← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 11481–11520 · переход к 11486.

стр. 11481

وقال: «هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي» . ولا تقُلْ: ما ذنب هؤلاء؟ لأنه سبحانه حكم بسابق عِلْمه بطاعة هؤلاء، ومعصية هؤلاء. وقوله: ﴿أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] أي: مبعدون عن النار. ثم يقول الحق ﵎: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشتهت. .﴾ .

стр. 11482

حسيس النار: أزيزها، وما ينبعث منها من أصوات أول ما تشتعل ﴿وَهُمْ فِي مَا اشتهت أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٢] فلم يقُلْ مثلاً: وهم بما اشتهتْ أنفسهم، إنما ﴿فِي مَا اشتهت أَنفُسُهُمْ. .﴾ [الأنبياء: ١٠٢] كأنهم غارقون في النعيم ممَّا اشتهتْ أنفسهم، كأن شهوات أنفسهم ظرف يحتويهم ويشملهم. وهذا يُشوِّق أهل الخير والصلاح للجنة ونعيمها، حتى نعمل لها، ونُعِد العُدَّة لهذا النعيم. وسبق أن قلنا: إن الإنسان يتعب في أول حياته، ويتعلم صنعة، أو يأخذ شهادة لينتفع بها فيما بعد ويرتاح في مستقبل حياته، وعلى قَدْر تعبك ومجهودك تكون راحتك، فكل ثمرة لا بُدَّ

стр. 11483

لها من حَرْث ومجهود، والله لا يُضيع أجرَ مَنْ أحسن عملاً. وكنا نرى بعض الفلاحين يقضي يومه في حقله، مهملَ الثياب، رثَّ الهيئة، لا يشغله إلا العمل في زرعه، وآخر تراه مُهنْدماً نظيفاً يجلس على المقهى سعيداً بهذه الراحة، وربما يتندر على صاحبه الذي يُشقِى نفسه في العمل، حتى إذا ما جاء وقت الحصاد وجد العامل ثمرة تعبه، ولم يجد الكسول غير الحسرة والندم. إذن: ربك أعطاك الطاقة والجوارح، ويريد منك الحركة، وفي الحركة بركة، فلو أن الفلاح جلس يُقلِّب في أرضه ويُثير تربتها دون أنْ يزرعها لَعوَّضه الله وأثمر تعبه، ولو أن يجد شيئاً في الأرض ينتفع به مثل خاتم ذهب أو غيره. وترف الإنسان وراحته بحسب تَعبه في بداية حياته، فالذي يتعب ويعرق مثلاً عَشْر سنين يرتاح طوال عمره، فإنٍْ تعب عشرين سنة يرتاح ويرتاح أولاده من بعده، وإنْ تعِب ثلاثين سنة يرتاح أحفاده وهكذا. وترَف المتعلم يكون بحسب شهادته: فهذا شهادة متوسطة، وهذا عُلْيا، وهذا أخذ الدكتوراة، ليكون له مركز ومكانة في مجتمعه. لكن مهما أعدَّ الإنسان لنفسه من نعيم الحياة وترفها فإنه نعيم بقّدْر إمكانياته وطاقاته؛ لذلك ذكرنا أننا حين سافرنا إلى سان فرانسيسكو رأينا أحد الفنادق الفخمة وقالوا: إن الملك فيصل ﵀ كان ينزل فيه، فأردنا أنْ نتجوّل فيه، وفعلاً أخذنا بما فيه مظاهر الترف والأُبهة وروعة الهندسة، وكان معي ناس من عِلْية القوم فقلتُ لهم: هذا ما أعدّه العباد للعباد، فما بالكم بما أعدَّه رب العباد للعباد؟

стр. 11484

فإذا ما رأيتَ أهل النعيم والترف في الدنيا فلا تحقد عليهم؛ لأن نعيمهم يُذكِّرك ويُشوِّقك لنعيم الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر. .﴾ .

стр. 11485

ذلك لأنهم في نعيم دائم لا ينقطع، وعطاء غير مجذوذ، لا يفوتك بالفقر ولا تفوته بالموت؛ لذلك: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر. .﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وأيُّ فزع مع هذه النعمة الباقية؟ أو: لا يحزنهم فزع القيامة وأهوالها. وقوله: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الملائكة هذا يَوْمُكُمُ الذي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] فقد صَدَقكم الله وَعْده، وأنجزَ لكم ما وعدكم به من نعيم الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السمآء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ. .﴾ .

стр. 11486

أي: ما يحدث من عذاب الكفار وتنعيم المؤمنين سيكون ﴿يَوْمَ

стр. 11487

نَطْوِي السمآء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ. .﴾ [الأنبياء: ١٠٤] و (يَوْمَ) : زمن وظَرْف للأحداث، فكأن ما يحدث للكافرين من العذاب والتنكيل، وما يحدث للمؤمنين من الخلود في النعيم يتم في هذا اليوم. والسجل: هو القرطاس، والورق الذي نكتب فيه يُسمَّى سجلاً؛ ولذلك الناس يقولون: نسجل كذا، أي: نكتبه في ورقة حتى يكون محفوظاً، والكتاب: هو المكتوب. والحق سبحانه يقول في آية أخرى: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ. .﴾ [الزمر: ٦٧] يطويها بقدرته؛ لأن اليمين عندنا هي الفاعلة في الأشياء، ولكن لا نأخذ الطي أنه الطي المعروف، بل نأخذه في إطار ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. .﴾ [الشورى: ١١] . وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ. .﴾ [الأنبياء: ١٠٤] يدلنا على أن الحق سبحانه يتكلم عن الخَلْق الأول و ﴿نُّعِيدُهُ. .﴾ تدل على وجود خَلْق ثَان. إذن: فقوله تعالى في موضع آخر: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] دليل على أن الخَلْق الأول خَلْق فيه الأسباب وفيه المسبّب، فالحق سبحانه أعطاك في الدنيا مُقوِّمات الحياة من: الشمس والقمر والمطر والأرض والماء ... . الخ، وهذه أمور لا دَخْل لك فيها، وكل ما عليك أنْ تستخدمَ عقلك الذي خلقه الله في الترقي بهذه الأشياء والترف بها.

стр. 11488

أما في الخلق الثاني فأنت فقط تستقبل النعيم من الله دون أَخْذ بالأسباب التي تعرفها في الدنيا؛ لأن الآخرة لا تقوم بالأسباب إنما بالمسبِّب سبحانه، وحين ترى في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر تعلم أن فِعْل ربك لك أعظم من فِعْلك لنفسك. ومهما ارتقتْ أسباب الترف في الدنيا، ومهما تفنَّن الخَلْق في أسباب الراحة والخدمة الراقية، فقصارى ما عندهم أن تضغط على زِرٍّ يفتح لك الباب، أو يُحضِر لك الطعام أو القهوة، لكن أتحدَّى العالم بما لدية من تقدُّم وتكنولوجيا أنْ يُقدم لي ما يخطر ببالي من طعام أو شراب، فأراه أمامي دون أنْ أتكلم؛ لأن هذه مسألة لا يقدر عليها إلا الله . فقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ. .﴾ [الأنبياء: ١٠٣] فالمعنى ليستْ مجرد إعادته كما كان، إنما نعيده على أَرْقى وأفضل مما كان بحيث يصل بك النعيم أنْ يخطرَ الشئ ببالك فتجده بين يديك، بل إنَّ المؤمن في الجنة يتناول الصنف من الفاكهة فيقول: لقد أكلْتُ مثل هذا من قبل فيُقال له: ليس كذلك بل هو أفضل مما أكلْتَ، وأهنأ مما تذوقتَ. فلو تناولتَ مثلاً تفاح الدنيا تراه خاضعاً لنوعية التُّرْبة والماء والجو المحيط به والمبيدات التي لا يستغني عنها الزرع هذه الأيام ... إلخ. أمّا تفاح الآخرة فهو شيء آخر تماماً، إنه صَنْعة ربانية وإعداد إلهيّ. وكأن الحق سبحانه يلفت عباده إلى أن عنايته بهم أفضل من

стр. 11489

عنايتهم بأنفسهم؛ لأنه سبحانه أوْلَى بنا من أنفسنا، ولكي نعلم الفرق بين الشيء في أيدينا والشيء في يده . ثم يقول تعالى: ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] أي: لا يُخرِجنا شيء عمَّا وعدنا به، ولا يخالفنا أحد. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ. .﴾ .

стр. 11490

والكَتْب: التسجيل، لكن علم الله أزليٌّ لا يحتاج إلى تسجيل، إنما التسجيل من أجلنا نحن حتى نطمئن، كما لو أخذتَ من صاحبك قَرْضاً وبينكما ثقة، ويأمن بعضكم بعضاَ، لكن مع هذا نكتب القَرْض ونُسجِّله حتى تطمئن النفس. ومعنى: ﴿كَتَبْنَا فِي الزبور. .﴾ [الأنبياء: ١٠٥] الزبور: الكتاب الذي أُنزِل على نبي الله داود، ومعنى الزبور: الشيء المكتوب، فإنْ أطلقتَها على عمومها تُطلَق على كل كتاب أنزله الله، ومعنى: ﴿مِن بَعْدِ الذكر. .﴾ [الأنبياء: ١٠٥] الذِكْر: يُطلَق مرة على القرآن، ومرة على الكتب السابقة. وما دام الزَبور يُطلَق على كل كتاب أنزله الله فلا بُدَّ أن للذكر معنى أوسع؛ لذلك يُطلَق الذكر على اللوح المحفوظ، لأنه ذكْر الذكْر، وفيه كل شيء. فمعنى: ﴿كَتَبْنَا فِي الزبور. .﴾ [الأنبياء: ١٠٥] أي: في الكتب التي

стр. 11491

أُنزلَتْ على الأنبياء ما كتبناه في اللوح المحفوظ، أو ما كتبناه في الزبور، لا أنّ سيدنا داود أعطاه الله فوق ما أعطى الآخرين. ومعنى: ﴿مِن بَعْدِ الذكر. .﴾ [الأنبياء: ١٠٥] هذه تدل على أن واحداً أسبق من الآخر، نقول: القرآن هو كلام الله القديم، ليس في الكتب السماوية أقدم منه، والمراد هنا ﴿مِن بَعْدِ الذكر. .﴾ [الأنبياء: ١٠٥] بعدية ذِكْرية، لا بعدية زمنية. فما الذي كتبه الله لداود في الزبور؟ كتب له ﴿أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥] كلمة الأرض إذا أُطلقَتْ عموماً يُراد بها الكرة الأرضية كلها. وقد تُقيَّد بوصف معين. كما في: ﴿الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ. .﴾ [المائدة: ٢١] . وفي: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض. .﴾ [يوسف: ٨٠] أي: التي كان بها. وهنا يقول تعالى: ﴿أَنَّ الأرض. .﴾ [الأنبياء: ١٠٥] أي: الأرض عموماً ﴿يَرِثُهَا. .﴾ أي: تكون حقاً رسمياً لعبادي الصالحين. فأيُّ أرض هذه؟ أهي الأرض التي نحن عليها الآن؟ أم الأرض المبدلة؟ ما دُمْنَا نتكلّم عن بَدْء الخَلْق وإعادته، فيكون المراد الأرض المبدلَة المعادة في الآخرة، والتي يرثها عباد الله الصالحون، والإرْث هنا كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] .

стр. 11492

فعن مَنْ ورثوا هذه الأرض؟ الحق حينما خلق الخَلْق أعدَّ الجنة لِتسعَ كلَّ بني آدم إنْ آمنوا، وأعدَّ النار لتسع كُلَّ بني آدم إنْ كفروا، فليس في المسألة زحام على أيِّ حال. فإذا ما دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، ودخل أهلُ النارِ النارَ ظلَّتْ أماكن أهل النار في الجنة خالية فيُورثها الله لأهل الجنة ويُقسِّمها بينهم، ويُفسح لهم أماكنهم التي حُرِم منها أهل الكفر. أو نقول: الأرض يُراد بها أرض الدنيا. ويكون المعنى أن الله يُمكِّن الصالح من الأرض، الصالح الذي يَعْمُرها ولو كان كافراً؛ لأن الله تعالى لا يحرم الإنسان ثمار عمله، حتى وإنْ كان كافراً، يقول تعالى ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] . لكن عمارة الكفار للأرض وتمكينهم للحضارة سَرْعان ما تنزل بهم النكبات، وتنقلب عليهم حضارتهم، وها نحن نرى نكبات الأمم المرتقية والمتقدمة وما تعانيه من أمراض اجتماعية مستعصية، فليست عمارة الأرض اقتصاداً وطعاماً وشراباً وترفاً. ففي السويد - مثلاً - وهي من أعلى دول العالم دَخْلاً ومع ذلك بها أعلى نسبة انتحار، وأعلى نسبة شذوذ، وهذه هي المعيشة الضَّنْك التي تحدَّث عنها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى﴾ [طه: ١٢٤] فالضَّنْك لا يعني فقط الفقر والحاجة، إنما له صور أخرى كثيرة.

стр. 11493

إذن: لا تَقِسْ مستوى التحضُّر بالماديات فحسب، إنما خُذْ في حُسبانك كُلَّ النواحي الأخرى، فمَنْ أتقن النواحي المادية الدنيوية أخذها وترف بها في الدينا، أمّا الصلاح الديني والخُلقي والقِيَمي فهو سبيل لترف الدنيا ونعيم الآخرة. وهكذا تشمل الآية: ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥] الصلاح المادي الدنيوي، والصلاح المعنوي الأخروي، فإنْ أخذتَ الصلاح مُطلقاً بلا إيمان، فإنك ستجد ثمرته إلى حين، ثم ينقلب عليك، فأين أصحاب الحضارات القديمة من عاد وثمود والفراعنة؟ إن كُلَّ هذه الحضارات مع ما وصلتْ إليه ما أمكنها أن تحتفظ لنفسها بالدوام، فزالتْ وبادتْ. يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ العماد التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد﴾ [الفجر: ٦ - ١٠] . إنها حضارات راقية دُفِنَتْ تحت أطباق التراب، لا نعرف حتى أماكنها. أمّا إنْ أخذت الصلاح المعنوي، الصلاح المنهجي من الله فسوف تحوز به الدنيا والآخرة؛ ذلك لأن حركة الحياة تحتاج إلى منهج يُنظِّمها: افعل كذا ولا تفعل كذا. وهذا لا يقوم به البشر أمّا ربُّ البشر فهو الذي يعلم ما يُصلحهم ويُشرِّع لهم ما يُسعدهم. إن منهج الله وحده هو الذي يأمرنا وينهانا، ويخبرنا بالحلال والحرام، وعلينا نحن التنفيذ، وعلى الحكام وأولياء الأمر الممسكين بميزان العدل أنْ يراقبوا مسألة التنفيذ هذه، فيُولُّوا مَنْ يصلُح للمهمة، ويقوم بها على أكمل وجه، وإلا فسد حال المجتمع، الحاكم

стр. 11494

يُشرف ويُراقِب، يُشجِّع العامل ويُعاقب الخامل، ويضع الرجل المناسب في مكانه المناسب. فعناصر الصلاح في المجتمع: علماء يُخططون، وحكام يُنفّذون، ويديرون الأمور، وكلمة حاكم مأخوذة من الحكَمة (بالفتح) وهي: اللجام الذي يكبح الفَرس ويُوجِّهها. لذلك جاء في الحديث الشريف: «مَنْ ولَّى أحداً على جماعة، وفي الناس خير منه لا يشم رائحة الجنة» . لماذا؟ لأن ذلك يُشيع الفساد في الأرض، ويُثبِّط العزائم العالية والهمم القوية حين ترى مَنْ هو أقلّ منك كفاءة يتولّى الأمر، وتُستبعد أنت. أما حين تعتد كِفَة الميزان فسوف يجتهد كُلٌّ مِنّا ليصل إلى مكانه المناسب. إذن: مهمة الحكام وولاة الأمر ترقية المجتمع، فلا نقول لحاكم مثلاً يُعِدُّ لنا طعاماً، أو يصنع لنا آلة، فليستْ هذه مهمته، ولقد رأينا أحد الأمراء وكان له أرض يزرعها، يتولاها أحد الموظفين يقولون له (الخُولي) ومهمة الخولي الإشراف والمراقبة. وفي يوم جاء الأمير ليباشر أرضه ويتفقد أحوالها في صُحْبة الخولي، وفي أثناء جولتهما بالأرض رأى الخولي قناةً ينسابُ منها الماء حتى أغرق الزرع فنزل وسَدَّ القناة بنفسه. وعندها غضب الأمير وفصله من عمله؛ لأنه عمل بيده في حين أن مهمته الإشراف ولديه من العمال مَنْ يقوم بمثل هذا العمل.

стр. 11495

لكن لماذا هذه النظرة في إدارة الأعمال؟ قالوا: لإنك إنْ عملتَ بيدك فأنت واحد، لكن إنْ أشرفتَ فيمكن أنْ تُشرِف على آلاف من العمال. ومن هنا جاءت مسألة التخصُّص في الأعمال. وعلى الحاكم ووليّ الأمر أنْ يحافظ على منهج الله، ويتابع تطبيق الناس له، فيقف أمام أي فساد، ويأخذ على يد صاحبه، ويثيب المجتهد العامل، كما جاءَ في قوله تعالى في قصة القرنين: ﴿قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ [الكهف: ٨٧ - ٨٨] . ذلك، لأن الله تعالى يزَعُ بالسلطان مَا لا يزع بالقرآن، ولو تركنا أهل الفساد والمنحرفين لجزاء القيامة لفسد المجتمع، لا بُدَّ من قوة تصون صلاح المجتمع، وتضرب على أيدي المفسدين، لا بُدَّ من قوة تمنع مَنْ يتجرؤون علينا ويطالبون بتغيير نظامنا الإسلامي. لذلك يقول تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] لا بُدَّ أن يعلم العدو أن لديك الرادعَ الذي يَردعه إنِ اعتدى عليك أو حاول إفساد صلاح المجتمع. لذلك، فالنبي ﷺ َ يقول في الحديث إن السهم الذي يُرمى في سبيل الله، لكل مَنْ شارك في إعداده ورمية جزء من الثواب، فالذي قطعه من الشجرة والذي براه، والذي وضعه في القوس ورمى به؛ لأن في ذلك صيانةً للحق وصيانة للصلاح حتى يدوم، ولا يفسده أحد.

стр. 11496

والمسئولية هنا لا تقتصر على الحكام وولاة الأمر، إنما هي مسئولية كل فرد فيمن ولي أمراً من أمور المسلمين، كما جاء في الحديث: «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته: فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بَعْلها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راعٍ على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته» . وعلى العامل ألاّ ينظرَ إلى مراقبة صاحب العمل، وليكُنْ هو رقيباً على نفسه، والله يراقب الجميع، وقد جاء في الحديث القدسي «» إن كنتم تعتقدون أَنِّي لا أراكم فالخَلل في إيمانكم، وإنْ كنتم تعتقدون أَنِّي أراكم فَلِمَ جعلتموني أهونَ الناظرين إليكم؟ «. والمتأمل في حركة الحياة يجدها متداخلة، فمثلاً لو أردتَ بناء بيت، فالهندسة حركة، والبناء حركة، والكهرباء حركة، والنجارة حركة، وهكذا. .، فلو قلنا: إن هذا العمل يتكون من مائة حركة مثلاً، فإنك لا تملك منها إلا حركة واحدة هي عملك الذي تتقنه، والباقي حركات لغيرك، فإنْ أخلصتَ فيما للناس عندك ألهمهم الله أنْ يخلصوا لك ولو عن غير قصد، فأنت أخلصتَ وأتقنتَ حركة واحدة، وأخلص الناس لك في تسع وتسعين حركة. واعلم أن الخواطر والأفكار بيد الله سبحانه، فإنْ راقبتَ الله فيما للناس عندك راقبهم الله لك فيما لك عندهم، وكفاك مُؤْنة المراقبة، فقد يصنع لك الصانع شيئاً، ويريد أنْ يغشَّك فيه فيحول الله بينه وبين

стр. 11497

هذا؛ ربما يجلس معه أحد معارفه فيستحي أن يغش أمامه، أو لا يجد الشيء الذي يغشك به، أو غير ذلك من الأسباب التي يُسخِّرها الله لك، فيتقن لك الصانع صَنْعته، ولو رَغْماً عن إرادته. إذن: إن أردتَ صلاحَ أمرك فأصلح أمور الآخرين. ومن الأساسيات التي نُصلح بها ونرث الأرض أن ننظر إلى الناس جميعاً على أنهم سواسية، لا فضلَ لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، فليس فينا مَنْ هو ابن لله ، وليس منا مَنْ بينه وبين الله قرابة، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ. .﴾ [الحجرات: ١٣] . والإسلام لا يعرف الطبقية إلا في إتقان العمل، فقيمة كل امرئ ما يُحسِنه، وقد ضربنا لذلك مثلاً، وما نزال نذكره مع أنه لرجل غير مسلم، إنه رجل فرنسي كان نقيباً للعمال، وكان يدافع عن حقوقهم، ويطلب لهم زيادة الدَّخْل من ميزانية الوزارة، فلما تولى منصب الوزارة وتولى المسئولية عدلَ عَمَّا كان يطالب به، فضجَّ العمال، وأراد أحدهم أنْ يغيظه فقال له: اذكر يا معالي الوزير أنك كنت في يوم من الأيام ماسح أحذية، فما كان من الرجل إلا أن قال: نعم. . لكني كنت أجيدها. وسبق أن ذكرنا أن الله تعالى وزَّعَ المواهب والقدرات بين خَلْقه، فساعة ترى نفسك مُميزاً على غيرك في شيء فلا تغتر به، وابحثْ فيما مُيّز به عنك غيرُك؛ لأننا جميعاً عند الله سواء، لا يحابي أحداً على أحد، فأنت مُميز بعلمك أو قوتك، وغيرك أيضاً مُميز في سعادته مع أهله أو في أمانته وثقة الناس به، أو في رضاه بما قسم له أو في مقدرته على نفسه ورضاه بالقليل، وقد يُميَّز الواحد مِنَّا بالولد الصالح الذي يكون مِطْواعاً لأبيه، وقُرة عَيْن له.

стр. 11498

إذن: هذه مسألة مُقدّرة محسوبة؛ لأن ربك سبحانه قيُّوم عليك، لا تخفى عليه منك خافية، وحين يُميّز بعضنا على بعض إنما ليدكّ فينا الغرور والكبرياء، وينزع من قلوبنا الحِقْد والغلَّ، وهكذا يتوازن المجتمع، ولا يكون التميز مثار حقدٍ؛ لأن تميزَ غيرك لصالحك، وسيعود عليك. والحق يُحدِّثنا عن يوم القيامة، وكيف أن الشمس ستدنو من الرؤوس، ويشتدّ بالناس الكرب، إلا هؤلاء الذين يُظلُّهم الله يوم لا ظل إلا ظله، ذلك لأنهم كانوا مظلة أمان في الدنيا، فأظلهم الله في الآخرة. كما جاء في الحديث الشريف: «سبعة يُظلهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه مُعلَّق في المساجد، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه» . نعم، لقد صنع هؤلاء بسلوكهم القويم مظلَّة أمانٍ في الكون، فاستحقوا مظلَّة الله في الآخرة. وبمثل هؤلاء يتوازن المجتمع المسلم ويَرْقَى إلى القمة، هذا المجتمع الذي نريده هو مجتمع غنيّه متواضع، وفقيره كريم شريف، وشابُّه طائع. يقول رب العزة سبحانه في الحديث القدسي: «» أحب ثلاثة وحُبِّي لثلاثة أشدُّ - فهؤلاء ستة نقسمهم إلى قسمين - أحب الفقير

стр. 11499

المتواضع، وحُبِّي للغني المتواضع أشد - لأن عنده أسبابَ الكبر ومع ذلك يتواضع - وأحب الغنيِّ الكريم وحُبِّي للفقير الكريم أشدّ، وأحب الشيخ الطائع وحبي للشاب الطائع أشدُّ « .» وأكره ثلاثة وكُرْهي لثلاثة أشد: أكره الغني المتكبر، وكُرْهي للفقير المتكبر أشدّ، وأكره الفقير البخيل، وكُرْهي للغني البخيل أشد، وأكره الشاب العاصي وكرهي للشيخ العاصي أشد «. هؤلاء اثنا عشر نوعاً: ستة في المحبوبية، وستة في المكروهية، وكلما التزمنا بتطبيق هذا المنهج وجدنا مجتمعاً راقياً من الدرجة الأولى.

стр. 11500

البلاغ: الشيء المهم الذي يجب أن يعلمه الناس؛ لذلك حين ينشغل الناس بالحرب، وينتظرون أخبارها تأتيهم على صورة بلاغات، يقولون: بلاغ رقم واحد، لأنه أمر مهم. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هذا لَبَلاَغاً. .﴾ [الأنبياء: ١٠٦] أي: أن ما جاء به القرآن هو البلاغ الحق، والبلاغ الأعلى الذي لم يترك لكم عذراً، ولا لغفلتكم مجالاً، ولا لمستدرك أنْ يستدرك عليه في شيء. فهو مُنتْهى ما يمكن أنْ أخبركم به. وهو بلاغ لمن؟ ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] أي: يتلقفون مُرادَ الله لينفذوه، سواء أكان أمراً أمْ نَهياً.

стр. 11501

وما دام ﷺ َ خاتَم الرسل، وبعثتُه للناس كافة، وللزمن كله إلى أنْ تقوم الساعة. وقد جاء الرسل السابقون عليه لفترة زمنية

стр. 11502

محددة، ولقوم بعينهم، أما رسالة محمد ﷺ َ فجاءتْ رحمةً للعالمين جميعاً؛ لذلك لا بُدَّ لها أنْ تتسعَ لك أقضية الحياة التي تعاصرها أنت، والتي يعاصرها خَلَفُك، وإلى يوم القيامة. ومعنى: العالمين، كُلُّ ما سوى الله : عالم الملائكة، وعالم الجن، وعالم الإنس، وعالم الجماد، وعالم الحيوان، وعالم النبات. لكن كيف تكون رسالة محمد ﷺ َ رحمةً لهم جميعاً؟ قالوا: نعم، رحمة للملائكة، فجبريل ﵇ كان يخشى العاقبة حتى نزل على محمد قوله تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العرش مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] فاطمأن جبريل ﵇ وأَمِن. ورسول الله ﷺ َ رحمة للجماد؛ لأنه أمرنا بإماطة الأذى عن الطريق. وهو رحمة بالحيوان. وفي الحديث الشريف: «ما من مسلم يزرع زَرْعاً، أو يغرس غَرْساً فيأكلَ منه طيْرٌ أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة» . وحديث المرأة التي دخلتْ النار في هِرَّة حبستْها، فلا هي أطعمتْها وسقتْها، ولا هي تركتها تأكل من خَشَاش الأرض. وحديث الرجل الذي دخل الجنة؛ لأنه سقى كلباً كان يلهث يأكل الثرى من شدة العطش، فنزل الرجل البئر وملأ خُفَّه فسقى الكلب، فشكر الله له وغفر له، لأنه نزل البئر وليس معه إناء يملأ به الماء،

стр. 11503

فاحتال للأمر، واجتهد ليسقي الكلب. وهكذا نالتْ رحمة الإسلام الحيوان والطير والإنسان، ففي الدين مبدأ ومنهج يُنظِّم كل شيء ولا يترك صغيرة ولا كبيرة في حياة الناس؛ لذلك فهو رحمة للعالمين. فقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] يعني أن كل ما يجيء به الإسلام داخل في عناصر الرحمة. ثم يقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَآ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ ... ﴾ .

стр. 11504

فالوحدانية هي أول رحمة بنا، أن نكون كلنا سواء، ليس لنا إلا إله واحد، هذه من أعظم رحمات الله أن نعبده وحده لا شريكَ له، فعبادته تُغنينا عن عبادة غيره، ولو كانت آلهةً متعددة لأصابتنا الحيرة بين إله يأمر، وإله ينهى. لذلك؛ فالحق يطلب منا أنْ نعتزّ وأنْ نفخَر بهذه الوحدانية، وبهذه الألوهية، وفي هذا يقول الشاعر الإسلامي محمد إقبال: والسُّجود الذِي تَجْتويِه ... مِنْ أُلُوفِ السُّجودِ فِيهِ نَجَاةُ

стр. 11505

فسجودك لله وتعفير وجهك له سبحانه يحميك من السجود لغيره، ولولا سجودك لله لَسجدت لكل مَنْ هو أقوى منك، فعليك - إذن - أن تعتز بعبوديتك لله؛ لأنها تحميك من العبودية لغيرك من البشر، وحتى لا يقول لك شخص أنت عبد، نعم أنا عبد لكن لستُ عبداً لك، فعبد غيرك حُرٌّ مثلك. وقد ضرب لنا الحق سبحانه مثلاً في هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ [الزمر: ٢٩] فهل يستوي عبد لعدة أسياد يتجاذبونه في وقت واحد، وهم مع ذلك مختلفون بعضهم مع بعض، وعبد سَلَمَاً لسيد واحد؟ وهكذا، نحن جميعاً عبيد لله حين نخضع لا نخضع إلا له سبحانه، فلا أخضع لك ولا تخضع أنت لي؛ لذلك يقولون «اللي الشرع يقطع صباعه ميخرش دم» لأنه أمر من أعلى، من السماء، لا دَخْلَ لأحد فيه. لذلك؛ فالعبودية تُكره حين تكون عبوديةً للبشر، لأن عبودية البشر للبشر يأخذ السيد خير عبده، أما العبودية لله فيأخذ العبد خير سيده. والشاعر يقول: حَسْبُ نفسي عِزاً بأنِّي عَبْدٌ ... يحتفي بي بلاَ مواعيدَ رَبُّ هُوَ في قُدْسِه الأعزِّ ولكِنْ ... أنا أَلْقَى متى وأيْنَ أُحِبُّ ولك أنْ تقارن بين مقابلة عظيم من عظماء الدنيا، ومقابلة ربك . فإنْ أردتَ الدخولَ على أحد هؤلاء لا بُدَّ أن تطلب المقابلة،

стр. 11506

ويا ترى تقبل أم ترفض، وإنْ قبلت فلا تملك من عناصرها شيئاً، فالزمان، والمكان، وموضوع الكلام. كلها أمور يحددها غيرك. أما إن أردتَ مقابلة ربك فما عليك إلا أنْ تتوضأ وترفع يديك قائلاً: الله أكبر بعدها ستكون في معية الله، وقد اخترتَ أنت الزمان، والمكان، وموضوع الحديث، وإنهاء اللقاء. أَلاَ ترى كيف امتنَّ الله تعالى على رسوله في رحلة «الإسراء والمعراج» بأنْ وصفه بالعبودية له سبحانه، فقال: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] إذن: جاء قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ. .﴾ [الأنبياء: ١٠٨] بعد قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ليدلنا: أن دعوة الله لنا إلى عبادة إله واحد ترحمنا من عبوديتنا بعضنا لبعض. ثم يُرغِّبنا الحق سبحانه في هذه العبودية، فيقول: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] كما تحث ولدك المتكاسل أن يكون مثلَ زميله الذي تفوَّق، وأخذ المركز الأول، فتقول له: ألا تذاكر وتجتهد حتى تكون مثله؟ وهكذا في ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] أي: مسلمون لله؛ لأن مصلحتكم في الإسلام وعزّكم في عبوديتكم لله.

стр. 11507

﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] يعني: أعرضوا وانصرفوا ﴿فَقُلْ آذَنتُكُمْ. .﴾ [الأنبياء: ١٠٩] مادة: أذن ومنها الأذان تعني الإعلام بالشيء، والأصل في الإعلام كان في الأًذُن بالكلام، حيث لم يكُنْ عندهم قراءة وكتابة، فاعتمد الإعلام على الكلام، والسماع بالأذن، فمعنى: ﴿آذَنتُكُمْ. .﴾ [الأنبياء: ١٠٩] أعلمتُكم وأخبرتُكم. وقوله تعالى: ﴿على سَوَآءٍ. .﴾ [الأنبياء: ١٠٩] يعني: جاء الإعلام لكم جميعاً لم أخصّ أحداً دون الآخر، فأنتم في الإعلام سواء، لا يتميز منكم أحد على أحد؛ لذلك كان النبي ﷺ َ يحرص على إبلاغ الجميع، فيقول: «نضَّر الله امْراً سمع مقالتي فوعاها، ثم أدَّاها إلى مَنْ لم يسمعها، فرُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع» وهكذا يشيع الخيْر ويتداول بين الجميع. ﴿فَقُلْ آذَنتُكُمْ على سَوَآءٍ. .﴾ [الأنبياء: ١٠٩] فلم أُعْلِم قوماً دون قوم، ولم أُسْمِع أُذناً دون أُذن، وجعلت من كمال الإيمان أن يخبر السامع مَنْ لم يسمع؛ لأنه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ثم يُنبِّههم إلى أمر الساعة: ﴿وَإِنْ أدري أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] فانتبهوا وخُذوا بالكم، واحتاطوا، فلا أدري لعلَّ الساعةَ تكون قريباً، ولعلها تفاجئكم من قبل أنْ أُنهي كلامي معكم. لذلك؛ لما سألوا أحد الصالحين: فِيمَ أفنيتَ عمرك؟ قال: «

стр. 11508

أفنيت عمري في أربعة أشياء: علمت أني لا أخلو من نظر الله طَرْفة عين فاستحييتُ أنْ أعصيه، وعلمتُ أن لي رزْقاً لا يتجاوزني قد ضمنه الله لي فقنعتُ به، وعلمتُ أن عليَّ دَيْناً لا يؤديه عني غيري فاشتغلتُ به، وعلمتُ أن لي أَجَلاً يبادرني فبادرتُه» . إذن: فالمراد: استعدوا لهذه المسألة قبل أن تفاجئكم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول. .﴾ .

стр. 11509

وما دام ربك يعلم الجهر ويعلم السرَّ وأخْفى، فإياك أنْ تنافق؛ لأننا ننهاك عن النفاق مع البشر، فمن باب أَوْلى أن ننهاك عن نفاق ربك سبحانه الذي يعلم سِرَّك كما يعلم علانيتك، وقصارى أمر البشر أنْ يُراقبوا علانيتك. لذلك، فإن كل احتياطات أهل الإجرام التخفِّي عن أعين الدولة، والهرب من مراقبة الشرطة، لكن كيف التخفي عن نظر الله وعلمه؟ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٠] يُعلّمنا الأدب حتى فيما نكتم، فالأدب في الجهر من باب أَوْلَى، ونحن مؤمنون بأن الله سبحانه غَيْب غير مشهد، وهَبْ أنك في بيتك تعلم كل شيء فيه؛ لأنه مشهد لك، أمّا ما كان خارج البيت فهو غَيْب عنك لا تعلمه، أمّا الحق سبحانه فهو غَيْب يعلم كل مَشْهد وكل غيب. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ. .﴾ .

стр. 11510

أي: لعل الإمهال وبقاءكم دون عذاب وتباطؤ الساعة عنكم فتنةٌ واختبار، يا ترى أتُوفَّقون وتفوزون في هذا الاختبار، كما قال سبحانه في موضع آخر: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] . وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] . وقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١] أي: لن يدوم هذا النعيم وهذا المتاع؛ لأن له مدة موقوتة. ثم يقول الحق سبحانه في ختام سورة الأنبياء: ﴿قَالَ رَبِّ احكم بالحق وَرَبُّنَا الرحمن. .﴾ .

стр. 11511

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احكم بالحق. .﴾ [الأنبياء: ١١٢] كما دعا بذلك الرسل السابقون: ﴿رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين﴾ [الأعراف: ٨٩] .

стр. 11512

وهل يحكم الله سبحانه إلا بالحق؟ قالوا: الحق سبحانه يُبيِّن لنا؛ لأننا عِشْنا في الدنيا ورأينا كثيراُ من الباطل، فكأننا لأول مرة نسمع الحكم بالحق. ثم يقول سبحانه: ﴿وَرَبُّنَا الرحمن المستعان على مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] أي: المستعان على تُجرمون فيه من نسبتنا إلى الجنون، أو إلى السحر. . الخ. وتلاحظ أن الحق سبحانه في آيات سورة الأنبياء تكلم عن طَيِّ السماء كطيِّ السجل للكتب، ثم قال: ﴿لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ. .﴾ [الأنبياء: ١١١] ﴿وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١] ، ثم قال: ﴿رَبِّ احكم بالحق. .﴾ [الأنبياء: ١١٢] هذا كله ليُقرِّب لنا مسألة الساعة وقيامها، ويُعِدُّنا لاستقبال «سورة الحج» .

стр. 11513

الخطاب هنا عام للناس جميعاً، وعادةً ما يأتي الخطاب الذي يطلب الإيمان عاماً لكل الناس، إنما ساعة يطلب تنفيذ حكم شرعي يقول: يا أيها الذين آمنوا. لذلك يقول هنا: ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ. .﴾ [الحج: ١] يريد أنْ يلفتهم إلى قوة الإيمان. وكلمة ﴿اتقوا رَبَّكُمْ. .﴾ [الحج: ١] التقوى: أنْ تجعل بينك وبين ما أحدِّثك عنه وقايةً، أي: شيئاً يقيك العذاب الذي لا طاقةَ لك به.

стр. 11514

ونلحظ أن الله تعالى يقول مرة: ﴿واتقوا الله. .﴾ [البقرة: ١٩٤] ومرة يقول: ﴿فاتقوا النار. .﴾ [البقرة: ٢٤] نعم، لأن المعنى ينتهي إلى شيء واحد. معنى: ﴿فاتقوا النار. .﴾ [البقرة: ٢٤] أي: اجعل بينك وبينها وقاية تحميك منها، ويكون هذا بفِعْل الأمر وتَرْك النهي. وقوله: ﴿واتقوا الله. .﴾ [البقرة: ١٩٤] لأن الله تعالى صفات جمال، وصفات جلال، صفات الجمال كالرحمن، والرحيم، والباسط، والستار، وصفات الجلال كالقهار والجبار وغيرها مما نخاف منه. فاجعل بينك وبين صفات الجلال وقايةً، فليستْ بك طاقة لقاهريته، وبطشه سبحانه، والنار من جنود الله، ومن مظاهر قَهْره. فكما نقول: اتقِّ الله نقول: اتقِّ النار. واختار في هذا الأمر صفة الربوبية، فقال: ﴿اتقوا رَبَّكُمْ. .﴾ [الحج: ١] ولم يقُلْ: اتقوا الله؛ لأن الرب هو المتولِّي للرعاية وللتربية، فالذي يُحذّرك هو الذي يُحبك ويُعطيك، وهو الذي خلقك وربَّاك ورعاك. فالربوبية عطاء: إيجاد من عَدم وإمداد من عُدم، فأولْى بك أن تتقيه، لأنه قدَّم لك الجميل. أما صفة الألوهية فتعني التكاليف والعبادة بافْعل ولا تفعل، الله معبود ومُطَاع فيما أمر وفيما نَهَى. ثم يقول تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] الزلزلة: هي الحركة العنيفة الشديدة التي تُخرِج الأشياء عن ثباتها، كما لو أردتَ أنْ تخلعَ وتداً من الأرض، فعليك أولاً أنْ تهزْه وتخلخله من مكانه، حتى تجعل له مجالاً في الأرض يخرج منه،

стр. 11515

إنما لو حاولت جذْبه بدايةً فسوف تجد مجهوداً ومشقة في خَلْعه، وكذلك يفعل الطبيب في خلع الضِّرس. فمعنى الزلزلة: الحركة الشديدة التي تزيل الأشياء عن أماكنها، والحق تكلم عن هذه الحركة كثيراً فقال: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٤ - ٦] ويقول: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: ١ - ٥] . فالزلزال هنا ليس زلزالاً كالذي نراه من هزّات أرضية تهدم بعض البيوت، أو حتى تبتلع بعض القرى، فهذه مجرد آيات كونية تثبت صدْق البلاغ عن الله، وتنبهك إلى الزلزال الكبير في الآخرة، إنه صورة مصغرة لما سيحدث في الآخرة، حتى لا نغتر بسيادتنا في الدنيا فإن السيادة هبة لنا من الله. وعندما حدث زلزال «أغادير» لاحظوا أن الحيوانات ثارتْ وهاجتْ قبل الزلزال بدقائق، ومنها ما خرج إلى الخلاء، فأيُّ إعلام هذا؟ وأيُّ استشعار لديها وهي بهائم في نظرنا لا تفهم ولا تعي؟ إن في ذلك إشارة للإنسان الذي يعتبر نفسه سيد هذا الكون: تنّبه، فلولا أن الله سَيَّدَك لوكزتْكَ هذه البهائم فقضت عليك. نقول: ليس هذا زلزالاً عاماً، إنما هو زلزال مخصوص منسوب إلى الأرض بوحي من الله، وبأمر منه سبحانه أن تتزلزل.

стр. 11516

لذلك وُصِف هذا الزلزال بأنه شيء عظيم: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] فحين تقول أنت أيها الإنسان: هذا شيء عظيم فهو عظيم بمقياسك أنت، أما العظيم هنا فعظيم بمقاييس الحق سبحانه، فلكَ أن تتصوَّر فظاعة زلزال وصفه الله سبحانه بأنه عظيم. لقد افتُتحَتْ هذه السورة بزلزلة القيامة؛ لأن الحق سبحانه سبق أنْ قال: ﴿واقترب الوعد الحق. .﴾ [الأنبياء: ٩٧] فلا بُدَّ أنْ يعطينا هنا صورة لهذا الوعد، ونُبْذة عما سيحدث فيه، وصورة مُصغَّرة تدل على قدرته تعالى على زلزال الآخرة، وأن الأرض ليس لها قوام بذاتها، إنما قوامها بأمر الله وقدرته، فإذا أراد لها أنْ تزول زالتْ. وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢] . فَمَا نراه من البراكين ومن الثروات في باطن الأرض وعجائب يقع تحت هذه الآية؛ لذلك قال تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثرى﴾ [طه: ٦] . ما دام الحق سبحانه يمتنُّ بملكية ما تحت الثَّرى فلا بُدَّ أن تحت الثرى ثروات وأشياءَ نفيسة، ونحن الآن نُخرِج معظم الثروات من باطن الأرض، ومعظم الأمم الغنية تعتمد على الثروات المدفونة من بترول ومعادن ومناجم وذهب. . إلخ. وسبق أن ذكرنا أن الحق بعثَر الخيرات في كونه، وجعل لكل منها وقته المناسب، فالرزق له ميلاد يظهر فيه: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] .

стр. 11517

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا. .﴾ .

стр. 11518

والرؤية: قلنا قد تكون رؤية علمية أو رؤية بصرية، والشيء الذي نعلمه إما: علمَ اليقين، وإما عين اليقين، وإما حقيقة اليقين. علم اليقين: أنْ يخبر مَنْ تثق به بشيء، كما تواترت الأخبارعن الرحالة بوجود قارة أسموها فيما بعد أمريكا، وبها كذا وكذا، فهذا نسميه «علم يقين» ، فإذا ركبت الطائرة إلى أمريكا فرأيتها وشاهدت ما بها فهذا «عين اليقين» فإذا نزلتَ بها وتجولتَ بين شوارعها ومبانيها فهذا نسميه «حقيقة اليقين» . لذلك؛ حين يخبر الله تعالى الكافرين بأن هناك عذاباً في النار فهذا الإخبار صادق من الله فعِلْمنا به «علم يقين» ، فإذا رأيناها فهذا «عين اليقين» كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين﴾ [التكاثر: ٧] فإذا ما باشرها أهلها، وذاقوا حرّها ولظاها - وهذا مقصور على أهل النار - فقد علموها حَقَّ اليقين، لذلك يقول تعالى: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضآلين فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ

стр. 11519

وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ اليقين فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم﴾ [الواقعة: ٩٠ - ٩٦] ومعنى: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ. .﴾ [الحج: ٢] الذهول: هو انصراف حاجة عن مهمتها الحقيقية لهوْلٍ رأتْه فتنشغل بما رأته عن تأديةِ وظيفتها، كما يذهل الخادم حين يرى شخصاً مهيباً أو عظيماً، فيسقط ما بيده مثلاُ، فالذهول - إذن - سلوك لا إرادي قد يكون ذهولاً عن شيء تفرضه العاطفة، أو عن شيء تفرضه الغريزة. العاطفة كالأم التي تذهَلُ عن ولدها، وعاطفة الأمومة تتناسب مع حاجة الولد، ففي مرحلة الحمل مثلاً تجد الأم تحتاط في مشيتها، وفي حركاتها، خوفاً على الجنين في بطنها، وهذه العاطفة من الله جعلها في قلب الأم للحفاظ على الوليد، وإلاَّ تعرض لما يؤذيه أو يُودِي بحياته. لذلك، لما سألوا المرأة العربية عن أحب أبنائها، قالت: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يعود، والمريض حتى يُشْفَى، فحسب الحاجة يعطي الله العاطفة، فالحامل عاطفتها نحو ولدها قوية، وهي كذلك في مرحلة الرضاعة. فانظر إلى المرضعة، وكيف تذهل عن رضيعها وتنصرف عنه، وأيُّ هول هذا الذي يشغلها، ويُعطِّل عندها عاطفة الأمومة والحنان ويُعطِّل حتى الغريزة. وقد أعطانا القرآن صورة أخرى في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وصاحبته وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦] .

стр. 11520

ومن عظمة الأسلوب القرآني أن يذكر هنا الأخ قبل الأب والأم، قالوا: لأن الوالدين قد يُوجدان في وقت لا يرى أنهما في حاجة إليه، ولا هو في حاجة إليهما لأنه كبر، أمَّا الأخ ففيه طمع المعونة والمساعدة. وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ. .﴾ [الحج: ٢] والمرضعة تأتي بفتح الضاد وكَسْرها: مُرضَعة بالفتح هي التي من شأنها أن ترضع وصالحة لهذه العملية، أما مُرضِعة بالكسر فهي التي تُرضع فعلاً، وتضع الآن ثديها في فَم ولدها، فهي مرضِعة فانظر - إذن - إلى مدى الذهول والانشغال في مثل هذه الحالة. وقوله تعالى: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا. .﴾ [الحج: ٢] بعد أنْ تكلَّم عن المرضع رقَّى المسألة إلى الحامل، ومعلوم أن الاستمساك بالحمل غريزة قوية لدى الأم حتى في تكوينها الجسماني، فالرحم بمجرد أنْ تصل إليه البويضة المخصبة ينغلق عليها، كما قال : ﴿وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَآءُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى. .﴾ [الحج: ٥] . فإذا ما جاء وقت الميلاد انفتح له بقدرة الله، فهذه - إذن - مسألة غريزية فوق قدرة الأم ودون إرادتها. إذن: وَضْع هذا الحمل دليل هَوْل كبير وأمر عظيم يحدث. والحَمْل نوعان: ثقَل تحمله وهو غيرك، وثقل تحمله في ذاتك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ القيامة حِمْلاً﴾ [طه: ١٠١] والحِمْل (بكسر الحاء) : هو الشيء الثقيل الذي لا يُطيقه ظهرك، أمّا الحَمْل بالفتح فهو: الشيء اليسير تحمله في نفسك. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
следующие страницы →