← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 11446–11485 · переход к 11451.

стр. 11446

ولك أن تسأل: لماذا يأتي ذِكْر السيدة مريم ضمن مواكب النبوة؟ نقول: لأن النبوة اصطفاء الله لنبي من دون خَلْق الله، وكوْنه يصطفي مريم من دون نساء العالمين لتلد بدون ذكورة، فهذا نوع من الاصطفاء، وهو اصطفاء خاص بمريم وحدها من بين نساء العالمين؛ لأن اصطفاء الأنبياء تكرَّر، أمّا اصطفاء مريم لهذه المسألة فلم يتكرر في غيرها أبداً. وقوله تعالى: ﴿والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا. .﴾ [الأنبياء: ٩١] يعني: عَفَّتْ وحفظتْ فَرْجها، فلم تمكِّن منها أحداً. ومعنى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا. .﴾ [الأنبياء: ٩١] يعني:

стр. 11447

مسألة خاصة به، خارجة على قانون الطبيعة، فليس في الأمر ذكورة أو انتقاء، إنما النفخة التي نفخها الله في آدم، فجاءت منها كل هذه الأرواح، هي التي نفخها في مريم، فجاءت منها روح واحدة. فالروح هي نفسها التي قال الله فيها: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي. .﴾ [الحجر: ٢٩] . ثم يقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وابنهآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] يعني: شيئاً عجيباً في الكون، والعجيبة فيها أن تلدَ بدون ذكورة، والعجيبة فيه أن يُولَد بلا أب، فكلاهما آية لله ومعجزة. ثم يقول الحق سبحانه بعد سَرْد لقطات من موكب الأنبياء: ﴿إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً. .﴾ .

стр. 11448

الأمة: الجماعة يجمعها رباط واحد من أرض أو مُلك مَلِك أو دين، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ. .﴾ [الزخرف: ٢٢] يعني: على دين. فالمراد: هذه أمتكم أمةٌ حال كَوْنها أمةً واحدة، لا اختلافَ فيها والرسل جميعاً إنما جاءوا ليتمموا بناءً واحداً، كما قال ﷺ َ: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلاّ

стр. 11449

وُضِعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» . والمعنى أن به ﷺ َ تتم النبوة وتختم. وتُطلَق الأمة على الرجل الذي يجمع خصال الخير كلها؛ لأن الله تعالى بعثر خصال الخير في الخَلْق، فليس هناك مَنْ هو مَجْمع مواهب وفضائل، إنما في كل منا ميزةٌ وفضيلةٌ في جانب من الجوانب؛ ليتكامل الناس ويحتاج بعضهم إلى بعض، ويحدث الترابط بين عناصر المجتمع، هذا الترابط يتم إمَّا بحاجات تطوُّعية، أو حاجات اضطرارية. فلو تعلَّم الناس جميعاً وتخرجوا في الجامعة فَمنْ للمِهَن والحِرَف الأخرى؟ مَنْ سيكنس الشوارع، ويقضي مثل هذه الأمور؟ لو تعطلتْ مجاري الصرف الصحي، أيجتمع هؤلاء الدكاترة والأساتذة لإصلاحها، ولو أصلحوها مرة فهذا تطوُّع. أمّا المصالح العامة فلا تقوم على التطوع إنما تقوم على الحاجة والاضطرار، ولولا هذه الحاجة لما خرجَ عامل الصرف الصحي في الصباح إلى هذا العمل الشاقّ المنفّر، لكن كيف وفي رقبته مسئولية أُسْرة وأولاد ونفقات؟ وسبق أنْ قُلْنا: ينبغي ألاَّ يغترَّ المرء بما عنده من مواهب ومميزات، ولا يتعالى بها على خَلْق الله، وعليه أنْ يسأل عَمَّا عند الآخرين من مواهب يحتاج هو إليها، ولا يؤديها بنفسه. إذن: الحاجة هي الرابطة في المجتمع، ولو كانَ التطوّع

стр. 11450

والتفضّل فلن نحقق شيئاً، فلو قلنا للعامل: تفضل بكنس الشارع لوجدَ ألْفَ عذر يعتذر به، أما إنْ كان أولاده سيموتون جوعاً إن لم يعمل فلا شكَّ أنه سيُسرع ويُبادر. فالحقيقة أن كل فرد في المجتمع لا يخدم إلا نفسه، فكما تنفع الآخرين تنتفع بهم؛ لذلك إياك أنْ تحسد صاحب التفوق على تفوّقه في أمر من الأمور؛ لأن تفوقه في النهاية عائد عليك. وكما نقول هذه المسائل في أمور الدنيا نقولها في أمور الآخرة، حين نرى صاحب التديُّن، وصاحب الخُلق والالتزام لا نهزأ به ولا نسخر منه، كما يحلو للبعض؛ لأن صلاحه سيعود عليك، وسوف تنتفع بتديُّنه واستقامته ولعلنا نُرزَق بسبب هؤلاء. وقد يكون في البيت الواحد فُتوات وأذكياء ومتعلمون وفيهم مُعوَّق أو مجنون أو مجذوب، فترى الجميع يحتقرونه، ويُهوِّنون من شأنه، أو تراه منبوذاً بين هؤلاء مُبْعَداً، لا يشرُف بمعرفته أحد، وربما يعيشون جميعاً في ظِلِّه ويُرزَقون كرامة له. وكثيراً ما نرى الناس يغضبون وينقمون على قضاء الله إن رزقهم بمولود فيه عيب أو إعاقة، ووالله لو رضيتَ به وتقبلْتَ قضاء الله فيه، لكان هو الظل الظليل لك. فهؤلاء خُلِقوا هكذا لحكمة، حتى لا نتمرد على صَنْعة الله في كَوْنه، وحتى يشعر أهل النعمة والسلامة والصحة بفضل عليهم، ولنعلم أن الله تعالى لا يسلب شيئاً من عبده إلاّ وقد أعطاه عِوَضاً عنه. ولك أن تلاحظ مثلاً أحوال الناس المجاذيب الذين تراهم في أيِّ

стр. 11451

مكان مُهملين يستقلهم الناس، وينفرون من هيئتهم الرثّة، ومع ذلك ترى أصحاب الجاه والسلطان إذا نزلتْ بهم ضائقة وأعيَتْهم الأسباب يلجئون لمثل هؤلاء المجاذيب يلتمسون منهم البركة والدعاء، وهذا في حَدِّ ذاته أسمى ما يمكن أن يتطلع إليه أهل الجاه وأهل السلطان والنفوذ، أن تكون كلمتهم مسموعةً وأمرهم مُطاعاً، وأن يلجأ الناس إليهم كما لجئوا إلى هذا المجذوب المسكين. فإذا ما أجرى الله الخير على يد هذا الشيخ المجذوب ترى السيد العظيم يتمحك فيه، ويدعوه إلى طعامه، ويدفع عنه أذى الناس ويحتضنه، لأنه جرَّب وعلم أن لديه فيضاً من فيض الله وكرامة يختص الله بها مَنْ يشاء من عباده، ونحن جميعاً عباد الله ليس فينا مَنْ هو ابن لله، أو بينه وبين الله قرابة. وإنْ كان العقل هو أعزّ ما يعتز به الإنسان، وهو زينته وحليته، فلك أن تنظر إلى المجنون الذي فقد العقل، وحُرِم هذه الآلة الغالية، وترى الناس يشيرون إليه: هذا مجنون، نعم هو مجنون، لكن انظر إلى سلوكه: هل رأيتم مجنوناً يسرق؟ هل رأيتم مجنوناً يزني؟ هل رأيتم مجنوناً انتحر؟ إذن: مع كونه مجنوناً إلا أنه مدرك لنفسه تماماً؛ لأن خالقه وإنْ سلبه العقل إلا أنه أعطاه غريزة تحكمه كما تحكم الغريزة الحيوان، وهل رأيتم حماراً ألقى بنفسه مثلاً أمام القطار؟ إذن: علينا ألاَّ نُحقِّر هؤلاء، وألاَّ نستقل بهم فقد عوَّضهم الله عما سلبه منهم، ومنّا مَنْ يسعى ليصل إلى ما وصلوا هم إليه ولا يستطيع، ومَنْ مِنّا لا يتمنى أن يكون مثل هذا المجذوب الذي يتمسَّح الناس فيه، ويطلبون منه البركة والدعاء؟ وأيُّ عظمة يطلبها الإنسان

стр. 11452

فوق هذا؟ ويكفي هذا أنه لا يُسأَلُ عَمّا يفعل في الدنيا، ولا يُسْأَل كذلك في الآخرة. نعود إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً. .﴾ [الأنبياء: ٩٢] فمن معاني أمة: الرجل الذي جمع خصال الخير كلها؛ لذلك وصف الله نبيه إبراهيم بأنه أمة، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً. .﴾ [النحل: ١٢٠] . يعني: جمع من خصال الخير مَا لا يوجد إلا في أمة كاملة. والأمة لا تكون واحدة، إلا إذا صدر تكوينها المنهجي عن إله واحد، فلو كان تكوينها من متعدد لذهب كُلُّ إله بما خلق، ولعلاَ بعضهم على بعض، ولفسد الحال. إذن: كما قال سبحانه: ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض. .﴾ [المؤمنون: ٧١] . فلا تكون الأمة واحدة إلا إذا استقبلت أوامرها من إله واحد وخضعت لمعبود واحد، فإنْ نسيتْ هذا الإله الواحد تضاربتْ وتشتتتْ. وكأن الحق سبحانه يقول: أنتم ستجربون أمة واحدة، تسودون بها الدنيا وتنطلق دعوتكم من أمة أمية لا تعرف ثقافة، ولا تعرف علماً، ولم تتمرس بحكم الأمم؛ لأنها كانت أمة قبلية، لكل قبيلة قانونها وسيادتها وقيادتها. ثم ينزل لكم نظام يجمع الدنيا كلها بحضاراتها، نظام يطوي تحت جناحه حضارة فارس وحضارة الروم ويُطوِّعها، ولو أنكم أمة

стр. 11453

مثقفة لقالوا قفزة حضارية، إنما هذه أمة أمية، ونبيها أيضاً أُمِّي إذن: فلا بُدَّ أن يكون المنهج الذي جاء به ليسلب هذه الحضارات عِزَّها ومجدَها منهجاً أعلى من كل هذه المناهج والحضارات. ثم يقول تعالى: ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٩٢] أي: التزموا بمنهجي لتظلوا أمة واحدة، واختار صفة الربوبية فلم يقُلْ: إلهكم؛ لأن الرب هو الذي خلق ورزق وربى، أمّا الإله فهو الذي يطلب التكاليف. فالمعنى: ما دُمْتُ أنا ربكم الذي خلقكم من عَدَم، وأمدكم من عُدْم، وأنا القيوم على مصالحكم، أكلؤكم بالليل والنهار، وأرزق حتى العاصي والكافر بي، فأنا أوْلَى بالعبادة، ولا يليق بكم أن أصنع معكم هذا كله وتذهبون إلى إله غيري، هذا منطق العقل السليم، وكما يقولون (اللي يأكل لقمتي يسمع كلمتي) . ومن العبادة أن تطيع الله في أمره ونَهيْه؛ لأن ثمرة هذه الطاعة عائدة عليك بالنفع، فلله تعالى صفات الكمال الأزليّ قبل أنْ يخلق مَنْ يطيعه، فطاعتك لن تزيد شيئاً في مُلْك الله، ومعصيتك لن تنتقص منه شيئاً. إذن: فالأمر راجع إليك، وربك يُثيبك على فعل هو في الحقيقة لصالحك. لكن، هل سمع الناس هذا النداء وعملوا بمقتضاه، فكانوا أمة واحدة كهذه الأمة التي أدخلتْ الدنيا في رحاب الإسلام في نصف قرن؟ هذه الأمة التي ما زلنا نرى أثرها في البلاد التي تمردتْ على العروبة، وعلى لغة القرآن، ومع ذلك هم مسلمون على لغاتهم وعلى حضارتهم، إن الدين الذي يصنع هذا، والأمة الواحدة التي تحمَّلتْ هذه المسئولية ما كان ينبغي أن نتخلى عنها.

стр. 11454

والسؤال: هل بقيت الأمة الواحدة؟ تجيب الآيات: ﴿وتقطعوا أَمْرَهُمْ. .﴾ .

стр. 11455

أي: صاروا شيعاً وأحزاباً وجماعات وطوائف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ. .﴾ [الأنعام: ١٥٩] . لماذا، لست منهم في شيء؟ لأنهم يقضون على واحدية الأمة، ولا يقضون على واحدية الأمة إلا إذا اختلفتْ، ولا تختلف الأمة إلا إذا تعددتْ مناهجها، هنا ينشأ الخلاف، أمَّا إنْ صدروا جميعاً عن منهج واحد فلن يختلفوا. وما داموا قد تقطعوا أمرهم بينهم، فصاروا قِطَعاً مختلفة، لكل قطعة منهج وقانون، ولكل قطعة تكاليف، ولكل قطعة راية، وكأن آلهتهم متعددة، فهل سيُتركون على هذا الحال، أم سيعودون إلينا في النهاية؟ ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] إذن: أنتم أمة واحدة في الخَلْق من البداية، وأمة واحدة في المرجع وفي النهاية، فلماذا تختلفون في وسط الطريق؟ إذن: الاختلاف ناشىء من اختلاف المنهج، وكان ينبغي أن يكون واضع المنهج واحداً. وقد جاء النبي ﷺ َ خَاتَماً للرسالات، وجاءت شريعته جامعة لمزايا الشرائع السابقة، بل وتزيد عليها المزايا التي تتطلبها العصور التي تلي بعثته. فكان المفروض أن تجتمع الأمة المؤمنة على ذلك المنهج الجامع

стр. 11456

المانع الشامل، الذي لا يمكن أن يستدرك عليه، وبذلك تتحقق وحدة الأمة، وتصدر في تكليفاتها عن إله واحد، فلا يكون فيها مَدْخَل للأهواء ولا للسلطات الزمنية أو الأغراض الدنيئة. لذلك، إذا تعددت الجماعات التي تقول بالإسلام وتفرقت نقول لهم: كونوا جماعة واحدة، وإلا فالحق مع أيِّ جماعة منكم؟! لأن الله تعالى خاطب نبيه ﷺ َ بقوله: ﴿إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] . ولا يتفرق الداعون لدعوة واحدة إلا باتباع الأهواء والأغراض، أما الدين الحق فهو الذي يأتي على هوى السماء، موافقاً لما ارتضاه الله تعالى لخَلْقه. لقد انفضَّ المؤمنون عن الجامع الذي يجمعهم بأمر الله، فانفضت عنهم الوحدة، وتدابروا حتى لم يَعُدْ يجمعهم إلا قَوْلُ «لا إله إلا الله محمد رسول الله» أما مناهجهم وقوانينهم فقد أخذوها من هنا أو من هناك، وسوف تعضهم هذه القوانين، وسوف تخذلهم هذه الحضارات، ويرون أثرها السيء، ثم يعودون في النهاية إلى الإسلام فهو مرجعهم الوحيد، كما نسمع الآن نداء لا حَلَّ إلا الإسلام. نعم، الإسلام حَلٌّ للمشاكل والأزمات والخلافات والزعامات، حَلٌّ للتعددية التي أضعفتْ المسلمين وقوَّضَتْ أُخوَّتهم التي قال الله فيها: ﴿واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً. .﴾ [آل عمران: ١٠٣] . ووالله، لو عُدْنا إلى حبل الله الواحد فتمسَّكنا به، ولم تلعب بنا الأهواء لَعُدْنا إلى الأمة الواحدة التي سادتْ الدنيا كلها.

стр. 11457

إذن: ﴿إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] أي: في الآخرة للحساب، وأنا أقول يا رب. . لعل هذا الرجوع يكون في الدنيا بأنْ تعضَّنا قوانين البشر، فنفزع إلى الله ونعود إليه من جديد، فيعود لنا مجدنا، ويصْدُق فينا قَوْل الرسول ﷺ َ: «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء» . ويُعزِّز هذا الفهم ويُقوِّي هذا الرجاء قول الله تعالى بعدها: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ. .﴾ .

стр. 11458

الحق يستأنف معنا العظة بالعمل الصالح ليعطينا الأمل لو رجعنا إلى الله، والدنيا كلها تَشهد أن أيَّ مبدأ باطل، أو شعار زائف زائل يُزخرفون به أهواءهم لا يلبث أنْ ينهار ولو بَعْد حين، ويتبين أصحابه أنه خطأ ويعدلون عنه. ومثال ذلك الفكر الشيوعي الذي ساد روسيا منذ عام ١٩١٧ وانتهكت في سبيله الحرمات، وسفكتْ الدماء، وهدمتْ البيوت، وأخذت الثروات، وبعد أن كانت أمة تصدر الغذاء لدول العالم أصبحت الآن تتسول من دول العالم، وهم أول مَنْ ضَجَّ من هذا الفكر وعانى من هذه القوانين. وقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ. .﴾ [الأنبياء: ٩٤] ربط العمل الصالح بالإيمان، لأنه مُنطلَق المؤمن في كُلِّ ما يأتي وفي كُلِّ ما يدع؛ لينال بعمله سعادة الدنيا وسعادة الآخرة. أمّا مَنْ يعمل الصالح لذات الصلاح ومن منطلق الإنسانية

стр. 11459

والمروءة، ولا يخلو هذا كله في النهاية عن أهواء وأغراض، فليأخذ نصيبه في الدنيا، ويحظى فيها بالتكريم والسيادة والسُّمْعة، وليس له نصيب في ثواب الآخرة؛ لأنه فَعَل الخير وليس في باله الله. والحق سبحانه يعطينا مثالاً لذلك في قوله تعالى: ﴿الذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ. .﴾ [النور: ٣٩] . يعني: فوجئ بوجود إله يحاسبه ويجازيه، وهذه مسألة لم تكُنْ على باله، فيقول له: عملتَ ليقال وقد قيل. وانتهت المسألة؛ لذلك يقول تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ. .﴾ [الشورى: ٢٠] أي: نعطيه أجره في عالم آخر لا نهاية له ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] . لأنه عَمِلَ للناس، فليأخذ أجره منهم، يُخلِّدون ذكراه، ويُقيمون له المعارض والتماثيل. . الخ. وقوله تعالى: ﴿فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ. .﴾ [الأنبياء: ٩٤] يعني: لا نبخسه حَقَّه ولا نجحد سَعْيه أبداً ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤] نسجِّل له أعماله ونحفظها، والمفروض أن الإنسان هو الذي يُسجِّل لنفسه، فإنْ سجَّل لك عملَك ربُّك الذي يُثيبك عليه، وسجَّله على نفسه، فلا شكَّ أنه تسجيل دقيق لا يبخسك مثقال ذرة من عملك. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ. .﴾ .

стр. 11460

﴿حَرَامٌ. .﴾ [الأنبياء: ٩٥] يعني: ممتنع: لا يجب أن يكون، والقرية: أي قرية أهلكناها؛ لأنها كذَّبَتْ الرسل، ووقفتْ منهم موقف اللَّدَد والعناد والمعارضة، فأهلكها الله بذنوبها في الدنيا، أيُعقَلُ بعد هذا أن نتركها في الآخرة من غير أنْ نأخذها بذنوبها؟ لا بُدَّ - إذن - أن ترجع إلينا في الآخرة لنحاسبها الحساب الدائم الخالد، فلا نكتفي بحساب الدنيا المنتهي. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ. .﴾ .

стр. 11461

وردتْ قصة يأجوج ومأجوج في آخر سورة الكهف، حينما سُئِلَ النبي ﷺ َ عن الرجل الجوَّال الذي طاف الأرض، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً﴾ [الكهف: ٨٣] . وقد تكلم العلماء في ذي القرنين، منهم مَنْ قال: هو قورش ومنهم مَنْ قال هو: الإسكندر الأكبر. والقرآن لا يعنيه الشخص وإلاَّ لَذكره باسمه، فالقرآن لا يُؤرِّخ له، لا يقيم له تمثالاً، إنما يريد التركيز على الأوصاف التي تعني الحق وتعني الخَلْق. فيكفي أن نعلم أنه إنسان مكَّنَه الله في الأرض. يعني: أعطاه من أسباب القوة وأسباب المهابة والسيطرة، وأعطاه من كُلِّ مُقوِّمات

стр. 11462

القوة: أعطاه المال والعلم والجيوش، فلم يكتف بذلك كله، بل ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ [الكهف: ٨٥] يعني: أخذ بالأسباب التي تؤدِّي إلى الخير. وسبق أنْ تحدثنا عن تشخيص البطل في قصص القرآن؛ لأن القرآن لا يُؤرِّخ للشخصية، ولا يُعطى لها خصوصية، وإنما يريدها عامة لتكون مثلاً يُحتذَى، ويتم بها الاعتبار، وتُحدِث الأثر المراد من القصة. فما يعنينا في قصة ذي القرنين أنه رجل مُكِّن في الأرض، وكان من صفاته كذا وكذا، وما يعنينا من أهل الكهف أنهم فتية آمنوا بربهم وتمسَّكوا بدينهم وعقيدتهم وضَحَّوْا في سبيلها، لا يهمنا الأشخاص ولا الزمان ولا المكان ولا العدد. لذلك؛ أبهم القرآن كل هذه المسائل، فأيّ فتية، في أيّ زمان، وفي أيِّ مكان، وبأيِّ أسماء يمكن أن يقفوا هذا الموقف الإيماني، ولو شخَّصناهم وعيَّناهم لَقالَ الناس: إنها حادثة خاصة بهؤلاء، أو أنهم نماذج لا تتكرر؛ لذلك أبهمهم القرآن ليكونوا عبرة وأُسْوة تسير في الزمان كله. كذلك، لما أراد القرآن أنْ يضرب مثلاً للذين كفروا ذكر امرأة نوح وامرأة لوط ولم يُعيِّنهما، وكذلك ضرب مثلاً للذين آمنوا بامرأة فرعون ولم يذكر مَنْ هي، فالغرض من ضَرْب هذه الأمثال ليس الأشخاص، إنما لنعلم أن للمرأة حريةَ العقيدة واستقلاليةَ الرأي، فليست هي تابعة لأحد، بدليل أن نوحاً ولوطاً لم يتمكَّن كل منهما من هداية امرأته.

стр. 11463

وفرعون الكافر الذى ادَّعَى الألوهية، لم يستطع أن يمنع زوجته من الإيمان، وهي قالت: ﴿رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجنة وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين﴾ [التحريم: ١١] . إذن: ما يعنينا في قصة «ذي القرنين» أن الله مكَّن له في الأرض وأعطاه كُلَّ أسباب القوة والسيطرة؛ لذلك ائتمنه أنْ يكونَ ميزاناً للخير وللحق، وفوَّضَهُ أن يقضي في الخَلْق بما يراه من الحق والعدل. ﴿حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ [الكهف: ٨٦] . لأننا مكَّنَّاه وفوَّضناه، فاستعمل التمكين في موضعه، وأخذ الأمانة بحقَِّها، فقال: ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً﴾ [الكهف: ٨٧] أي: نُعذِّبه على قَدْر مقدرتنا، ثم يُرَدُّ إلى ربه فيُعذِّبه على قَدْر قدرته تعالى. ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ [الكهف: ٨٨] وهكذا يكون دستور الحياة من الحاكم الممكَّن في الخَلْق، دستور الثواب والعقاب الذي تستقيم به أمور البلاد والعباد، فحين يرى تقصيراً لا بُدَّ أنْ يأخذ على يد صاحبه مهما تكُنْ منزلته، لا يخافه ولا ينافقه ولا يخشى في الله لومة لائم، وإنْ رأى المحسن المجتهد يُثيبه ويكافئه. وهذا القانون نراه في مجتمعنا يكاد يكون مُعطّلاً بين العاملين، فاختلط الحابل بالنابل، وتدهورتْ الأمور، ودخلت بيننا مقاييس

стр. 11464

أخرى للثواب وللعقاب ما أنزل الله بها من سلطان، فانقلبتْ الموازين، حيث تبجح الكسالى، وأُحْبِط المجدُّون المحسنون. ﴿حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ [الكهف: ٩٠] . هذا كُلُّ ما أخُبر الله به، ويبدو أنه وصل في تجواله العام إلى بلاد تظل الشمس بها مشرقة ثلاثة أو ستةَ أشهر لا تغرب؛ لذلك لم يجد لهم من دون الشمس ستْراً يسترها أيْ ظلمة ﴿حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ [الكهف: ٩٣] . ومع ذلك احتال أن يفهم منهم، ويخاطبهم؛ لحرصه على نفعهم وما يصلحهم، وهذه صفة الحاكم المؤمن حين يُمكَّن في الأرض، وتُعطَى له أسباب القيادة، ويُفوَّض في خَلْق الله، ولو لم يكُنْ حريصاً على نفعهم لوجد العذر في كونه لا يفهم منهم ولا يفهمون منه. فلما توصلوا إلى لغة مشتركة، ربما هي لغة الإشارة التي نتفاهم بها مع الأخرس مثلاً: ﴿قَالُواْ ياذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرض فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ [الكهف: ٩٤] . ثم أمرهم أن يأتوا بقطَع الحديد، فأشعل فيها النار حتى احمرَّت فقال ﴿آتوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ [الكهف: ٩٦] وهكذا صنع لهم السدَّ الذي يحميهم من هؤلاء القوم، فلم يَقصُر نفعه لهم على هذه القضية ذاتها، إنما نفعهم نَفْعاً يعطيهم الخير والقوة في ألاَّ يتعرضوا لمثلها

стр. 11465

بعد ذلك، عملاً بالحكمة التي تقول: لا تعطني سمكة، ولكن علمني كيف أصطاد. ذلك لأنه أشركهم في العمل؛ ليشعروا بأهميته ويتمسكوا بالمحافظة عليه وصيانته، وإذا ما تعرضوا لمثل هذا الموقف لا ينتظرون مَنْ يصنع لهم. هذا هو النموذج الذي تُقدِّمه قصة «ذي القرنين» وهو نموذج صالح لكل الزمان ولكل المكان ولكل حاكم مكَّنه الله في الأرض، وألقى بين يديه أزِمّة الأمور، وفي حديث أفضل العمل يقول ﷺ َ: «تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق» . وقد تضاربتْ الأقوال حول: مَنْ هم يأجوج ومأجوج، فمنْ قائل: هم التتار. وآخر قال: المغول. وآخر قال: هم الحتيت، أو السرديال، أو قبائل الهُونْ. ولو كان في تحديدهم فائدة لعيَّنهم القرآن، إنما المهم من قصتهم أنهم قوْمٌ مفسدون في الأرض لا يتركون الصالح على صلاحه، فإذا ما تصدَّى لهم الممكَّن في الأرض فعليه أن يحول بينهم وبين هذا الإفساد في غيرهم، وعلينا نحن ألاَّ نُفسِد الصالح كهؤلاء، إنما نترك الصالح على صلاحه، بل ونزيده صلاحاً. وفي بناء ذي القرنين للسد دروس يجب أنْ يعيها أولو الأمر الذين يتوَّلْون مصالح الخَلْق، من هذه الدروس أنه لم يقف عند طلبهم

стр. 11466

في بناء سدٍّ يمنع عنهم أذى عدوهم، إنما اجتهد وترقَّى بالمسألة إلى ما هو أفضل لهم، فالسدُّ الأصمّ المتماسك كقطعة واحدة يسهل هَدْمه أو النفاذ منه؛ لذلك قال: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ [الكهف: ٩٥] . لقد طلبوا سداً وهو يقول: رَدْماً، لقد رقّى لهم الفكرة، وأراد أن يصنع لهم سداً على هيئة خاصة تمتصّ الصدمات، ولا تؤثر في بنائه؛ لأنه جعل بين الجانبين رَدْماً كأنه سوسته تُعطِي السدّ نوعاً من المرونة. وهكذا يجب أن يكون المؤمن عند تحمُّل مسئولية الخَلْق. ولما عرضوا عليه المال نظير عمله أبى، وقال: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ. .﴾ [الكهف: ٩٥] أي: عندي المال الكثير من عطاء الله لكن أعينوني بما لديكم من قوة. إذن: زكاة القوة أنْ تمنع الفساد من الغير. نعود إلى قوله تعالى: ﴿حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ. .﴾ [الأنبياء: ٩٦] فلها علاقة بقوله تعالى: ﴿وتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ. .﴾ [الأنبياء: ٩٣] فتقطّع أهل الخير وتفرُّقهم يُجرِّئ عليهم أصحاب الفساد، وأقل ما يقولونه في حقِّهم أنهم لو كانوا على خير لنفعوا أنفسهم، فدعُوكم من كلامهم، وهكذا يفُتُّ أهل الباطل في عَضُدِ أهل الحق، ويصرفون الناس عنهم. ﴿حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ. .﴾ [الأنبياء: ٩٦] يعني: جاءت عناصر الفساد والفتنة في الكون، وعناصر الفساد والفتنة لا تتمكن ولا تجد الفرصة والسلطة الزمنية إلا إذا غفل أهل الحق وتفرقوا فلم يردوهم، ويأخذوا على أيديهم.

стр. 11467

ويأجوج ومأجوج هم أهل الفساد في كل زمان ومكان، فجنكيزخان الذي هدم أول ولاية إسلامية في خوارزم، وكان عليها الملك قطب أرسلان، ثم جاء من ذريته الثالثة هولاكو الذي دخل بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية وخربَّها وقتل أهلها حتى سالتْ الدماء، وألقى بالكتب الإسلامية في النهر حتى كانت قنطرة يعبرون عليها. هؤلاء الذين نُسمِّيهم التتار. إذن: فالقرآن قَصَّ علينا من التاريخ القديم قصة يأجوج ومأجوج أيام ذي القرنين، ثم رأيناهم في حياتنا الإسلامية، وشاء الله أن يستفيد المسلمون من هجمات هؤلاء البرابرة، وأن تتجمع ولاياتهم ويصدُّوا هجمات التتار على أرض مصر بقيادة قطز والظاهر بيبرس، وهما مثالان للممكَّنين في الأرض، مع أنهما من المماليك. هذه الهجمات التترية للمفسدين في الأرض كانت هجمات همجية وحشية، وقد تجمَّع أحفاد هؤلاء من يأجوج ومأجوج العصر الحديث في هجمات مدنية تغزونا بحضارتها، إنهم الصليبيون الذين انهزموا أمام وحدة المسلمين بقيادة صلاح الدين. وهكذا على مرِّ التاريخ ننتصر إذا كنا أمة واحدة، ونُهزَم إذا تفرّقنا وتقطّعنا أمماً وأحزاباً، وهذه حقائق تُثبِت صِدْق القرآن فيما وجَّهنا إليه من الوحدة وعدم التفرق. ثم يقول تعالى: ﴿وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] . الحدب: المكان المرتفع، نقول: فلان أحدب الظهر يعني: في ظهره منطقة مرتفعة، وكذلك هؤلاء المفسدون أتوْا من أماكن مرتفعة في هضبة شمال الصين. ومعنى ﴿يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] يعني: يسرعون، ومنه نقول: انسلَّ القماش؛ لأن القماش مُكوَّن من سُدى

стр. 11468

ولُحمة، يعني خيوط طولية وخيوط عرضية، تتداخل فتكوِّن القماش، فنسل القماش أن تنزع خيوط العرض وتفكّ تداخلها مع خيوط الطول، ولا تُنزع خيوط الطول لأنها دائماً مُحكَمة بثَنْى السُّدَى على اللحمة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿واقترب الوعد الحق فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذين كَفَرُواْ. .﴾ .

стр. 11469

فكوْنُ أهل الفساد يأتون مُسْرِعين من كل حَدب وصَوْب إلا أن فسادهم لن يطول، فقد اقتربت القيامة، قال تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ [القمر: ١] . وقال: ﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ. .﴾ [النحل: ١] . وهذا تنبيه للغافل، وتحذير للباغي من أهل الفساد، وتطمين ورجاء للمظلومين المستضعفين المعتدَى عليهم: اطمئنوا فقد قرب وقت الجزاء. ﴿واقترب الوعد الحق. .﴾ [الأنبياء: ٩٧] والوعد الحق أي: الصادق الذي يملك صاحبه أن يُنفّذه، فقد تَعِد وعداً ولا تملك تنفيذه فهو وَعْد، لكنه وَعْد باطل، فالوعد يختلف حَسْب مروءة الواعد وإمكانياته وقدرته على إنفاذ ما وعد به.

стр. 11470

لكن مهما كانت عندك من إمكانيات، ومهما ملكتَ من أسباب التنفيذ، أتضمن أن تُمكِّنك الظروف والأحوال من التنفيذ؟ ولا يملك هذا كله إلا الله ، فإذا وعد حقق ما وعد به، فالوعد الحق - إذن - هو وعد الله. وحين يقول الحق سبحانه: ﴿واقترب الوعد الحق. .﴾ [الأنبياء: ٩٧] فتنبه ولا تَقِسْ الدنيا بعمرها الأساسي، إنما قِسْ الدنيا بعمرك فيها، فهذه هي الدنيا بالنسبة لك، ولا دَخْلَ لك بدنيا غيرك، فإذا كنتَ لا تعلم متى تفارق دنياك فلا شَكَّ أن عمرك قريب، واقترب الوعد الحق بالنسبة لك. وكذلك مدة مُكْثِك في قبرك إلى أن تقوم الساعة ستمر عليكِ كساعة من نهار، كما قال سبحانه: ﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النهار. .﴾ [يونس: ٤٥] . ولو تنَّبه كل مِنّا إلى إخفاء الله لأجله، لعلم أن في هذا الإخفاء أعظمَ البيان، فحين أخفاه ترقبناه في كل طَرْفة عَيْن، وتنفُّس نَفَسٍ؛ لذلك يقولون: «مَنْ مات قامت قيامته» ، لأن القيامة تعنى الحساب والجزاء على الأعمال، ومَنْ مات انقطع عمله، وطُويَتْ صحيفته. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذين كَفَرُواْ. .﴾ [الأنبياء: ٩٧] وَعْد الله هنا هو القيامة، وهي تفاجئنا وتأتينا بغتة؛ لذلك نقول في (فَإذَا) أنها الفجائية، كما تقول: خرجتُ فإذا أسدٌ بالباب،

стр. 11471

يعني: فوجئت به، وهكذا ساعةَ تقوم الساعة سوف تُفَاجِئ الجميع، لا يدري أحد ماذا يفعل. لذلك يقول سبحانه: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذين كَفَرُواْ. .﴾ [الأنبياء: ٩٧] وشخوص البصر يأتي حين ترى شيئاً لا تتوقعه، ولم تحسب حسابه، فتنظر مُنْدهِشاً يجمد جفنُك الأعلى الذي يتحرك على العين، فلا تستطيع حتى أنْ ترمش أو تطرف. وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار﴾ [إبراهيم: ٤٢] . وإذا أردتَ أن ترى شُخوص البصر فانظر إلى شخص يُفَاجأ بشئ لم يكُنْ في باله، فتراه - بلا شعور وبغريزته التكوينية - شاخصَ البصر، لا ينزل جفنه. ثم يقولون: ﴿ياويلنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا. .﴾ [الأنبياء: ٩٧] فلم يقتصر الموقف على شخوص البصر إنما تتحرك أيضاً أدوات الإدراك فيقول اللسان: ﴿ياويلنا﴾ وهذا نداء للويل أي: جاء وقتُك فلم يَعُدْ أمامهم إلا أنْ يقولوا: يا عذاب هذا أوانك فاحضر. والويل: هو الهلاك السريع ينادونه، فهل يطلب الإنسان الهلاكَ، ويدعو به لنفسه؟ نقول: نعم، حين يفعل الإنسان الفعلَ ويجد عواقبه السيئة، وتواجهه الحقيقة المرّة يميل إلى تعذيب نفسه، أَلاَ تسمع مثل هؤلاء يقولون: أنا أستحق. . أنا أستاهل الضرب. .؟ إنه لَوْم النفس وتأنيبها على ما كان منها، فهي التي أوقعتْه في هذه الورطة.

стр. 11472

لذلك يقول سبحانه: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] . فلماذا لا يُؤنِّب نفسه، ويطلب لها العذاب، وهي التي أردتْه في التهلكة، ففي هذا الموقف تنقلب موازينهم التي اعتادوها في الدنيا، فالأصدقاء في الشر وفي المعصية هم الآن الأعداء. ﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا. .﴾ [الأنبياء: ٩٧] لم يكن هذا الموقف في بالنا، ولم نعمل له حساباً، والغفلة: أنْ تدرأ عن بالك ما يجب أن يكون على بالك دائماً. لكن، أيّ غفلة هذه والله يُذكِّرنا بهذا الموقف في كل وقت من ليل أو نهار، ألاَ ترى أنه سبحانه سَمَّى القرآن ذِكْراً ليزيح عنّا هذه الغفلة، فكلما غفلتَ ذكّرك، وهزَّ مواجدك، وأثار عواطفك. إذن: المسألة ليست غفلة؛ لذلك نراهم يستدركون على كلامهم، فيقولون: ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٧] لأنهم تذكَّروا أن الله تعالى طالما هَزَّ عواطفهم، وحرَّك مواجيدهم ناحية الإيمان، فلم يستجيبوا. لذلك اعترفوا هنا بظلمهم، ولم يستطيعوا إنكاره في مثل هذا الموقف، فلم يعُدْ الكذب مُجْدِياً، ولعلّهم يلتمسون بصدقهم هذا نوعاً من الرحمة، ويظنون أن الصدق نافعهم، لكن هيهات. وكأن الحق سبحانه يحكي عنهم هذه المواجهة حين تفاجئهم القيامة بأهوالها، فتشخص لها أبصارهم، ويقول بعضهم ﴿ياويلنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا. .﴾ [الأنبياء: ٩٧] فيردّ عليهم إخوانهم: أيّ غفلة هذه، وقد كان الله يُذكِّرنا بالقيامة وبهذا الموقف في كل وقت ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٧] .

стр. 11473

و (بَلْ) حرف إضراب عن الكلام السابق، وإثبات للكلام اللاحق، وهكذا يُراجِعون أنفسهم، ويُواجِه بعضهم بعضاً، لكن بعد فوات الأوان. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله. .﴾ .

стр. 11474

فالذين اتخذتموهم آلهة من دون الله من الأصنام والأوثان والشمس والقمر والأشجار سيسبقونكم إلى جهنم لنقطع عليكم أيَّ أمل في النجاة؛ لأنهم حين يروْنَ العذاب ربما تذكّروا هؤلاء، وفكَّروا في اللجوء إليهم والاستنجاد بهم، لعلّهم يُخرِجِونهم من هذا المأزق، وقد سبق أنْ قالوا عنهم: ﴿هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ الله. .﴾ [يونس: ١٨] وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى. .﴾ [الزمر: ٣] . لذلك، يجمعهم الله جميعاً في جهنم ليقطع عنهم الآمال، ويبدو خجل المعبود وخيبة العابد؛ لأنه جاء النارَ فوجد معبوده قد سبقه إليها. . لكن، هل هذا الكلام على إطلاقه فقد عبد الكفارُ الأصنامَ، ومنهم مَنْ عبدوا عيسى ﵇، ومنهم مَنْ عبدوا عُزَيْراً، ومنهم مَنْ عبدوا الملائكة، فهل سيُجمع هؤلاء أيضاً مع عابديهم في النار؟ لو قُلْنا بهذا الرأي فدخولهم النار مثلما دخلها إبراهيم، فجمع الله له النار والسلامة في وقت واحد، ويكون وجودهم لمجرد أنْ يراهم

стр. 11475

عابدوهم، ويعلموا أنهم لا ينفعونهم. ومعنى ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ. .﴾ [الأنبياء: ٩٨] الحصب مثل: الحطب، وهو كل ما تُوقَد به النار أياً كان خشباً أو قَشاً أو بترولاً أو كهرباء، وفي آية أخرى: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة. .﴾ [التحريم: ٦] لذلك فإن النار نفسها تشتاق للكفار، وتنتظرهم، وتتلهّف عليهم كما يقول تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ. .﴾ [الملك: ٧ - ٨] وقوله تعالى: ﴿أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] الورود هنا بمعنى: الدخول والمباشرة، لا كالورود في الآية الأخرى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا. .﴾ [مريم: ٧١] .

стр. 11476

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ هؤلاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا. .﴾ .

стр. 11477

لأنهم سيدخلون فيجدون آلهتهم أمامهم؛ لينْقطِع أملهم في شفاعتهم التي يظنونها، كما قال تعالى في شأن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار. .﴾ [هود: ٩٨] فرئيسهم وفُتوتهم يتقدمهم، ويسبقهم إلى النار، فلو لم يكُنْ أمامهم لظنوا أنه ينقذهم من هذا المأزق. ولو كان هؤلاء آلهة - كما تدَّعون - ما وردوا النار. ومعنى: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٩] لأن المعروف عن النار أنها تأكل ما فيها، ثم تنتهي، أما هذه النار فلا نهايةَ لها، فكلما نضجَتْ جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها، وهكذا تظل النار مُتوقِّدة لا تنطفئ. ومعنى ﴿كُلٌّ. .﴾ [الأنبياء: ٩٩] أي: العابد والمعبود.

стр. 11478

معلوم أن الزفير هو الخارج من عملية التنفس، فالإنسان يأخذ في الشهيق الأكسجين، ويُخرِج في الزفير ثاني أكسيد الكربون، فنلحظ أن التعبير هنا اقتصر على الزفير دون الشهيق؛ لأن الزفير هو الهواء الساخن الخارج، وليس في النار هواء للشهيق، فكأنه لا شهيقَ لهم، أعاذنا الله من العذاب. ﴿وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٠] . وهذه من الآيات التي توقف عندها المستشرقون، لأن هناك آياتٍ أخرى تُثبت لهم في النار سَمْعاً وكلاماً. كما في قوله سبحانه:

стр. 11479

﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة أَصْحَابَ النار أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [الأعراف: ٤٤] نعم، هم يسمعون، لكن لا يسمعون كلاماً يَسُرُّ، إنما يسمعون تبكيتاً وتأنيباً، كما في قوله تعالى: ﴿ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قالوا إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين﴾ [الأعراف: ٥٠] .

стр. 11480

بعد أن ذكر سبحانه جزاء الكافرين في النار ذكر المقابل، وذِكْر المقابل يوضح المعنى، اقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤] . ويقول: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً. .﴾ [التوبة: ٨٢] لذلك تظل المقارنة حيَّة في الذِّهْن. ومعنى: ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى. .﴾ [الأنبياء: ١٠١] الحُسْنى: مؤنث الأحسن، تقول: هذا حَسَن، وهذه حسنة، فإنْ أردتَ المبالغة تقول: هذا أحسن، وهذه حُسْنى. مثل: أكبر وكُبْرى. ومعنى: ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى. .﴾ [الأنبياء: ١٠١] أنهم من أهل الطاعة، ومن أهل الجنة، فهكذا حُكْم الله لهم، وقد أخذ الله تعالى جزءاً من خَلْقه

стр. 11481

وقال: «هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي» . ولا تقُلْ: ما ذنب هؤلاء؟ لأنه سبحانه حكم بسابق عِلْمه بطاعة هؤلاء، ومعصية هؤلاء. وقوله: ﴿أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] أي: مبعدون عن النار. ثم يقول الحق ﵎: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشتهت. .﴾ .

стр. 11482

حسيس النار: أزيزها، وما ينبعث منها من أصوات أول ما تشتعل ﴿وَهُمْ فِي مَا اشتهت أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٢] فلم يقُلْ مثلاً: وهم بما اشتهتْ أنفسهم، إنما ﴿فِي مَا اشتهت أَنفُسُهُمْ. .﴾ [الأنبياء: ١٠٢] كأنهم غارقون في النعيم ممَّا اشتهتْ أنفسهم، كأن شهوات أنفسهم ظرف يحتويهم ويشملهم. وهذا يُشوِّق أهل الخير والصلاح للجنة ونعيمها، حتى نعمل لها، ونُعِد العُدَّة لهذا النعيم. وسبق أن قلنا: إن الإنسان يتعب في أول حياته، ويتعلم صنعة، أو يأخذ شهادة لينتفع بها فيما بعد ويرتاح في مستقبل حياته، وعلى قَدْر تعبك ومجهودك تكون راحتك، فكل ثمرة لا بُدَّ

стр. 11483

لها من حَرْث ومجهود، والله لا يُضيع أجرَ مَنْ أحسن عملاً. وكنا نرى بعض الفلاحين يقضي يومه في حقله، مهملَ الثياب، رثَّ الهيئة، لا يشغله إلا العمل في زرعه، وآخر تراه مُهنْدماً نظيفاً يجلس على المقهى سعيداً بهذه الراحة، وربما يتندر على صاحبه الذي يُشقِى نفسه في العمل، حتى إذا ما جاء وقت الحصاد وجد العامل ثمرة تعبه، ولم يجد الكسول غير الحسرة والندم. إذن: ربك أعطاك الطاقة والجوارح، ويريد منك الحركة، وفي الحركة بركة، فلو أن الفلاح جلس يُقلِّب في أرضه ويُثير تربتها دون أنْ يزرعها لَعوَّضه الله وأثمر تعبه، ولو أن يجد شيئاً في الأرض ينتفع به مثل خاتم ذهب أو غيره. وترف الإنسان وراحته بحسب تَعبه في بداية حياته، فالذي يتعب ويعرق مثلاً عَشْر سنين يرتاح طوال عمره، فإنٍْ تعب عشرين سنة يرتاح ويرتاح أولاده من بعده، وإنْ تعِب ثلاثين سنة يرتاح أحفاده وهكذا. وترَف المتعلم يكون بحسب شهادته: فهذا شهادة متوسطة، وهذا عُلْيا، وهذا أخذ الدكتوراة، ليكون له مركز ومكانة في مجتمعه. لكن مهما أعدَّ الإنسان لنفسه من نعيم الحياة وترفها فإنه نعيم بقّدْر إمكانياته وطاقاته؛ لذلك ذكرنا أننا حين سافرنا إلى سان فرانسيسكو رأينا أحد الفنادق الفخمة وقالوا: إن الملك فيصل ﵀ كان ينزل فيه، فأردنا أنْ نتجوّل فيه، وفعلاً أخذنا بما فيه مظاهر الترف والأُبهة وروعة الهندسة، وكان معي ناس من عِلْية القوم فقلتُ لهم: هذا ما أعدّه العباد للعباد، فما بالكم بما أعدَّه رب العباد للعباد؟

стр. 11484

فإذا ما رأيتَ أهل النعيم والترف في الدنيا فلا تحقد عليهم؛ لأن نعيمهم يُذكِّرك ويُشوِّقك لنعيم الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر. .﴾ .

стр. 11485

ذلك لأنهم في نعيم دائم لا ينقطع، وعطاء غير مجذوذ، لا يفوتك بالفقر ولا تفوته بالموت؛ لذلك: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر. .﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وأيُّ فزع مع هذه النعمة الباقية؟ أو: لا يحزنهم فزع القيامة وأهوالها. وقوله: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الملائكة هذا يَوْمُكُمُ الذي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] فقد صَدَقكم الله وَعْده، وأنجزَ لكم ما وعدكم به من نعيم الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السمآء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ. .﴾ .
следующие страницы →