← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 10991–11030 · переход к 10996.

стр. 10991

توقف العلماء طويلاً حول هذه الآية، لأن فيها قراءتين (إنْ هذان) بسكون (إنْ) والأخرى (إنَّ هذان) بالتشديد. والقراءة التي نحن عليها قراءة حفص ﴿إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] و (إنْ) شرطية إنْ دخلت على الفعل، كما نقول: إنْ زارني زيد أكرمته، وتأتي نافية بمعنى ما، كما في قوله تعالى: ﴿الذين يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢] . فالمعنى: ما أمهاتهم إلا اللائي وَلَدْنهم. كذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] فالمعنى: ما هذان إلا ساحران، فتكون اللام في ﴿لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] بمعنى إلا. كأنك قُلْتَ: ما هذان إلا ساحران. وتأتي اللام بمعنى إلا، إذا اختلفنا مثلاً على شيء، كل واحد مِنّا يدَّعيه لنفسه، فيأتي الحكم يقول: لَزَيدُ أحقُّ به، كأنه قال: ما هذا الشيء إلا لزيد. إذن: اللام تأتي بمعنى إلا. وعلى القراءة الثانية بالتشديد (إنَّ هذان لساحران) فإنَّ حرف ناسخ ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، تقول: إنَّ زيداً مجتهدٌ، أما في الآية بهذه القراءة: (إنّ هذان لساحران) جاء اسم إنَّ هذان بالرفع

стр. 10992

بالألف؛ لأنه مثنى، والقاعدة تقتضي أن نقول (هذين) . فكيف يتم توجيه إنَّ المشددة الناسخة وبعدها الاسم مرفوع؟ قالوا: هذه لغة كنانة إحدى قبائل العرب، وكان لكل قبيلة لهجتها الخاصة ولغتها المشهورة فيقولون: جعجعة خزاعة، وطُمْطُمانيّة حِمْيَر، وتَلْتلة بَهْراء، وفحفحة هذيل. . الخ. ولما نزل القرآن نزل على جمهرة اللغة القرشية؛ لأن لغات العرب جميعها كانت تصبُّ في لغة قريش في مواسم الحج والشعر والتجارة وغيرها، فكانت لغة قريش هي السائدة بين لغات كل هذه القبائل؛ لذلك نزل بها القرآن، لكن الحق ﵎ أراد أن يكون للقبائل الأخرى نصيب، فجاءت بعض ألفاض القرآن على لهجات العرب المختلفة للدلالة على أن القرآن ليس لقريش وحدها، ليجعل لها السيادة على العرب، وإنما جاء للجميع. ومن لهجات القبائل التي نزل بها القرآن لهجة كنانة التي تلزم المثنى الألف في كل أحواله رَفْعاً ونَصْباً وجراً. وشاهدهم في كتب النحو قول شاعرهم:

стр. 10993

وَاهَاً لِسَلْمى ثُمَّ وَاَهَا وَاهَا ... يَا ليْتَ عَيْناهَا لَنَا وَافَاهَا هِيَ المُنَى لَوْ أنَّنَا نِلْناهَا ... ومَوْضِع الخُلْخال من قَدمَاهَا إنَّ أبَاهَا وأبَا أَبَاهَا ... قَدْ بلغَا في المجْدِ غَايتَاهَا فقال: إنَّ أباها. ولم يقل: إنَّ أبيها؛ لأنه يُلزِم المثنى الألف. إذن: لم ينزل القرآن بلغة قريش على أنها لغة سيادة، وإنما لأنها تنطوي على زُبْدة فصاحات لغات الجزيرة كلها، وكانت لغة قريش تصفَّى في مواسم الشعر والأدب في عكاظ وذى المجنّة وغيرها. نعود إلى قول الحق ﵎: ﴿قالوا إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ [طه: ٦٣] ويبدو أن استعداء فرعون لقومه على موسى وهارون جاء بنتيجة ونالتْ حيلته من نفوسهم؛ لذلك يُردِّدون نفس كلام المعلم الكبير فرعون، فيتهمون موسى وهارون بالسحر. وقولهم: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى﴾ [طه: ٦٣] طريقتهم المثلى. أي: ما ارتضاه القوم للعيش عليه، والمذهب والطريق الذي سلكوه. والمراد بالطريقة المثلى التي ساروا عليها أنهم اتخذوا واحداً منهم إلهاً يعبدونه ويأتمرون بأمر، تلك هي الطريقة المثلى!! والمثلى: أي الفاضلة مُذكّرها أمثل.

стр. 10994

أي: تنبهوا واشحذوا كل أذهانكم، وكل فنونكم، وحركاتكم في السحر حتى لا يتمكنا من هذين الأمرين: إخراجكم من أرضكم، والقضاء على طريقتكم المثلى. وهذا قَوْل بعضهم لبعض ﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ﴾ [طه: ٦٤] فلا يُخفِي أحد فناً من فنون السحر، وليُقدّم كُلُّ مِنّا ما عنده؛ لأن عادة أهل الحِرَف أن يوجد بينهم تحاسد، فلا يُظهر الواحد منهم كل ما عنده مرة واحدة، أو يحاول أنْ يُخفي ما عنده حتى لا يطلع عليه الآخر، لكن في مثل هذا الموقف لا بُدَّ لهم من تضافر الجهود فالموقف حرِج ستعمُّ بلواه الجميع إنْ فشلنا في هذه المهمة. وقوله: ﴿ثُمَّ ائتوا صَفّاً﴾ [طه: ٦٤] يعني: مجتمعين كأنكم يد واحدة، فهذا أهْيَبُ لكم وأدْخَلُ للرعب في قلوب خصمكم، كما أننا إذا جِئْنَا سوياً لم يتمكن أحد من التراجع، فيكون بعضنا رقيباً على بعض. ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى﴾ [طه: ٦٤] أفلح: فاز، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١] وهذا اللفظ مأخوذ من فلح الأرض ومنه الفلاحة؛ لأن الفلاح إذا شقَّ الأرض أو حرثَها ورعاها تعطيه خيرها، فحركتُه فيها حركة ميمونة مباركة. لذلك، لما أراد الحق ﵎ أن يُبيِّن لنا مضاعفة الأجر والثواب على الصدقة وعلى فعل الخير ضرب لنا مثلاً بالزرع، فقال تعالى: ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] . فإذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله تعالى تعطي كل هذا العطاء،

стр. 10995

فما بالك بعطاء الخالق لهذه الأرض؟ لذلك عقب المثل بقوله تعالى: ﴿والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] . ثم أُخِذَتْ كلمة الفلاح عَلماً على كل فلاح، ولو لم يكن فيه صِلَة بالأرض؛ لأن قصارى كل حركات الحياة أن تضمن للإنسان بقاء نَوْعه بالأكل، والأرض مصدر هذا كله، فكانت لذلك مصدراً للفوز. وقوله: ﴿مَنِ استعلى﴾ [طه: ٦٤] أي: طلب العُلو على خَصْمه. لكن هل الفلاَح يكون لمن طلب العلو أم لمن علا بالفعل؟ طبعاً يكون لمن علا، إذن: مَنْ عَلاَ بالفعل لا بُدَّ أنْ يشحذَ ذِهْنه على أن يطلب العلو على خصمه، فمهما علا الخصم استعلى عليه أي: طلب العُلو، إذن: قبل علا استعلى. ثم يقول الحق سبحانه عن السحرة: ﴿قَالُواْ ياموسى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾

стр. 10996

تُلْقي: ترمي. والمراد أن يرمي واحد منهم ما أعدّه من سحر، فاختار موسى أنْ يُلْقُوا هم أولاً.

стр. 10997

لأنهم إنْ ألقوا سِحْرهم كانت للعصا مهمة حين يلقيها موسى، فأراد أن يكون للعصا حركة بعد أن تنقلب إلى ثعبان أو حية أو جان، وإلا لو ألقى هو أولاً، فماذا سيكون عملها؟ وقد ألهم الله تعالى سحرة فرعون هذه الأدب في معركتهم مع

стр. 10998

موسى، فخيَّروه بين أنْ يلقي هو، أو يلقوا هُمْ، والله ﵎ يحُول بين المرء وقلبه، فألهمهم ذلك مع أنهم خصومه، وأنطقهم بما يؤيد صاحب المعجزة الخالدة، فقالوا: ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى﴾ [طه: ٦٥] . وقد اختار موسى ﵇ أنْ يُلقي أخيراً؛ لأن التجربة التي مَرَّ بها في طوى مع ربه لما قال له ربه: ﴿قَالَ أَلْقِهَا ياموسى﴾ [طه: ١٩] . فلما ألقى موسى عصاه انقلبتْ إلى حيَّة تسعى ورأى هو حركتها، لكن لم يكُنْ بهذه التجربة شيء تلقفه العصا، فإذا ألقى موسى أولاً وتحوَّلَتْ العصا حية أو ثعباناً، فما الفرق بينها وبين حبال السحرة التي تحولتْ أمامهم إلى حيَّات وثعابين؟ إذن: لا بُدَّ من شيء يُميِّز عصا موسى كمعجزة عن سِحْر السحرة وشعوذتهم؛ لذلك اختار موسى أنْ يُلقي هو آخراً بإلهام من الله حتى تلقف عصاه ما يأفكون، فما يُلقَف لا بُدَّ أن يسبق ما يَلْقُف. فمن حيث الحركة أمام الناظرين لا فَرْقَ بين عصا موسى وحبال السحرة وعِصِيهم، فكلها تتحرك، إنما تميزت عصا موسى بأنها تلقف ما يصنعون من السحر، وتتتبع حبالهم وعِصيَّهم، وتقفز هنا وهناك، فلها إذن عَيْن تبصر، ثم تلقف سحرهم في جوفها، ومع ذلك تظل كما هي لا تنتفخ بطنها مثلاً، وهذا هو موضع المعجزة في عصا موسى ﵇.

стр. 10999

وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى﴾ [طه: ٦٦] إذن: فحركة العِصِيّ والحبال ليستْ حركة حقيقية، إنما هي تخيُّل ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ [طه: ٦٦] فيراها تسعى، وهي ليست كذلك. وقد قال تعالى عن هؤلاء السحرة: ﴿سحروا أَعْيُنَ الناس﴾ [الأعراف: ١١٦] فجاءوا بأعمال تخيُّلية خادعة بأيِّ وسيلة كانت، فالبعض يقول مثلاً: إنهم وضعوا بها الزئبق، فلما حَمِيَتْ عليه الشمس تمدّد، فصارتْ الأشياء تتلوّى وتتحرك، فأياً كانت وسائلهم فهي مجرد تخيُّلات، أمَّا الساحر نفسه فيراها حِبَالاً على حقيقتها، وهذا هو الفرق بين سِحْر السحرة، ومعجزة عصا موسى. والسحر يختلف عن الحِيَل التي تعتمد على خِفَّة الحركة والألاعيب والخُدَع، فالسحر أقرب ما يكون إلى الحقيقة في نظر الرائي، كما قال تعالى: ﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر﴾ [البقرة: ١٠٢] . إذن: هو فَنُّ يُتعلم، يعطي التخييل بواسطة تسخير الجنِّ، فهم الذين يقومون بكل هذه الحركات، فهي إذن ليستْ حيلاً ولا خفة حركة، إنما هي عملية لها أصول وقواعد تُدرَّس وتُتعَلَّم. والخالق حينما يعرض علينا قضية السحر، وأنه عبارة عن تَسخير الشياطين لخدمة الساحر، ويجعل لكل منهما القدرة على مضرّة الآخرين: الساحر بالسحر، والشياطين بما لديهم من قوة التشكّل في الأشكال المختلفة والنفاذ من الحواجز؛ لأن الجن خُلِقُوا من النار، والنار لها شفافية تنفذ خلال الجدار مثلاً. أما الإنسان فَخُلِق من الطين، والطين له كثافة، وضربنا مثلاً

стр. 11000

لنقرب هذه المسألة، قلنا: هَبْ أنك تجلس خلف جدار، ووراء هذا الجدار تفاحة مثلاً وهي من الطينية المتجمدة، أيصل إليك من التفاحة شيء؟ إنما لو خلف الجدار نار فسوف تشعر من خلال الجدار بحرارتها. هذه إذن خصوصيات جعلها الخالق للشياطين فضلاً عن أنهم يرونكُم من حيث لا ترونهم. لكن، كان من لُطْف القدير بنا أن جعل لنا ما يحمينا من الشياطين، فجعل الحق ﵎ حين يتشكَّلون في الأشكال المختلفة تحكمهم هذه الأشكال، بمعنى لو أن الشيطان تشكّل لك في صورة إنسان فقد حكمتْه هذه الصورة، فلو أطلقتَ عليه الرصاص في هذه اللحظة لقتلتَه فعلاً. لذلك؛ فالشيطان يخاف منك أكثر مما تخاف منه، ولا يظهرون لنا إلا ومضة ولمحة سريعة خَوْفاً أن يكون الرائي له على عِلْم بهذه المسألة فيمسك به وساعتها لن يفلت منك. وقد أمسك النبي ﷺ َ شيطاناً وقال: «لقد هممت أن أربطه بسارية المسجد، يلعب به غلمان المدينة، إلا أنني ذكرت دعوة أخي سليمان ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بعدي﴾ [ص: ٣٥] » . إذن: الحق سبحانه أعطاهم خصوصية التشكّل كما يحبون، إنما قيدهم بما يشكّلون به، كأنه يقول له: إذا تركتَ طبيعتك وتشكَّلْت بصورة أخرى فارْضَ بأنْ تحكمك هذه الصورة، وأن يتحكم فيك

стр. 11001

الأضعف منك، وإلا لَفزَّعوا الناس وأرهبوهم، ولم نسلم من شَرَّهم. وكذلك الحال مع الساحر نفسه، فلديه بالسحر والطلاسم أن يُسخِّر الجن يفعلون له ما يريد، وهذه خصوصية تفوق بها قدرتُه قدرةَ الآخرين، ولديه بالسحر فُرْصة لا تتوفر لغيره من عامة الناس، فليس بينه وبين تكافؤ في الفُرص. والله يريد لخَلْقه أنْ تتكافأ فُرَصهم في حركة الحياة فيقول الساحر: إياك أن تفهم أن ما يسَّرته لك من تسخير الأقوى منك ليقدر على ما لا تقدر عليه يفيدك بشيء. أو أنك أخذتَ بالسحر فرصةً على غيرك، بل العكس هو الصحيح فلن تجنيَ من سِحْرك إلا الضرر والشقاء، فالسحر فتنة للإنسان، كما أنه فتنة للجن. لذلك يقول تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] . والفتنة هنا معناها أن نختبر استعماله لمدى مَا اعدَّه الله له، أيستعمله في الخير أم في الشر؟ فإنْ قُلْتَ: أتَعلَّم السحر لأستعمله في الخير. نقول: هذا كلامك ساعة التحمُّل، ولا تضمن نفسك ساعة الأداء. كما قلنا سابقاً في تحمُّل الأمانة حين تقبلها ساعة التحمل، وأنت واثق من قدرتك على أدائها في وقتها، ومطمئنٌ إلى سلامة نيتك في تحمُّلها، أما وقت الأداء فربما يطرأ عليك ما يُغيّر نيتك. وكما جاء في قول الحق ﵎: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢] .

стр. 11002

فاخترْنَ التسخير على الاختيار وحَمْل الأمانة؛ لأنهن لا يضمَنَّ القيام بها. وقد أعذر الله تعالى إلى السحرة في قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] . كأن الساحر مآله إلى الكفر؛ لأنه ابن أهواء وأغيار، لا يستطيع أن يتحكّم في نفسه فيُسخِّر قوة السحر في الخير، كما أن الله تعالى إذا أراد أن يُسخِّر القوى للخير: أيُسخِّر الطائع؟ أم يُسخِّر العاصي؟ سيُسخِّر الطائع، والجن الطائع لا يرضى أبداً بهذه المسألة. إذن: لن يستطيع الساحر إلا تسخير الجن العاصي، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] . لذلك تلاحظ أن كل الذين يشتغلون بهذه العملية على سَمْتهم الغضب، وعلى سحنتهم آثار الذنوب وشُؤْمها، ينفر منهم مَنْ رآهم، يعيشون في أضيق صور العيش، فترى الساحر يأخذ من هذا، ويأخذ من هذا، ويبتز الناس ويخدعهم، ومع ذلك تراه شحاذاً يعيش في ضيق، ويموت كافراً مُبْعَداً من رحمة الله حتى أولاده من بعده لا يَسْلمَون من شُؤْمه، وصدق الله العظيم حين قال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن: ٦] . كما أن في حياة السحرة لفتة، يجب أن نلتفت إليها، وهي أن السحرة الذين يصنعون السحر للناس ويخدعونهم: من أين يرتزقون؟ من عامة الناس الذين لا يفهمون في السحر شيئاً، ولو

стр. 11003

أنه أفلح بالسحر لأغنى نفسه عن أنْ تمتد يده إلى هذا، فيأخذ منه عدة جنيهات، وإلى هذا يطلب منه أشياء غريبة يُوهمه أن مسألته لن تُحّل إلا بها. ولماذا لم يستخدم سحره في سرقة خزينة مثلاً ويريح نفسه من هذا العناء، وإنْ قال: كيف وهي أموال الناس والسطو عليها سرقة، فليذهب إلى الرِّكاز وكنوز الأرض فليست مملوكة لأحد. نعود إلى سحرة فرعون؛ أياً كان سحرهم أمِنْ نوع الألاعيب وخِفّة الحركة وخداع الناظرين؟ أم من نوع السحر الذي علّمته الشياطين من زمن سليمان ﵇ فهو سحر لن يقف أمام معجزة باهرة جاءت على يد موسى لإثبات صدقه. ثم يقول الحق ﵎: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾

стр. 11004

أوجس: من الإيجاس، وهو تحرّك شيء مخيف في القلب لا يتعدّى إلى الجوارح، فإنْ تعدى إلى الجوارح يتحول إلى عمل نزوعي، كأن يهرب أو يجري، فالعمل النزوعي يأتي بعد الإحساس الوجداني؛ لذلك يقول بعدها: ﴿فِي نَفْسِهِ﴾ [طه: ٦٧] . وقد شعر موسى ﵇ بالخوف لما رأى حبال السحرة وعِصيّهم تتحول أمام النظارة إلى حيَّات وثعابين، وربما اكتفى

стр. 11005

المشاهدون بما رأَوْه فهرجوا عليه وأنهوا الموقف على هذا أنْ يتمكّن هو من عمل شيء. فإنْ قُلْت: فلماذا لم يُلْقِ عصاه وتنتهي المسألة؟ نقول: لأن أوامره من الله أولاً بأول، وهو معه يتتبعه سماعاً ورؤية، فتأتيه التعاليم جديدة مباشرة.

стр. 11006

هذا حكم الله يأتي موسى على هيئة برقية مختصرة ﴿أَنتَ الأعلى﴾ [طه: ٦٨] أنت المنصور الفائز فاطمئن، لكن تتحرك في موسى بشريته: منصور كيف؟ وهنا يأتيه الأمر العملي التنفيذي بعد هذا الوعد النظري، وكأن الحق سبحانه متتبع لكل حركات نبيه موسى، ولم يتركه يباشر هذه المسألة وحده، إنما كان معه يسمع ويرى، فيردُّ على السماع بما يناسبه، ويردُّ على الرؤية بما يناسبها. ودائماً يرهف النبي سمعه وقلبه إلى ما يُلْقي عليه من توجيهات ربه ؛ لذلك خاطبه ربه بقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] . فسيأتيك الرد المناسب في حينه. إذن: الحق سبحانه لم يخبر موسى بمهمته مع فرعون ثم تركه يباشرها بنفسه، وإنما تمَّتْ هذه المسألة بتوجيهات مباشرة من الله تعالى.

стр. 11007

وهذا أصل المعجزة في عصا موسى، أن تلقف وتبتلع ما يأفكون من السحر وكلمة ﴿تَلْقَفْ﴾ [طه: ٦٩] تعطيك الصورة الحركية السريعة التي تُشبه لمح البصر، تقول: تلقفتُه يعني أخذتُه بسرعة

стр. 11008

وشدة، وهذه هي العِلّة في العصا أن تلقف ما صنعوا من السحر ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: ٦٩] والكَيْد: التدبير الخفيّ للتغلُّب على الخَصْم، لكن ماذا يفعل كَيْد الساحر وألاعيبه وتلفيقه أمام قدرة الرب ﵎؟ ثم يقول تعالى: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ الساحر حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] سبق أنْ تكلّمنا في مسألة فَلاَح الساحر، وأنه مهما أوُتِي من قدرة على تسخير الجن لعمل شيء فوق طاقة الإنس، فلن يعطيه ذلك مَيْزةً على غيره، ولن تكون له قدرة على شيء. فإياكم أن تظنوا أن الله تعالى ملَّك مصالحكم لهؤلاء، صحيح هو يفعل، أما الإصابة والأذى فبإذن الله وتحت عنايته: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ [البقرة: ١٠٢] وهذه القضية لا تنسحب على الساحر فحسب، إنما على الوجود كله، وإلى أنْ تقوم الساعة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَأُلْقِيَ السحرة سُجَّداً﴾

стр. 11009

قال الزجاج في هذا الموقف: عجيب أمر هؤلاء، فقد ألقوا حبالهم وعِصيّهم للكفر والجحود، فإذا بهم يُلْقُون أنفسهم للشكر والسجود. نعم، لقد دخلوا كافرين فجرة فخرجوا مؤمنين بررة، لأنهم

стр. 11010

جاءوا بكل ما لديهم من الكَيْد، وجمعوا صَفْوة السحر وأساتذته ممنْ يَعْلمون السحر جيداً، ولا تنطلي عليهم حركات السحرة وألاعيبهم، فلما رَأوا العصا وما فعلتْ بسحرهم لم يخالطهم شكٌّ في أنها معجزة بعيدة عَمّا يصنعونه من السحر؛ لذلك سارعوا ولم يترددوا في إعلان إيمانهم بموسى وهارون. وهذا يدلُّنا على أن الفطرة الإيمانية في النفس قد تطمسها الأهواء، فإذا ما تيقظتْ الفطرة الإيمانية وأُزيلَتْ عنها الغشاوة سارعتْ إلى الإيمان وتأثرتْ به. لقد سارع السحرة إلى الإيمان، وكان له هَوىً في نفوسهم، بدليل أنهم سيقولون فيما بعد: ﴿وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر﴾ [السحر: ٧٣] فكانوا مكرهين، كانوا أيضاً مُسخَّرين، بدليل قولهم: ﴿إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين﴾ [الأعراف: ١١٣] . كأنهم كانوا لا يأخذون على السحر أجراً، فلما كانت هذه المهمة صعبة طلبوا عليها أجراً، فهي معركة تتوقف عليها مكانته بين قومه، أما ممارستهم للسحر إرهاباً للناس وتخويفاً لمن تُسوِّل له نفسه الخروج والتمرد على فرعون، فكان سُخْرة، لا يتقاضَوْن عليه أجراً. لذلك لم يعارض فرعون سحرته في طلبهم، بل زادهم منحة أخرى ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين﴾ [الأعراف: ١١٤] فسوف تكونون سدنة الفرعونية، يريد أنْ يشحن هِمَمهم، ويشحذَ عزائمهم، حتى لا يدخروا وُسْعاً في فَنِّ السحر في هذه المعركة. إذن: فطباعهم وفطرتهم تأبى هذا الفعل، وتعلم أنه كذب

стр. 11011

وتلفيق، لكن مذا يفعلون وكبيرهم يأمرهم به، بل ويُكرههم عليه، ويلزمهم أنْ يُعلِّموا غيرهم، لماذا؟ لأن السحر والشعوذة والتلفيق هي رأس ماله وبضاعته التي يسعى إلى ترويجها، فعليها يقوم مُلْكه وتُبْنى ألوهيته. وقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السحرة سُجَّداً﴾ [طه: ٧٠] فَرْق بين ﴿فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٤] وهذا منهم عمل اختياري، وبين ﴿فَأُلْقِيَ السحرة سُجَّداً﴾ [طه: ٧٠] : يعني على غير اختيارهم وعلى غير إرادتهم، كأن صَوْلة الحق فاجأتْ صحوة الفطرة، فلم يملكوا إلا أنْ خرُّوا لله ساجدين، فالإلقاء هنا عمل تلقائي دون تفكير منهم ودون شعور، فقد فاجأهم الحق الواضح والمعجزة الباهرة في عصا موسى، لأنها ليستْ سِحْراً فهم أعلم الناس بالسحر. ونلحظ في هذه الآية أنها جاءت بصيغة الجمع؛ أُلقى السحرةُ، قالوا، آمنا. لتدل على أنهم كانوا يَداً واحدة لم يشذْ منهم واحد، مما يدل على أنهم كانوا مكرهين مُسخَّرين. كما أن إعلان إيمانهم جاء بالفعل المرئي المشاهد للجميع ﴿فَأُلْقِيَ السحرة سُجَّداً﴾ [طه: ٧٠] ، ثم بالقول المسموع ﴿قالوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى﴾ [طه: ٧٠] وفي آية أخرى: ﴿قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ العالمين رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٧٤٨] . ونعلم أن موسى ﵇ هو الأصل، ثم أُرسِل معه أخوه هارون، ولما عرضَ القرآن موقف السحرة مع موسى حكى

стр. 11012

قولهم: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى﴾ [طه: ٧٠] وقولهم: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ العالمين رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٧٤٨] . لذلك كانت هذه المسألة مثارَ جَدَل من خصوم الإسلام، يقولون: ماذا قال السحرة بالضبط؟ أقالوا الأولى أم الثانية؟ ولك أن تتصور جمهرة السحرة الذين حضروا هذه المعركة، فكان رؤساؤهم وصفوتهم سبعين ساحراً، فما بالك بالمرؤوسين؟ إذن: هم كثيرون، فهل يُعقل مع هذه الكثرة وهذه الجمهرة أن يتحدوا في الحركة وفي القول؟ أم يكون لكل منهم انفعاله الخاص على حَسْب مداركه الإيمانية؟ لا شَكَّ أنهم لم يتفقوا على قول واحد، فمنهم مَنْ قال ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى﴾ [طه: ٧٠] وآخرون قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ العالمين رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٧٤٨] . كذلك كان منهم سطحيّ العبارة، فقال ﴿آمَنَّا بِرَبِّ العالمين رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٧٤٨] ولم يفطن إلى أن فرعون قد ادّعى الألوهية وقال أنا ربكم الأعلى فربما يُفهم من قوله ﴿رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٨] أنه فرعون، فهو الذي ربّى موسى وهو صغير. وآخر قد فطن إلى هذه المسألة، فكان أدقَّ في التعبير، وأبعد موسى عن هذه الشبهة، فقال: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى﴾ [طه: ٧٠] وجاء أولاً بهارُون الذي لا علاقة لفرعون بتربيته، ولا فضل له عليه، ثم جاء بعده بموسى.

стр. 11013

إذن: هذه أقوال متعددة ولقطات مختلفة لمجتمع جماهيري لا تنضبط حركاته، ولا تتفق تعبيراته، وقد حكاها القرآن كما كانت فليس لأحد بعد ذلك أن يقول: إنْ كان القول الأول صحيحاً، فالقول الآخر خطأ أو العكس. وما أشبه هذا الموقف الآن بمباراة رياضية يشهدها الآلاف ويُعلِّقون عليها، تُرى أتتفق تعبيراتهم في وصف هذه المباراة؟ نقول: إذن، تعددت اللقطات وتعددت الأقوال للقصة الواحدة لينقل لنا القرآن كل ما حدث. ثم يقص الحق سبحانه رد فعل فرعون على ما حدث، فيقول: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ ... ﴾

стр. 11014

طبيعي أن يشتاط فرعون غضباً بعدما سمعه من سحرته، فقد جمعهم لينصروه فإذا بهم يخذلونه، بل ويُقوِّضون عرشه من أساسه فيؤمنون بإله غيره، ويا ليتهم لما خذلوه سكتوا، إنما يعلنونها صريحة عالية مدوية: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى﴾ [طه: ٧٠] . ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ ... ﴾ [طه: ٧١] فمع الخيبة التي مُنِي بها ما يزال يتمسك بفرعونيته وألوهيته، ويهرب من الاستخزاء الذي حاق به، يريد أن يعطي للقوم صورة المتماسك الذي لم تُؤثّر فيه

стр. 11015

هذه الأحداث، فقال ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ﴾ [طه: ٧١] فأنا كبيركم الذي علّمكم السحر، وكان عليكم أنْ تحترموا أستاذيته، وقد كنت سآذنُ لكم. وكلمة (آمنتم) مادتها: أمِنَ. وقد أخذت حيزاً كبيراً في القرآن الكريم، والأصل فيها: أمِنَ فلان آمناً يعني: اطمأن. فليس هناك ما يُخوّفه. لكن هذه المادة تأتي مرة ثلاثية (أَمِنَ) وتأتي مزيدة بالهمزة (آمن) . وهذا الفعل يأتي متعدياً إلى المفعول مباشرة، كما في قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣٤] يعني: آمن سكان مكة من الخوف. وقد يتعدى بالباء كما في: آمنت بالله، أو يتعدى باللام كما في قوله تعالى: ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣] وآمن له يعني: صدَّقه فيما جاء به. إذن: لدينا: آمَنَهُ يعني أعطاه الأمن، وآمن به: يعني اعتقده، وآمن له: يعني صَدَّقه. وقد تأتي أَمن وآمن بمعنى واحد، كما في قول سيدنا يعقوب: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٦٤] . فلماذا اختلفت الصيغة من آمن إلى أمِن؟ قالوا: لأن قوله ﴿كَمَآ أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٦٤] كانت تجربة أولى، فجاء الفعل (أَمن) مُجرّداً على خلاف الحال في المرة الثانية، فقد احتاجت إلى نوع من الاحتياط للأمر، فقال ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [يوسف: ٦٤] فزاد الهمزة للاحتياط.

стр. 11016

فمعنى قول فرعون: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ [طه: ٧١] يعني أي: صدَّقتموه. وتأمل هنا بلاغة القرآن في هذا التعبير ﴿قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ﴾ [طه: ٧١] ومَنِ الذي يقولها؟ إنه فرعون الآمر الناهي في قومه يتحدث الآن عن الإذن. وفَرْق بين أمر وأذن، أمر بالشيء يعني: أنه يحب ما أمر به، ويجب عليك أنت التنفيذ. أما الإذن فقد يكون في أمر لا يحبه ولا يريده، فهو الآن يأذن؛ لأنه لا يقدر على الأمر. وما دُمْتُمْ قد آمنتم له قبل أن آذن لكم فلا بُدَّ أن يكون هو كبيركم الذي علّمكم السحر، فكان وفاؤكم له، واحترمتم هذا الكِبَر وساعدتموه على الفوز. وهذا من فرعون سوء تعليل لواقع الإيمان، ففي نظره أن موسى تفوّق عليهم، لا لأنه يُجيد فنَّ السحر أكثر منهم، إنما تفوّق عليهم لأنهم جاملوه وتواطأوا معه؛ لأنه كبيرهم ومُعلِّمهم. لذلك يتهدَّدهم قائلا: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: ٧١] . جاء هذا التهديد والوعيد جزاءً لهم؛ لأنهم في نظره هزموه وخذوله في معركته الفاصلة أمام موسى ﵇، ومعنى: ﴿مِّنْ خِلاَفٍ﴾ [طه: ٧١] الخِلاَف أن يأتي شيء على خلاف شيء آخر، والكلام هنا عن الأيدي والأرجل، فيكون المراد اليد اليمنى مع الرِّجْل اليسرى، أو اليد اليُسْرى مع الرِّجْل اليُمْنى. وقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: ٧١] المعروف أن التَّصلْيب يكون على الجذوع؛ لذلك حاول بعض المفسرين الخروج من

стр. 11017

هذا الإشكال فقالوا: (في) هنا بمعنى (على) . لكن هذا تفسير لا يليق بالأسلوب الأعلى للبيان القرآنيّ، ويجب أن نتفق أولاً على معنى التصليب: وهو أن تأتي بالمصلوب عليه وهو الخشب أو الحديد مثلاً، ثم تأتي بالشخص المراد صَلْبه، وتربطه في هذا القائم رباطاً قوياً، ثم تشدّ عليه بقوة. ولك أنْ تُجرِّب هذه المسألة، فتربط مثلاً عود كبريت على إصبعك، ثم تشدُّ عليه الرباط بقوة، وسوف تجد أن العود يدخل في اللحم، ساعتها تقول: العود في إصبعك، لا على إصبعك. إذن قوله تعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: ٧١] (في) هنا على معناها الأصلي للدلالة على المبالغة في الصَّلْب تصليباً قوياً، بحيث يدخل المصلوب في المصلوب فيه، كأنه ليس عليه، بل داخل فيه. ثم يقول: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى﴾ [طه: ٧١] أينا: المراد فرعون وموسى، أو فرعون ورب موسى الذي أرسله ﴿أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى﴾ [طه: ٧١] فجمع في العذاب شدته من حيث الكيفية، ودوامه وبقاءه في الزمن. ولم يذكر القرآن شيئاً عن تهديد فرعون، أفعله أم لا؟ والأقرب أنه نفّذ ما هدد به. وكان من المفروض في تهديد فرعون أن يأخذ من قلوب السَّحرة ويُرهبهم، فيحاولون على الأقل الاعتذار عَمَّا حدث، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، بل قالوا ما أهاجه أكثر: ﴿قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ على مَا جَآءَنَا ... ﴾

стр. 11018

الإيثار: تفضيل شيء على شيء في مجال متساوٍ تقول: آثرتُ فلاناً على فلان، وهما في منزلة واحدة، أو أن معك شيئاً ليس معك غيره، ثم جاءك فقير فآثرْتَهُ على نفسك. ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] . فقولهم: ﴿لَن نُّؤْثِرَكَ على مَا جَآءَنَا مِنَ البينات والذي فَطَرَنَا ... ﴾ [طه: ٧٢] لأنه قال ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى﴾ [طه: ٧١] أنا أمْ موسى؟ فالمعركة في نظره مع موسى، فأرادوا أنْ يُواجهوه بهذه الحقيقة التي اتضحتْ لهم جميعاً، وهي أن المعركة ليستْ مع موسى، بل مع آيات الله البينات التي أُرسِل بها موسى، ولن نُفضّلك على آيات الله التي جاءتْنا واضحة بيِّنة. ولما رأى السحرة معجزة العصا كانوا هم أكثَر القوم إيماناً، وقد وَضُحَ عُمْق إيمانهم لما قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى﴾ [طه: ٧٠] ولم يقولوا: آمنا بموسى وهارون، إذن: فإيمانهم صحيح صادق من أول وَهْلة. وقد تعرضنا لهذه المسألة في قصة سليمان مع ملكة سبأ، حين قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [النمل: ٤٤] فأنا وهو مسلمان لله، ولم تقل: أسلمت لسليمان، فهناك رب أعلى، الجميع مُسلِّم له. إذن: فقوْل السَّحَرة لفرعون: ﴿لَن نُّؤْثِرَكَ على مَا جَآءَنَا مِنَ البينات والذي فَطَرَنَا﴾ [طه: ٧٢] تعبير دقيق وواعٍ وحكيم لا تلحظ فيه ذاتية موسى إنما تلحظُ البينة التي جاء بها موسى من الله.

стр. 11019

لذلك يقول تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين مُنفَكِّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ [البينة: ١] ثم يُبين عند منْ جاءت البينة: ﴿رَسُولٌ مِّنَ الله يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] . فالارتقاء من الرسول إلى البينة إلى مَنْ أعطى له البينة، فهذه مراحل ثلاث. والبينات، هي الأمور الواضحة التي تحسم كل جَدَلٍ حولها، فلا تقبل الجدل والمهاترات؛ لأن حجتها جليّة واضحة. وقولهم: ﴿والذي فَطَرَنَا﴾ [طه: ٧٢] أي: ولن نُؤثرك أيضاً على الله الذي فطرنا، أو تكون ﴿والذي فَطَرَنَا﴾ [طه: ٧٢] قسم على ما يقولون، كما تقول: لن أفعل كذا والذي خلقك، فأنت تُقسِم ألاَّ تفعل هذا الشيء. وهذه حيثية عدم الرجوع فيما قالوه وهو الإيمان بربِّ هارون وموسى. ثم لم يَفُتْهم الإشارة إلى مسألة التهديدات الفرعونية: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: ٧١] . لذلك يقولون: ﴿فاقض مَآ أَنتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] أي: نفَّذ ما حكمتَ به من تقطيع الأيدي والأرجل، أو أقْضِ ما أنت قاض من أمور أخرى، وافعل ما تريد فلم تعُدْ تخيفنا هذه التهديدات ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هذه الحياة الدنيآ﴾ [طه: ٧٢] .

стр. 11020

فأنت إنسان يمكن أن تموتَ في أي وقت، فما تقضي إلا مُدَّة حياتك، وربما يأتي من بعدك مَنْ هو أفضل منك فلا يدّعي ما ادَّعيْته من الألوهية. وهَبْ أن مَنْ جاء بعدك كان على شاكلتك، فحياته أيضاً منتهية، وحتى لو ظَلَّ ما سننته للناس من ادعاء الألوهية إلى يوم القيامة، وامتدّ طغيان غيرك من بعدك، فالمسألة ستنتهي، ولو حتى بقيام الساعة. كما سبق أن قُلْنا: إن نعيم الدنيا مهما بلغ فيتهدده أمران: إما أن تفوته أو يفوتك، أما نعيم الآخرة فنعيم بَاقٍ دائم، لا تفوته ولا يفوتك. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا ... ﴾

стр. 11021

فما دُمْنا رجعنا من الإيمان بالبشر إلى الإيمان بخالق البشر، فهذا رُشْدٌ في تفكيرنا لا يصح أنْ تلومنَا عليه، ثم أوضحوا حيثية إيمانهم ﴿لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر﴾ [طه: ٧٣] فالإيمان بالله سينفعنا، وسيغفر لنا الخطايا وهي كثيرة، وسيغفر لنا ما أكرهتنا عليه من مسألة السحر، فقد صنعوا السحر مُكْرهين، ومارسوه مُجْبرين، فهو عمل لا يوافق طبيعتهم ولا تكوينهم ولا فطرتهم. وما أكثر ما يُكْره الناس على أمور لا يرضونها، وينفذون أوامر وهم غير مقتنعين بها، خاصة في عصور الطُّغَاة والجبّارين، وقد سمعنا كثيراً عن السَّجانين في المعتقلات، فكان بعضهم تأتيه الأوامر

стр. 11022

بتعذيب فلان، فلماذا يفعل وهو يعلم أنه بريء مظلوم، ولا يطاوعه قلبه في تعذيبه، فكان يدخل على المسجون ويقول له: اصرخ بأعلى صوتك، ويُمثِّل أنه يضربه. ثم يقولون: ﴿والله خَيْرٌ وأبقى﴾ [طه: ٧٣] فأنت ستزول، بل دنياك كلها ستزول بمَنْ جاء بعدك من الطُّغَاة، ولن يبقى إلا الله، وهو سبحانه يُمتِّع كل خَلْقه بالأسباب في الدنيا، أما في الآخرة فلن يعيشوا بالأسباب. إنما بالمسبب دون أسباب. لذلك إذا خطر الشيء ببالك تجده بين يديك، وهذا نعيم الآخرة، ولن تصل إليه حضارات الدنيا مهما بلغتْ من التطور. لذلك في قوله تعالى: ﴿حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً﴾ [يونس: ٢٤] ، فمهما ظَنَّ البشر أنهم قادرون على كل شيء في دُنْياهم فهم ضُعفاء لا يستطيعون الحفاظ على ما توصّلوا إليه. إذن: اجعل الله ﵎ في بالك دائماً يكُنْ لك عِوَضاً عن فائت، واستح أنْ يطلع عليك وأنت تعصيه. وقد ورد في الحديث القدسي: «إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟!» . ولما سُئل أحد العارفين: فيم أفنيتَ عمرك؟ قال: في أربعة أشياء: علمتُ أنِّي لا أخلو من نظر الله تعالى طَرْفة عَيْن، فاستحييتُ أن أعصيه، وعلمتُّ أنَّ لي رِزْقاً لا يتجاوزني وقد ضمنه الله لي فقنعتُ به، وعلمتُ أن عليَّ ديناً لا يُؤدِّيه عنِّي غيري فاشتغلتُ به، وعلمتُ أن لي أَجَلاً يبادرني فبادرته.

стр. 11023

وقد شرح أحد العارفين هذه الأربع، فقال: اجعل مراقبتك لمن لا تخلو عن نظره إليك، واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، واجعل خضوعك لمَنْ لا تخرج عن مُلْكه وسلطانه. وهكذا جمعتْ هذه الأقوالُ الثمانية الدينَ كله. ثم يُقدِّم السحرة الذين أعلنوا إيمانهم حيثيات هذا الإيمان، فقالوا: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً ... ﴾

стр. 11024

قوله: ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ [طه: ٧٤] يعني مُجرِّماً عمل الجريمة، والجريمة أنْ تكسر قانوناً من قوانين الحق كما يفعل البشر في قوانينهم، فيضعون عقوبة لمَنْ يخرج عن هذه القوانين، لكن ينبغي أن تُعيِّن هذه الجريمة وتُعلَن على الناس، فإذا ما وقع أحد في الجريمة فقد أعذر من أنذر. إذن: لا يمكن أن تعاقب إلا بجريمة، ولا توجد جريمة إلا بنص. وقوله: ﴿يَأْتِ﴾ أي: هو الذي سيأتي رغم إجرامه، ورغم ما ينتظره من العذاب. لكن لماذا خاطبوه بلفظ الإجرام؟ لأنه قال: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: ٧١] ولم يفعلوا أكثر من أنْ قالوا كلمة الحق، فأيُّنا إذنْ المجرم؟ وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى﴾ [طه: ٧٤]

стр. 11025

لأن الموت سَيُريحهم من العذاب؛ لذلك يتمنَّوْنَ الموت، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فيأتي رده ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] . وفَرْقٌ بين عذاب وموت، فالموت إنهاء للحياة، وليس بعد الموت إيلام، أمَّا العذاب فلا ينشأ إلا مع الحياة؛ لأنه إيلام حَيٍّ. لذلك، فالحق ﵎ لما عرض لهذه المسألة في قصة سليمان ﵇ والهدهد وأن سليمان قال: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١] فالعذاب شيء، والذبح شيء آخر؛ لأنه إنهاء للحياة الحاسة. ومعنى: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى﴾ [طه: ٧٤] أن هناك مرحلة وحلقة بين الموت والحياة، حيث لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياةً سالمة من العذاب، فبقاؤهم في جهنم في هذه المرحلة، التي لا هي موت ولا هي حياة.

стр. 11026

فكأنهم كانوا يشيرون بقولهم: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ [طه: ٧٤] إلى فرعون، والآن يشيرون إلى أنفسهم، وما سلكوه من طريق الإيمان ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات﴾ [طه: ٧٥] .

стр. 11027

فجمعوا بين الإيمان والعمل الصالح؛ لأن الإيمان هو الينبوع الوجداني الذي تصدر عنه الحركات النزوعية على وَفْق المنهج الذي آمنت به، وإلا فما فائدة أنْ تؤمنَ بشيء، ولا تعمل له، وكثيراً ما جمع القرآن بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وقوله: ﴿فأولئك لَهُمُ الدرجات العلى﴾ [طه: ٧٥] الدرجات أي: درجات الجنة، فالجنة درجات، بعضها فوق بعض، أما النار فدركات، بعضها تحت بعض. وقد جعل الحق ﵎ الجنة درجات؛ لأن أهلها متفاوتون في الأعمال، كما أنهم متفاوتون حتى في العمل الواحد؛ لأن مناط الإخلاص في العمل متفاوت. لذلك جاء في الأثر: «الناس على خطر إلا العالمون، والعالمون على خطر إلا العاملون، والعاملون على خطر إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم» . والعُلاَ: جمع عُليا. فما الدرجات العُلاَ؟

стр. 11028

عدن: أي إقامة. مِنْ عَدَنَ في المكان: أقام فيه، فالمراد جنات أعِدَّتْ لإقامتك، وفرْق بين أنْ تُعِد المكان للإقامة وأنْ تُعِدَّ مكاناً لعابر،

стр. 11029

كما أن المكان يختلف إعداده وترفه حَسْب المُعِدْ وإمكاناته، فالإنسان العادي يُعِد مكاناً غير الذي يعده عظيم من العظماء، فما بالك إذنْ بمكان أعدّه لك ربك بقدراته وإمكاناته؟ وقوله: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [طه: ٧٦] . نعلم أن الماء من أهم مقومات الحياة الدنيا، فبه تنبت الأرض النبات، وفيه تذوب العناصر الغذائية، وبدونه لا تقوم لنا حياة على وجه الأرض. والحق ساعةَ يُنزِل مطراً من السماء قد لا ينتفع بالمطر مَنْ نزل عليه المطر، فربما نزل على جبل مثلاً، فالنيل الذي نحيا على مائه يأتي من أين؟ من الحبشة وغيرها. لذلك جعل الخالق كلمة ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [طه: ٧٦] رمزاً للخضرة وللنضارة وللنماء وللحياة السعيدة الهانئة، حتى الإنسان وإنْ لم يكُنْ محتاجاً للطعام بأنْ كان شبعان مثلاً، يجد لذة في النظر إلى الطبيعة الخضراء، وما فيها من زرع وورود وزهور، فليس الزرع للأكل فقط، بل للنظر أيضاً، وإنْ كنتَ تأكل في اليوم ثلاث مرات، والأكل غذاء للجسم، فأنت تتمتع بالمنظر الجميل وتُسَرُّ به كلما نظرتَ إليه، والنظر متعة للروح، وسرور للنفس. وكأن الحق ﵎ يقول لنا: لا تقصروا انتفاعكم بنعم الله على ما تملكون، فتقول مثلاً: لا آكل هذه الفاكهة لأنها ليست مِلْكي، لأن هناك متعةً أخرى: ﴿انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩] فقبل أن تأكل انظر، فالنظر متعة، وغذاء مستمر.

стр. 11030

فقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [طه: ٧٦] لأن ظاهرة جريان الأنهار في الدنيا وسيلة للخُضْرة والخِصْب والإيناع، و ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ [طه: ٧٦] أي: أن الماء ذاتيّ فيها، ونابع منها، ليس جارياً إليك من مكان آخر، ربما يُمنَع عنك أن تُحرم منه. لذلك يقول تعالى في آية أخرى: ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار﴾ [التوبة: ١٠٠] فتحتها أنهار جارية، لكن مصدرها ومنبعها من مكان آخر. ونسب الجريان إلى النهر، لا إلى الماء للمبالغة. فالنهر هو المجرى الذي يجري فيه الماء. ثم يقول تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [طه: ٧٦] وهذا هو التأمين الحقّ للنعيم؛ لأن آفة النعم أنْ تزولَ، إمّا بأن تفوتها أنت أو تفوتك هي، أما نعيم الجنة فقد سَلَّمه الله تعالى من هذه الآفة، فهو خالد بَاقٍ، لا يزول ولا يُزال عنه. ﴿وذلك جَزَآءُ مَن تزكى﴾ [طه: ٧٦] الزكاة: تُطلَق على الطهارة وعلى النماء، فالطهارة: أن يكون الشيء في ذاته طاهراً، والنماء: أنْ توجَد فيه خصوصية نمو فيزيد عَمَّا تراه أنت عليه. كما ترى مثلاً الورد الصناعي والورد الطبيعي في البستان، وفيه المائية والنضارة والرائحة الطيبة والألوان المختلفة والنمو، وكلها صفات ذاتية في الوردة، على خلاف الورد الصناعي فهو جامد على حالة واحدة. وهذا هو الفرق بين صَنْعة البشر وصَنْعة الخالق للبشر؛ لذلك كانت صنعة الله أخلد وأبقى، وصدق الله العظيم حين قال: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] .
следующие страницы →