← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 11236–11275 · переход к 11241.

стр. 11236

قصمنا: القَصْم هو الكَسْر الذي لا جَبْرَ فيه، وكأن الحق يضع أمام أعينهم القُرَى المكذِّبة الظالمة، ليأخذوا منها عِبْرة وعِظَة، فليس بِدَعاً أنْ نقصم ظهور المكذِّبين، بل لها سوابق كثيرة في التاريخ.

стр. 11237

لذلك قال: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا ... ﴾ [الأنبياء: ١١] وكم هنا خبرية تفيد الكثرة التي لا تُعَدُّ، فأحذروا إنْ لويتُم أعناقكم أَنْ يُنزِل بكم ما نزل بهم. وقوله: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ [الأنبياء: ١١] أي: خَلف بعدهم خَلْف آخرون. ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ ... ﴾ .

стр. 11238

أي: حين أحسُّوا العذاب ﴿إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢] حتى لا يلحقهم العذاب. والركْضُ: الجَرْى السريع بهَرْولة، والأصل فيه: رَكْضُ الدابة. يعني: ضَرْبها برِجلْه كي تُسرع. ومنها: ﴿اركض بِرِجْلِكَ ... ﴾ [ص: ٤٢] يعني: اضرب الأرض برِجلْك لِتُخرج الماء ﴿هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢] . وفي هذه الآية مَلْمحٌ من ملامح الإعجاز القرآني، فقد أصاب أيوبَ ﵇ مرضٌ في جلده، وأراد له ربُّه الشفاء. فقال له: اضرب الأرض برِجْلك تُخرج لك ماءً بارداً، منه مُغْتَسل ومنه شراب، فالماء هنا دواء يعالج أمرين: يعالج الظاهر والباطن. وآفةُ المعالجين أنهم إذا رأوا مثلاً البثور والدمامل في الجلد يعالجونها بالمراهم التي يندمِلُ معها الجُرْح، لكنها لا تعالج أسباب الظاهرة من الداخل، أما العلاج الإلهي فمغتسلٌ لعلاج الظاهرة، وشرابٌ لعلاج أسباب الظاهرة في الجوف.

стр. 11239

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ وارجعوا ... ﴾ .

стр. 11240

الحق في قصة هؤلاء المكذِّبين قدَّم الغاية من العذاب، فقال: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ ... ﴾ [الأنبياء: ١١] ثم فصَّل القَصمْ بأنهم لما أحسًّوا العذاب تركوا قريتهم، وأسرعوا هاربين أنْ يلحقهم العذاب، وهنا يقول لهم: لا تركضوا وعودوا إلى مساكنكم، وإلى ما أُترِفْتم فيه. والتُّرفُ: هو التنعُّم نقول: ترف الرجل يترف مثل: فرح يفرَح أي: تنعَّم، فإذا زِيدتْ عليها همزة فقيل: أترف الرجل فمعناها: أخذ نعيماً وأبطره. ومنها أيضاً: أترفَهُ الله يعني: غرَّه بالنعيم؛ ليكون عقاباً له. فقوله هنا ﴿إلى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ. .﴾ [الأنبياء: ١٣] من أترافه الله يعني: أعطاهم نعيماً لا يؤدون حقَّه، فيجرّ عليهم العذاب. لكن ما دام أن الله تعالى يريد بهم العذاب، فلماذا يُنعِّمهم؟ قالوا: فَرْق بين عذاب واحد وعذابين: العذاب أن تُوقع على إنسان شيئاً يؤلمه، أما أن تُنعِّمه وترفعه ثم تعذبه، فقد أوقعتَ به عذاباً فوق عذاب. وقد مثَّلْنا لذلك بأن إنْ أردت أَنْ تُوقِع عدوك لا توقعه من فوق حصيرة مثلاً، إنما ترفعه إلى أعلى ليكون أشدَّ عليه وآلمَ له.

стр. 11241

ومن ذلك قَوْلُ القرآن ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ... ﴾ [الأنعام: ٤٤] أعطيناهم الصحة والمال والجاه والأرض والدُّور والقصور ﴿حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] وهكذا يكون أَخذْه أليماً شديداً، فعلى قَدْر ما رفعهم الله على قَدْر ما يكون عذابهم. ومَلْمَح آخر في قوله تعالى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الأنعام: ٤٤] لا لهم كما في: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ [الفتح: ١] فليس هذا كله في صالحهم، بل هو وَبَال عليهم، فلا تغترُّوا بها، فقد أعطاها الله لهم، وهم سيَبَطْرون بها، فتكون سببَ عذابهم. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٣] أي: عودوا إلى مساكنكم وقصوركم وما كنتم فيه من النعيم، لعل أحداً يمرُّ بكم فيسألكم: أين ما كنتم فيه من النعيم؟ أين ذهب؟ لكن ما هم فيه الآن من الخزي سيُخرس ألسنتهم، ولن يقولوا شيئاً مما حدث، إنما سيكون قولهم وسلوكهم. ﴿قَالُواْ ياويلنآ ... ﴾ .

стр. 11242

لما أحسَّ المكذِّبون بأْسَ الله وعذابه حاولوا الهرب ليُفوِّتوا العذاب، فقال لهم: ارجعوا إلى ما كنتم فيه، فلن يُنجيكم من عذاب الله شيء، ولا يفوت عذاب الله فائت، فلما وجدوا أنفسهم في هذا الموقف لم يجدوا شيئاً إلا الحسرة فتوجَّهوا إلى أنفسهم ليقرعوها، ويحكموا عليها بأنها تستحق ما نزل بها. فقولهم: ﴿ياويلنآ ... ﴾ [الأنبياء: ١٤] ينادون على العذاب، كما تقول (يا بؤسي) أو (يا شقائي) وهل أحد ينادي على العذاب أو

стр. 11243

البُؤْس أو الشقاء؟ الإنسان لا ينادي إلا على ما يُفرِح. فالمعنى: يا ويلتي تعالى، فهذا أوانك، فلن يشفيه من الماضي إلا أنْ يتحسَّر عليه، ويندم على ما كان منه. فالآن يتحسَّرون، الآن يعلمون أنهم يستحقون العذاب ويلومون أنفسهم. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤] ظالمين لأنفسنا بظلمنا لربنا في أننا كفرنا به، كما قال في آية أُخْرى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله ... ﴾ [الزمر: ٥٦] .

стр. 11244

قوله تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ ... ﴾ [الأنبياء: ١٥] أي: قولهم: ﴿قَالُواْ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤] فلم يقولوها مرة واحدة سرقة عواطف مثلاً، إنما كانت ديدنهم، وأخذوها تسبيحاً: يا ويلنا إنا كنا ظالمين، يا ويلنا إنا كنا ظالمين، فلا شيءَ يشفي صدورهم إلا هذه الكلمة يُردِّدونها. كما يجلس المرجم يُعزِّي نفسه نادماً يقول: أنا مُخطيء، أنا أستحق السجن، أنا كذا وكذا. وقوله تعالى: ﴿حتى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] الحصيد: أي المحصود وهو الزرْع بعد جمعه ﴿خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] الخمود من أوصاف النار بعد أنْ كانت مُتأجِّجة مشتعلة ملتهبة صارت خامدة، ثم تصير تراباً وتذهب حرارتها. كأن الحق يشير إلى حرارتهم في عداء الرسول وجَدَلهم وعنادهم معه ﷺ َ، وقد خمدتْ هذه النار وصارتْ تراباً.

стр. 11245

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء ... ﴾ .

стр. 11246

ربنا يعطينا المثل الأعلى في الخلْق؛ لأن خَلْق السماوات والأرض مسألة كبيرة: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ... ﴾ [غافر: ٥٧] فالناس تُولَد وتموت وتتجدد، أمّا السماء والأرض وما بينهما من نجوم وكواكب فهو خلْق هائل عظيم منضبط ومنظوم طوال هذا العمر الطويل، لم يطرأ عليه خَلَل أو تعطُّل. والحق سبحانه لا يمتنُّ بخَلْق السماء والأرض وما بينهما؛ لأنها أعجب شيء، ولكن لأنها مخلوقة للناس ومُسخَّرة لخدمتهم، فالسماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وهواء ومطر وسحاب والأرض وما عليها من خَيْرات، بل وما تحتها أيضاً ﴿وَمَا تَحْتَ الثرى﴾ [طه: ٦] . الكل مخلوق لك أيها الإنسان، حتى ما تتصوره خادماً لغيرك هو في النهاية يصبُّ عندك وبين يديك، فالجماد يخدم النبات، والنبات يخدم الحيوان، وكلهم يخدمون الإنسان. فإنْ كان الإنسان هو المخدوم الأعلى في هذا الكون فما عمله هو؟ وما وظيفته في كون الله؟ فكل ما دونك له مهمة يؤديها فما مهمتك؟ إذن: إنْ لم يكن لك مهمة في الحياة فأإنت أتفه من الحيوان، ومن النبات، حتى ومن الجماد، فلا بُدَّ أنْ تبحثَ لك عن عمل يناسب سيادتك على هذه المخلوقات. ثم هل سخَّرْتَ هذه المخلوقات لنفسك بنفسك، أم سخَّرها الله وذلَّلها لخدمتك؟ فكان عليك أن تلتفت لمن سخَّر لك هذه المخلوقات

стр. 11247

وهي أقوى منك، ألك قدرة على السماء؟ أتطول الشمس والقمر؟ ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولاً﴾ [الإسراء: ٣٧] . إذن: كان يجب عليك أن تبحث بعقلك فيمَنْ سخَّر لك هذا كله، كان عليك أنْ تهتدي إلى الخالق للسماء والأرض وما بينهما، لأنه سبحانه ما خلقها عبثاً، ولا خلقها للعب، إنما خلقها من أجلك أنت. لذلك يقول سبحانه في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، خلقتُ الأشياء من أجلك، وخلقتُك من أجلي، فلا تنشغل بما هو لك عمن أنت له» . فالكون مملوك لك، وأنت مملوك لله، فلا تنشغل بالمملوك لك عن المالك لك. فما الحكمة من خَلْق السماء والأرض وما بينهما؟ الحكمة أن هذه المخلوقات لولاها ما كُنَّا نستدل على القوة القادرة وراء خَلْق هذه الأشياء، وهو الخالق سبحانه، فهي - إذن - لإثبات صفات الجلال والجمال لله . فلو ادَّعَى أحد أنه شاعر - ولله المثل الأعلى - نقول له: أين القصيدة التي قلتها؟ فلا نعرف أنه شاعر إلا من خلال شِعْره وآثاره التي ادَّعاها. وهي دعوى دون دليل؟! وقد خلق الله هذا الخَلْق من أجلك، وتركك تربَع فيه، وخلقه مقهوراً مُسيَّراً، فالشمس ما اعترضتْ يوماً على الشروق، والقمر والنجوم والمطر والهواء والأرض والنبات كلها تعطي المؤمن والكافر والطائع والعاصي؛ لأنها تعملبالتسخير، لا بالإرادة والاختيار. أما الإنسان هو المخلوق صاحب الاختيار في أن يفعل أو لا يفعل.

стр. 11248

ولو نظرتَ إلى هذا الكون لأمكنك أنْ تُقسِّمه إلى قسمين: قسم لا دَخْلَ لك فيه أبداً، وهذا تراه منسجماً في نظامه واستقامته وانضباطه، وقسم تتدخل فيه، وهذا الذي يحدث فيه الخَلَل والفساد. قال الحق : ﴿والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠] . فالكَوْن من حولك يسير بأمر خالقه، منضبط لا يتخلف منه شيء، فلو أخذتَ مثلاً سنة كاملة ٣٦٥ يوماً، ثم حاولتَ أنْ تعيدها في عام آخر لوجدتَ أن الشمس طلعتْ في اليوم الأول من نفس المكان، وفي اليوم الثاني من نفس مكان اليوم الثاني، وهكذا بدقة متناهية، سبحان خالقها. لذلك؛ فالذين يضعون التقويم لمعرفة الأوقات يضعون تقويم ثلاث وثلاثين سنة يُسجِّلون دورة الفلك، ثم يتكرر ما سجَّلوه بانضباط شديد، ومن ذلك مثلاً إذا حدَّد العلماء موعد الكسوف أو الخسوف أو نوعه جزئي أو حَلْقي، فإذا ما تابعته وجدته منضبطاً تماماً في نفس موعده، وهذا دليل على انضباط هذا الكون وإحكامه؛ لأنه لا تدخلُّ لنا فيه أبداً.

стр. 11249

وفي المقابل انظر إلى أيِّ شيء للإنسان فيه تدخّل: فمثلاً نحن يكيل بعضنا لبعض، ويزن بعضنا لبعض، ويقيس بعضنا لبعض، ويخبز بعضنا لبعض، ويبيع بعضنا لبعض. . الخ انظر إلى هذه العلاقات تجدها - إلاّ ما رحم الله - فاسدة مضطربة، ما لم تَسِرْ على منهج الله، فإن سارت على منهج الله استقامت كاستقامة السماء والأرض. إذن: كلما رأيتَ شيئاً فاسداً شيئاً قبيحاً فاعلم أن الإنسان وضع أنفه فيه. وكأن الخلق يقول للإنسان: أنت لستَ أميناً حتى على نفسك، فقد خلقتُ لك كل هذا الكون، ولم يشذ منه شيء، ولا اختلَّتْ فيه ظاهرة، أمّا أنت - لأنك مختار - فقد أخللْتَ بنفسك وأتعبتها. فاعلم أن المسائل عندي أنا آمَنُ لك، فإذا أخذتُك من دنيا الأسباب إلى الآخرة وإلى المسبِّب، فأنا أمين عليك أُنعمك نعيماً لا تعبَ فيه ولا نصبَ ولا شقاء، وإنْ كنت تخدم نفسك في الدنيا، فأنا أخدمك في الآخرة، وأُلبِّي لك رغبتك دون أن تُحرِّك أنت ساكناً. إذن: لو أنني شغلت نفسي بمَنْ يملكني وهو الله تعالى لاستقام لي ما أملكه. فهذا الكون وهذا الإيجاد خلقه الله لخدمة الإنسان، فلماذا؟ كأن الحق يقول: لأنِّي يكفيني من خلقي أن يشهدوا مختارين أنه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وإنْ كانت المخلوقات قد شهدتْ هذه الشهادة مضطرة، فالعظمة أن يشهد المختار الذي يملك أنْ يشهد أو لا يشهد.

стр. 11250

كما أنني بعد أنْ أنعمتُ عليك كلَّ هذه النعم أنزلتُ إليك منهجاً بافعل كذا ولا تفعل كذا، فإنْ أطعتَ أثبتك، وإنْ عصيت عاقبتك، وهذه هي الغاية من خَلْق السماء والأرض، وأنها لم تُخلَق لعباً. وهذا المنهج تعرفه من الرسل، والرسل يعرفونه من الكتاب. فلو كذَّبْتَ بالرسل لم تعرف هذه الأحكام ولم تعرف المنهج، وبالتالي لا نستطيع أنْ نثيب أو نعاقب، فيكون خَلْقُ السماء والأرض بدون غاية. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً ... ﴾ .

стр. 11251

فلو أردنا اللهو لفعلناه، فنحن نقدر على كل شيء، وقوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ... ﴾ [الأنبياء: ١٧] تدل على أن ذلك لن يحدث. فمعنى اللهو هو أن تنصرف إلى عمل لا هدف له ولا فائدة منه، فالإنسان اللاهي يترك الأمر المهم ويذهب إلى الأمر غير المهم، فاللهو واللعب حركتان من حركات الجوارح، ولكنها حركات لا مقصد لها إلا الحركة في ذاتها، فليس لها هدف كمالي نسعي له في الحركة، ولذلك فاللهو واللعب دون هدف يسمى عَبَثاً.

стр. 11252

وهذا يمتنع في حق الله : ﴿بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل ... ﴾ .

стр. 11253

ما دام أنهم فعلوا اللهو واللعب، وخانوا نِعَم الله في السماء والأرض فليعلموا أن هذا الحال لن يستمر، فالحق سبحانه يُملي للباطل ويُوسع له حتى يزحف ويمتد، حتى إذا أخذه أخْذ عزيز مقتدر، وقذف عليه بالحق. فقوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل. .﴾ [الأنبياء: ١٨] القذف: الرَّمْي بشدة مثل القذائف المدمرة ﴿فَيَدْمَغُهُ. .﴾ [الأنبياء: ١٨] يقال: دمغه أي: أصاب دماغه. والدماغ أشرف أعضاء الإنسان ففيه المخ، وهو ميزان المرء، فإنْ كان المخ سليماً أمكن إصلاح أيِّ عطل آخر، أما إنْ تعطل المخ فلا أملَ في النجاة بعده. لذلك جعل الحق عَظْمة الدماغ أغوى عظام الجسم لتحفظ هذا العضو الهام، والأطباء لا يحكمون على شخص بالموت - مثلاً - إذا توقف القلب؛ لأن القلب يجري له تدليك معين فيعود إلى عمله كذلك التنفس، أما إنْ توقف المخ فقد مات صاحبه، فهو الخلية الأولى والتي تحتفظ بآخر مظاهر الحياة في الجسم؛ لذلك يقولون: موت إكلينيكي. وللمخ يصل خلاصة الغذاء، وهو المخدوم الأعلى بين الأعضاء،

стр. 11254

فالجسم يأخذ من الغذاء ما يكفي طاقته الاحتراقية في العمل، وما زاد على طاقته يُختزَن على شكل دهون يتغذّى عليها الجسم، حين لا يوجد الطعم، فإذا ما انتهى الدُّهْن تغذَّى على اللحم، ثم على العَظْمِ لِيُوفِّر للمخ ما يحتاجه، فهو السيد في الجسم، ومن بعده تتغذّى باقي الأعضاء. إذن: كل شيء في الجسم يخدم المخ؛ لأنه أَعْلَى الأعضاء، أما النبات مثلاً فيخدم أسفله، فإذا جَفَّ الماء في التربة ولم يجد النبات الغذاءَ الكافي يتغذى على أعلاه فيذبل أولاً، ثم تتساقط الأوراق، ثم تجفّ الفروع الصغيرة، ثم الجذع، ثم الجذر. ومن ذلك قول سيدنا زكريا ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي واشتعل الرأس شَيْباً ... ﴾ [مريم: ٤] فالعَظْم آخر مخزَن للغذاء في الجسم، فَوهَنُ العظم دليل على أن المسألة أوشكتْ على النهاية. إذن: فقوله تعالى: ﴿فَيَدْمَغُهُ ... ﴾ [الأنبياء: ١٨] أي: يصيبه في أهم الأعضاء وسيدها والمتحكم فيها، لا عضو آخر يمكن أنْ يُجبر؛ لذلك يقول بعدها ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ... ﴾ [الأنبياء: ١٨] زاهق: يعني خارج بعنف. وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨] يعني: أيها الإنسان المغتَرّ بلججه وعناده في الباطل، ووقف بعقله وقلبه ليصادم الحق، سنقذف بالحق على باطلك، فنصيب دماغه فيزهق، ساعتها ستقول: يا ويلتي كما سبق أنْ قالوا: ﴿قَالُواْ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤] حينما يباشرون العذاب. ومعنى: ﴿تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨] تكذبون كذباً افترائياً، كما لو رأيت شخصاً جميلاً، فتقول: وجهه يَصِفُ الجمال، يعني: إنْ كنت

стр. 11255

تريد وَصْفاً للجمال، فانظر إلى وجهه يعطيك صورة للجمال، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب ... ﴾ [النحل: ٦٢] يعني: إنْ أردت أنْ تعرف الكذب بعينه، فاسمع كلامهم وما قالتْه ألسنتهم. كما يقولون: حديث خرافة، وأصل هذه المقولة رجل اسمه خرافة، كان يقول: أنا عندي سهم إنْ أطلقُته على الظَّبي يسير وراءه، فإن التفت يميناً سار وراءه، فإنْ ذهب شمالاً ذهب وراءه، فإنْ صعد الجبل صعد وراءه، فإنْ نزل نزل وراءه. وكأن سهمه صاروخ مُوجَّه كالذي نراه اليوم!! فسار كلامه مثالاً يُضرب للكذب. لذلك قال الشاعر: حَدِيثُ خُرَافَةٍ يا أُمَّ عَمْرو ... فإنْ أردتَ تعريفاً للكذب فأنا لا أُعرِّفه لك بأنه قوْلٌ لا يوافق الواقع، إنما اسمع إلى كلامهم، فهو أصدق وَصْف للكذب؛ لأنه كذب مكشوف مفضوح. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] أي: يكذبون ويفترون على الله. وقد يقول قائل: لماذا يُملِي الله للباطل حتى يتمرَّد ويعلو، ثم يعلو عليه الحق فيدمغه؟

стр. 11256

نقول: الحكمة من هذا أنْ تتم الابتلاءات، والناس لا نتعشق الحق إلا إذا رأتْ بشاعة الباطل، ولا تعرف منزلة العدل إلا حين ترى بشاعة الظلم، وبضدها تتميز الأشياء، كما قال الشاعر: فَالوجْهُ مِثْلُ الصبُّحْ مُبيضٌ ... وَالشَّعْر مِثْلُ الليْلِ مُسْودُ ضِدَّان لَمَّا استْجمْعاً حَسْناً ... والضِّدُّ يُظهِرُ حُسْنَه الضِّدُ إذن: لا نعرف جمال الحق إلا بقُبْح الباطل، ولا حلاوة الإيمان إلا بمرارة الكفر. ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض ... ﴾ .

стр. 11257

سبق أن أخبر الحق سبحانه أنه خلق السماء والأرض وما بينهما، وهذا ظَرْف، فما المظروف فيه؟ المظروف فيه هم الخَلْق، وهم أيضاً لله: ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض ... ﴾ [الأنبياء: ١٩] وإنْ كان من الخَلْق مَنْ ميَّزه الله بالاختيار يؤمن أو يكفر، يطيع أو يعصي، فإنْ كان مختاراً في أمور التكليف فهو مقهورة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ... ﴾ [الأحزاب: ٧٢] .

стр. 11258

فاختارت التسخير على الاختيار الذي لا طاقة لها به. أما الإنسان فقد دعاه عقله إلى حملها وفضَّل الاختيار، ورأى أنه سيُوجه هذه الأمانة التوجيه السليم ﴿وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢] . فوصفه رَبُّه بأنه كان في هذا العمل ظلوماً جهولاً؛ لأنه لا يدري عاقبة هذا التحمل. فإنْ قلتَ: فما ميزة طاعة السماوات والأرض وهي مضطرة؟ نقول: هي مضطرة باختيارها، فقد خيَّرها الله فاختارت الاضطرار. وقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ... ﴾ [الأنبياء: ١٩] أي ليسوا أمثالكم يكذبون ويكفرون، بل هم في عبادة دائمة لا تنقطع، والمراد هنا الملائكة؛ لأنهم ﴿لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] . ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] من حسر: يعني ضَعُفَ وكَلّ وتعب وأصابه الملل والإعياء. ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] أي: كليل ضعيف، لا يَقْوي على مواجهة الضوء الشديد كما لو واجهت بعينيك ضوءَ الشمس أو ضوء سيارة مباشر، فإنه يمنعك من الرؤية؛ لأن الضوء الأصل فيه أن نرى به ما لا نراه. وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الملائكة المقربون ... ﴾ [النساء: ١٧٢] لأن عِزَّهم في هذه المسألة.

стр. 11259

﴿يُسَبِّحُونَ الليل ... ﴾ .

стр. 11260

فهؤلاء الملائكة يعبدون الله ويسبحونه، لا يصيبهم ضَعْف، ولا يصيبهم فُتُور، ولا يشعرون بالملل من العبادة والتنزيه له سبحانه: فالملائكة لا تتكبر عن عبادته والخضوع له. والحق سبحانه يقول: ﴿إِنَّ الذين عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠ ٦] . ثم يقول الحق ﵎: ﴿أَمِ اتخذوا آلِهَةً. .﴾ .

стр. 11261

أي: فما لهم أعرضوا عن كل هذه الحقائق؟ ألهم آلهة غيري وأنا خالق السماء والأرض، وهي لي بمَنْ فيها من الإنس والجن والملائك’؟ فالجميع عَبْد لي يُسبِّح بحمدي، فما الذي أعجبهم في غيري فأعرضوا عني، وانصرفوا إليه؟ أهو أحسن مني، أو أقرب إليهم مني؟ كأن الحق ﵎ يستنكر انصرافهم عن الإله الحق الذي له كل هذا الملك، وله كل هذه الأيادي والنِّعَم. وقوله تعالى: ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١] أي: لهم قدرة على إحياء الموتى وبَعثْهم. وشيء من هذا كله لم يحدث؛ لأنه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ... ﴾ .

стр. 11262

فمَع انصرافكم عن الإله الحق الذي له مًُلْك السماء والأرض، وله تُسبِّح جميع المخلوقات، لا يوجد إله آخر ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ... ﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي: ما زال الكلام مرتبطاً بالسماء والأرض ﴿لَفَسَدَتَا ... ﴾ [الأنبياء: ٢٢] السماء والأرض، وهما ظرفان لكلِّ شيء من خَلْق الله. ومعنى ﴿إِلاَّ الله ... ﴾ [الأنبياء: ٢٢] إلا: أداة استثناء تُخرِج ما بعدها عن حكم ما قبلها كما لو قلتَ: جاء القوم إلا محمد، فقد أخرجتَ محمداً عن حكم القوم وهو المجيء، فلو أخذنا الآية على هذا المعنى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ... ﴾ [الأنبياء: ٢٢] يعني: لو كان هناك آلهة، الله خارج عنها لفسدت السماوات والأرض. إذن: ما الحال لو قلنا: لو كان هناك آلهة والله معهم؟ معنى ذلك أنها لا تفسد. فإلا إنْ حققت وجود الله، فلم تمنع الشَّركة مع الله، وليس هذا مقصود الآية، فالآية تقرر أنه لا إله غيره. إذن: (إلا) هنا ليست أداةَ استثناء. إنما هي اسم بمعنى (غير) كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ... ﴾ [هود: ٣٦] . فالمعنى: لو كان فيهما آلهة موصوفة بأنها غير الله لَفسدتَا، فامتنع أن يكون هناك شريك. وهناك آية أخرى: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٤٢] . الحق يعطينا القسمة العقلية في القرآن: فلنفرض جدلاً أن هناك آلهة أخرى: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا

стр. 11263

يَقُولُونَ إِذاً. .﴾ [الإسراء: ٤٢] أي: لو حدث هذا ﴿لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٤٢] . السبيل: الطريق، أي طلبوا طريقاً إلى ذي العرش أي: إلى الله، لماذا؟ إما ليجادلوه ويصاولوه، كيف أنه أخذ الألوهية من خلف ظهورهم، وإمّا ليتقربوا إليه ويأخذوا ألوهية من باطنه، وقوة في ظل قوته، كما أعطى الله تعالى قوة فاعلة للنار مثلاً من باطن قوته تعالى، فالنار لا تعمل من نفسها، ولكن الفاعل الحقيقي هو الذي خلق النار، بدليل أنه لو أراد سبحانه لَسِلَبها هذه القدرة، كما جاء في قول الحق : ﴿قُلْنَا يانار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] . وقوله: ﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ... ﴾ [المؤمنون: ٩١] وهذه الآية الكريمة وأمثالها تثبت أنه سبحانه موجود وواحد. أما على اعتبار أن (إلا) استثناء فهي تثبت أنه موجود، إنما معه شريك، وليس واحداً. فهي - إذن - اسم بمعنى غير، ولما كانت مبنية بناء الحروف ظهر إعرابها على ما بعدها (لو كان فيهما آلهة إلا اللهُ) فيكون إعراب (غيرُ) إعرابَ (إلا) الذي ظهر على لفظ الجلالة (الله) . لكن، لماذا تفسد السماء والأرض إنْ كان فيهما آلهة غير الله؟ قالوا: لأنك في هذه المسألة أمام أمرين: إما أن تكون هذه الآلهة مستوية في صفات الكمال، أو واحد له صفات الكمال والآخر له صفة نقص. فإنْ كان لهم صفات الكمال، اتفقوا على خَلْق الأشياء أم اختلفوا؟

стр. 11264

إنْ كانوا متفقين على خَلْق شيء، فهذا تكرار لا مُبرِّر له، فواحد سيخلق، والآخر لا عملَ له، ولا يجتمع مؤثران على أثر واحد. فإن اختلفوا على الخَلْق: يقول أحدهم: هذه لي. ويقول الآخر: هذه لي، فقد علا بعضهم على بعض. أما إنْ كان لأحدهم صفة الكمال، وللآخر صفة النقص، فصاحب النقص لا يصحّ أن يكونَ إلهاً. وهكذا الحق يُصرِّف لنا الأمثال ويُوضِّحها ليجلي هذه الحقيقة بالعقل وبالنقل: لا إله إلا الله، واتخاذ آلهة معه سبحانه أمر باطل. كذلك يردُّ على الذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل مَنْ قالوا: العزيرُ ابن الله ومَنْ قالوا: المسيح ابن الله. ومَن اتخذوا الملائكة آلهة من دون الله: ﴿أولئك الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوسيلة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ. .﴾ [الإسراء: ٥٧] . إن هؤلاء الذين تدعُونهم مع الله يطلبون إليه وسيلة، ويتقرّبون إليه سبحانه، وينظرون أيّهم أقرب إلى الله من الآخر، فكيف يكونون آلهة؟ ثم يقول تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الله رَبِّ العرش ... ﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي: تنزيهاً لله عَمَّا قال هؤلاء: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي: يُلحِدون ويكذبون ويفترون. والعرش: هو السرير الذي يجلس عليه الملك، وهو علامة الملْك والسيطرة، كما في قوله تعالى عن ملكة سبأ على لسان الهدهد: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امرأة تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] فحين يقول سبحانه ﴿رَبِّ العرش﴾ [الأنبياء: ٢٢] ينصرف

стр. 11265

إلى عرشه تعالى، الذي لا يعلو عليه، ولا ينازعه عَرْش آخر. ثم يقول الحق سبحانه عن ذاته سبحانه: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا ... ﴾ .

стр. 11266

فالله تعالى لا يُسأل عما يفعل؛ لأن السائلَ له مراتب مع المسئول، والعادة أن يكون المسئول في مرتبة أَدْنى من السائل؛ لذلكلا احدَ يسأل الله تعالى عَمَّا يفعل، أمّا هو سبحانه فيسأل الناس. لذلك قال بعض الظرفاء: الدليل على أن الله لا شريك له، خَلْقه لفلان، لأنه له كان له شريك كان عارضه في هذه المسألة. إذن: لا أحدَ أعلى من الله، حتى يسأله: لِمَ فعلتَ كذا وكذا؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ ... ﴾ .

стр. 11267

طالما اتخذوا من دون الله آلهة فهاتوا البرهان على صِدْقها، كما أن الله تعالى - وهو الإله الحق - أتى بالبراهين الدامغة على وجوده، وعلى قدرته، وعلى وحدانيته، وعلى أحديته، فهاتوا أنتم أيضاً ما لديكم، أم أنها آلهة لا أدلةَ لها ولا برهانَ عليها، فلم تنزل كتاباً، ولا أرسلتْ رسولاً، ولا جاءت بمنهج. فأين هم إذن؟ إذا لم يكونوا على دراية بما يحدث، فهي آلهة غافلة لا يصح أنْ يحتلوا هذه المنزلة، وإنْ كانوا على دراية فلمَ لَمْ

стр. 11268

يُجابهوا الحقائق ويدافعوا عن أنفسهم؟ إذن: هم ضعفاء عن هذه المواجهة. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ... ﴾ [الأنبياء: ٢٤] أي: هاتوا الدليل على وجود آلهة غير الله، والبرهان: التدليل بإيجاد الكون على هذا النظام البديع، فهل سمعتم أن إلهاً آخر قال: أنا الذي أوجدتُ؟ هل أرسل رسولاً بآية؟ إذن: هذا كلام كذب وافتراء واختلاق من عند أنفسكم؛ لأنكم لستم أهلَ علم في شيء، ولا يعني هذا عدمَ وجود العلم، إنما العلم موجود، ولكنكم مُعرِضون عن سماعه: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق فَهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤] . كأن للحق سمات يعلم بها، فَمنْ أقبل على معرفة الحق وجده، أما مَنْ أعرض عن المعرفة، فمن أين له أنْ يعرف؟ إذن: فالحق موجود ولو التمسوه لوجدوه وعرفوه، وأمسكوا بالدليل عليه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ ... .﴾ .

стр. 11269

إذن: فقضية التوحيد واضحة منذ بداية الرسالات إلى خاتمها، الكل جاء بقول لا إله إلا الله قضية مشتركة بين جميع رسالات السماء. وقوله تعالى: ﴿مِن رَّسُولٍ. .﴾ [الأنبياء: ٢٥] (منْ) هنا للشمول والتعميم، يعني: كل أفراد الرسل، كلّ مَنْ يُقَال له رسول. فلو قال لك شخص: ما عندي مال، لا يمنع هذا القول أن يكون عنده قليل

стр. 11270

من المال، قروش مثلاً لا يُقال لها مال، فإنْ قال لك: ما عندي من مال فقد نفى وجود جنس المال من بداية ما يقال له مال، ما عندي حتى مليم واحد. إذن: ما جئتم به من مسألة الشرك بالله أو إنكاره مسألة جديدة (موضة) طلعتُم علينا بها. ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن ... .﴾ .

стр. 11271

قوله: ﴿سُبْحَانَهُ ... ﴾ [الأنبياء: ٢٦] أي: تنزيهاً له أنْ يكون له ولد، فقُلْ: إنْ كان له، فله عباد مكرمون وهم الملائكة. ومن صفات هؤلاء العباد المكرمين الذين هم الملائكة أنهم: ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول ... ﴾ .

стр. 11272

ومع أنهم عباد مكرمون إنما لا يسبقونه بالقول، فلا يقولون ما لم يقُلْه ولا يتقدمون عليه بقول حتى إنْ وافق مراد الله، ولا يفعلون ما لم يأمر به، وكأن الحق سبحانه يعطينا إشارة لبعض آفات المجتمع، فمن آفات المجتمع أن ترى العظماء المكرمين إلا أنهم يصنعون لأنفسهم سلطة زمنية من باطنهم، فيقولون ما لم يَقُلْه ربهم ، ويفعلون ما لم يأمر به، ويُقدِّمون أوامرهم على أوامره. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] أي: يأتمرون بأمره، فإنْ أمر فعلوا، وإنْ نَهَى تركوا.

стр. 11273

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ... ﴾ .

стр. 11274

الكلام هنا عن العباد المكرمين من الملائكة، فَمَع أن الله أكرمهم وفضَّلهم، إلا أنه لم يتركهم دون متابعة ومراقبة، إنما يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولم تُترك لهم مسألة الشفاعة يُدخلون فيها مَنْ أحبوا إنما ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى ... ﴾ [الأنبياء: ٢٨] . أي: لمن ارتضاه الله وأحبه، فإياكم أنْ تفهموا أنكم حين تقولون: الملائكة بنات الله، أو تعبدونهم من دون الله أنهم يكونون لكم شفعاء عند الله؛ لأنهم لا يشفعون إلا لمنْ أحبّه الله، وارتضاه من أهل الإيمان، فلا تظن أنهم ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] أي: مُدلَّلُون يفعلون ما يحلو لهم، لا، إنهم مع ذلك ملتزمون بحدودهم لا يتعدونها، فما أكرمتهم كل هذا الإكرام إلا لأنهم مطيعون ملتزمون. وهم مع هذه الطاعة ﴿مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] فليسوا مع هذا الإكرام مطمئنين آمنين، بل مشفقون خائفون وجلون من خشية الله ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله مِّن دُونِهِ ... ﴾ .

стр. 11275

أي: على فَرْض أنْ قال أحدهم هذا القول، إذن: هذا كلام لم يحدث، ولا يمكن أنْ يُقال منهم ﴿فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظالمين﴾ [الأنبياء: ٢٩] لماذا؟ لأنهم أخذوا الظُّلم في أعلى مراتبة وعنُفوانه وطغيانه، ظلم في مسألة القمة ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . لذلك يُهدّدهم، مع أنهم ملائكة ومكرمون، لكن إنْ بدر من أحدهم هذا القول فجزاؤه جهنم، وفي هذا اطمئنان للخَلْق أجمعين. بعد ذلك أراد الحق أنْ يُدلِّل على هذه الوحدانية التي أكَّدها في كلامه السابق، والوحدانية في طَيِّها الأحدية، لأن هناك فَرْقاً بينهما، وليسا مترادفين كما يظن البعض، فواحد وأحد وَصفْان لله ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وقال: ﴿الواحد القهار﴾ [الرعد: ١٦] . فالواحد أي: الفرد الذي لا يُوجد له نظير، وهذا الواحد في ذاته أحد أي: ليس له أجزاء، فالواحدية تمنع أنْ يُوجد فَرْد مثله، والأحدية تمنع أن يكون في ذاته مُكوّناً من أجزاء؛ لأنه سبحانه لو كوّن من أجزاء لصار كل جزء محتاجاً في وجوده إلى الجزء الآخر، فلا احتياج له في وجوده ليكوِّن كله، إذنْ: فلا هو كليّ، ولا هو جزئي. فاختار سبحانه للتدليل آيات الكون الموجودة والمشهودة التي لا يمكن أنْ ينكرها أحد؛ لأنها آيات مُرتّبة واضحة ونافعة في الوقت نفسه، فقد يكون المرئي واضحاً لكن لا حاجة لك فيه - فالإنسان يشعر بمنفعة الشمس لو غابت عنه، ويشعر بمنفعة المطر إن امتنعت السماء عن المطر. . إلخ.
следующие страницы →