Полный текст (14 757 стр.). Показаны 11271–11310 · переход к 11276.
стр. 11271
قوله: ﴿سُبْحَانَهُ ... ﴾ [الأنبياء: ٢٦] أي: تنزيهاً له أنْ يكون له ولد، فقُلْ: إنْ كان له، فله عباد مكرمون وهم الملائكة.
ومن صفات هؤلاء العباد المكرمين الذين هم الملائكة أنهم: ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول ... ﴾ .
стр. 11272
ومع أنهم عباد مكرمون إنما لا يسبقونه بالقول، فلا يقولون ما لم يقُلْه ولا يتقدمون عليه بقول حتى إنْ وافق مراد الله، ولا يفعلون ما لم يأمر به، وكأن الحق سبحانه يعطينا إشارة لبعض آفات المجتمع، فمن آفات المجتمع أن ترى العظماء المكرمين إلا أنهم يصنعون لأنفسهم سلطة زمنية من باطنهم، فيقولون ما لم يَقُلْه ربهم ، ويفعلون ما لم يأمر به، ويُقدِّمون أوامرهم على أوامره.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] أي: يأتمرون بأمره، فإنْ أمر فعلوا، وإنْ نَهَى تركوا.
стр. 11273
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ... ﴾ .
стр. 11274
الكلام هنا عن العباد المكرمين من الملائكة، فَمَع أن الله أكرمهم وفضَّلهم، إلا أنه لم يتركهم دون متابعة ومراقبة، إنما يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولم تُترك لهم مسألة الشفاعة يُدخلون فيها مَنْ أحبوا إنما ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى ... ﴾ [الأنبياء: ٢٨] .
أي: لمن ارتضاه الله وأحبه، فإياكم أنْ تفهموا أنكم حين تقولون: الملائكة بنات الله، أو تعبدونهم من دون الله أنهم يكونون لكم شفعاء عند الله؛ لأنهم لا يشفعون إلا لمنْ أحبّه الله، وارتضاه من أهل الإيمان، فلا تظن أنهم ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] أي: مُدلَّلُون يفعلون ما يحلو لهم، لا، إنهم مع ذلك ملتزمون بحدودهم لا يتعدونها، فما أكرمتهم كل هذا الإكرام إلا لأنهم مطيعون ملتزمون.
وهم مع هذه الطاعة ﴿مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] فليسوا مع هذا الإكرام مطمئنين آمنين، بل مشفقون خائفون وجلون من خشية الله ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله مِّن دُونِهِ ... ﴾ .
стр. 11275
أي: على فَرْض أنْ قال أحدهم هذا القول، إذن: هذا كلام لم يحدث، ولا يمكن أنْ يُقال منهم ﴿فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظالمين﴾ [الأنبياء: ٢٩] لماذا؟ لأنهم أخذوا الظُّلم في أعلى مراتبة وعنُفوانه وطغيانه، ظلم في مسألة القمة ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
لذلك يُهدّدهم، مع أنهم ملائكة ومكرمون، لكن إنْ بدر من أحدهم هذا القول فجزاؤه جهنم، وفي هذا اطمئنان للخَلْق أجمعين.
بعد ذلك أراد الحق أنْ يُدلِّل على هذه الوحدانية التي أكَّدها في كلامه السابق، والوحدانية في طَيِّها الأحدية، لأن هناك فَرْقاً بينهما، وليسا مترادفين كما يظن البعض، فواحد وأحد وَصفْان لله ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وقال: ﴿الواحد القهار﴾ [الرعد: ١٦] .
فالواحد أي: الفرد الذي لا يُوجد له نظير، وهذا الواحد في ذاته أحد أي: ليس له أجزاء، فالواحدية تمنع أنْ يُوجد فَرْد مثله، والأحدية تمنع أن يكون في ذاته مُكوّناً من أجزاء؛ لأنه سبحانه لو كوّن من أجزاء لصار كل جزء محتاجاً في وجوده إلى الجزء الآخر، فلا احتياج له في وجوده ليكوِّن كله، إذنْ: فلا هو كليّ، ولا هو جزئي.
فاختار سبحانه للتدليل آيات الكون الموجودة والمشهودة التي لا يمكن أنْ ينكرها أحد؛ لأنها آيات مُرتّبة واضحة ونافعة في الوقت نفسه، فقد يكون المرئي واضحاً لكن لا حاجة لك فيه - فالإنسان يشعر بمنفعة الشمس لو غابت عنه، ويشعر بمنفعة المطر إن امتنعت السماء عن المطر. . إلخ.
стр. 11276
فمشهودية هذه الآيات تقتضي الالتفات إليها، والنفعية فيها تقتضي أيضاً الالتفات إليها، حتى وهي غائبة عنك، فتنظر وتتطلع إلى عودتها من جديد.
فيقول الحق سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا أَنَّ السماوات ... ﴾ .
стр. 11277
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا ... ﴾ [الأنبياء: ٣٠] يعني: أعميتْ أبصارهم، فلم ينظروا إلى هذا الكون البديع الصنع المحكم الهندسة والنظام، فيكفروا بسبب أنهم عَمُوا عن رؤية آيات الله. وهكذا كما رأيت الهمزة بعد الواو والفعل المنفي.
لكن كيف يقول الحق سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا. .﴾ [الأنبياء: ٣٠] والحديث هنا عن السماء والأرض، وقد قال تعالى: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ [الكهف: ٥١] ؟
فهذه مسألة لم يشهدها أحد، ولم يخبرهم أحد بها، فكيف يروْنَها؟
سبق أن تكلمنا عن الرؤية في القرآن، وأن لها
стр. 11278
استعمالات مختلفة: فتارة تأتي بمعنى: نظر أي: بصرية. وتأتي بمعنى: علم، ففي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل﴾ [الفيل: ١] .
والنبي ﷺ َ لم يَرَ هذه الحادثة ولم يشهدها؛ لأنه وُلِد في نفس عامها، فالمعنى: ألم تعلم، فلماذا عَدلَ السياق عن الرؤية البصرية إلى الرؤية العلمية، مع أن رؤية العين هي آكد الرُّؤى، حتى أنهم يقولون: ليس مع العَيْن أيْن؟
قالوا: لأن الله تعالى يريد أن ينبه رسوله ﷺ َ أنت صحيح لم ترهَا بعينيك، لكن ربك أخبرك بهان وإخبار الله أصدق من رؤية عينيك، فإذا أخبرك الله بشيء فإخبار الله أصدقُ من رؤية العين، فالعين يمكن أنْ تخدعك، أو ترى بها دون أنْ تتأمل. أما إخبار الله لك فصادقٌ لا خداعَ فيه.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ [مريم: ٨٣] .
لكن، كيف تمَّتْ الرؤية العلمية لهم في مسألة خَلْق السماوات والأرض؟
قالوا: لأن الإنسان حين يرى هذا الكون البديع كان يجب عليه ولو بغريزة الفضول أنْ يتساءلَ: من أين جاء هذا الكون العجيب؟ والإنسان بطبعه يلتفت إلى الشيء العجيب، ويسأل عنه، وهو لا يعنيه ولا ينتفع به، فما بالُكَ إنْ كان شيئاً نافعاً له؟
إذن: كان عليهم أن ينظروا: مَنِ الذي نبَّأَ رسول الله بهذه المسألة؟ خاصة وقد كانوا يسألون عنها، وقد جاءهم رسول الله
стр. 11279
بمعجزة تُثبِت صدقه في البلاغ عن الله، وتُخبرهم بما كانوا يبحثون عنه، وما دام الكلام من الله فهو صدق: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢] .
وقد نزل القرآن في جزيرة العرب كفار عُبَّاد أصنام، وفيها اليهود وبعض النصارى، وهما أهل الكتاب يؤمنون بإله وبرُسُل وبكتب، حتى إنهم كانوا يجادلون الكفار الوثنيين يقولون لهم: لقد أطلّ زمان نبي سنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم.
ومع ذلك، لما جاءهم ما عرفوا من الحق كفروا به، والتحموا بالكفار، وكوَّنوا معهم جبهة واحدة، وحزباً واحداً، ما جمعهم إلا كراهية النبي، وما جاء به من الدين الحق، وما أشبهَ هذا بما يفعله الآن كُلٌّ من المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي من اتحاد ضد الإسلام.
إذن: بعد أنْ جاء الإسلام أصبح أهلُ الكتاب والكفار ضد الإسلام في خندق واحد، وكان الكفار يسمعون من أهل الكتاب، وفي التوراة كلام عن خَلْق السماء والأرض يقول: إن الله أول ما خلق الخَلْق خلق جوهرة، ثم نظر إليها نظرَ الهيبة فحصل فيها تفاعل وبخار ودخان، فالدخان صعد إلى أعلى فكوَّنَ السماء، والبقية ظلتْ فكوَّنت الأرض.
стр. 11280
وهكذا كان لديهم طرف من العلم عن مسألة الخَلْقِ؛ لذلك قال الله عنهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ... ﴾ [الأنبياء: ٣٠] .
وقد كان للمستشرقين كلام حول قوله تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقاً﴾ [الأنبياء: ٣٠] قالوا: السماوات جمع، والأرض كذلك جنس لها جمع، فالقاعدة تقتضي أنْ نقول: كُنَّ رتقاً بضمير الجمع. وصاحب هذا الاعتراض لم يَدْر أن الله نظر إلى السماء كنوع والأرض كنوع، فالمراد هنا السماوةي والأرضية وهما مُثنَّى.
وفي القرآن نظائر كثيرة لهذه المسألة؛ لأن القرآن جاء بالأسلوب العربي المبنيّ على الفِطنة والذكاء ومُرونة الفهم. فخُذْ مثلاً قوله تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ... ﴾ [الحجرات: ٩] .
فلم يقُلْ حسْب الظاهر: اقتتلتَا؛ لأن الطائفة وإنْ كانت مفرداً إلا أنها تحوي جماعة، والقتال لا يكون بين طائفة وطائفة، إنما بين أفراد هذه وأفراد هذه، فالقتال ملحوظ فيه الجمع ﴿اقتتلوا ... ﴾ [الحجرات: ٩] فإذا ما جِئْنا للصُّلْح لا يتم بين هؤلاء الأفراد، وإنما بين ممثَل عن كل طائفة، فالصُّلْح لا يتم بين هؤلاء الأفراد، وإنما بين ممثل عن كل طائفة، فالصُّلْح قائم بين طرفين؛ لذلك يعود السياق للتثنية. ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي حتى تفياء إلى أَمْرِ الله فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بالعدل﴾ [الحجرات: ٩] .
والرَّتْق: الشيء الملتحم الملتصق، ومعنى ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا. .﴾ [الأنبياء: ٣٠] أي: فَصلَنْاهما وأزَحْنَا هذا الالتحام، وما ذُكِر في التوراة من أن الله تعالى خلق جوهرة، ثم نظر إليها في هَيْبة، فحصل لها كذا
стр. 11281
وكذا في القرآن له ما يؤيده في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ... ﴾ [فصلت: ١١] .
والعلماء ساعةَ يستقبلون الآية الكونية لهم فيها مذاهب اجتهادية مختلفة؛ لأنها تتعرَّض لحقيقة الكون، وهذا أمر قابل للخلاف، فكلُّ واحد منهم يأخذ منه على قَدْر ثقافته وعِلْمه.
فالعربي القديم لم يكُنْ يعرف كثيراً عن الظواهر الكونية، لا يعرف الجاذبية، ولا يعرف كُروية الأرض ولا حركتها، فلو أن القرآن تعرَّض لمثل هذه الأمور التي لا يتسع لها مداركه وثقافته فلربما صرفه هذا الكلام الذي لا يفهمه، ولك أنْ تتصوَّر لو قلتَ له مثلاً: إن الأرض كرة تدور بنا بما عليها من بحار وجبال الخ.
والقرآن بالدرجة الأولى كتاب منهج «افعل كذا» و «لا تفعل كذا» لذلك كلُّ ما يتعلق بهذا المنهج جاء واضحاً لا غموض فيه، أمَّا الأمور الكونية التي تخضع لثقافات البشر وارتقاءاتهم الحضارية فقد جاءت مُجْملةً تنتظر العقول المفكرة التي تكشف عن هذه الظواهر واحدةً بعد الأخرى، وكأن الحق ﵎ يعطينا مجرد إشارة، وعلى العقول المتأمّلة أنْ تُكمِلَ هذه المنظومة.
وقد كان لعلماء الإسلام موقفان في هذه المسألة، كلاهما ينطلق من الحب لدين الله، والغرام بكتابه، والرغبة الصادقة في إثبات صدْق ما جاء به القرآن من آيات كونية جاء العلم الحديث ليقول بها الآن، وقد نزل بها القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان.
الموقف الأول: وكان أصحابه مُولعين بأنْ يجدوا لكل اكتشاف جديداً شاهداً من القرآن ليقولوا: إن القرآن سبق إليه وأن محمداً ﷺ َ صادق في بلاغه عن الله.
стр. 11282
الموقف الثاني: أما أصحاب الموقف الآخر فكانوا يتهيَّبون من هذه المسألة خشية أن يقولوا بنظرية لم تثبت بَعْد، ويلتمسون لها شاهداً من كتاب الله، ثم يثبُت بطلانها بعد أنْ ربطوها بالقرآن.
والموقف الحق أن هناك فرقاً بين نظرية علمية، وحقيقة علمية، فالنظرية مسألة محلّ بحث ومحلّ دراسة لم تثبت بَعْد؛ لذلك يقولون: هذا كلام نظري أي: يحتاج إلى ما يؤيده من الواقع، أمّا الحقيقة العلمية فمسألة وقعتْ تحت التجربة، وثبت صدقها عملياً ووثقنا أنها لا تتغير.
فعلينا - إذن - أَلاَّ نربط القرآن بالنظرية التي تحتمل الصدق أو الكذب، حتى لا يتذبذب الناس في فَهْم القرآن، ويتهمونا أننا نُفسِّر القرآن حَسْب أهوائنا. أمّا الحقيقة العلمية الثابتة فإذا جاءت بحيث لا تُدفَع فلا مانعَ من ربطها بالقرآن.
من ذلك مسألة كروية الأرض، فعندما قال بها العلماء اعترض كثيرون وأثاروها ضجة وألَّفوا فيها كتباً، ومنهم مَنْ حكم بكفر مَنْ يقول بذلك؛ لأن هذه المسألة لم ينص عليها القرآن. فلما تقدم العلم، وتوفرتْ له الأدلة الكافية لإثبات هذه النظرية، فوجدوا الكواكب الأخرى مُدوَّرة كالشمس والقمر، فلماذا لا تكون الأرض كذلك؟!
كذلك إذا وقفتَ مثلاً على شاطئ البحر، ونظرتَ إلى مركب قادم من بعيد لا ترى منها إلا طرفَ شراعها، ولا ترى باقي المركب إلا إذا اقتربتْ منك، عَلامَ يدلُّ ذلك؟ هذا يدل على أن سطح الأرض ليس مستوياً، إنما فيه تقوُّس وانحناء يدل على كُرويتها.
فلما جاء عصر الفضاء، وصعد العلماء للفضاء الخارجي، وجاءوا للأرض بصور، فإذا بها كُروية فعلاً، وهكذا تحولتْ النظرية
стр. 11283
إلى حقيقة علمية لا تُدفع، ولا جدال حولها، ومَنْ خالفها حينما كانت نظرية لا يسعه الآن إلاّ قبولها والقول بها.
وما قلناه عن كُروية الأرض نقوله عن دورانها، ومَنْ كان يصدق قديماً أن الأرض هي التي تدور حول الشمس بما عليها من مياه ومَبانٍ وغيره؟ ولك أن تأخذَ كوزاً ممتلئاً بالماء، واربطه بخيط من أعلى، ثم أَدِرْه بسرعة من أسفل إلى أعلى، تلاحظ أن فوهة الكوز إلى أسفل دون أنْ ينسكب الماء، لماذا؟ لأن سرعة الدوران تفوق جاذبية الأرض التي تجذب الماء إليها، بدليل أنك إذا تهاونتَ في دوران الكوز يقع الماء من فُوهته، ولا بُد من وجود تأثير للجاذبية، فجاذبية الأرض هي التي تحتفظ بالماء عليها أثناء دورانها.
أما أن نلتقط نظرية وليدة في طََوْر البحث والدراسة، ثم نفرح بربطها بالقرآن كما حدث أوائل العصر الحديث والنهضة العلمية، حين اكتشف العلماءُ المجموعةَ الشمسية، وكانت في بدايتها سبعة كواكب فقط مُرتّبة حسب قُرْبها من الشمس في المركز: عطارد، فالزهرة، فالأرض، فالمريخ، فالمشتري، فزُحَل، فأورانوس.
وهنا أسرع بعض علمائنا الكبار - منهم الشيخ المراغي - بالقول بأنها السماوات السبع، وكتبوا في ذلك بحوثاً، وفي القرآن الذي سبق إلى هذا. ومرَّتْ الأيام، واكتشف العلماء الكواكب الثامن (نبتون) ، ثم التاسع.
إذن: رَبْط النظرية التي لم تتأكد بَعْد علمياً بالقرآن خطأ كبير، ومن الممكن إذا توفَّر لهم أجهزة أحدث ومجاهر أكبر - كما يقول بعض علماء الفضاء - لاكتشفوا كواكب أخرى كثيرة، لأن مجموعتنا الشمسية هذه واحدة من مائة مليون مجموعة في المجرة التي نسميها (
стр. 11284
سكة التبَّانة) ، والإغريق يسمونها (الطريق اللبني) .
وهذه الكواكب التي نراها كبيرة وعظيمة، لدرجة تفوق تصورات الناس، فالشمس التي نراها هذه أكبر من الأرض بمليون وربع مليون مرة، وهناك من الكواكب ما يمكنه ابتلاع مليون شمس في جوفه. والمسافة بيننا وبين الشمس ثماني دقائق ضوئية، وتُحسب الدقيقة الضوئية بأن تُضرب في ستين ثانية، الثانية الواحدة السرعة فيها ١٨٦ ألف ميل يعني: ثلاثمائة ألف كيلومتر.
أما المسافة بين الأرض والمرأة المسلسلة فقد حسبوها بالسنين الضوئية لا الدقائق، فوجدوها مائة سنة ضوئية، أما الشِّعْري الذي امتنَّ الله به في قوله ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشعرى﴾ [النجم: ٤٩] فهو أبعد من ذلك. وهذه الكواكب والأفلاك كلها في السماء الدنيا فقط، فما دَخْل هذا بالسماوات السبع التي تحدثوا عنها؟!
لذلك حاول كثيرون من عُشَّاق هؤلاء العلماء أن يمحوا هذه المسألة من كتبهم، حتى لا تكون سُبَّة في حقِّهم وزلّة في طريقهم العلمي.
كذلك من النظريات التي قالوا بها وجانبتْ الصواب قولهم: إن المجموعة الشمسية ومنها الأرض تكوَّنت نتيجة دوران الشمس وهي كتلة ملتهبة، فانفصل عنها بعض (طراطيش) ، وخرج منها بعض الأجزاء التي بردتْ بمرور الوقت، ومنها تكونت الأرض، ولما بردتْ
стр. 11285
الأرض أصبحتْ صالحة لحياة النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان بدليل أن باطن الأرض ما يزال ملتهباً حتى الآن. وتتفجر منه براكين كبركان (فيزوف) مثلاً.
والقياس العقلي يقتضي أن نقول: إذا كانت الأرض قطعة من الشمس وانفصلت عنها، فمن الطبيعي أن تبرد مع مرور الزمن وتقلّ حرارتها حتى تنتهي بالاستطراق الحراري، إذن: فهذه نظرية غير سلمة، وقولكم بها يقتضي أنكم عرفتم شيئاً عن خَلْقِ السماواتِ والأرضِ ما أخبر الله به، وقد قال تعالى:
﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض. .﴾ [الكهف: ٥١] .
ثم يقول في آية جامعة ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ [الكهف: ٥١] .
والمضلّ هو الذي يأخذ بيدك عن الحقيقة إلى الباطل، وكأن الحق سبحانه يعطينا إشارة إلى ما سيكون من أقوال مُضلِّلة في هذه المسألة تقول: حدث في الخلق كيت وكيت.
والواجب علينا أن نأخذ هذه التفاصيل من الخالق وأن نقف عند هذا الحد، لأن معرفتك بكيفية الشيء ليست شرطاً لانتفاعك به، فأنت تنتفع بمخلوقات الله وإن لم تفهم كيف خُلِقَتْ؟ وكيف كانت؟ انتفعنا بكروية الأرض وبالشمس وبالقمر دون أن نعرف شيئاً عنها، ووضع العلماء حسابات للكسوف وللخسوف والأوقات قبل أن تكتشف كروية الأرض.
فالرجل الأميّ الذي لا يعلم شيئاً يشتري مثلاً «التليفزيون» ويتعلم كيفية تشغيله والانتفاع به، دون أنْ يعلم شيئاً عن تكوينه أو كيفية عمله ونَقْله للصورة وللصوت. . إلخ. فخُذْ ما في الكون من
стр. 11286
جمال وانتفع به كما خلقه الله لك دون أن تخوض في أصل خَلْقه وكيفية تكوينه، كما لو قُدِّم لك طعام شهيّ أتبحثُ قبل أن تأكل: كيف طُهِي هذا الطعام؟!
وقد تباينتْ آراء العلماء حول هذه الآية ومعنى الرَّتْق والَتْق، فمنهم مَنْ قال بالرأي الذي قالتْه التوراة، وأنها كانت جوهرة نظر الله إليها نظرة المهابة، وحدث لها كذا وكذا، وتكوَّنت السماء والأرض.
ومنهم مَنْ رأى أن المعنى خاصٌّ بكل من الأرض والسماء، كل على حِدَة، وأنهما لم يكونا أبداً ملتحمتين، واعتمدوا على بعض الآيات مثل قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً﴾ [عبس: ٢٤ - ٢٨] .
وفي موضع آخر قال: ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السمآء بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً فَالْتَقَى المآء على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١١ - ١٢] .
فالمراد - إذن - أن الأرض وحدها كانت رَتْقاً، فتفجرت بالنبات، وأن السماء كانت رتْقاً فتفجرت بالمطر، فشقَّ الله السماء بالمطر، وشَقّ الأرض بالنبات الذي يصدعها: ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع والأرض ذَاتِ الصدع﴾ [الطارق: ١١ - ١٢] .
وقال عن السماء: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام ... ﴾ [الفرقان: ٢٥]
стр. 11287
على اعتبار أن السماء كُلُّ ما علاك فأظلّك، فيكون السحاب من السماء.
نفهم من هذا الرأي أن الفَتْق ليس فَتْقَ السماء عن الأرض، إنما فتق كل منهما على حِدَة، وعلى كل حال هو فَهْم لا يُعطي حكماً جديداً، واجتهاد على قَدْر عطاء العقول قد تُثبته الأيام، وقد تأتي بشيء آخر، المهم أن القوليْن لا يمنع أحدُهما الآخر.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ... ﴾ [الأنبياء: ٣٠] قال أصحاب التأويل الثاني: ما دام ذكر هنا الماء، فلا بُدَّ أن له صلة بالرَّتْق والفَتْق في كل من الأرض والسماء.
ونلحظ أن الآية لم تَقُلْ: كل شيء حيَّا، إنما ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ... ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقد استدلوا بها على أن الحيَّ المراد به الحياة الإنسانية التي نحياها، ولم يفطنوا إلى أن الماء داخلٌ في تكوين كل شيء، فالحيوان والنبات يحيا على الماء فإنْ فَقَد الماء مات وانتهى، وكذلك الأدنى من الحيوان والنبات فيه مائية أيضاً، فكُلُّ ما فيه لمعة أو طراوة أو ليونة فيه ماء.
فالمعنى ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ. .﴾ [الأنبياء: ٣٠] أي: كل شيء مذكور موجود.
والتحقيق العلمي أن لكل شيء حياةً تناسبه، وكل شيء فيه ماء، بدليل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ... ﴾ [الأنفال: ٢٤] .
والحق سبحانه يخاطبهم وهم أحياء، إذن: يحييكم أي: حياة أخرى لها قيمة؛ لأن حياتكم هذه قصاراها الدنيا، إنما استجيبوا لحياة أخرى خالدة هي حياة الآخرة.
стр. 11288
وسمُيِّ الشيء الذي يتصل بالمادة، فتدبّ فيها الحياة روحاً، فقال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ... ﴾ [الحجر: ٢٩] .
وسُمِّي المنهج الذي ينزل من السماء لهداية الأرض روحاً، وسُمّي الملَك الذي ينزل به روحاً؛ لأنه يعطينا حياة دائمة باقية، لا فناء لها، وهكذا يتم الإرتقاء بالحياة.
فإذا نزلنا أدنى من ذلك وجدنا للحيوان حياة، وللنبات حياة، فالحيوان يُنْفَق ويموت، والنبات إنْ منعتَه الماء جَفَّ وذَبُل وانتهى. أما الجماد فله حياة أيضاً، بدليل قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ... ﴾ [القصص: ٨٨] .
فوَصَف كل ما يقال له شيء بأنه هالك، والهلاك ضد الحياة، فلا بُدَّ أن تكون له حياة، ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ... ﴾ [الأنفال: ٤٢] فالحياة ضِدُّها الهلاك.
إذن: فكل شيء في المخلوقات حتى الجماد له حياة، وفي تكوينه مائية، كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ... ﴾ [الأنبياء: ٣٠] .
ويختتم سبحانه هذه الآية بقوله: ﴿أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠] يعني: أعَمُوا عن هذه الآيات التي نُبِّهوا إليها، وامتنعوا عن الإيمان؟ يعني: أعَمُوا عن هذه الآيات التي نُبِّهوا إليها، وامتنعوا عن الإيمان؟ فكان يجب عليهم أنْ يتفتوا إلى هذه الآيات العجيبة والنافعة لهم، كيف والبشر الآن يقفون أمام مخترع أو آله حديثة أو حتى لُعبة تبهرهم فيقولون: مَنْ فعل هذه؟ ويُؤرِّخون له ولحياته، وتخرَّج في كلية كذا ... إلخ.
فمن الأَوْلى أنْ نلتفتَ إلى الخالق العظيم الذي أبدع لنا هذا الكون، فالانصراف - إذن - عن آيات الله والإعراض عنها حالة غير طبيعية لا تليق بأصحاب العقول.
стр. 11289
يقول الحق سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأرض ... ﴾ .
стр. 11290
الرواسي: الجبال جمع رَاس يعني: ثابت، وقد عبر عنها أيضاً بالأوتاد، فقال: ﴿والجبال أَوْتَاداً﴾ [النبأ: ٧] شبّه الجبال بالنسبة للأرض بالأوتاد بالنسبة للخيمة.
ثم يذكر عِلَّة ذلك: ﴿أَن تَمِيدَ بِهِمْ ... ﴾ [الأنبياء: ٣١] أي: مخافة أن تميل وتضطرب وتتحرك بهم، ولو أنها مخلوقة على هيئة الثبوت ما كانت لتميد أو تتحرك، وما احتاجت لأن يُثبِّتها بالجبال؛ لذلك قال تعالى: ﴿وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب ... ﴾ [النمل: ٨٨] .
فليس غريباً الآن أن نعرف أن للجبال حركة، وأنْ كنا لا نراها؛ لأنها ثابتة بالنسبة لموقعك منها؛ لأنك تسير بنفس حركة سيرها، كما لو أنك وصاحبك في مركب، والمركب تسير بكما، فأنت لا تدرك حركة صاحبك لأنك تتحرك بنفس حركته.
وقد شبَّه الله حركة الجبال بمرِّ السحاب، فالسحاب لا يمرُّ بحركة ذاتية فيه، إنما يمرُّ بدفْع الرياح، كذلك الجبال لا تمرُّ بحركة ذاتية إنما بحركة الأرض كلها، وهذا دليل واضح على حركة الأرض.
ثم يقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً ... ﴾ [الأنبياء: ٣١] أي من حكمة الله أنْ جعل لنا في الأرض سُبُلاً نسير فيها، فلو أن الجبال كانت كتلة تملأ وجه الأرض ما صَلُحَتْ لحياة البشر وحركتهم
стр. 11291
فيها، فقال ﴿فِجَاجاً سُبُلاً ... ﴾ [الأنبياء: ٣١] أي: طرقاً واسعة في الوديان، والأماكن السهلة. وفي موضع آخر قال: ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ [نوح: ٢٠] .
ومعنى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا ... ﴾ [الأنبياء: ٣١] يصح في الجبال أو في الأرض، ففي كل منهما طرق يسلكها الناس، وهي في الجبال على شكل شِعَأب ووديان.
ثم يذكر سبحانه عِلَّة ذلك، فيقول: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] والهداية هنا تحتَمل معنيين: يهتدون لخالقها ومكوِّنها، ويستدلون بها على الصانع المبدع سبحانه، أو يهتدون إلى البلاد والأماكن والاتجاهات، وقديماً كانوا يتخذون من الجبال دلائل وإشارات ويجعلونها علامات، فيصفون الأشياء بمواقعها من الجبال، فيقولون: المكان الفلاني قريب من جبل كذا، وعلى يمين جبل كذا، وقد قال شاعرهم:
خُذَا بَطْنَ هِرْشَي أو قَفَاهَا فَإنَّهُ ... كِلاَ جَانِبَي هَرْشَي لَهُنَّ طَريقُ
فالهداية هنا تشمل هذا وذاك، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] أي: يهتدون إلى الطرق والاتجاهات، وكان العربي يقول مثلاً: اجعل الثُّريَا عن يمينك أو النجم القطبي، أو سهيل أو غيرها، فكانوا على علم بمواقع هذه النجوم ويسيرون على هَدْيها.
стр. 11292
أو: يهتدون إلى أن للنجوم علاقة بحياة الإنسان الحيِّ، وقديماً كانوا يقولون: فلان هَوَى نَجْمه، كأن لكل واحد منا نجماً في السماء له علاقة ما به، وهذه يعرفها بعض المختصين، وربما اهتدوا من خلالها إلى شيء، شريطة أن يكونوا صادقين أمناء لا يخدعون خَلْق الله.
ويُؤيِّد هذا قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦] أي: لو كنتم على معرفة بها لعلمتُم أن للنجوم دوراً كبيراً وعظيماً في الخَلْق.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً ... ﴾ .
стр. 11293
سمَّي السماء سقفاً؛ لأن السماء كل ما علاَك فأظلّك، وفرْقٌ بين سقف من صنع البشر يعتمد على أعمدة ودعائم. . الخ، وسقف من صُنْع الخالق العظيم، سقف يغطي الأرض كلها ومحفوظ بلا أعمدة، سقف مَسْتوٍ لا نتوءَ ولا فتور.
والسماء أخذتْ دوراً تكوينياً خصَّها الله به كما خَصَّ آدم ﵇، فالخَلْق جميعاً خُلِقوا بكُنْ من أب وأم، أمّا آدم فقد خُلق خلقاً مباشراً بيد الله سبحانه، لذلك قال تعالى: ﴿قَالَ ياإبليس مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ... ﴾ [ص: ٧٥] وهذا شرف كبير لآدم.
وكذلك قال في خَلْق السماء: ﴿والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ ... ﴾ [الذاريات: ٤٧] .
стр. 11294
وفي آية أخرى قال سبحانه: ﴿والسمآء ذَاتِ الحبك ... ﴾ [الذاريات: ٧] يعني: محبوكة ومحكمة، والحبكة معناها أن ذراتها التي لا تُدرَك ملتحمة مع بعضها، ليس التحاماً كلياً إنما التحام ذرات؛ لذلك ترى السماء ملساء؛ ولذلك قال عنها الخالق : ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: ٢٨] .
ولك أن تلاحظ صنعة البشر إذا أراد أحدنا أنْ يبنيَ مثلاً، أو يصنع سقفاً، فالبناء يُبنى بمنتهى الدقة، ومع ذلك ترى طوبة بارزة عو طوبة، فيأتي عامل المحارة فيحاول تسوية الجدار، ويزنه بميزان الماء، ومع ذلك نجد في الجدار تعاريج، ثم يأتي عامل الدهانات، فيحاول إصلاح مثل هذه العيوب فيعد لها معجوناً ويكون له في الحائط دور هام.
وبعد أن يستنفد الإنسان كل وسائله في إعداد بيته كما يحب تأتي بعد عدة أيام، فترى الحق يُعدِّل على الجميع، ويُظهر لهم عيوب صنعتهم مهما بلغتْ من الدِّقة بقليل من الغبار ينزل عمودَياً فيرُيك بوضوح ما في الحائط من عيوب.
وإذا كانت صنعتة البشر تختلف باختلاف مهارة كل منهم وحَذَقة في عمله، فما بالك إنْ كان الصانع هو الله الذي يبني ويُسوِّي ويُزيِّن؟ ﴿الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ ... ﴾ [الملك: ٣] .
وانظر إلى أمهر الصُّناع الآن، يُسوِّي سقفاً لعدة حجرات،
стр. 11295
ويستخدم مادة واحدة ويُلوِّنها بلون واحد، لا بُدَّ أن تجد اختلافاً من واحدة للأخرى، حتى إنْ خلط العامل اللون مرة واحدة لكل الحجرات يأتي اللون مختلفاً، لماذا؟ لأنه حين يأخذ من هذا الخليط تجد ما يتبقى أكثر تركيزاً، فإذا لم يكمل العمل في نفس اليوم تجد ما تبقّى إلى الغد يفقد كمية من الماء تؤثر أيضاً في درجة اللون.
ومعنى: ﴿مَّحْفُوظاً ... ﴾ [الأنبياء: ٣٢] أي: في بنية تكوينه؛ لأنه مُحْكَم لا اختلاف فيه، ولا يحفظ إلا الشيء النفيس، تحافظ عليه لنفاسته وأصالته. لكن من أيّ شيء يحفظه الله؟ يحفظها أن تمور، يحفظها أن تقع على الأرض إلا بإذنه. ﴿وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] .
وقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السمآء والأرض بِأَمْرِهِ ... ﴾
[الروم: ٢٥] .
إذن: في خَلْق السماء عظمة خَلْق، وعظمة تكوين، وعظمة صيانة تناسب قدرته تعالى، وإنْ كانت لا تحتاج إلى صيانة لأنها صنعتنا.
ومن المسائل التي بيَّنها لنا الحق في أمر السماء مسألة استراق السمع، فكانت الشياطين قبل الإسلام تسترق السمع، لكن بعد رسالة محمد ﷺ َ شاء الحق سبحانه ألاَّ يدلس على دعوته بسماع شيطان يُوحِي إلى أعدائه، فمنع الجن من استراق السمع بالشُّهُب، فقال سبحانه:
стр. 11296
﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ إِلاَّ مَنِ استرق السمع فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨] .
ثم يقول سبحانه: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢] كأن للسماء آيات خاصة بها، ففي الكون آيات كثيرة، وللسماء آياتها، فالشمس والقمر والنجوم والأفلاك من آياتها.
وبعد ذلك نسمع من رجال الأرصاد أن من كواكب السماء ما لم يَصِلْنا ضوؤه منذ خلق الله الأرض حتى الآن، مع أن سرعة الضوء ثلثمئة ألف كيلومتر في الثانية، ويمكن أن نفهم هذا في ضوء قوله تعالى: ﴿والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] .
لذلك يعطينا رسول الله ﷺ َ صورة تقريبية لهذه المسألة، حتى لا نُرهق أنفسنا بالتفكير فيها: «ما السماوات والأرض وما بينهما بالنسبة لملْك الله إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة» .
ومع ذلك لما صعد رواد الفضاء للقمر سارع بعض علمائنا من منطلق حُبِّهم للإسلام وإخلاصهم للقرآن بالقول بأنهم صعدوا للسماء، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] .
والمراد هنا: سلطان العلم الذي مكَّنَهم من الصعود.
لكن ما داموا نفذوا بِسلطن العلمِ، فلماذا قال بعدها: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] إذن
стр. 11297
السلطان المراد ليس هو سلطان العلم كما يظنون، إنما المراد سلطان مِنِّى، بإذني وإرادتي.
ولو كان الأمر كما يقولون لقالوا لرسول الله ﷺ َ لما أخبرهم بالمعراج: كيف تقول ذلك يا محمد وربك هو القائل: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] .
إذن: المراد هنا سلطان من الله تعالى هو سبحانه الذي يأذن بهذه المسألة، فتُفتّح له أبواب السماء.
ثم ما علاقة القمر بالسماء؟ والكلام عن النفاذ من أقطار السماوات، وأين القمر من السماء؟ إن المسافة بين الأرض والقمر سنتان ضوئيتان، فالقمر - إذن - ما هو إلا ضاحية من ضواحي الأرض، كالمعادي مثلاً بالنسبة للقاهرة، فأَيُّ سماء هذه التي يتحدثون عنها؟!
وقوله تعالى: ﴿مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] سبق أن تحدّثنا عن الإعراض، وهو الانصارف عن الشيء مِنْ أعرض يعني: أعطاه ظهره.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ الليل ... .﴾ .
стр. 11298
الحق يمتنّ ببعض خَلْقه، ولا يمتن الله إلا
стр. 11299
بشيء عظيم ونعمة من نعمه على عباده، ومن ذلك الليل والنهار، وقد أقسم سبحانه بهما في قوله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى﴾ [الليل: ١ - ٢] وقال: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى﴾ [الضحى: ١ - ٢] فالليل والنهار آيتان متكاملتان، ليستا متضادتين، فالأرض خلقها الله ليعمرها خليفته فيها: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا ... ﴾ [هود: ٦١] .
أي: طلب منكم عمارتها بما أعطاكم الله من مُقوِّمات الحياة، فالعقل المدبر، والجوارح الفاعلة، والقوة، والمادة كلها مخلوقة لله تعالى، وما عليك إلا أنْ تستخدم نِعَم الله هذه في عمارة أرضه، فإذا ما تَمَّتْ الحركة في النهار احتاج الجسم بعدها إلى الراحة في الليل.
لذلك كان النوم آية عُظْمى من آيات الله للإنسان تدلّ على أن الخالق أمين على النفس أكثر من صاحب النفس.
لذلك نرى البعض مِنّا يُرهِق نفسه في العمل، ولا يعطي لجسده راحته الطبيعية، إلى أنْ يصيرَ غير قادر على العمل والعطاء، وهنا يأتي النوم كأنه رادع ذاتيٌّ فيك يُجبرك على الراحة، ويدقُّ لك ناقسو الخطر: أنت لست صالحاً الآن للعمل، ارحم نفسك وأعطها حقَّها من الراحة، فإنْ حاولتَ أنت أنْ تنام قبل وقت النوم يتأبَّى عليك ولا يطاوعك، أما هو فإنْ جاء أخذك من أعتى المؤثرات. وغلبك على كل شيء فتنام حتى على الحصى.
وفي المثل العربي: (فراش المتعبَ وطيء، وطعام الجائع هَنِيء) أي: هين ينام الإنسان المتعَب المجهد ينام، ولو على
стр. 11300
الحصى، ولو دون أيِّ وسائل للراحة، ومع ذلك ينام نَوْمه مريحة.
وفي المثَل أيضاً: (النوم ضيف، إنْ طلبتَه أعْنَتَكَ، وإنْ طلبك أراحك) والحق سبحانه يُحدِّثن عن آية النوم في موضع آخر: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بالليل والنهار﴾ [الروم: ٢٣] .
وهنا احتياط ومَلْحظ، فإنْ كان النوم بالليل للسكن وللراحة، فهناك مَنْ يعملون بالليل، فينامون بالنهار كالحرّاس ورجال الشرطة والخبازين وغيرهم، وهؤلاء لا مانعَ أن يناموا بالنهار ليسايروا حركة الحياة.
ثم يقول تعالى: ﴿والشمس والقمر ... ﴾ [الأنبياء: ٣٣] نعم هناك آيات أخرى كثيرة في كَوْن الله، لكن أوضحها وأشهرها: الشمس والقمر فهما تحت المشاهدة ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] فالليل والنهار والشمس والقمر يدور كُلٌّ منهم خَلْف الآخر ويخلقه، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً ... ﴾ [الفرقان: ٦٢] .
وكلمة ﴿يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] تعبير قرآني دقيق للأداء الحركي، وهي مأخوذة من سبحة السمك في الماء حيث يسبح السمك في ليونة الماء بحركة انسيابية سهلة؛ لأن الحركة لقطع المسافات إما حركة إنسيابية، وإما حركة قفزية.
وتلاحظ هاتين الحركتين في عقارب الساعة، فلو لاحظت عقرب الثواني مثلاً لوجدّتَه يتحرّك حركة قفزية، يعني: ينطلق من الثبات إلى الحركة إلى الثبات، فالزمن فيه جزء للحركة وجزء للسكون.
أما عقرب الدقائق فيسير بحركة إنسيابية مستمرة، كل جزء من الزمن فيه جزء من الحركة، وهكذا تكون سُبْحة السمك، ومنها قوله تعالى: ﴿والسابحات سَبْحاً﴾ [النازعات: ٣] .
стр. 11301
وكذلك تكون حركة الظل: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل ... ﴾ [الفرقان: ٤٥] وأيضاً حركة نمو الطفل، فلو أدَمَْتَ النظر إلى طفلك الصغير لا تكاد تلاحظ عليه مظاهر النمو، وكأنه لا يكبر أمام عينيك، أمّا لو غِبْتَ عنه مثلاً عدة شهور يمكن أن تلاحظ نُموه؛ ذلك لأن النمو حركة مُوزّعة على كل ثانية في الزمن؛ لا أن النمو يتجمع ثم يظهر فجأة ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ... ﴾ .
стр. 11302
ذلك لأن الكفار حاولوا قتل النبي ﷺ َ بإلقاء حجر عليه من مكان عالٍ وهكذا يتخلَّصون منه ﷺ َ، وكانوا يتمنون ذلك، فيخاطبه ربه: يا محمد لست بدعاً من الرسل ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] .
وهذه سُنَّة الله في خَلْقه، بل موتك يا محمد لنسرع لك بالجزاء على ما تحمّلْته من مشاقِّ الدعوة، وعناء الحياة الدنيا.
لذلك «لما خُيِّر رسول الله ﷺ َ في الموت قال:» بل الرفيق الأعلى «أما نحن فنتشبث بالحياة، ونطلب امتدادها.
стр. 11303
فقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد ... ﴾ [الأنبياء: ٣٤] فأنت كغيرك من البشر قبلك، أما مَنْ بعدك فلن يخلدوا بعد موت ﴿أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون﴾ [الأنبياء: ٣٤] فلا يفرحوا بموتك؛ لأنهم ليسوا خالدين من بعدك. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت وَنَبْلُوكُم ... ﴾ .
стр. 11304
إذن: فالموت قضية كونية عامة، وهي في حقيقتها خَيْر، فإنْ كانوا أخياراً نُعجِّل لهم جزاءهم عند الله، وإنْ كانوا أشراراً فقد أراحَ اللهُ منهم البلاد والعباد.
لكن، كيف يُذَاق الموت؟ الذَّوْق هنا يعني إحساسَ الإنسان بالألم من الموت، فإنْ مات فعلاً يستحيل أن يذوق، أما قبل أن يموت فيذوق مقدمات الموت، والشاعر يقول:
وَالأَسَى بَعْد فُرْقَةِ الرُّوحِ عَجْزٌ ... وَالأسَى لاَ يكُونُ قَبْل الفِرَاقِ
فعلى أيِّ شيء يحزن الإنسان بعد أن يموت؟ ولماذا الحزن قبل أن يموت؟
فالمراد - إذن - ذائقةٌ مقدمات الموت، التي يعرف بها أنه ميت، فالإنسان مهما كان صحيحاً لا بُدّ أنْ يأتي عليه وقت يدرك أنه لا محالةَ ميت، ذلك إذا بلغت الروح الحلقوم، كما قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التراقي وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق﴾ [القيامة: ٢٦ - ٢٨] فالموت في هذه الحالة أمر مقطوع به.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً ... ﴾ [الأنبياء: ٣٥] أي: نختبركم، والإبتلاء لا يُذَمُّ في ذاته، إنما تذم غية الابتلاء:
стр. 11305
أينجح فيه أم يفشل؟ كما نختبر الطلاب، فهل الاختبار في آخر العام شَرٌّ؟ لكن هل الحق سبحانه في حاجة لأنْ يختبر عباده ليعلم حالهم؟ الحق يختبر الخَلْق لا ليعلم، ولكن ليقيم عليهم الحجة.
والمخاطب في ﴿وَنَبْلُوكُم ... ﴾ [الأنبياء: ٣٥] الجميع: الغني والفقير، والصحيح والسقيم، والحاكم والمحكوم. . إلخ.
إذن: كلنا فتنة، بعضنا لبعض: فالغنيّ فتنة للفقير، والفقير فتنة للغني، كيف؟ الفقير: هل يصبر على فقره ويرضى به؟ هل سيحقد على الغني ويحسده، أم يقول: بسم الله ما شاء الله، اللهم بارك له، وأعطني من خَيْرك؟ والغني: هل يسير في ماله سَيْراً حسناً، فيؤدي حقَّه وينفق منه على المحتاجين؟
وهكذا، يمكنك أنْ تُجري مثل هذه المقابلات لتعلم أن الشر والخير كلاهما فتنة واختبار، ينتهي إما بالنجاح وإما بالفشل؛ لذلك يقول بعدها: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] لنجازي كُلاّ على عمله، فإنْ حالفك التوفيق فَلَكَ الأجر والمكافأة، وإنْ أخفقت فَلَكَ العقوبة، فلا بُدَّ أن تنتهي المسألة بالرجوع إلى الله.
ثم يقول الحق ﵎: ﴿وَإِذَا رَآكَ الذين كفروا إِن يَتَّخِذُونَكَ ... ﴾ .
стр. 11306
هذا خطاب لرسول الله ﷺ َ عن واقعٍ حدثَ له مع الكفار: ﴿وَإِذَا رَآكَ الذين كفروا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً ... ﴾ [الأنبياء: ٣٦] و (إنْ) هنا ليست شرطية، إنما للنفي كما في قوله تعالى: ﴿الذين يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ ... ﴾ [المجادلة: ٢] أي: ما أمهاتهم إلا اللائي ولَدْنهم.
فالمعنى: إذا رآك الذين كفروا لا يتخذونك إلا هُزُواً، أي: يهزأون بك، لكن ما وَجْه الهُزْو هنا؟
قولهم: ﴿أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ... ﴾ [الأنبياء: ٣٦] أي: يعيبها ويسبُّها، ويقول عنها: إنها باطلة ومعنى ﴿أهذا ... ﴾ [الأنبياء: ٣٦] كأنهم يستقلّونه، ويستقلّون أنْ يقول هذا عن آلهتهم.
والذكر قد يكون بالخير، وقد يكون بالشر، فإنْ ذكرك صديق تتوقع أنْ يذكرك بخير، وإنْ ذكرك عدو تتوقع أنْ يذكرك بشرٍّ، وطالما أن محمداً سيذكر آلهتهم، فلا بُدَّ أنه سيذكرها بشرٍّ، والشر الذي ذكره محمد عن آلهتكم أنها أصنام وحجارة لا تضرُّ ولا تنفع. ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ... ﴾ [فاطر: ١٤] .
ثم يقول تعالى: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٦] فكيف تتعجبون وتغضبون أنْ يسُبّ محمد آلهتكم الباطلة، وأنتم تسبُّون الإله الحق، وتكفرون به، ونلحظ أن السياق ذكر الضمير العائد عليهم مرتين: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٦] ليؤكد أن ذلك حدث منهم.
стр. 11307
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ ... ﴾ .
стр. 11308
معنى: ﴿مِنْ عَجَلٍ ... ﴾ [الأنبياء: ٣٧] أي: مُتعجِّلاً كأن في طينته عجلة، والعجلة أن تريد الشيء قبل نُضْجه، وقبل أوانه، وقد يتعجَّل الإنسان الخير، وهذا أمر جائز، أما أنْ يتعجّل الشر فهذا هو الحمق بعينه والغباء، ألم يقولوا لرسول الله: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٣٨] .
ألم يقولوا: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] .
إذن: تعجَّل هؤلاء العذاب؛ لأنهم غير مؤمنين به، لا يُصدِّقون أن شيئاً من هذا سيحدث؛ لذلك يردُّ عليهم: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧] وخاطب نبيه ﷺ َ بقوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧] .
أي: سنريك فيهم آياتنا، وسترى ما وعدناهم من العذاب، فإنْ قبضناك إلينا فسترى ما ينزل بهم في الآخرة.
ثم يقول الحق ﵎: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد ... ﴾ .
стр. 11309
وهذا استبطاء منهم لِوَعْد الله بالآخرة والعَرْض عليه سبحانه، وأن سيُعذِّبهم بالنار التي تُنضج جلوددهم، ويُبدِّلهم الله جلوداً غيرها. . إلخ؛ لأنهم لا يُصدِّقون هذا ولا يؤمنون به، وسبق أنْ قالوا لرسول الله: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٢] .
ثم يقول تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ ... ﴾ .
стр. 11310
أي: لو يعلمون ما يحدث لهم في هذا الوقت حين لا يستطيعون دَفْع النار عن وجوههم، وذَكر الوجه بالذات لأنه أشرف أعضاء الإنسان وأكرمها؛ لذلك إذا أصابك أذىً في وجهك تحرص على إزالته بيدك، وأنت لم تفعل أكثر من أنك نقلْتَ الأذى من وجهك إلى يدك، لماذا؟ لأن الوجه عزيز عليك، لا تقبل إهانته، ولا تتحمَّل عليه أيَّ سوء.
فقوله تعالى: ﴿لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار ... ﴾ [الأنبياء: ٣٩] دلاَلة على إهانتهم ﴿وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ ... ﴾ [الأنبياء: ٣٩] لأنها تأتيهم من كل مكان: ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ. .﴾ [الأنبياء: ٣٩] أي: لا يجدون مَنْ ينقذهم، أو يأخذ بأيديهم ويدفع عنهم.
حتى الشيطان الذي أغواهم في الدنيا سيتبرّأ منهم يوم القيامة، ويقول: ﴿مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وأصرخه: أزال سبب صراخه، والهمزة في أصرخه تسمى
следующие страницы →