقد طلب موسى ﵇ القَبَس لأهله؛ لأنهم كانوا في ليلة مطيرة شديدة البرد، وهم غرباء لا يعلمون شيئاً عن المكان، فهو غير مطروق لهم فيسيرون لا يعرفون لهم اتجاهاً، فماذا يفعل موسى ﵇ ومعه زوجته وولده الصغير وخادمه؟
إنهم في أمسِّ الحاجة للنار، إما للتدفئة في هذا الجو القارس، وإما لطلب هداية الطريق، لذلك قال: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النار هُدًى﴾ [طه: ١٠] أي: هادياً يدلّنا على الطريق.
وفي موضع آخر قال: ﴿لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ [القصص: ٢٩] .
لذلك لما أبصر موسى ﵇ النار أسرع إليها بعد أنْ طمأن أهله: ﴿امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً﴾ [طه: ١٠] .
стр. 10866
وهذه المسألة من قصة موسى كانت مثَارَ تشكيك من خصوم الإسلام، حيث وجدوا سياقات مختلفة لقصة واحدة، فمرة يقول: ﴿امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً لعلي آتِيكُمْ﴾ [طه: ١٠] ، وفي موضع آخر يقول: ﴿لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ [القصص: ٢٩] .
ومرة يقول: (قَبَس) وأخرى يقول (بِشهَابٍ قَبَسٍ) ومرة (بجَذْوَة) ومرة يقول: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النار هُدًى﴾ [طه: ١٠] ومرة يقول: ﴿لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ [القصص: ٢٩] .
والمتأمل في الموقف الذي يعيشه الآن موسى وامرأته وولده الصغير وخادمه في هذا المكان المنقطع وقد أكفهرَّ عليهم الجو، يجد اختلاف السياق هنا أمراً طبيعياً، فكلُّ منهم يستقبل الخبر من موسى بشكل خاص، فلما رأى النار وأخبرهم بها أراد أنْ يُطمئنهم فقال: ﴿سَآتِيكُمْ﴾ [النمل: ٧] فلما رآهم مُتعلِّقين به يقولون: لا تتركنا في هذا المكان قال: ﴿امكثوا﴾ [طه: ١٠] وربما قال هذه لزوجه وولده وقال هذه لخادمه. فلا بُدَّ أنهم راجعوه. فاختلفت الأقوال حول الموقف الواحد.
كذلك في قوله: قَبَسٍ أو جَذْوةٍ لأنه حين قال: ﴿لعلي آتِيكُمْ﴾ [طه: ١٠] يرجو أن يجد هناك القبس، لكن لعله يذهب فيجد النار جَذْوة. وفي مرة أخرى يجزم فيقول: ﴿سَآتِيكُمْ﴾ [النمل: ٧] .
إذن: هي لقطات مختلفة تُكوِّن نسيج القصة الكاملة، وتعددتْ الكلمات لأن الموقف قابلٌ للمراجعة، ولا ينتهي بكلمة واحدة.
стр. 10867
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ﴾
стр. 10868
يقال: إن موسى ﵇ لما أتاها وجد نوراً يتلألأ في شجرة، لكن لا خضرةُ الشجرة تؤثر في النور فتبهته، ولا النورُ يطغي على خضرة الشجرة فيمنع عنها الخضرة، فهي إذن مسألة عجيبة لا يقدر عليها إلا الله.
فكانت هذه النار هي أول الإيناس لموسى في هذا المكان الموحِش، وكأن هذا المنظر العجيب الذي رآه إعداد إلهي لموسى حتى يتلقَّى عن ربه، فليستْ المسألة مجرد منظر طبيعي.
وقوله تعالى: ﴿نُودِيَ ياموسى﴾ [طه: ١١] أي: في هذه الدهشة ﴿نُودِيَ﴾ [طه: ١١] فالذي يناديه يعرفه تماماً؛ لذلك ناداه باسمه ﴿ياموسى﴾ [طه: ١١] وما دام الأمر كذلك فطَمع الخير فيه موجود، وبدأ موسى يطمئن إلى مصدر النداء، ويأنَسُ به، ويبحث عن مصدر هذا الصوت، ولا يعرف من أين هو؛ لذلك اعتبرها مسألة عجيبة مثل منظر الشجرة التي ينبعث منها النور.
﴿إني أَنَاْ رَبُّكَ فاخلع نَعْلَيْكَ﴾
стр. 10869
فساعة أنْ كلَّمه ربه: ﴿إني أَنَاْ رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢] أزال ما في نفسه من العجب والدهشة لما رآه وسمعه، وعلم أنها من الله تعالى فاطمأنَّ واستبشر أنْ يرى عجائب أخرى؟
ونلحظ في قوله تعالى: ﴿إني أَنَاْ رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢] أن الحق ﵎ حينما يتحدَّث عن ذاته تعالى يتحدث بضمير المفرد ﴿إني أَنَاْ رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢] وحينما يتحدث عن فِعْله يتحدث بصيغة الجمع، كما في قوله : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: ١] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر﴾ [الحجر: ٩] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: ٤٠] .
فلماذا تكلَّم عن الفعل بصيغة الجمع، في حين يدعونا إلى توحيده وعدم الإشراك به؟ قالوا: الكلام عن ذاته تعالى لا بُدَّ فيه من التوحيد، كما في: ﴿إنني أَنَا الله لا إله إلا أَنَاْ فاعبدني وَأَقِمِ الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] .
لكن في الفعل يتكلم بصيغة الجمع؛ لأن الفعل يحتاج إلى صفات متعددة وإمكانات شتَّى، يحتاج إلى إرادة تريده، وقدرة على تنفيذه وإمكانات وعلم وحكمة.
إذن: كل صفات الحق تتكاتف في الفعل؛ لذلك جاء الحديث عنه بصيغة الجمع، ويقولون في النون في قوله: ﴿نَزَّلْنَا الذكر﴾ [الحجر: ٩] ﴿نَرِثُ الأرض﴾ [مريم: ٤٠] أنها: نون التعظيم.
وقد جاء الخطاب لموسى بلفظ الربوبية ﴿إني أَنَاْ رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢] لإيناس موسى؛ لأن الربوبية عطاء، فخطابه (بربك) أي الذي يتولّى رعايتك وتربيتك، وقد خلقك من عَدَم، وأمدك من عُدم،
стр. 10870
ولم يقُلْ: إني أنا الله؛ لأن الألوهية مطلوبها تكليف وعبادة وتقييد للحركة بافعل كذا ولا تفعل كذا.
وقوله تعالى: ﴿إني أَنَاْ رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢] أي: ربك أنت بالذات لا الرب المطلق؛ لأن الرسل مختلفون عن الخَلْقِ جميعاً، فلهم تربية مخصوصة، كما قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ [طه: ٣٩] وقال: ﴿واصطنعتك لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] .
إذن: فالحق ﵎ يُربِّي الرسل تربيةً تناسب المهمة التي سيقومون بها.
وقوله تعالى: ﴿فاخلع نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] هذا أول أمر، وخَلْعِ النعل للتواضع وإظهار المهابة؛ ولأن المكان مُقدَّس والعلة ﴿إِنَّكَ بالواد المقدس طُوًى﴾ [طه: ١٢] فاخلع نعليك حتى لا تفصل بينك وبين مباشرة ذرات هذا التراب.
ومن ذلك ما نراه في مدينة رسول الله من أناس يمشون بها حافيي الأقدام، يقول أحدهم: لَعلِّي أصادف بقدمي موضع قدم رسول الله ﷺ َ.
وقوله: ﴿طُوًى﴾ [طه: ١٢] اسم الوادي وهذا كلام عام جاء تحديده في موضع آخر، فقال سبحانه: ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ
стр. 10871
الوادي الأيمن فِي البقعة المباركة مِنَ الشجرة﴾ [القصص: ٣٠] .
والبعض يرى في الآية تكراراً، وليست الآية كذلك، إنما هو تأسيس لكلام جديد يُوضِّح ويُحدِّد مكان الوادي المقدس طوى أين هو، فإنْ قلتَ: أين طوى؟ يقول لك: في الواد الأيمن، لكن الواد الأيمن نفسه طويل، فأين منه هذا المكان؟ يقول لك: عند البقعة المباركة من الشجرة.
إذن: فالآية الثانية تحدد لك المكان، كما تقول أنت: أسكن في حي كذا، وفي شارع كذا، في رقم كذا.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَأَنَا اخترتك فاستمع﴾
стр. 10872
أي: وإنْ كنتُ رباً لك ورباً للكافرين فسوف أزيدك خصوصية لك ﴿وَأَنَا اخترتك﴾ [طه: ١٣] أي: للرسالة، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
لذلك لم نزل القرآن على سيدنا رسول الله ﷺ َ ما اعترض كفار مكة على القرآن، ولم يجدوا فيه عيباً فيما يدعو إليه من أخلاق فاضلة ومُثل عليا، ولم يجدوا فيه مَأْخذاً في أسلوبه، وهم أمة ألِفتْ الأسلوب الجيد، وعَشقَتْ آذانها فصاحة الكلام، فتوجهوا بنقدهم إلى رسول الله فقالوا: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] .
стр. 10873
فكلُّ اعتراضهم أنْ ينزلَ القرآن على محمد بالذات؛ لذلك رَدَّ عليهم القرآن بما يكشف غباءهم في هذه المسألة، فقال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] كيف ونحن قد قسمنا بينهم معيشتهم الأدْنى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ﴾ [الزخرف: ٣٢] .
وهم يريدون أنْ يقسموا رحمة الله فيقولون: نزل هذا على هذا، وهذا على هذا؟
ثم يقول تعالى: ﴿فاستمع لِمَا يوحى﴾ [طه: ١٣] مادة: سمع. منها: سمع، واستمع وتسمَّع. قولنا: سمع أي مصادفة وأنت تسير في الطريق تسمع كلاماً كثيراً. منه ما يُهمك وما لا يهمك، فليس على الأذن حجاب يمنع السمع كالجفْنِ للعين، مثلاً حين ترى منظراً لا تحبه.
إذن: أنت تسمع كل ما يصل إلى أذنك، فليس لك فيه خيار.
إنما: استمع أنْ تتكلَّف السماع، والمتكلم حُر في أنْ يتكلم أو لا يتكلم.
وتسمَّع. أي: تكلّف أشدّ تكلّفاً لكي يسمع.
لذلك؛ فالنبي ﷺ َ حين يخبر أنه ستُعم بلوى الغِنَاء، وستنتشر الأجهزة التي ستشيع هذه البلوى، وتصبها في كل الآذان رَغْماً عنها يقول: «مَنْ تسمَّع إلى قَيْنة صب الآنك في أذنيه» .
стр. 10874
أي: تكلَّف أنْ يسمع، وتعمَّد أن يوجه جهاز الراديو أو التلفزيون إلى هذا الغناء، ولم يقُل: سمع، وإلاّ فالجميع يناله من هذا الشر رَغْماً عنه.
وهنا قال تعالى: (فَاسْتَمِعْ) ولم يقُلْ: تسمَّع: لأنه لا يقترح على الله تعالى أنْ يتكلم، ومعنى: استمع أي: جَنِّد كلَّ جوارحك، وهيىء كُلَّ حواسّك لأن تسمع، فإنْ كانت الأذن للسمع، فهناك حواسّ أخرى يمكن أنْ تشغلها عن الانتباه، فالعين تبصر، والأنف يشمّ، واللسان يتكلم.
فعليك أنْ تُجنِّد كل الحواسّ لكي تسمع، وتستحضر قلبك لتعي ما تسمعه، وتنفذ ما طلب منك؛ لذلك حين تخاطب صاحبك فتجده مُنْشغِلاً عنك تقول: كأنك لست معنا. لماذا؟ لأن جارحة من جوارحه شردتْ، فشغلتْه عن السماع.
وقوله تعالى: ﴿لِمَا يوحى﴾ [طه: ١٣] الوحي عموماً: إعلام بخفاء من أيٍّ لأيٍّ في أيٍّ، خيراً كان أم شراً، أمّا الوحي الشرعي فهو: إعلام من الله إلى رسول أرسله بمنهج خَيْر للعباد، فإنْ كان الوحي من الله إلى أم موسى مثلاً، أو إلى الحواريين فليس هذا من الوحي الشرعي.
وهكذا تحدَّدَتْ من أيٍّ لأيٍّ في أيٍّ.
لكن، كيف ينزل الوحي من الله تعالى على الرسول؟ كيف تلتقى الألوهية في عُلُوِّها بالبشرية في دُنوها؟ إذن: لا بُدَّ من واسطة؛ لذلك قال تعالى: ﴿الله يَصْطَفِي مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس﴾ [الحج: ٧٥] .
стр. 10875
فالمصطفى من الملائكة يتقبَّل من الله، ويعطي للمصطفى من البشر؛ لأن الأعلى لا يمكن أنْ يلتقي بالأدنى مباشرة ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾ [الشورى: ٥١] .
فاستعداد الإنسان وطبيعته لا تُؤهّله لهذا اللقاء، كيف ولما تجلَّى الحق سبحانه للجبل جعله دَكّاً، ومن عظمته سبحانه أننا لا نراه ولا نتكلم معه مباشرة، ولا نُحِسّه بأيّ حاسة من حواسنا، ولو حُسَّ الإله بأيِّ حاسة ما استحق أنْ يكونَ إلهاً.
وكيف يُحَسُّ الحق ﵎ ومن خَلْقه وصَنْعته مَا لا يُحَسُّ، كالروح مثلاً؟ فنحن لا نعلم كُنْهها، ولا أين هي، ولا نُحِسّها بأيّ حاسّة من حواسنا، فإذا كانت الروح المخلوقة لم نستطع أنْ ندركها، فكيف ندرك خالقها؟
الحق الذي يدَّعيه الناس ويتمسَّحون فيه، ويفخر كل منهم أنه يقول كلمة الحق، وكذلك العدل وغيرها من المعاني: أتدركها، أتعرف لها شكلاً؟ فكيف إذن تطمع في أنْ تدرك الخالق ؟
إذن: من عظمته سبحانه أنه لا تدركه الحواس، ولا يلتقي بالخَلْق لقاءً مباشراً، فالمصطفى من الملائكة يأخذ عن الله، ويعطي للمصطفى من الخَلْق، ثم المصطفى من الخَلْق يعطي للخَلْق، ومع ذلك كان ﷺ َ يجهد، ويتصبَّب جبينه عَرَقاً في أول الوحي؟
ولذلك شاء الحق سبحانه أنْ يحجبَ الوحي عن رسوله فترة ليستريح من مباشرة المَلِك له، وبانقطاع الوحي تبقى لرسول الله
стр. 10876
حلاوة ما أوحي إليه ويتشوّق إلى الوحي من جديد، فيهون عليه ما يلاقي في سبيله من مشقة؛ لأن انشغال القلب بالشيء يُنسي متاعبه؟ .
وقد رُوي أنه ﷺ َ حين ينزل عليه الوحي يُسمَع حوله دَوِيٌّ كدَويِّ النحل، ولو صادف أن رسول الله وضع رجله على أحد أصحابه حين نزول الوحي عليه فكان الصحابي يشعر كأنها جبل، وإن نزل الوحي وهو على دابة كانت تنخ وتئن من ثِقَله.
وقد مثّلنا للواسطة بين الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية بالتيار الكهربائي حين نُوصِّله بمصباح صغير لا يتحمل قوة التيار، فيضعون له جهازاً ينظم التيار، ويعطي للمصباح على قَدْر حاجته وإلاّ يحترق.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إنني أَنَا الله﴾
стр. 10877
في الآية قبل السابقة خاطبه ربه: ﴿إني أَنَاْ رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢] ليُطمئنه ويُؤنسه بأنه المربِّي العطوف، يعطي حتى للكافر الذي يعصاه، لكن هنا يخاطبه بقوله: ﴿إنني أَنَا الله﴾ [طه: ١٤] أي: صاحب التكاليف، والمعبود المطاع في الأمر والنهي، وأوّل هذه
стр. 10878
التكاليف وقمّتها، والينبوع الذي يصدر عنه كل السلوك الإيماني: ﴿إنني أَنَا الله لا إله إلا أَنَاْ﴾ [طه: ١٤] .
لذلك قال عنها النبي ﷺ َ: «خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله» .
وما دام لا إله إلا هو فلا يصح أنْ نتلقَّى الأمر والنهي إلاَّ منه، ولا نعتمد إلا عليه، ولا يشغل قلوبنا غيره، وهو سبحانه يريد منا أنْ نكون وكلاء: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] .
فالناصح الفطن الذي لا يتوكل على أحد غير الله، فربما توكّلت على أحد غيره، فأصبحت فلم تجده، وصدق الشاعر حين قال:
اجْعَلْ بربِّكَ كُلَّ عِزِّكَ ... يسْتقِرُّ وَيثبتُ
فَإِذَا اعْتَززْتَ بمَنْ يموتُ ... فإنَّ عِزَّكَ ميِّتُ
فكأن الحق سبحانه في قوله: ﴿لا إله إلا أَنَاْ﴾ [طه: ١٤] يقول لموسى: لا تخفْ، فلن تتلقى أوامر من غيري، كما قال سبحانه في أية أخرى: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٤٢] .
أي: لذهبَ هؤلاء الذي يدَّعُون الألوهية إلى الله يجادلونه أو يتودَّدون إليه، ولم يحدث شيء من هذا.
ويشترط فيمن يُعطي الأوامر ويُشرِّع ويُقنِّن ألاَّ ينتفع بشيء من ذلك، وأن تكون أوامره ونواهيه لمصلحة المأمورين، ومن هنا
стр. 10879
يختلف قانون الله عن قانون البشر الذي يدخله الهوى وتخالطه المصالح والأغراض، فمثلاً إنْ كان المشرِّع والمقنِّن من العمال انحاز لهم ورفعهم فوق الرأسماليين، وإن كان من هؤلاء رفعهم فوق العمال.
وكذلك ألاَّ يغيب عنه شيء يمكن أنْ يُستدرك فيما بعد، وهذه الشروط لا توجد إلا في التشريع الإلهي، فله سبحانه صفات الكمال قبل أن يخلق الخَلْق.
لذلك قال بعدها: ﴿فاعبدني﴾ [طه: ١٤] بطاعة أوامري واجتناب نواهيَّ، فليس لي هَوَى فيما آمرك به، إنما هي مصلحتك وسلامتك.
ومعنى العبادة: الناس يظنون أنها الصلاة والزكاة والصوم والحج، إنما للعبادة معنى أوسع من ذلك بكثير، فكلُّ حركة في الحياة تؤدي إلى العبادة، فهي عبادة كما نقول في القاعدة: كُلُّ ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب.
فالصلاة مثلاً لا تتم إلا بستْر العورة، وعليك أنْ تتأمل قطعة القماش هذه التي تستر بها عورتك: كم يد ساهمتْ فيها منذ كانتْ بذرة في الأرض، إلى أنْ أصبحتْ قماشاً رقيقاً يستر عورتك؟ فكلُّ واحد من هؤلاء كان في عبادة وهو يُؤدِّي مهمته في هذه المسألة.
كذلك رغيف العيش الذي تأكله، صنبور المياه الذي تتوضأ منه، كم وراءها من أيادٍ وعمال ومصانع وعلماء وإمكانات جُنِّدَتْ لخدمتك، لتتمكن من أداء حركتك في الحياة؟
لذلك، فالحق ﵎ حينما يُحدِّثنا عن الصلاة يوم الجمعة يقول: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة
стр. 10880
فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله﴾ [الجمعة: ٩١٠] .
وهكذا أخرجنا إلى الصلاة من عمل، وبعد الصلاة أمرنا بالعمل والسعي والانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله، فمخالفة الأمر في: ﴿فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] كمخالفة الأمر في: ﴿فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله﴾ [الجمعة: ١٠] .
وخَصَّ البيع هنا؛ لأن البائع أحرص على بيْعه من المشتري على شرائه، وربما كان من مصلحة المشتري ألاَّ يشتري؟
فالإسلام إذن لا يعرف التكاسل، ولا يرضى بالتنبلة والقعود، ومَنْ أراد السكون فلا ينتفع بحركة متحرِّك.
وسيدنا عمر ﵁ حينما رأى رجلاً يقيم بالمسجد لا يفارقه سأل: ومَنْ ينفق عليه؟ قالوا: أخوه، قال: أخوه أعبد منه. لماذا؟ لأنه يسهم في حركة الحياة ويوسع المنفعة على الناس.
إذن: فكلُّ عمل نافع عبادة شريطة أنْ تتوفر له النية، فالكافر يعمل وفي نيته أنْ يرزق نفسه، فلو فعل المؤمن كذلك، فما الفرق بينهما؟ المؤمن يعمل، نعم لِيقوتَ نفسه، وأيضاً ليُيسِّر لإخوانه قُوتَهم وحركة حياتهم. فسائق التاكسي مثلاً إذا عمل بمبلغ يكفيه، ثم انصرف إلى بيته، وأوقف سيارته، فمَنْ للمريض الذي يحتاج مَنْ يُوصِّله للطبيب؟ والبائع لو اكتسب رزقه، ثم أغلق دكانه مَنْ يبيع للناس؟
стр. 10881
إذن: اعمل لنفسك، وفي بالك أيضاً مصلحة الغير وحاجتهم، فإنْ فعلتَ ذلك فأنت في عبادة. تعمل على قَدْر طاقتك، لا على قَدْر حاجتك، ثم تأخذ حاجتك من منتوج الطاقة، والباقي يُرَدُّ على الناس إما في صورة صدقة، وإما بثمن، وحَسْبك أنْ يسرت له السبيل.
إذن: نقول: العبادة كل حركة تؤدي خدمة في الكون نيتك فيها لله.
ثم يقول تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] فلماذا خَصَّ الصلاة دون سائر العبادات؟
قالوا: لأن الصلاة هي العبادة الدائمة التي لا تنحلّ عن المؤمن، ما دام فيه نَفَس، فالزكاة مثلاً تسقط عن الفقير، والصيام يسقط عن المريض، والحج يسقط عن غير المستطيع، أمّا الصلاة فلا عذر أبداً يبيح تركها، فتصلي قائماً أو قاعداً أو مضطجعاً، فإنْ لم تستطيع تصلي، ولو إيماءً برأسك أو بجفونك، فإنْ لم تستطع فحَسْبُك أن تخطرها على قلبك، ما دام لك وَعْي، فهي لا تسقط عنك بحال.
كذلك، فالصلاة عبادة مُتكرِّرة: خمس مرات في اليوم والليلة؛ لتذكرك باستمرار إنْ أنستْك مشاغل الحياة رب هذه الحياة، وتعرض نفسك على ربك وخالقك خمس مرات كل يوم.
وما بالك بآلة تُعرَض على صانعها هكذا، أيمكن أن يحدث بها عُطّْل أو عَطَب؟
أما الزكاة فهي كل عام، أو كل محصول، والصوم شهر في العام، والحج مرة واحدة في العمر.
стр. 10882
لذلك، كان النبي ﷺ َ كلما حَزَبه أمر قام إلى الصلاة ليعرض نفسه على ربه وخالقه ، ونحن نصنع هذا في الصنعة المادية حين نعرض الآلة على صانعها ومهندسها الذي يعرف قانون صيانتها.
وفي الحديث الشريف: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» .
وسبق أن ذكرنا أن للصلاة أهميتها؛ لأنها تُذكِّرك بربك كل يوم خمس مرات، وتُذكِّرك أيضاً بنفسك، وبقَدر الله في الآخرين حين ترى الرئيس ومرؤوسه جَنْباً إلى جَنْب في صفوف الصلاة، فإنْ جئتَ قبل رئيسك جلستَ في الصف الأول، وجلس هو خلفك، ثم تراه وهو منُكسِر ذليل لله تعالى، وهو يعرف أنك تراه على هذه الهيئة فيكون ذلك أدْعى لتواضعه معك وعدم تعاليه عليك بعد ذلك.
وكم رأينا من أصحاب مناصب وقيادة يبكون عند الحرم، ويتعلقون بأستار الكعبة وعند المتلزم، وهو العظيم الذي يعمل له الناس ألف حساب. ففي الصلاة إذن استطراق للعبودية لله تعالى.
لذلك من أخطر ما مُنِي به المسلمون أنْ تجعلَ في المسجد أماكن خاصة لنوعية معينة يُخلَى لها المكَان، ويصاحبها الحرس حتى في
стр. 10883
بيت الله، ثم يأتي في آخر الوقت ويجلس في الصف الأول، وآخر يفرش سجادته ليحجز بها مكاناً لحين حضوره، فيجد المكان خالياً.
وينبغي على عامة المسلمين أن يرفضوا هذا السلوك، وعليك أنْ تُنحِّي سجادته جانباً، وتجلس أنت؛ لأن أولوية الجلوس بأولوية الحضور، فقد صفها الله في المسجد إقبالاً عليه. وهذه العادة السيئة تُوقع صاحبها في كثير من المحظورات، حيث يتخطى رقاب الناس، ويُميِّز نفسه عنهم دون حق، ويحدث انتقاص عبودي في بيت الله.
ولأهمية الصلاة ومكانتها بين العبادات تميِّزت في فرضها بما يناسب أهميتها، فكُلُّ العبادات فُرِضَتْ بالوحي إلا الصلاة، فقد استدعى الحق رسوله الصدق ليبلغه بها مباشرة لأهميتها.
وقد ضربنا لذلك مثلاً ولله المثل الأعلى بالرئيس إذا أراد أنْ يُبلِّغ مرؤوسه أمراً يكتب إليه، فإنْ كان الأمر مهماً اتصل به تليفونياً، فإنْ كان أهمّ استدعاه إليه لِيُبلِّغه بنفسه. ولما قرَّبه الله إليه بفرض الصلاة جعل الصلاة تقرُّباً لعباده إلى الله.
وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] أقام الشيء: جعله قائماً على أُسس محكمة، فإقامة الصلاة أن تؤديها مُحكَمة كاملة الأركان غير ناقصة.
﴿لذكري﴾ [طه: ١٤] أي: لتذكري؛ لأن دوام ورتابة النعمة قد تُنسيك المنعم، فحين تسمع نداء (الله أكبر) ، وترى الناس تُهرَع إلى بيوت الله لا يشغلهم عنها شاغل تتذكر إنْ كنتَ ناسياً، وينتبه قلبك إنْ كنتَ غافلاً.
стр. 10884
ثم يقول الحق ﵎: ﴿إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾
стр. 10885
أي: مع ما سبق وَطِّنْ نفسك على أن الساعة آتية لا محالةَ، والساعة هنا هي عمر الكون كله، أمّا أعمار المكين في الكون فمتفاوته، كل حسب أجله، فمَنْ مات فقد قامت قيامته وانتهت المسألة بالنسبة له.
إذن: نقول: الساعة نوعان: ساعة لكُلٍّ منا، وهي عمره وأجَله الذي لا يعلم متى سيكون، وساعة للكون كله، وهي القيامة الكبرى.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الساعة آتِيَة﴾ [طه: ١٥] أي: اجعل ذلك في بالك دائماً، ومادام الموت سينقلك إليها سريعاً فإياك أنْ تقول: سأموت قريباً، أما القيامة فبعد آلاف أو ملايين السنين؛ لأن الزمن مُلغىً بعد الموت، كيف؟
الزمن لا يضبطه إلا الحدث، فإن انعدم الحدث فقد انعدم الزمن، كما يحدث لنا في النوم، وهل تستطيع أنْ تُحدِّد الوقت الذي نمْتَه؟ لذلك قال الحق : ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦] .
стр. 10886
والعبد الذي أماته الله مائة عام لما بعثه قال: يوماً أو بعض يوم، وكذلك قال أهل الكهف بعد ثلاثمائة سنة وتسع، لأن يوماً أو بعض يوم هي أقْصى ما يمكن تصوُّره للنائم حين ينام؛ لذلك نقول: «مَنْ مات فقد قامت قيامته» .
ومن حكمته سبحانه أن أخفى الساعة، أخفاها للفرد، وأخفاها للجميع؛ وربما لو عرف الإنسان ساعته لقال: أفعل ما أريد ثم أتوب قبل الموت؛ لذلك أخفاها الحق ﵎ لنكون على حذر أنْ نلقى الله على حال معصية.
وكذلك أخفى الساعة الكبرى، حتى لا تأخذ ما ليس لك من خَلْق الله، وتنتفع به ظُلْماً وعدواناً، وتعلم أنك إنْ سرقتَ سترجع إلى الله فيحاسبك، فما دُمْتَ سترجع إلى الله فاستقِمْ وعَدِّل من سلوكك، كما يقول أهل الريف (ارع مساوي) .
وقوله تعالى: ﴿آتِيَةٌ﴾ [طه: ١٥] أي: ليس مَأْتِياً بها، فهي الآتية، مع أن الحق ﵎ هو الذي سيأتي بها، لكن المعنى (آتية) كأنها منضبطة (أوتوماتيكيا) ، فإنْ جاء وقتها حدثتْ.
وقوله تعالى: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] كاد: أي: قَرُب مثل: كاد زيد أن يجيء أي: قَرُب لكنه لم يأْتِ بعد، فالمراد: أقرب أن
стр. 10887
أخفيها، فلا يعلم أحد موعدها، فإذا ما وقعتْ فقد عرفناها. كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] .
وقد تكون ﴿أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] بمعنى آخر، فبعض الأفعال الثلاثية تُعطى عكس معناها عند تضعيف الحرف الثاني منها، كما في: مرض أي: أصابه المرض. ومرَّضه الطبيب. أي: عالجه وأزال مرضه. وقَشَرتُ الشيء أي: جعلْتُ له قشرة، وقشَّرتُ البرتقالة أزلْتُ قِشْرها.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حتى تَكُونَ حَرَضاً﴾
[يوسف: ٨٥] والحَرض: هو الهلاك. من: حَرِض مثل: تَعب.
وقوله تعالى: ﴿ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال﴾ [الأنفال: ٦٥] .
ومعنى (حَرِّض) حثَّهم على القتال، الذي يُزيل عنهم الهلاك أمام الكفار؛ لأنهم إنْ لم يجاهدوا هلكوا، فَحرِض: هلك، وحرَّض: أزال الهلاك.
وقد يأتي مضاد الفعل بزيادة الهمزة على الفعل مثل: ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٥] فالقاسط من قسط. أي: الجائر بالكفر.
أما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ [المائدة: ٤٢] فالمقسط من أقسط: العادل الذي يُزيل الجوْرَ. وإنْ كانت المادة واحدة هي (قَسَط) فالمصدر مختلف نقول: قسط قِسْطاً أي: عدل، وقسط قَسْطاً وقسوطاً يعني: جار. فهذه الهمزة في أقسط تسمى «همزة الإزالة» .
ومن الفعل الثلاثي قَسَطَ يستعمل منها: القسط والميزان والفرق
стр. 10888
بين قَسَط وأقسط: قسط أي: عدل من أول الأمر وبادىء ذي بَدْء، إنما أقسط: إذا وجد ظُلْماً فرفعه وأزاله، فزاد على العدل أنْ أزال جَوْراً.
وأيضاً الفعل (عجم) عجم الأمر: أخفاه، وأعجمه: أزال خفاءه. ومن ذلك كلمة المعجم الذي يزيل خفاء الكلمات ويُوضِّحها.
وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] خفى بمعنى: استتر وأخفاها: أزال خفاءها، ولا يُزَال خفاء الشيء إلا بإعلانه.
ثم يقول تعالى: ﴿لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى﴾ [طه: ١٥] .
وإلا لو لم يكُنْ في الآخرة حساب وجزاء لَكَان الذين أسرفوا على أنفسهم وعربدوا في الوجود أكثر حظاً من المؤمنين المتلزمين بمنهج الله؛ لذلك في نقاشنا مع الشيوعيين قُلْنا لهم: لقد قتلتم مَنْ أدركتموه من أعدائكم من الرأسماليين، فما بال مَنْ مات ولم تدركوه؟ وكيف يفلت منكم هؤلاء؟
لقد كان أَوْلَى بكم أن تؤمنوا بمكان آخر لا يفلت منه هؤلاء، وينالون فيه جزاءهم، إنها الآخرة التي تُجزَى فيها كُلُّ نفس بما تسعى.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ﴾
стр. 10889
كأن الحق ﵎ يعطي لموسى ﵇ مناعة لما سيقوله الكافرون الذين يُشكِّكون في الآخرة ويخافون منها، وغرضهم أنْ يكون هذا كذباً فليست الآخرة في صالحهم، ومن حظهم إنكارها.
стр. 10890
فإياك أنْ تصغي إليهم حين يصدونك عنها، يقولون: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ آبَآؤُنَا الأولون﴾ [الصافات: ١٦١٧] .
ولماذا يستبعدها هؤلاء؟ أليس الذي خلقهم مِنْ لا شيء بقادر على أنْ يعيدهم بعد أن صاروا عِظاماً؟
والحق سبحانه يقول: ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] .
وهذا قياس على قَدْر أفهامكم وما تعارفتم عليه من هَيِّن وأهْوَن، أما بالنسبة للحق ﵎ فليس هناك هيِّن وأهون منه؛ لأن أمره بين الكاف والنون؟
لكن لماذا يصدُّ الكفار عن الآخرة، والإيمان بها؟ لأنهم يعلمون أنهم سَيُجازون بما عملوا، وهذه مسألة صعبة عليهم، ومن مصلحتهم أن تكون الآخرة كذباً.
وصدق أبو العلاء المعري حين قال:
زَعَمَ المنجَّمُ والطبيبُ كِلاَهُمَا ... لاَ تُحْشَرُ الأجْسَادُ قُلْتُ إليْكُمَا
إنْ صَحَّ قَولكُمَا فلسْتُ بخَاسِرٍ ... أَوْ صَحَّ قَوْلِي فَالخسَارُ عليكُمَا
أي أن المؤمن بالبعث إن لم يكسب فلن يخسر، أما أنتم أيها المنكرون فخاسرون.
وقوله تعالى: ﴿فتردى﴾ [طه: ١٦] أي: تهلك من الردَى، وهو الهلاك.
وهكذا جاء الكلام من الله تعالى لموسى ﵇ أولاً: البداية إيماناً بالله وحده لا شريك له، وهذه القمة الأولى، ثم جاء بالقمة الأخيرة، وهي البعث فالأمر إذن منه بداية، وإليه نهاية: ﴿إنني أَنَا الله لا إله إلا أَنَاْ﴾ [طه: ١٤] إلى أنْ قال: ﴿إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] .
следующие страницы →