← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 11026–11065 · переход к 11031.

стр. 11026

فكأنهم كانوا يشيرون بقولهم: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ [طه: ٧٤] إلى فرعون، والآن يشيرون إلى أنفسهم، وما سلكوه من طريق الإيمان ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات﴾ [طه: ٧٥] .

стр. 11027

فجمعوا بين الإيمان والعمل الصالح؛ لأن الإيمان هو الينبوع الوجداني الذي تصدر عنه الحركات النزوعية على وَفْق المنهج الذي آمنت به، وإلا فما فائدة أنْ تؤمنَ بشيء، ولا تعمل له، وكثيراً ما جمع القرآن بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وقوله: ﴿فأولئك لَهُمُ الدرجات العلى﴾ [طه: ٧٥] الدرجات أي: درجات الجنة، فالجنة درجات، بعضها فوق بعض، أما النار فدركات، بعضها تحت بعض. وقد جعل الحق ﵎ الجنة درجات؛ لأن أهلها متفاوتون في الأعمال، كما أنهم متفاوتون حتى في العمل الواحد؛ لأن مناط الإخلاص في العمل متفاوت. لذلك جاء في الأثر: «الناس على خطر إلا العالمون، والعالمون على خطر إلا العاملون، والعاملون على خطر إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم» . والعُلاَ: جمع عُليا. فما الدرجات العُلاَ؟

стр. 11028

عدن: أي إقامة. مِنْ عَدَنَ في المكان: أقام فيه، فالمراد جنات أعِدَّتْ لإقامتك، وفرْق بين أنْ تُعِد المكان للإقامة وأنْ تُعِدَّ مكاناً لعابر،

стр. 11029

كما أن المكان يختلف إعداده وترفه حَسْب المُعِدْ وإمكاناته، فالإنسان العادي يُعِد مكاناً غير الذي يعده عظيم من العظماء، فما بالك إذنْ بمكان أعدّه لك ربك بقدراته وإمكاناته؟ وقوله: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [طه: ٧٦] . نعلم أن الماء من أهم مقومات الحياة الدنيا، فبه تنبت الأرض النبات، وفيه تذوب العناصر الغذائية، وبدونه لا تقوم لنا حياة على وجه الأرض. والحق ساعةَ يُنزِل مطراً من السماء قد لا ينتفع بالمطر مَنْ نزل عليه المطر، فربما نزل على جبل مثلاً، فالنيل الذي نحيا على مائه يأتي من أين؟ من الحبشة وغيرها. لذلك جعل الخالق كلمة ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [طه: ٧٦] رمزاً للخضرة وللنضارة وللنماء وللحياة السعيدة الهانئة، حتى الإنسان وإنْ لم يكُنْ محتاجاً للطعام بأنْ كان شبعان مثلاً، يجد لذة في النظر إلى الطبيعة الخضراء، وما فيها من زرع وورود وزهور، فليس الزرع للأكل فقط، بل للنظر أيضاً، وإنْ كنتَ تأكل في اليوم ثلاث مرات، والأكل غذاء للجسم، فأنت تتمتع بالمنظر الجميل وتُسَرُّ به كلما نظرتَ إليه، والنظر متعة للروح، وسرور للنفس. وكأن الحق ﵎ يقول لنا: لا تقصروا انتفاعكم بنعم الله على ما تملكون، فتقول مثلاً: لا آكل هذه الفاكهة لأنها ليست مِلْكي، لأن هناك متعةً أخرى: ﴿انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩] فقبل أن تأكل انظر، فالنظر متعة، وغذاء مستمر.

стр. 11030

فقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [طه: ٧٦] لأن ظاهرة جريان الأنهار في الدنيا وسيلة للخُضْرة والخِصْب والإيناع، و ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ [طه: ٧٦] أي: أن الماء ذاتيّ فيها، ونابع منها، ليس جارياً إليك من مكان آخر، ربما يُمنَع عنك أن تُحرم منه. لذلك يقول تعالى في آية أخرى: ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار﴾ [التوبة: ١٠٠] فتحتها أنهار جارية، لكن مصدرها ومنبعها من مكان آخر. ونسب الجريان إلى النهر، لا إلى الماء للمبالغة. فالنهر هو المجرى الذي يجري فيه الماء. ثم يقول تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [طه: ٧٦] وهذا هو التأمين الحقّ للنعيم؛ لأن آفة النعم أنْ تزولَ، إمّا بأن تفوتها أنت أو تفوتك هي، أما نعيم الجنة فقد سَلَّمه الله تعالى من هذه الآفة، فهو خالد بَاقٍ، لا يزول ولا يُزال عنه. ﴿وذلك جَزَآءُ مَن تزكى﴾ [طه: ٧٦] الزكاة: تُطلَق على الطهارة وعلى النماء، فالطهارة: أن يكون الشيء في ذاته طاهراً، والنماء: أنْ توجَد فيه خصوصية نمو فيزيد عَمَّا تراه أنت عليه. كما ترى مثلاً الورد الصناعي والورد الطبيعي في البستان، وفيه المائية والنضارة والرائحة الطيبة والألوان المختلفة والنمو، وكلها صفات ذاتية في الوردة، على خلاف الورد الصناعي فهو جامد على حالة واحدة. وهذا هو الفرق بين صَنْعة البشر وصَنْعة الخالق للبشر؛ لذلك كانت صنعة الله أخلد وأبقى، وصدق الله العظيم حين قال: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] .

стр. 11031

وتلحظ أنه لم يَضِنّ عليك بصفة الخَلْق؛ لأنك استعملتَ الأسباب وأَعلمتَ الفكر، فكان لك شيء من الخلق، لكن ربَّك أحسنُ الخالقين؛ لأنك خلقتَ من باطن خِلْقته، خلقتَ من موجود، وهو سبحانه يخلق من عدم، خلقتَ شيئاً جامداً لا حياة فيه، وخلق سبحانه شيئاً نامياً، يتكاثر بذاته. ومن هنا سُمِّي المال الذي تُخرجه للفقراء زكاةً؛ لأنه يُطهِّر الباقي ويُنمِّيه. ومن العجائب أن الله تعالى سَمّى ما يخرج من المال زكاة ونماءً، وسَمَّى زيادة الربا مَحْقاً. فمعنى: ﴿وذلك جَزَآءُ مَن تزكى﴾ [طه: ٧٦] أي: تطهَّر من المعاصي، ثم نَمَّى نفسه، ومعنى التنمية هنا ارتقاءات المؤمن في درجات الوصول للحق، فهو مؤمن بداية، لكن يزيد إيمانه وينمو ويرتقي يوماً بعد يوم، وكلما ازداد إيمانه ازداد قُرْبه من ربه، وازدادت فيوضات الله عليه. والطهارة للأشياء سابقة على تنميتها؛ لأن دَرْء المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة. إذن: زكَّى نفسه: طهَّرها أولاً، ثم يُنمِّيها ثانياً، كمَنْ يريد التجارة، فعليه أولاً أن يأتي برأس المال الطاهر من حلال ثم يُنمِّيه، لكن لا تأتي برأس المال مُدنّساً ثم تُنمِّيه بما فيه من دَنَسٍ. وكلما نَمَّى الإنسانُ إيمانَهُ ارتقى في درجاته، فكانت له الدرجات العُلاَ في الآخرة.

стр. 11032

كان هذا الوحي لموسى ﵇ بعد أنِ انتهت المعركة، وانتصر فيها معسكر الإيمان، أما فرعون فقد خسر سلاحاً من أهمِّ أسلحته وجانباً كبيراً من سَطْوته وجبروته. وهنا جمع موسى بني إسرائيل، وهم بقايا ذرية آل يعقوب ليذهب بهم إلى أرض الميعاد، وسرعان ما أعدَّ فرعون جيشه وجمع جموعه، وسار خلفهم يتبعهم إلى ساحل البحر، فإذا بموسى وقومه مُحَاصرين: البحر من أمامهم، وفرعون بجيشه من خلفهم، وليس لهم مَخْرج من هذا المأزق. هذا حُكْم القضايا البشرية المنعزلة عن ربِّ البشر، أما في نظر المؤمن فلها حَلٌّ؛ لأن قضاياه ليست بمعزل عن ربه وخالقه؛ لأنه مؤمن حين تصيبه مصيبة، أو يمسه مكروه ينظر فإذا ربُّه يرعاه، فيلجأ إليه، ويرتاح في كَنَفِه. لذلك يقولون: لا كَرْبَ وأنت ربٌّ، وما دام لي رب ألجأ إليه فليست هناك معضلة، المعضلة فيمن ليس له رَبٌّ يلجأ إليه. وقد ضربنا لذلك مثلاً ولله المثل الأعلى لو أن إنساناً معه في جيبه جنيه، فسقط منه في الطريق، فإذا لم يكُنْ عنده غيره يحزن أمّا إنْ كان لديه مال آخر فسوف يجد فيه عِوَضاً عَمَّا ضاع منه، هذا الرصيد الذي تحتفظ به هو إيمانك بالله. وهنا جاء الأمر من الله تعالى لموسى ﵇ ليُخرجه وقومه من هذا المأزق: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِي البحر يَبَساً﴾ [طه: ٧٧] . أَسْرِ: من الإسراء ليلاً. أي: السير؛ لأنه أستر للسائر.

стр. 11033

وقوله: ﴿بِعِبَادِي﴾ [طه: ٧٧] كملة «عبد» تُجمع على «عبيد» و «عباد» والفَرْق بينهما أن كل مَنْ في الكون عبيد لله تعالى؛ لأنهم وإنْ كانوا مختارين في أشياء، فهم مقهورون في أشياء أخرى، فالذي تعوَّد باختياره على مخالفة منهج الله، وله دُرْبة على ذلك، فله قَهْريات مثل المرض أو الموت. أما العباد فهم الصَّفْوة التي اختارت مراد الله على مرادها، واختياره على اختيارها، فإنْ خيَّرهم: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] خرجوا عن اختيارهم لاختيار ربهم. لذلك نسبهم الله إليه فقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وقال عنهم: ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] وقال: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ [الفرقان: ٦٣] . ويقول الحق سبحانه: ﴿فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِي البحر يَبَساً﴾ [طه: ٧٧] أي: يابساً جافاً وسط الماء. والضرب: إيقاع شيء من ضارب بآلة على مضروب، ومنه ضرَب العملة أي: سكَّها وختمها، فبعد أنْ كان قطعةَ معدن أصبح عملة متداولة. وضرب موسى البحر بعصاه فانفلق البحر وانحسر الماء عن طريق جافّ صالح للمشي بالأقدام، وهذه مسألة لا يتصورها قانون البشر؛ لذلك يُطمئنه ربه ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً﴾ [طه: ٧٧] أي: من فرعون أنْ يُدرِككَ ﴿وَلاَ تخشى﴾ [طه: ٧٧] أي: غرقاً من البحر؛ لأن الطريق مضروب أي: مُعَد ومُمهَّد وصالح لهذه المهمة. وهذه معجزة أخرى لعصا موسى التي ألقاها، فصارت حية

стр. 11034

تسعى، وضرب بها البحر فانفلق فصار ما تحت العصا طريقاً يابساً، وما حولها جبالاً ﴿كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم﴾ [الشعراء: ٦٣] وهي التي ضرب بها الحجر فانبجس منه الماء. والسياق هنا لم يذكر شيئاً عن الحوار الذي دار بين موسى وقومه حينما وقعوا في هذه الضائقة، لكن جاء في لقطة أخرى من القصة حيث قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان قَالَ أَصْحَابُ موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١٦٢] . وبتعدد اللقطات في القرآن تكتمل الصورة العامة للقصة، وليس في ذلك تكرار كما يتوهّم البعض. فقبل أنْ يُوحِي إليه: ﴿فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِي البحر يَبَساً﴾ [طه: ٧٧] قال القوم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] فقال: (كَلاّ) . لكن كيف يقولها قَوْلة الواثق وما يخافون منه محتمل أنْ يقع بعد لحظة؟ نقول: لأنه لم يقل (كَلاَّ) من عنده، لم يَقُلها بقانون البشر، إنما بقانون خالق البشر ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] فأنا لا أغالطكم، ولسْتُ بمعزل عن السماء وتوجيه ربي. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ ... ﴾

стр. 11035

قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] غشيهم يعني: غطّاهم الماء، وقد أبهم هذا الحدث للدلالة على فظاعته وهَوْله، وأنه فوق الحَصْر والوصف، كأن تقول في الأمر الذي لا تقدر على تفصيله: حصل ما حصل. وفي لقطة أخرى لهذه الحادثة يُبيِّن الحق ﵎ أن موسى ﵇ بعد أن عبر بقومه آمناً أراد باجتهاده وترجيحاته الإيمانية أن يضرب البحر مرة أخرى ليعود إلى سيولته فلا يتمكن فرعون من اللحاق به، لكن توجيهات ربه لها شأن آخر. فأوحى الله إليه: ﴿واترك البحر رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] . أي: اتركه كما هو لا تُعِدْه إلى استطراق سيولته، فكما أنجيتك بالماء سأتلف عدوك بالماء، فسبحان مَنْ يُنجِي ويُهلك بالشيء الواحد. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾

стр. 11036

وسبق أن قال فرعون لقومه. ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد﴾ [غافر: ٢٩] . فأين سبيل الرشاد الذي تحدَّث عنه فرعون بعدَ أنْ أطبق الله عليهم البحر؟ لقد سُقْتهم إلى الهلاك، ولم تسلك بهم مناط النجاة والهداية. فأنت إذن كاذب في ادعاء سبيل الرشاد؛ لأنك أضللتَهم ما هديتهم، وأهلكتهم ما نجَّيتهم.

стр. 11037

ثم يقول الحق ﵎: ﴿يابني إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ ... ﴾

стр. 11038

لله على بني إسرائيل منَنٌ كثيرة ونِعَم لا تُعَدُّ، كان مقتضى العبادية التي وصفهم بها ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ [طه: ٧٧] أَن يُنَفِّذوا منهج ربهم، ويذكروا نعمه ذِكْراً لا يغيب عن بالهم أبداً، بحيث كلما تحركتْ نفوسهم إلى مخالفة ذكروا نعمةً من نِعَم الله عليهم، تذكّروا أنهم غير متطوعين بالإيمان، إنما يردُّون لله ما عليهم من نِعَم وآلاء. والحق ﵎ هنا يذكِّرهم ببعض نعَمه، ويناديهم بأحبِّ نداء ﴿يابني إِسْرَائِيلَ﴾ [طه: ٨٠] وإسرائيل يعني عند الله، عبده المخلص، كما تقول لصاحبك: يا ابن الرجل الطيب. . الورع، فالحق يُذكِّرهم بأصلهم الطيب، ينسبهم إلى نبي من أنبيائه. كأنه يلفت أنظارهم أنه لا يليق بكم المخالفة، ولا الخروج عن المنهج. وأنتم سلالة هذا الرجل الصالح. وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ﴾ [طه: ٨٠] أي: من

стр. 11039

فرعون الذي استذلكم، وذبح أبناءكم، واستحي نساءكم ويُسخِّرهم في الأعمال دون أجر، وفعل بكم الأفاعيل، ثم ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطور الأيمن﴾ [طه: ٨٠] لتأخذوا المنهج السليم لحركة الحياة. إذن: خلَّصْناكم من أذى، وواعدناكم لنعمة. ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ﴾ [طه: ٨٠] واعد: مفاعلة لا تكون إلا من طرفيْن مثل: شارك وخاصم، فهل كان الوَعْد من جانبهما معاً: الله وبني إسرائيل؟ الوَعْد كان من الله تعالى، لكن لم يقُلْ القرآن: وعدناكم. بل أشرك بني إسرائيل في الوعد، وهذا يُنبِّهنا إلى أنه إذا وعدك إنسان بشيء ووافقتَ، فكأنك دخلتَ في الوعد. وجانب الطور الأيمن: مكان تلقِّي منهج السماء، وهو مكان بعيد في الصحراء، لا زرعَ فيه ولا ماء؛ لذلك يضمن لهم ربُّهم ما يُقِيتهم ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى﴾ [طه: ٨٠] . المنّ: سائل أبيض يشبه العسل، يتساقط مثل قطرات بلورية تشبه الندى على ورق الأشجار، وفي الصباح يجمعونه كطعام حلو. وهذه النعمة ما زالت موجودة في العراق مثلاً، وتقوم عليها صناعة كبيرة هي صناعة المنّ. والسَّلْوى: طائر يشبه طائر السَّمان. وهكذا وفَّر لهم الحق ﵎ مُقوِّمات الحياة بهذه المادة السُّكَّرية لذيذة الطعم تجمع بين القشدة مع عسل النحل، وطائر شهي دون تعب منهم، ودون مجهود، بل يروْنَه بين أيديهم مُعَدّاً جاهزاً، وكان المنتظر منهم أن يشكروا نعمة الله عليهم، لكنهم اعترضوا عليها فقالوا:

стр. 11040

﴿لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] . وفي سورة البقرة ذكر مع هذه النعمة التي صاحبتهم في جَدْب الصحراء نعمة أخرى، فقال تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى﴾ [البقرة: ٥٧] أي: حَمْيانكم من وهج الشمس وحرارتها حين تسيرون في هذه الصحراء. ونلحظ اختلاف السياق هنا ﴿نَزَّلْنَا﴾ ، وفي البقرة قال: ﴿أنْزَلْنَا﴾ ؛ ذلك لأن الحق ﵎ يعالج الموضوع في لقطات مختلفة من جميع زواياه، فقوله ﴿أنْزَلْنَا﴾ تدل على التعدِّي الأول للفعل، وقد يأتي لمرة واحدة، إنما ﴿نَزَّلنَا﴾ فتدلُّ على التوالي في الإنزال. وأهل الريف في بلادنا يُطلِقون المنَّ على مادة تميل إلى الحمرة الداكنة، ثم تتحول إلى السواد، تسقط على النبات، لكنها ليست نعمةً، بل تُعَدُّ آفة من الآفات الضارة بالنبات. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ... ﴾

стр. 11041

الطعام والشراب والهواء مُقوِّمات الحياة التي ضمنها الله لنا، والأمر بالأكل هنا للإباحة، وليست فَرْضاً عليك أنْ تأكل إلا إذا أردتَ الإضراب عن الطعام إضراباً يضرُّ بحياتك فعندها تُجبر عليه. وقوله: ﴿مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٨١] خصَّ الطيبات؛ لأن الرزق: منه الطيب، ومنه غير الطيّب، فالرزق: كُلّ ما انتفعتَ به ولو كان حراماً. بمعنى أن ما نِلْتَه من الحرام هو أيضاً من رزقك إلا أنك تعجَّلته بالحرام، ولو صبرْتَ عليه وعففْتَ نفسك عنه لَنِلْتَ أضعافه من الحلال. ثم يقول تعالى: ﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾ [طه: ٨١] وفي آية البقرة ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] فكأن ظلمَ النفس عِلَّته أنهم طَغَوْا في الأكل من الرزق. والطغيان: من طغى الشيء إذا زاد عن حَدِّه المألوف الذي ينتفع به، ومنه طغيان الماء إذا زاد عن الحدِّ الذي يزيل الشَّرق والعطش إلى حَدِّ أنه يُغرق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ [الحاقة: ١١] أي: تجاوز الحد الذي ينتفع به إلى العَطَب والهلاك. وهكذا في أي حَدٍّ، لكن كيف تتأتى مجاوزة الحد في الطعام والأقوات؟ الحق ﵎ لما خلق الأرض قدَّر فيها أقواتها إلى يوم القيامة، فقال تعالى: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: ١٠] . فاطمئنوا إلى هذه المسألة، وإذا رأيتم الأرض لا تعطي فلا تتهموها، إنما اتهموا أنفسكم بالتقصير والتكاسل عن عمارة

стр. 11042

الأرض وزراعتها، كما أمركم الله: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا﴾ [هود: ٦١] . وقد غفلنا زمناً عن هذه المسألة، حتى فاجأتنا الأحداث بكثرة العدد وقِلَّة المدد، فكان الخروج إلى الصحراء وتعميرها. وما دام أن الخالق خلق لنا أرزاقنا ومُقوِّمات حياتنا، وجعلها مناسبة لهذا الإنسان الذي كرّمه وجعله خليفة له في الأرض، وجعل لهذا الرزق ولهذه المقوّمات حدوداً حدّها وبيَّنها هي (الحلال) ، فلا ينبغي لك بعد ذلك أن تتعدى هذه الحدود، وتطغى في تناول طعامك وشرابك. ونحن نرى حتى الآلات التي صنعها البشر، لكل منها وقودها الخاص، وإذا أعطيتها غيره لا تؤدي مهمتها، فمثلاً لو وضعت للطائرة سولاراً لا تتحرك، فليس هو الوقود المناسب لطبيعتها. إذن: حدودك في مُقوِّمات حياتك الحلال، ولو استقرأنا ما أحلَّ الله وما حرَّم لوجدنا الأصل في الأشياء أنها حلال، والكثير هو المحلل لك، أما المحرم عليك فهو القليل المحصور الذي يمكن تحديده. لذلك يقول : ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] ولم يقُلْ مثلاً في آية أخرى: تعالوا أَتْلُ ما أحل الله لكم؛ لأنها مسألة تطول ولا تحصى. إذن: ساعةَ أعطاك ربك قال لك: هذا رِزْقُك الحلال الخالص، ومنه وقودك ومُقوِّمات حياتك، وبه بقاؤك ونشاط حركتك. فلا تتعدَّ الحلال على كثرته إلى الحرام على قِلَّته وانحصاره في عِدَّة أنواع، بيَّنها لك وحذَّرك منها. وبالغذاء تتم في الجسم عملية (الأَيْض) يعني: الهدم والبناء، وهي عملية مستمرة في كل لحظة من لحظاتك، فإياك أنْ تبني ذَرَّة

стр. 11043

من ذراتك من الحرام؛ لأن ذرة الحرام هذه تظل تُشاغبك وتُلِح عليك كي تُوقِعك في أصلها. وقد قال رسول الله ﷺ َ: «أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، ثم يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك» . ذلك لأن ذرات بنائه غير منسجمة، لأنها نَمتْ على وقودٍ ما أحله الله له. لذلك تسمع من بعض المتمحكين: ما دام أن الله خلق الخنزير فلماذا حرَّمه؟ نقول: لقد فهمتَ أن كل مخلوق خُلِق ليؤكل، وهذا غير صحيح، فالله خلق البترول الذي تعمل به الآلات، أتستطيع أن تشربه كالسيارة؟ إذن: فَرْق بين شيء مخلوق لشيء، وأنت توجهه لشيء آخر، هذه تسمى إحالة أي: تحويل الشيء إلى غير ما جُعِل له، وهذا هو الطغيان في القُوت؛ لأنك نقلتَ الحرام إلى الحلال. وقد يأتي الطغيان في صورة أخرى، كأن تأكل ما أحلَّ الله من الطيبات، لكنك تحصل عليها بطريق غير مشروع، وتُعوِّد نفسك الكسل عن الكسْب الحلال، فتأخذ مجهود غيرك وتعيش عالةً عليه، فإلى جانب

стр. 11044

أنك تتغذَّى على الحرام فأنت أيضاً تُزهّد غيرك في الحركة والإنتاج والمِلك، وما فائدة أن يتعب الإنسان ويأخذ غيره ثمرة تعبه؟ وقد أخذ الطغيان بهذا المعنى صُوراً متعددة في مجتمعاتنا، فيمكن أن ندرج تحته: الغصب، والخطف، والسرقة، والاختلاس، والرشوة، وخيانة الأمانة، وخداع مَن استأجرك إلى غير ذلك من أخْذ أموال الناس بالباطل ودون وَجْه حق، وكل عمل من هذه التعديات له صورته. فالخطف: أنْ تخطف مال غيرك دون أنْ يكون في متناول يد المخطوف منه ثم تَفِر منه، فإنْ كان في متناول يده وأنت غالبته عليه، وأخذته عُنْوةً فهو غَصْب مأخوذ من: غَصْب الجلد عن الشاة أي: سلخه عنها. فإنْ كان أخذ المال خُفْية وهو في حِرْزه فهي سرقة. وإن كنت مُؤتمناً على مال بين يديك فأخذتَ منه خفية فهو اختلاس. . الخ. إذن: أحل الله لك أشياءً، وحرَّم عليك أخرى، فإنْ كان الشيء في ذاته حلالاً فلا تأخذه إلا بحقِّه حتى يحترم كل مِنّا عمل الآخر وحركته في الحياة وملكيته للأشياء، وبذلك تستقيم بِنَا حركة الحياة، ويسعد الجميع ونعين المنفق، ونأخذ على يد المتسبِّب البلطجي. وللإسلام منهج قويم في القضاء على مسألة البطالة، تأخذ منه بعض النظم الحديثة الآن، وهو أن الشرع يأمر للقضاء على البطالة أن تحفر بئراً وتطُمَّها: أي احفرها وأرْدِمها ثم اعْطِ الأجير فيها أجره. كيف هذا؟ تحفر البئر ولا تستفيد منها وتردمها فما الفائدة؟ ولماذا لم نعط الأجير أجره دون حفر ودون ردم؟ قالوا: حتى لا يتعوَّد على الخمول والكسل، وحتى لا يأكل إلاّ من عرقه وكَدَّه، وإلا فسد المجتمع.

стр. 11045

وللطغيان في القوت صورة أخرى، هي أن تستخدم القوت الذي جعله الله طاقة لك في حركة الحياة النافعة، فإذا بك تصرف هذه الطاقة التي أنعم الله بها عليك في معصيته. وهكذا، كان الطغيان هو علّة ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ [النحل: ١١٨] أي: بالعقوبة ﴿ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] أي: بالطغيان. ثم يقول تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] الفعل: حَلَّ، يحلّ يأتي بمعنى: صار حلالاً، كما تقول للسارق: حلال فيه السجن. وتأتي حلَّ يحل بمعنى: نزل في المكان، تقول: حَلَّ بالمكان أي: نزل به. فيكون المعنى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] أي: صار حلالاً، ووجب لكم، أو بمعنى: ينزل بكم. وقد يكون المعنى أعمَّ من هذا كله. والغضب انفعال نفسيٌّ يُحدِث تغييراً في كيماوية الجسم، فترى الغاضب قد انتفختْ أوداجه واحمرَّ وجهه، وتغيّرت ملامحه، فهذه أغيار تصاحب هذا الانفعال. فهل غضب الله من هذا النوع؟ بالطبع لا؛ لأنه تعالى ليس عنده أغيار، وإذا كان الغضب يتناسب وقدرة الغاضب على العذاب، فما بالك إنْ كان الغضب من الله؟ ثم يقول تعالى: ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هوى﴾ [طه: ٨١] مادة: هَوَى لها استعمالان، الأول: هَوَى يهْوِي: يعني سقط من أَعْلى سقوطاً لا إرادةَ له في منعه، كأن يسقطَ فجأة من على السطح مثلاً، ومن ذلك قوله:

стр. 11046

هُوِىّ الدلو أَسْلَمَها الرِّشَاء ... إذا انقطع الحبل الذي يُخرِج الدَّلُو. والآخر: هَوِىَ يَهْوَى: أي أحبَّ. فيكون المعنى ﴿فَقَدْ هوى﴾ [طه: ٨١] سقط إلى القاع سقوطاً لا يبقى له قيمة في الحياة، أو هَوَى في الدنيا، ويَهوي في الآخرة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩] فأمه ومصدر الحنان له هاوية، فكيف به إذا هوى في الهاوية؟ هذه كلها عِظَات ومواعظ للمؤمن، يُبيِّنها الحق له كي يبني حركة حياته على ضَوْئها وهُدَاها. ولما كان الإنسان عُرْضة لأغيار لا يثبتُ على حال يتقلَّب بين عافية ومرض، بين غِنىً وفقرٍ، فكُلُّ ما فيه موهوب له لا ذاتيّ فيه، لذلك إياك أن تحزن حين يفوتك شيء من النعمة؛ لأنها لن تبقى ولن تدوم، وهَبْ أنك بلغتَ قمة النعيم، فماذا تنتظر إلا أنْ تزول، كما قال الشاعر: إذَا تَمَّ شَيْءٌ بَدَا نَقْصُه ... تَرقَّبْ زَوَالاً إِذَا قِيلَ تَمّ فإذا تَمَّ لك الشيء، وأنت ابْنُ أغيار، ولا يدوم لك حال فلا بُدَّ لك أن تنحدر إلى الناحية الأخرى. فكأن نقْصَ الإنسان في آماله في الحياة هي تميمة حراسة

стр. 11047

النِّعَم، وما فيه من نَقْص أو عيب يدفع عنه حَسَد الحاسد، كما قال الشاعر في المدح: شَخَصَ الأنَامُ إلى كَمَالِكَ ... فَاسْتِعذْ مِنْ شَرِّ أعينهِمْ بِعيْبٍ وَاحِدٍ أي: أن الأعين متطلعة إليك، فاصرفها عنك، ولو بعيب واحد يذكره الناس وينشغلون به. وفي الريف يعيش بعض الفلاحين على الفطرة، فإنْ رُزِق أحدهم بولد جميل وسيم يُلفِت نظر الناس إليه. وتراهم يتعمدون إهمال شكله ونظافته، أو يضعونَ له (فاسوخة) دَفْعاً للحسد وللعين. لذلك فالمرأة التي دخلت على الخليفة، فقالت له: أتمَّ الله عليك نعمته، وأقرَّ عينك، ففهم الحضور أنها تدعو له، فلما خرجتْ قال الخليفة: أعرفتم ما قالت المرأة؟ قالوا: تدعو لك، قال: بل تدعو عليَّ، فقد أرادت بقولها: أتمَّ الله عليك نعمته تريد أزالها؛ لأن النعمة إذا تمت لم يَبْقَ لها إلا الزوال، وقولها: أقَرَّ الله عينكَ تريد: أسكنها عن الحركة. إذن: لا تغضَب إنْ قالوا عنك: ناقص في كذا، فهذا النقص هو تميمة الكمال، ويريدها الله لك لمصلحتك أنت. وما دام الإنسان ابن أغيار، فلا بُدَّ أنْ يغفل عن منهج الله، فتكون له سَقَطات وهَفَوات تحتاج إلى غفران؛ لذلك يقول تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ ... ﴾

стр. 11048

غفار: صيغة مبالغة من غفر، فإذا أثبت المبالغة فالترتيب اللغوي بالتالي يُثبتِ الأقلَّ وهو غافر، هذا في الإثبات: وكذلك في النفي في

стр. 11049

مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] فنفى المبالغة في الظلم، فهل يعني ذلك أنه تعالى يمكن أن يكون ظالماً؟ والشيء يُبالغ فيه لأمرين: الأول: أن تبالغ في نفس الحدث، كأن تأكلَ رغيفاً في الوجبة أو رغيفين، وآخر يأكل خمسة أرغفة، فهذه منه مبالغة في نفس الحدث وهو الأكل، والثاني: قد تكون المبالغة بتكرار الحدَث، فالعادة أن نأكل ثلاث مرات، وهناك مَنْ يأكل سِتّ وجبات، ونسميه (أكول) أي: كثير الأكل، لا في الوجبة الواحدة، إنما في عدد الوجبات. فمعنى (غَفَّارٌ) غافر لي، وغافر لك، وغافر لهذا وهذا. . غافر لكل الخَلْق، فتكررت مغفرته لخَلْقه. وقد شرع الحق المغفرة والتوبة ليحمي المجتمعات من شرار الناس فيها، فالشرير إذا ارتكب جريمة ولم يجد له فرصة للمغفرة والتوبة، فإنه يستمرىء الجريمة، بل ويبالغ فيها. أما إذا فُتِح له باب التوبة والمغفرة فإن هذا يرحم المجتمع من شراسة أصحاب السوء. والله ليس غافراً للذنوب فحسب، بل هو غفار لها، وكلما عدت إليه غفر لك، ولكن وَطِّن نفسك أنك إذا فعلت الذنب وتُبْت منه فلا تعد إليه، ولا ترتب وتخطط لمعصيتك على أمل أن تتوب، فما يدريك أن تعيش إلى أن تتوب؟ والمغفرة تكون ﴿لِّمَن تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه: ٨٢] وما دام قال ﴿تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه: ٨٢] فلا بُدَّ أن التوبة هنا عن الكُفْر، ثم أنشأ

стр. 11050

إيماناً بالله وبرسوله. والإيمان هو الينبوع الذي يصدر عنه السُّلوك البشري، وهذا يقتضي أن تسمع كلامه وتُنفِّذ أوامره، وتجتنب نواهيه، وهذا هو المراد بقوله ﴿وَعَمِلَ صَالِحَاً﴾ [طه: ٨٢] . لكن، أليس العمل الصالح هداية؟ فلماذا قال بعدها ﴿ثُمَّ اهتدى﴾ [طه: ٨٢] قالوا: لأن الهداية أنْ تستمر على هذا العمل الصالح، وأنْ تستزيدَ منه، كما قال تعالى: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ... ﴾

стр. 11051

نقول: ما أعجلك؟ يعني: ما أسرع بك؟ لماذا جئتَ قبل موعدك؟ وكان موسى ﵇ على موعد مع ربه ليتلقى عنه المنهج، والمفروض في هذا اللقاء أنْ يأتيَ معه مجموعة

стр. 11052

من صَفْوة قومه ورؤسائهم، فتعجل موسى موعد ربه، وذهب دون قومه، فقال له: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى﴾ [طه: ٨٣] أي: أسرعتَ وتعجَّلْتَ وجِئْتَ بدونهم. فقال موسى ﵇: ﴿قَالَ هُمْ أولاء على أَثَرِي ... ﴾

стр. 11053

أي: قادمين خلفي وسيتبعونني، أما أنا فقد ﴿عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى﴾ [طه: ٨٤] تعجَّلْتُ في المثول بين يديك لترضى. وقد تعجَّل موسى إلى ميقات ربه، وسبق قومه لحكمة، فالإنسان حين يأمر غيره بأمر فيه مشقّة على النفس وتقييد لشهواتها، لا بُدَّ أن يبدأ بنفسه يقول: أنا لست بنجْوَةٍ عن هذا الأمر، بل أنا أول مَنْ أُنفِّذ ما آمركم به، وسوف أسبقكم إليه. لذلك يقول القائد الفاتح طارق بن زياد لجنوده: «واعلموا أني إذا التقى الفريقان مُقبِل بنفسي على طاغية القوم لزريق فقاتله إن شاء الله، فإن قتلته فقد كُفيتم أمره» وهكذا تكون القيادة قدوة ومثَلاً كما يقولون في الأمثال (اعمل كذا وإيدي في إيدك) وهنا يقول: يدي قبل يدك. فموسى ﵇ يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى﴾ [طه: ٨٤] ترضى أن منهجك يُطبِّق من جهتي كرسول مؤتمن عليه، ومن جهة قومي؛ لأنهم حين يروني قد تعجلت للقائك في الموعد يعلمون

стр. 11054

أن في ذلك خيراً لهم، وإلا ما سبقتهم إليه. وبذلك يسود منهج الله ويُمكَّن في الأرض، وإذا ساد منهج الله رضي الله. عن خليفته في الأرض. ثم يُخبر الحق ﵎ نبيه موسى ﵇ بما كان من قومه بعد مفارقته لهم من مسألة عبادة العجل.

стр. 11055

الفتنة: ليست مذمومة في ذاتها؛ لأن الفتنة تعني الاختبار، ونتيجته هي التي تُحمَد أو تُذمّ، كما لو دخل التلميذ الامتحان فإنْ وُفِّق فهذا خير له، وإنْ أخفق فهذا خير للناس، كيف؟ قالوا: لأن هناك أشياءَ إنْ تحققتْ مصلحة الفرد فيها انهدمتْ مصلحة الجماعة. فلو تمكَّن التلميذ المهمل الكَسُول من النجاح دون مذاكرة ودون مجهود، فقد نال انتفاعاً شخصياً، وإنْ كان انتفاعاً أحمق، إلا أنه سيعطي الآخرين إشارة، ويُوحِي لهم بعدم المسئولية، ويفرز في المجتمع الإحباط والخمول، وكفى بهذا خسارة للمجتمع. وقد جاءتْ الفتنة بهذا المعنى في قول الحق ﵎: ﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] . إذن: لا بد من الاختبار لكي يعطي كل إنسان حسب نتيجته، فإن سأل سائل: وهل يختبر الله عباده ليعلَم حالهم؟ نقول: بل ليعلم

стр. 11056

الناس حالهم، وتتكشف حقائقهم فيعاملونهم على أساسها: هذا منافق، وهذا مخلص، وهذا كذاب، فيمكنك أنْ تحتاط في معاملتهم. إذن: الاختبار لا ليعلم الله، ولكن ليعلم خَلْق الله. أو: لأن الاختبار من الله لِقطْع الحجة على المختبر، كأن يقول: لو أعطاني الله مالاً فسأفعل به كذا وكذا من وجوه الخير، فإذا ما وُضِع في الاختبار الحقيقي وأُعطِى المال أمسك وبَخِل، ولو تركه الله دون مال لَقال: لو عندي كنتُ فعلت كذا وكذا. فهناك عِلْم واقع من الله، أو علم من خَلْق الله لكل مَنْ يفتن، فإنْ كان مُحْسِناً يقتدون به، ويقبلون عليه، ويحبونه ويستمعون إليه، وإلاَّ انصرفوا عنه. فالاختبار إذن قَصْده المجتمع وسلامته. وقد سَمَّى الحق سبحانه ما حدث من بني إسرائيل في غياب موسى من عبادة العجل سماه فتنة، ثم نسبها إلى نفسه ﴿فَتَنَّا﴾ [طه: ٨٥] أي: اختبرنا. ثم يقول تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السامري﴾ [طه: ٨٥] أضلهم: سلك بهم غير طريق الحق، وسلوك غير طريق الحق قد يكون للذاتية المحضة، فيحمل الإنسان فيها وِزْر نفسه فقط، وقد تتعدَّى إلى الآخرين فيسلك بهم طريق الضلال، فيحمل وزْره ووِزْر غيره مِمَّنْ أضلّهم. وفي هذه المسألة يقول تعالى: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ﴾ [النحل: ٢٥] . مع أن الله تعالى قال في أية أخرى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ [فاطر: ١٨] .

стр. 11057

وهذه من المسائل التي توقَّف عندها بعض المستشرقين، محاولين اتهام القرآن وأسلوبه بالتناقض، وما ذلك منهم إلا لعدم فَهْمهم للغة القرآن واتخاذها صناعة لا مَلَكة، ولو فَهِموا القرآن لَعَلِموا الفرق بين أن يضل الإنسان في ذاته، وبين أن يتسبب في إضلال غيره. والسامري: اسمه موسى السامري، ويُرْوَى أن أمه وضعته في صحراء لا حياة فيها، ثم ماتت في نفاسها، فظل الولد بدون أم ترعاه، فكان جبريل ﵇ يتعهده ويربِّيه إلى أن شبَّ. وقد عبَّر الشاعر عن هذه اللقطة وما فيها من مفارقات بين موسى ﵇ وموسى السامري، فقال: إِذَا لَمْ تُصَادِفْ فِي بَنِيكَ عِنَايةً ... فَقَدْ كذَبَ الرَّاجِي وَخَابَ المؤمِّل فَمُوسَى الذِي رَبَّاهُ جِبْريلُ كَافِر ... وَمُوسَى الذِي رَبَّاه فِرْعَوْنُ مُرْسَلُ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَرَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ ... ﴾

стр. 11058

رَجَع: تُستعمل لازمة. مثل: رجع فلان إلى الحق. ومُتعدِّية مثل ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ﴾ [التوبة: ٨٣] والمعنى فيهما مختلف. هنا رجع موسى أي: حين سمع ما حدث لقومه من فتنة السامري ﴿غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ [طه: ٨٦] أي: شديد الحزن على ما حدث ﴿قَالَ ياقوم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ [طه: ٨٦] الوعْد الحسن أن الله يعطيهم التوراة، وفيها أصول حركة الحياة، وبها تَحسُن حياتنا في الدنيا، ويحسُن ثوابنا في الآخرة. وقوله: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد﴾ [طه: ٨٦] . يعني: أطال عهدي بكم، وأصبح بعيداً لدرجة أنْ تنسَوْه ولم أَغبْ عنكم إلا مُدَّة يسيرة. قال الله عنها: ﴿وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢] . ثم يقول: ﴿أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي﴾ [طه: ٨٦] . وما دام أن عهدي بكم قريب لا يحدث فيه النسيان، فلا بُدَّ أنكم تريدون العصيان، وتبغُون غضب الله، وإلاّ فالمسألة لا تستحق، فبمجرد أنْ أغيبَ عنكم تنتكسون هذه النكسة، وإن كان هذا حال القوم ورسولُهم ما زال بين أظهرهم، فما بالهم بعد موته؟ لذلك كان النبي ﷺ َ يقول: «أذلك وأنا بين ظَهْرانيكم؟» . أي: ما هذا الذي يحدث منكم، وأنا ما زلت موجوداً بينكم؟

стр. 11059

وقوله: ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي﴾ [طه: ٨٦] وفي آية أخرى قال: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بعدي﴾ [الأعراف: ١٥٠] فكأنه كان له معهم وَعْد وكلام، فقد أوصاهم قبل أن يُفارقهم أنْ يسلكوا طريق هارون، وأن يطيعوا أوامره إلى أنْ يعود إليهم، فهارون هو الذي سيخلفه من بعده في قومه، وهو شريكه في الرسالة، وله مهابة الرسول وطاعته واجبة. هذا هو الوَعْد الذي أخلفوه مع نبيهم موسى ﵇.

стр. 11060

مادة «ملك» لها صور ثلاثة، لكل منها معنى، وليست بمعنى واحد كما يدَّعِي البعض، فتأتي مَلْك بفتح الميم، ومِلْك بكسرها، ومُلْك بضم الميم، وجميعها تفيد الحيازة والتملُّك، إلا أن مَلْك تعني تملك الإنسان لنفسه وذاته وإرادته، دون أنْ يملكَ شيئاً آخر مِمَّا حوله. ومِلْك: لتملك ما هو خارج عن ذاتك. ومُلْك: أنْ تملك شيئاً، وتملك مَنْ ملكه. إذن: هذه الثلاثة ليستْ مترادفات بمعنى واحد. فقوله تعالى: ﴿قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ [طه: ٨٧] أي: بإرادتنا، بل أمور أخرى خارجة عن إرادتنا حملتنا على إخلاف الوعد، فما هذه الأمور الخارجة عن إرادتكم؟ قالوا: ﴿ولكنا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ القوم﴾ [طه: ٨٧] (أَوْزَاراً) جمع وِزْر، وهو الشيء الثقيل على النفس، ويطلق الوِزْر على الإثم؛ لأنه ثقيل على النفس ثِقَلاً يتعدىَ إلى الآخرة أيضاً،

стр. 11061

حيث لا ينتهي ألم الحمْل فيها؛ لذلك يقول تعالى: ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ القيامة حِمْلاً﴾ [طه: ١٠١] . وكانت هذه الأوزار من زينة القوم: أي: قوم فرعون. وقالوا إنهم كانوا في أعيادهم يستعيرون الحُليّ من جيرانهم ومعارفهم من قوم فرعون يتزيَّنون بها. فلماذا لم يردُّوا الأمانات هذه إلى أصحابها قبل أنْ يخرجُوا إلى الميقات الذي واعدهم عليه؟ قالوا: لأنهم أرادوا أنْ يُسِرُّوا ساعة خروجهم حتى لا يستعد لهم أعداؤهم، وصدُّوهم عن الخروج فأعجلوا عن رَدِّها. وقال قوم: إن هذه الزينات والحليّ كانت مما قذف به البحر بعد أنْ غرق فرعون وقومه، ولكن هذا القول مردود؛ لأنهم إنْ أخذوها بعد أنْ ألْقَى بها البحر فسوف تكون أسلاباً لا أوزاراً. ثم يقول تعالى: ﴿فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامري﴾ [طه: ٨٧] . إذا أُطلِقَتْ الزينة تنصرف عادةً إلى الذهب، والقَذْف هو الرَّمْي بشدة، وكأن الرامي يتأفَف أنْ يحمل المرمىّ، وفي ذلك دلالة على أن بني إسرائيل ما يزال عندهم خميرة إيمان فتألموا وحزنوا لأنهم لم يردُّوا الأمانات إلى أهلها. لذلك دخل عليهم السامري من هذه الناحية، فأفهمهم: إنكم لن تبرأوا من هذه المعصية إلا أنْ ترمُوا بهذه الزينة في النار، وهو يقصد شيئاً آخر، هو أنْ ينصهر الذهب، ويُخرِج ما فيه من الشوائب ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى

стр. 11062

السامري﴾ [طه: ٨٧] أي: ألقى ما معه من الحُليّ، لكن فَرْق بين القَذْف والإلقاء، الإلقاء فيه لُطْف وتمهُّل، فهو كبيرهم ومُعلِّمهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ ... ﴾

стр. 11063

أي: أخرج لهم من هذا الذهب المنصهر ﴿عِجْلاً جَسَداً﴾ [طه: ٨٨] كلمة جسد وردتْ أيضاً في القرآن في قصة سليمان ﵇، حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤] . وقد أعطى الله سليمان مُلْكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعده، فسخَّر له الطير والجنَّ والإنس والريح يأتمرون بأمره، ويبدو أنه أخذه شيء من الزَّهْو أو الغرور، فأراد الحق سبحانه أنْ يلفته إلى مانح هذا الملْك ويُذكِّره بأن هذا الملْك لا يقوم بذاته، إنما بأمر الله القادر على أن يُقعِدك على كُرسيِّك جسداً، لا حركة فيه ولا قدرة له حتى على جوارحه وذاته. كما ترى الرجل والعياذ بالله قد أصابه شلل كُليٌّ أقعده جسداً، لا حركة فيه، ولا إرادةَ على جوارحه، فإذا لم تكن له إرادة على جارحة واحدة من جوارحه، أفتكون له إرادة على الخارج عنه من طير أو إنس أو جن؟

стр. 11064

فلا تغتر بأنْ جعل الله لك إمْره على كل الأجناس؛ لأنه قادر أنْ يسلبكَ هذا كله. ويُروَى أن سليمان ﵇ ركب بساط الريح يحمله إلى حيث يريد، كما قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الريح غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] فَداخلَه شيء من الفخر والزَّهْو، فسمع من تحته مَنْ يقول: يا سليمان هكذا دون ألقاب أُمِرْنا أنْ نطيعك ما أطعتَ الله، ثم رَدَّه حيث كان. لذلك استغفر سليمان ﵇ وأناب. وكذلك نرى الإنسان ساعة أن يموتَ أولَ ما يُنسَى منه اسمه، فيقولون: الجثة: الجثة هنا، ماذا فعلتم بالجثة، ثم تُنسَى هذه أيضاً بمجرد أن يُوضَع في نعشه فيقولون الخشبة: أين الخشبة الآن، انتظروا الخشبة. . سبحان الله بمجرد أنْ يأخذ الخالق سِرَّه من العبد صار جثة، وصار خشبة، فما هذه الدنيا التي تكون نهايتها هكذا؟ ففي قوله تعالى ﴿عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ﴾ [طه: ٨٨] أي: لا حركة فيه، فهو مجرد تمثال. صُنِع على هيئة معينة، بحيث يستقبل الريح، فيحدث فيه صفيراً يشبه الخوار أي: صوت البقر. لكن، لماذا فكَّر السامري هذا التفكير، واختار مسألة العجل هذه؟

стр. 11065

قالوا: لأن السامري استغلَّ تشوُّق بني إسرائيل، وميلهم إلى الصنمية والوثنية، وأنها متأصلة فيهم. ألم يقولوا لنبيهم ﵇ وما زالت أقدامهم مُبتلة من البحر بعد أن أنجاهم الله من فرعون، وكان جديراً بهم شكر الله، فإذا بهم يقولون وقد أَتَوْا على قوم يعكفون على أصنام لهم: ﴿ياموسى اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] . فجاءهم بهذا العجل، وقد ترقَّى به من الصنمية، فجعله جسداً، وجعل له خواراً وصَوْتاً مسموعاً. ثم يقول تعالى: ﴿فَقَالُواْ هاذآ إلهكم وإله موسى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] أي: نسي السامري خميرة الإيمان في نفسه، ونسي أن هذا العمل خروجٌ عن الإيمان إلى الكفر، ولَيْتَه يكفر في ذاته، إنما هو يكفر ويُكفِّر الناس. لا بُدَّ أنه نسي، فلو كان على ذُكْر من الإيمان ومن عاقبه عمله وخيبة ما أقدم عليه ما فعل. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾
следующие страницы →