Полный текст (14 757 стр.). Показаны 10886–10925 · переход к 10891.
стр. 10886
والعبد الذي أماته الله مائة عام لما بعثه قال: يوماً أو بعض يوم، وكذلك قال أهل الكهف بعد ثلاثمائة سنة وتسع، لأن يوماً أو بعض يوم هي أقْصى ما يمكن تصوُّره للنائم حين ينام؛ لذلك نقول: «مَنْ مات فقد قامت قيامته» .
ومن حكمته سبحانه أن أخفى الساعة، أخفاها للفرد، وأخفاها للجميع؛ وربما لو عرف الإنسان ساعته لقال: أفعل ما أريد ثم أتوب قبل الموت؛ لذلك أخفاها الحق ﵎ لنكون على حذر أنْ نلقى الله على حال معصية.
وكذلك أخفى الساعة الكبرى، حتى لا تأخذ ما ليس لك من خَلْق الله، وتنتفع به ظُلْماً وعدواناً، وتعلم أنك إنْ سرقتَ سترجع إلى الله فيحاسبك، فما دُمْتَ سترجع إلى الله فاستقِمْ وعَدِّل من سلوكك، كما يقول أهل الريف (ارع مساوي) .
وقوله تعالى: ﴿آتِيَةٌ﴾ [طه: ١٥] أي: ليس مَأْتِياً بها، فهي الآتية، مع أن الحق ﵎ هو الذي سيأتي بها، لكن المعنى (آتية) كأنها منضبطة (أوتوماتيكيا) ، فإنْ جاء وقتها حدثتْ.
وقوله تعالى: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] كاد: أي: قَرُب مثل: كاد زيد أن يجيء أي: قَرُب لكنه لم يأْتِ بعد، فالمراد: أقرب أن
стр. 10887
أخفيها، فلا يعلم أحد موعدها، فإذا ما وقعتْ فقد عرفناها. كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] .
وقد تكون ﴿أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] بمعنى آخر، فبعض الأفعال الثلاثية تُعطى عكس معناها عند تضعيف الحرف الثاني منها، كما في: مرض أي: أصابه المرض. ومرَّضه الطبيب. أي: عالجه وأزال مرضه. وقَشَرتُ الشيء أي: جعلْتُ له قشرة، وقشَّرتُ البرتقالة أزلْتُ قِشْرها.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حتى تَكُونَ حَرَضاً﴾
[يوسف: ٨٥] والحَرض: هو الهلاك. من: حَرِض مثل: تَعب.
وقوله تعالى: ﴿ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال﴾ [الأنفال: ٦٥] .
ومعنى (حَرِّض) حثَّهم على القتال، الذي يُزيل عنهم الهلاك أمام الكفار؛ لأنهم إنْ لم يجاهدوا هلكوا، فَحرِض: هلك، وحرَّض: أزال الهلاك.
وقد يأتي مضاد الفعل بزيادة الهمزة على الفعل مثل: ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٥] فالقاسط من قسط. أي: الجائر بالكفر.
أما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ [المائدة: ٤٢] فالمقسط من أقسط: العادل الذي يُزيل الجوْرَ. وإنْ كانت المادة واحدة هي (قَسَط) فالمصدر مختلف نقول: قسط قِسْطاً أي: عدل، وقسط قَسْطاً وقسوطاً يعني: جار. فهذه الهمزة في أقسط تسمى «همزة الإزالة» .
ومن الفعل الثلاثي قَسَطَ يستعمل منها: القسط والميزان والفرق
стр. 10888
بين قَسَط وأقسط: قسط أي: عدل من أول الأمر وبادىء ذي بَدْء، إنما أقسط: إذا وجد ظُلْماً فرفعه وأزاله، فزاد على العدل أنْ أزال جَوْراً.
وأيضاً الفعل (عجم) عجم الأمر: أخفاه، وأعجمه: أزال خفاءه. ومن ذلك كلمة المعجم الذي يزيل خفاء الكلمات ويُوضِّحها.
وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] خفى بمعنى: استتر وأخفاها: أزال خفاءها، ولا يُزَال خفاء الشيء إلا بإعلانه.
ثم يقول تعالى: ﴿لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى﴾ [طه: ١٥] .
وإلا لو لم يكُنْ في الآخرة حساب وجزاء لَكَان الذين أسرفوا على أنفسهم وعربدوا في الوجود أكثر حظاً من المؤمنين المتلزمين بمنهج الله؛ لذلك في نقاشنا مع الشيوعيين قُلْنا لهم: لقد قتلتم مَنْ أدركتموه من أعدائكم من الرأسماليين، فما بال مَنْ مات ولم تدركوه؟ وكيف يفلت منكم هؤلاء؟
لقد كان أَوْلَى بكم أن تؤمنوا بمكان آخر لا يفلت منه هؤلاء، وينالون فيه جزاءهم، إنها الآخرة التي تُجزَى فيها كُلُّ نفس بما تسعى.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ﴾
стр. 10889
كأن الحق ﵎ يعطي لموسى ﵇ مناعة لما سيقوله الكافرون الذين يُشكِّكون في الآخرة ويخافون منها، وغرضهم أنْ يكون هذا كذباً فليست الآخرة في صالحهم، ومن حظهم إنكارها.
стр. 10890
فإياك أنْ تصغي إليهم حين يصدونك عنها، يقولون: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ آبَآؤُنَا الأولون﴾ [الصافات: ١٦١٧] .
ولماذا يستبعدها هؤلاء؟ أليس الذي خلقهم مِنْ لا شيء بقادر على أنْ يعيدهم بعد أن صاروا عِظاماً؟
والحق سبحانه يقول: ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] .
وهذا قياس على قَدْر أفهامكم وما تعارفتم عليه من هَيِّن وأهْوَن، أما بالنسبة للحق ﵎ فليس هناك هيِّن وأهون منه؛ لأن أمره بين الكاف والنون؟
لكن لماذا يصدُّ الكفار عن الآخرة، والإيمان بها؟ لأنهم يعلمون أنهم سَيُجازون بما عملوا، وهذه مسألة صعبة عليهم، ومن مصلحتهم أن تكون الآخرة كذباً.
وصدق أبو العلاء المعري حين قال:
زَعَمَ المنجَّمُ والطبيبُ كِلاَهُمَا ... لاَ تُحْشَرُ الأجْسَادُ قُلْتُ إليْكُمَا
إنْ صَحَّ قَولكُمَا فلسْتُ بخَاسِرٍ ... أَوْ صَحَّ قَوْلِي فَالخسَارُ عليكُمَا
أي أن المؤمن بالبعث إن لم يكسب فلن يخسر، أما أنتم أيها المنكرون فخاسرون.
وقوله تعالى: ﴿فتردى﴾ [طه: ١٦] أي: تهلك من الردَى، وهو الهلاك.
وهكذا جاء الكلام من الله تعالى لموسى ﵇ أولاً: البداية إيماناً بالله وحده لا شريك له، وهذه القمة الأولى، ثم جاء بالقمة الأخيرة، وهي البعث فالأمر إذن منه بداية، وإليه نهاية: ﴿إنني أَنَا الله لا إله إلا أَنَاْ﴾ [طه: ١٤] إلى أنْ قال: ﴿إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] .
стр. 10891
وبعد ذلك شرح لنا الحق سبحانه بَدْء إيحائه لرسوله موسى ﵇: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى﴾
стр. 10892
ما: استفهامية. والتاء بعدها إشارة لشيء مؤنَّت، هو الذي يمسكه موسى في يده، والكاف للخطاب، كأنه قال له: ما هذا الشيء الذي معك؟ والجواب عن هذا السؤال يتم بكلمة واحدة: عَصَا.
أمّا موسى ﵇ فهو يعرف أن الله تعالى هو الذي يسأل، ولا يَخْفَى عليه ما في يده، ولكنه كلام الإيناس؛ لأن الموقف صعب عليه، ويريد ربه أنْ يُطمئنَه ويُؤنِسَه.
وإذا كان الإيناس من الله، فعلى العبد أنْ يستغلّ هذه الفرصة ويُطيل أمدَ الائتناس بالله ، ولا يقطع مجال الكلام هكذا بكلمة واحدة؛ لذلك رد موسى ﵇: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾
стр. 10893
قال موسى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ [طه: ١٨] ، ثم يفتح لنفسه مجالاً آخر للكلام: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي﴾ [طه: ١٨] وهنا يرى موسى أنه تمادى وزاد، فيحاول الاختصار: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى﴾ [طه: ١٨] .
стр. 10894
وكان موسى ينتظر سؤالاً يقول: وما هذه المآرب؟ ليُطيل أُنْسه بربه، وإذا كان الخطاب مع الله فلا يُنهِيه إلا زاهد في الله.
وللعصا تاريخ طويل مع الإنسان، فهي لازمة من لوازم التأديب والرياضة، ولازمة من لوازم الأسفار، ولها أهميتها في الرعي. . الخ وهنا يذكر موسى ﵇ بعض هذه الفوائد يقول:
﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٨] أي: أعتمد عليها، وأستند عندما أمشي، والإنسان يحتاج إلى الأعتماد على عصا عند السير وعند التعب؛ لأنه يحتاج إلى طاقتين: طاقة للحركة والمشي، وطاقة لحمل الجسم والعصا تساعده في حَمْل ثقل جسمه، خاصة إنْ كان مُتْعباً لا تقوَى قدماه على حَمْله.
فقوله: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٨] أي: أعتمد عليها حين المشي وحين أقف لرعي الغنم فأستند عليها، والاتكاء يراوح الإنسان بين قدميْه فيُريح القدم التي تعبتْ، وينتقل من جنب إلى جنب.
والإنسان إذا ما استقرّ جسمه على شيء لمدة طويلة تنسدّ مسامّ الجسم في هذا المكان، ولا تسمح بإفراز العرق، فيُسبِّب ذلك ضرراً بالغاً نراه في المرضى الذين يلازمون الفراش لمدة طويلة، ويظهر هذا الضرر في صورة قرحة يسمونها «قرحة الفراش» ؛ لذلك ينصح الأطباء هؤلاء المرضى بأن يُغيِّروا من وضْعِهم، فلا ينامون على جنب واحد.
لذلك شاءت قدرة الله أنْ يُقلِّب أهل الكهف في نومهم من جَنْب إلى جَنْب، كما قال سبحانه: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال﴾ [الكهف: ١٨] .
стр. 10895
لذلك إذا وقف الإنسان طويلاً، أو جلس طويلاً ولم يجد له متكأ تراه قَلِقاً غير مستقر، ومن هنا كان المتَّكأ من مظاهر النعمة والترف في الدنيا وفي الآخرة، كما قال تعالى في شأن امرأة العزيز: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾ [يوسف: ٣١] .
وقال عن نعيم الآخرة: ﴿مُتَّكِئِينَ على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] .
وقال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] .
وقال الحق ﵎: ﴿مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] .
فالاتكاء وسيلة من وسائل الراحة، وعلى الإنسان أنْ يُغيٍِّر مُتكاهُ من جنب إلى جنب حتى لا يتعرّض لما يسمى ب «قرحة الفراش» .
ومن فوائد العصا: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي﴾ [طه: ١٨] أي: أضرب بها أوراق الشجر فتتساقط فتأكلها الغنم والماشية؛ لأن الراعي يمشي بها في الصحراء، فتأكل من العِذْي، وهو النبات الطبيعي الذي لم يزرعه أحد، ولا يسقيه إلا المطر، فإن انتهى هذا العُشْب اتجه الراعي إلى الشجر العالي فيُسقِِط ورقه لتأكله الغنم، فيحتاج إلى العصا ليؤدي بها هذه المهمة.
إذن: قوله: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٨] لراحته هو، و ﴿وَأَهُشُّ
стр. 10896
بِهَا على غَنَمِي﴾ [طه: ١٨] لخدمة الرعية، وفيها سياسة إدارة الرزق كلها للماشية وللناس، ورَعْي الغنم وسياستها تدريب على سياسة الأمة بأسْرها؛ لذلك ما بعث الله من نبي إلا ورَعَى الغنم ليتعلم من سياسة الماشية سياسة الإنسان.
وفي الحديث الشريف: «ما بعث الله من نبي إلا ورعى الغنم، وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» .
ولما أحسَّ موسى ﵇ أنه أطال في خطاب ربه أجمل فقال: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى﴾ [طه: ١٨] أي: منافع.
وقد حاول العلماء جزاهم الله عَنَّا خيراً البحث في هذه المآرب الأخرى التي لم يذكرها موسى ﵇، فتأملوا حال الرعاة، وما وظيفة العصا في حياتهم فوجدوا لها منافع أخرى غير ما ذكر.
من هذه المنافع أن الراعي البدائي يضع عصاه على كتفه ويُعلِّق عليها زاده من الطعام والشراب، وبعض الرعاة يستغل وقته أيضاً في الصيد، فيحتاج إلى أدوات مثل: القوس، والنبل، والسهام والمخلاة التي يجمع فيها صَيْده، فتراه يضع عصاه على كتفه هكذا بالعرض، ويُعلِّق عليها هذه الأدوات من الجانبين.
стр. 10897
فإذا ما اشتدت حرارة الشمس ولم يجد ظلالاً غرز عصاه في الأرض، وألقى بثوبه عليها فجعل منها مثل الخيمة أو المظلة تقيه حرارة الجو. فإن احتاج للماء ذهب للبئر، وربما وجده غائر الماء لا يبلغه الدلو فيحتاج للعصا يربطها ويُطيل بها الحبل، إلى غير ذلك من المنافع.
وبعض العلماء يقولون: لقد كان موسى ﵇ ينتظر أن يسأله ربه عن هذه المآرب ليطيل الحديث معه، لكن الحق سبحانه لم يسأله عن ذلك؛ لأنه سينقله إلى شيء أهم من مسألة العصا، فما ذكْرتَه يا موسى مهمة العصا معك، أمّا أنا فأريد أنْ أخبرك بمهمتها معي:
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالَ أَلْقِهَا ياموسى﴾
стр. 10898
ارْم بها على الأرض، وهو هنا إلقاء الدُّرْبة والتمرين على لقاء فرعون، وهنا خرجت العصا عن ناموسها الذي يعلمه موسى ﵇، لم تعد للتوكؤ والهش على الغنم، ولكنها تنتقل من جنس الخشب إلى جنس الحيوان فتصير حية، قال الحق سبحانه: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ﴾
стр. 10899
وهذه نَقْلة كبيرة في مسألة العصا، فقد كان في الإمكان لإثبات المعجزة أنْ تتحوَّل العصا، وهي عود جاف من الخشب إلى شجرة خضراء، لكن الحق ﵎ يُجرِي لموسى هذه المعجزة؛ لأنه
стр. 10900
سيحتاج إليها فيما بعد، ولو تحولتْ العصا إلى شجرة خضراء فسوف تستقر في مكانها، أما حين تتحول إلى حيّة فهي حيوان مُتحَرِّك، تجري هنا وهناك، وهذا ما سيحتاجه موسى في معركته القادمة.
ألقى موسى عصاه ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ [طه: ٢٠] إذا هنا فجائية كما تقول: خرجتُ فإذا أسدٌ بالباب. وحينما ألقى موسى العصا سرعان ما تحولت وهي جافة يابسة إلى حيّة، وحيّة تسعى ليستْ جامدة ميتة، أليست هذه مفاجأة؟
وطبيعي أن يخاف موسى ﵇ مما رآه، فطمأنه ربه فقال: ﴿قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾
стр. 10901
أي: امسكها بيدك، وسوف نعيدها في الحال ﴿سِيَرتَهَا الأولى﴾ [طه: ٢١] أي: كما كانت عصا يابسة جافة في يدك، وقال: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ [طه: ٢١] لما ظهر عليه من أمارات الخوف. وقد أخبر عن خوفه في آية أخرى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى﴾ [طه: ٦٧] .
وكانت هذه المسألة تدريباً لموسى ﵇ وتجربةً، فللعصا مهمة في رسالته، وسوف تكون هي معجزته في صراعه مع فرعون حين يضرب بها البحر وفي دعوته لبني إسرائيل حين يضرب بها الحجر فيتفجّر منه الماء.
стр. 10902
وقد عالج القرآن هذه القصة في لقطات مختلفة، فمرة يقول عن العصا كأنها ثعبان. ومرة يقول: حيّة. وأخرى يقول: جان؛ لذلك اعترض البعض على هذه الاختلافات، فأيها كانت العصا؟
الحقيقة أنها صور مختلفة للعصا حينما انقلبتْ، فمن ناحية قتْلتها المميتة هي حية، ومن ناحية ضخامتها ثعبان، ومن ناحية خِفَّة حركتها جان، وكل هذه الخصائص كانت في العصا، وحين تجمع كل هذه اللقطات تعطيك الصورة الكاملة للعصا بعد أنْ صارت حية. فآيات القرآن إذن تتكامل لترسم الصورة المرادة للحق ﵎.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ﴾
стр. 10903
اليد معروفة، والجناح للطائر، ويقابله في الإنسان الذراع بداية من العَضُد، والحق سبحانه حينما أوصانا بالوالدين قال: ﴿واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة﴾ [الإسراء: ٢٤] يعني: تواضع لهما، ولا تتعالَ عليهما.
وفي موضع آخر قال تعالى: ﴿اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء﴾ [القصص: ٣٢] .
والجَيْب: طَوْق القميص، سُمِّي جَيْباً؛ لأنهم كانوا في الماضي يجعلون الجيب الذي يضعون به النقود أو خلافه في داخل الثوب،
стр. 10904
ليكون بعيداً عن يد السارق، فإذا ما احتاج الإنسان شيئاً في جَيْبه يُدخِل يده من طَوْق القميص ليصل إلى الجيْب فسُمِّي الطوق جيباً. وهذا من مظاهر التكامل بين الآيات.
والمعنى هنا: اضمم كف يدك اليمنى، وأدْخله من طَوْق قميصك إلى تحت عَضُدك الأيسر ﴿تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء﴾ [طه: ٢٢] أي: ساعة أنْ تُخرِج يدك تجدها بيضاء، لها ضوء ولمعان وبريق وشعاع.
ومعلوم أن موسى ﵇ كان أسمر اللون، كما وصفه النبي ﷺ َ حينما طُلِب منه أنْ يَصف الرسل الذين لقيهم في رحلة الإسراء والمعراج، فقال: «أما موسى، فرجل آدم طُوَال، كأنه من رجال أزدشنوءة ... .» .
أي: أسمر شديد الطول؛ لان طُوَال يعني: أكثر طولاً من الطويل.
ومن هنا كان بياضُ اليد ونورها في سُمْرة لونه آيةً من آيات الله، ولو كان موسى أبيض اللون ما ظهر بياضُ يده.
وقوله: ﴿مِنْ غَيْرِ سواء﴾ [طه: ٢٢] أي: من غير مرض، فقد
стр. 10905
يكون البياض في السُّمرة مرضاً والعياذ بالله كالبرص مثلاً. فنفى عنه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿آيَةً أخرى﴾ [طه: ٢٢] أي: معجزة، لكنه لم يقُلْ شيئاً عن الآية الأولى، فدلَّ ذلك على أن العصا كانت الآية الأولى، واليد الآية الأخرى.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكبرى﴾
стр. 10906
أي: نُريك الآيات العجيبة عندنا؛ لتكون مقدمة لك، فحين نأمرك بشيء من هذا القبيل فاعلم أن الذي يأمرك ربُّ لن يغشَّك، ولن يتخلى عنك، وسوف يُؤيدك وينصرك، فلا ترتَعْ ولا تخف أو تتراجع.
وكأن الحق ﵎ يُعِدُّ نبيه موسى للقاء مرتقب مع عدوه فرعون الذي ادعى الألوهية.
ثم بعد هذه الشحنة والتجربة العملية يقول له: ﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾
стр. 10907
فلماذا أرسله إلى فرعون أولاً، ولم يرسله إلى قومه؟ قالوا: لأن فرعون فعل فعلاً فظيعاً، حيث ادعى الألوهية، وهي القمة في الاعتداء، ثم استعبد بني إسرائيل، فلا بُدَّ أن نُصفِّي الموقف أولاً مع فرعون.
стр. 10908
لذلك حدثت معجزة العصا في ثلاثة مواقف.
الأول: وكان لِدُرْبة موسى ورياضته على هذه العملية، وكانت هذه المرة بين موسى وربه تدريباً، حتى إذا أتى وقت مزاولتها أمام فرعون لم يتهيِّب منها أو يتراجع، بل باشرها بقلب ثابت واثق.
والثاني: كان مع فرعون بمفرده ترويعاً له.
والثالث: مع السَّحَرة تجميعاً.
فكُلُّ موقف من هذه المواقف كان لحكمة وله دور، وليس في المسألة تكرار كما يدَّعي البعض.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ طغى﴾ [طه: ٢٤] الطغيان: مجاوزة الحدّ، ومجاوزة الحدِّ يكون بأخْذ ما ليس لك والمبالغة في ذلك، وليْتَه أخذ من المساوي له من العباد، إنما أخذ ما ليس له من صفات الله .
ولما سمع موسى اسم فرعون، تذكَّر ما كان من أمره في مصر، وأنه تربَّى في بيت هذا الفرعون الذي ادَّعى الألوهية، فكيف سيواجهه.
كما تذكَّر قصة الرجل الذي وكَزه فقتله، ثم خرج منها خائفاً يترقب، فلما شعر موسى أن العبء ثقيل قال: ﴿قَالَ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي﴾
стр. 10909
كأنه قال: يا رب أنا سأنفّذ أوامرك؛ لكني لا أريد أنْ أُقبل على هذه المهمة وأنا منقبض الصدر منْ ناحيتها؛ لأن انقباضَ الصدر من الشيء يُهدِر الطاقة ويُبدِّدها، ويعين الأحداث على النفس.
لذلك دعا موسى بهذا الدعاء: ﴿رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] ليوفر قوته لأداء هذه المهمة الصعبة التي تحتاج إلى مجهود يناسبها، ومعنى ذلك أنه انقبض صدره من لقاء فرعون للأسباب الذي ذُكِرت.
ثم قال: ﴿وَيَسِّرْ لي أَمْرِي﴾
стр. 10910
لأن شَرْح الصدر في هذه المسألة لا يكفي، فشَرْح الصدر من جهة الفاعل، وقد يجد من القليل لَدَداً شديداً وعناداً؛ لذلك قال بعدها: ﴿وَيَسِّرْ لي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٦] فلا أجد لَدَداً وطغياناً من فرعون، فتيسير الامر من جهة القابل للفعل بعد شرح الصدر عند الفاعل.
стр. 10911
لأن الكلام وتبليغ الرسالة يحتاج إلى منطق ولسان مُنطلِق بالكلام، وكان موسى ﵇ لديه رُتَّة أو حُبْسَة في لسانه، فلا ينطلق في الكلام.
стр. 10912
وكانت هذه الرُّتَّة أيضاً في لسان الحسين بن علي ﵄ وكان النبي ﷺ َ إذا سمع الحسين يضحك ويقول: «ورثها عن عمه موسى» .
وتلحظ دِقَّة التعبير في قوله: ﴿مِّن لِّسَانِي﴾ [طه: ٢٧] ولم يقل: احلل عقدة لساني. فقد يُفهم منها أنه مُتمرِّد على قَدَر الله من حُبسة لسانه، إنما هو لا يعترض ويطلب مجرد جزءٍ من لسانه، يمَكِّنه من القيام بمهمته في التبليغ.
стр. 10913
هذه هي العِلّة في طلبه، ولولاها ما طلب انطلاقة اللسان. والفقه هو أن يفهموا الكلام والحديث عنه.
ويواصل موسى ﵇ ما يراه مُعيناً له على أداء مهمته: ﴿واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾
стр. 10914
وزيراً: أي: معيناً وظهيراً. والحق لما أراد أنْ يُخوِّف الناس من الآخرة قال: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾ [القيامة: ١١١٢] .
أي: لا ملجأ ولا معين تفزع إليه إلا الله، فالوزير من (وَزَر) ، ويطلب الوزير حين لا يستطيع صاحب الأمر القيام به بمفرده، فيحتاج إلى مَنْ يعينه على أمره، وهو وزير إنْ كان ناصحاً أميناً يُعين صاحبه بصِدْق، فإنْ كان غاشَّاً لئيماً يعمل لصالح نفسه، فليس بوزير، بل هو (وِزْر) ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ [فاطر: ١٨] .
стр. 10915
وفي الحديث النبوي الشريف: «خَيْر الملوك ملك جعل الله له وزيراً، إنْ نسي ذكَّره، وإنْ نوى على خير مجرد نيّة أعانه، وإن أراد شرّاً كفَّه ... » .
تلك علامات الوزير الناصح للرعية كما بيَّنتها سياسة السماء؛ لأن لكل حاكم بطانتين: واحدة تأمر بالمعروف، وأخرى تأمر بالمنكر كما جاء في الحديث الشريف.
فإنْ كانت هذه هي سياسة السماء، فماذا عن سياسة البشر؟
يقول أنو شروان: إياكم أنْ تفهموا أن أحداً مِنَّا يستغني عن أحد، فلكُلِّ واحد مهمته، فإنْ زدت في شيء فقد نقصت في أشياء، جعلها الله في غيرك ليكمل بها نقصك، فالمعايشة مشتركة، لكن هذه المشاركة تفرضها الضرورة لا التفضّل، وإلاَّ لو لم يتفضّل عليك غيرك فماذا تفعل؟
وسبق أن ضربنا مثلاً لحاجة الناس بعضهم لبعض، قلنا: ماذا يحدث لو امتنع رجال الصرف الصحي أو الكناسون عن العمل لعدة أيام؟ أما لو غاب الوزراء لعدة أيام فلن يحدث شيء.
إذن: لا تظن أنك أفضل من الآخرين؛ لأن لكل منهم مهمة يؤديها، فإنْ كنتَ خيراً منه في هذه فهو خير منك في هذه؛ لأن مجموع مواهب كل إنسان يساوي مجموع مواهب الآخر، فإنْ قلتَ: فلماذا وُجِد التفاوت بين الناس؟
стр. 10916
قالوا: لتكون هناك ضرورة في حاجة بعضنا لبعض، فلو تساوَى الجميع لقلنا لجماعة منا: تفضّلوا بكنس الشوارع يوم كذا فلن يتفضلوا، أما إنْ ألجأتْهم الحاجة إلى مثل هذا العمل فسوف يسارعون إليه، كما نرى الآن في أشقَّ المهن وأصعب المهام التي ينفر منها الناس بل ويحتقرونها ترى صاحبها مُقبلاً عليها حريصاً على القيام بها، رغم ما فيها من مشقّة، بل ويغضب إنْ لم يجد فرصة للعمل، لماذا؟ لأنه مصدر قُوته وقُوت عياله.
وبهذه النظرة لا يتعالى أحد أو يستكبر ليحدث في المجتمع توازن استطراقي.
وقوله: ﴿مِّنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩] أي: ليكون مأموناً عليَّ.
وهذا المطلب من موسى ﵇ يشير لأدب عال من آداب النبوة، وقد اختار الله موسى للرسالة، فلماذا يشرك معه أخاه في هذه المهمة؟ إذن: موسى لا يريد أنْ يفخَر بالرسالة، أو يتعالى بها، أو يطغى، إنما يريد أن يقوم بها على أكمل وجه؛ لذلك يحاول أنْ يُكمل ما فيه من نقص بأخيه ليُعينه على تبليغ رسالته، ولو أراد الاستئثار بالرسالة ما طلب هذا الطلب.
وهذا نموذج يجب أنْ يُحتذَى، فإنْ كُلِّفت بأمر فوق طاقتك فلا غبارَ عليك أن تستعين عليه بغيرك، فهذا دليل على إخلاصك للمهمة التي كُلِّفت بها.
стр. 10917
فاختار أخاه هارون ليعينه في مهمة الرسالة.
ثم أوضح العلّةَ في ذلك، فقال في آية آخرى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ [القصص: ٣٤] .
стр. 10918
وهكذا يتكامل موسى وهارون ويُعوِّض كل منهم النقص في أخيه. ويُقال: إن هارون ﵇ كان يمتاز على موسى في أمور آخرى، فكان به لِينٌ وحِلْم، وكان موسى حاداً سريع الغضب، فكان هارون للِّين، وموسى للشدة.
ويتضح هذا حينما عاد موسى إلى قومه، وقد تركهم في صُحْبة أخيه هارون فعبدوا العجل فاشتد غضبه، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ [الأعراف: ١٥٠] .
تم احتدّ على أخيه، وجذبه من ذَقْنه، وظهرتْ حِدَّته. وقَسْوته، فماذا قال هارون؟ ﴿قَالَ ابن أُمَّ﴾ [الأعراف: ١٥٠] ليستعطفه ويُذكِّره برأفة الأم وحنانها ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] ، كأنه يقول لأخيه: اضربني كما تريد، لكن لا تروعني في لحيتي، وفي رأسي.
إذن: فالفصاحة في هارون تجبر العُقدة في لسان موسى، واللين يجبر الشدة والحدة. وأيضاً فإن موسى ﵇ كان أسمر اللون، أجعد الشعر، أقنى الأنف، أما هارون فكان أبيض اللون، مُرْسَل الشعر، وسيم التقاطيع والملامح، ترتاح له الأبصار، فمَنْ لم يرتَحْ لموسى ارتاح لهارون.
ولقد كان النبي ﷺ َ يحب أن ينزل الوحي عليه في صورة دِحيْة الكلبي، وكان ﵁ وسيماً، ترتاح له العين لرؤيته، فكان جبريل ﵇ ينزل عليه في هذه الصورة لِيُؤنسه.
стр. 10919
وموسى ﵇ مع ما تميَّز به أخوه هارون عليه من هذه الصفات لم يحقد على أخيه، ولم ينظر إليه على أنه أفضل منه، إنما جعل صفات أخيه مكملة لصفاته، والجميع من أجل أداء الرسالة وتبليغها على وجهها الأكمل، فلم ينظر إلى نفسه ونجاحه هو، وإنما إلى نجاح المهمة التي كلّفه الله بها.
ويجب أنْ يشيعَ هذا الخُلق بين الناس، فإنْ رأيت خَصْلةَ خَيْر في غيرك، أو وجهاً من وجوه الكمال في غيرك، فاحمد الله عليها، واعلم أنها سيعود عليك نفعها، وستجبر ما عندك من نقص فلا تحقد عليه؛ لأنه سيتحمل ما فيك من قصور، وتنتفع أنت بخيره.
ثم يقول الحق سبحانه أن موسى ﵇ قال: ﴿اشدد بِهِ أَزْرِي﴾
стр. 10920
الأَزْر: القوة. وكأن موسى ﵇ عرف أن حَمْل الرسالة إلى فرعون وإلى قومه من بعده عملية شاقة، فقال لله: أعطني أخي يساعدني في هذه المشقة.
стр. 10921
قوله: (وَأشْرِكْهُ) أي: أنت يا ربّ، ليس أنا الذي أشركه تفضُّلاً مني عليه، فأراد موسى ﵇ أن يكون الفضل من الله، وأن يكون التكليف أيضاً من الله حتى لا يعترض هارون أو يتضجر عند مباشرة أمر الدعوة.
لذلك لما ذَهَبا إلى فرعون قالا: ﴿إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] ولم يقُلْ موسى: إن هارون تابع له بل هو مثله تماماً مُرْسَل من الله، وإذا تكلَّم موسى تكلَّم عنه وعن هارون.
стр. 10922
فلما دعا موسى على قومه: ﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [يونس: ٨٨] .
جاءت الإجابة من الله: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] ؛ لأن الدعاء كان من موسى، وهارون يُؤمِّن عليه، والمؤمِّن أحد الداعيَيْن.
ثم يقول الحق سبحانه عن هارون وموسى أنهما قالا: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾
стр. 10923
فهذه هي العِلّة في مشاركة هارون لأخيه في مهمته، لا طلباً لراحة نفسه، وإنما لتتضافر جهودهما في طاعة الله، وتسبيحه وذِكْره.
والتسبيح: تقديس الله وتنزيهه ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً، ذاتاً. فلا ذات مثل ذاته تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لا في الذات، ولا في الصفات ولا في الأفعال، فلا تقل: إن سَمْع الله كسَمْعك، أو أن بصره تعالى كبصرك، أو أن فِعْله كفِعلْك.
والمعنى: نُسبِّحك ونُقدِّسك تقديساً يرفعك إلى مستوى الألوهية الثابتة لك، فلا نزيد شيئاً من عندنا.
وقوله: ﴿نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ [طه: ٣٣] أي: دائماً، فكأن التسبيح يُورِث المسبِّح لذة في نفسه، والطاعة من الطائع تُورثه لذة في نفسه، كما قال النبي ﷺ َ: « ... وجُعِلتْ قرّة عيني في الصلاة» .
стр. 10924
وكان ﷺ َ «إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة» .
стр. 10925
فأنت قيُّوم علينا، مُطلع على أفعالنا، أنؤدّيها على الوجه الأكمل، أم نُقصِّر فيها؟
ولذلك يقول الحق ﵎: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى﴾
следующие страницы →