Полный текст (14 757 стр.). Показаны 11761–11800 · переход к 11766.
стр. 11761
وفي موضع آخر يقول تعالى: ﴿الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله﴾ [الحج: ٤٠] هؤلاء تحملوا الكثير، وتعبوا في سبيل عقيدتهم، فلا بُدَّ أنْ يُعوِّضهم الله عن هذه التضحيات، لذلك يقول هنا: ﴿والذين هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ قتلوا أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله رِزْقاً حَسَناً﴾ [الحج: ٥٨] وأوضحنا أن الموت غير القتل: الموت أن تخرج الروح دون نَقْضٍ للبنية، أما القتل فهو نَقْض للبِنْية يترتب عليه خروج الروح.
﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله رِزْقاً حَسَناً. .﴾ [الحج: ٥٨] تعويضاً لهم عَمَّا فاتوه في بلدهم من أهل ومال، كما يُعوّض الحاكم العادل المظلوم فيعطيه أكثر ممَّا أُخِذ منه؛ لذلك يقول سبحانه في موضع آخر: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله. .﴾ [النساء: ١٠٠] .
стр. 11762
لأن مَنْ قُتِل فقد فاز بالشهادة ونال إحدى الحُسنْيين، أما مَنْ مات فقد حُرِم هذا الشرف؛ لذلك فقد وقع أجره على الله، وما بالك بأجر مُؤدِّيه ربك ؟ وكما لو أن رجلاً مُتْعباً يسير ليس معه شيء ولا يجد حتى مَنْ يقرضه، وفجأة سقطت رِجْله في حفرة فتكَّدر وقال: حتى هذه؟! لكن سرعان ما وجد قدمه قد أثارتْ شيئاً في التراب له بريق، فإذا هو ذهب كثير وقع عليه بنفسه.
ويُروْى أن فضالة حضرهم وهم يدفنون شهيداً، وآخر مات غير شهيد، فرأوْه ترك قبر الشهيد وذهب إلى قبر غير الشهيد، فلما سألوه: كيف يترك قبر الشهيد إلى غير الشهيد؟ قال: والله ما أبالي في أيِّ حفرة منهما بُعثْت ما دام قد وقع أجري على الله، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله. .﴾ [النساء: ١٠٠] .
ثم يقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ [الحج: ٥٨] حين يصف الحق سبحانه ذاته بصفة، ثم تأتي بصيغة الجمع، فهذا يعني أن الله تعالى أدخل معه الخَلْق في هذه الصفة، كما سبق أنْ تكلمنا في قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] .
فقد أثبت للخَلْق صفة الخَلْق، وأشركهم معه سبحانه في هذه الصفة؛ لأنه سبحانه لا يبخس عباده شيئاً، ولا يحرمهم ثمرة مجهودهم، فكل مَنْ أوجد شيئاً فقد خلقه، حتى في الكذب قال ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً. .﴾ [العنكبوت: ١٧] .
стр. 11763
لأن الخَلْق إيجاد من عدم، فأنت حين تصنع مثلاً كوب الماء من الزجاج أوجدتَ ما لم يكن موجوداً، وإن كنت قد استخدمت المواد المخلوقة لله تعالى، وأعملتَ فيها عقلك حتى توصلْتَ إلى إنشاء شيء جديد لم يكُنْ موجوداً، فأنت بهذا المعنى خالق حسن، لكن خلق ربك أحسن، فأنت تخلق من موجود، وربك يخلق من عدم، وما أوجدتَه أنت يظل على حالته ويجمد على خلْقتك له، ولا يتكرر بالتناسل، ولا ينمو، وليست فيه حياة، أما خَلْق ربك سبحانه فكما تعلم.
كذلك يقول سبحانه هنا: ﴿وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ [الحج: ٥٨] فأثبت لخَلْقه أيضاً صفة الرزق، من حيث هم سَبَب فيه، لأن الرزق: هو كل ما ينتفع به حتى الحرام يُعَدُّ رزقاً؛ لذلك قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ. .﴾ [البقرة: ١٧٢] .
نقول: فالعبد سبب في الرزق؛ لأن الله تعالى هو خالق الرزق أولاً، ثم أعطاك إياه تنتفع به وتعمل فيه، وتعطي منه للغير، فالرزق منك مناولة عن الرازق الأول سبحانه، فأنت بهذا المعنى رازق وإنْ كرهوا أنْ يُسمَّي الإنسان رازقاً، رغم قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ [الحج: ٥٨] لماذا؟ قالوا: حتى لا يفهم أن الرزق من الناس.
لذلك نسمع كثيراً من العمال البسطاء، أو موظفاً صغيراً، أو بواب عمارة مثلاً حين يفصله صاحب العمل، يقول له: يا سيدي الأرزاق بيد الله. كيف وقد كنت تأخذ راتبك من يده ومن ماله؟ قالوا: لأنه نظر إلى المناوِل الأول للرزق، ولم ينظر إلى المناوِل الثاني.
стр. 11764
أما الرزق الحسن الذي أعدَّه الله للذين هاجروا في سبيله، فيوضحه سبحانه في قوله: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ. .﴾ .
стр. 11765
لأن الرزق قد يكون حسناً لكنه لا يُرضِي صاحبه، أما رزق الله لهؤلاء فقد بلغ رضاهم، والرضا: هو اقتناع النفس بشيء تجد فيه متعة، بحيث لا تستشرف إلى أعلى منه، ولا تبغي أكثر من ذلك.
لذلك بعد أنْ ينعَم أهل الجنة بنعيمها، مِمَّا لا عَيْنٌ رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، بعدها يتجلَّى الحق - سبحانه - عليهم فيقول لعباده المؤمنين: يا عبادي أرضيتم؟ فيقولون: وكيف لا نرضى وقد أعطيْتنا ما لم تُعْطِ أحداً من العالمين؟ قال: ألا أعطيكم أفضل من هذا؟ قالوا: وهل شيء أفضل مما نحن فيه؟ قال: نعم، أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً.
ومن ذلك قوله تعالى لنبيه محمد ﷺ َ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ [الضحى: ٥] .
وقوله تعالى: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] .
يبالغ في الرضا، حيث يتعداك الرضا إلى أن تكون عيشتك نفسها راضية، وكأنها تعشقك هي، وترضى بك.
стр. 11766
ثم يقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩] .
عليم: بما يستحقه كل إنسان عند الحساب من النعيم، ثم يزيد مَنْ يشاء من فضله، فليس حساب ربك في الآخرة كحسابكم في الدنيا، إنما حسابُه تعالى بالفضل لا بالعدل.
وحليم: يحلم على العبد إنْ أساء، ويتجاوز للصالحين عن الهَفَوات، فإنْ خالط عملك الصالح سوء، وإنْ خالفت منهج الله في غفلة أو هفوة، فلا تجعل هذا يعكر صفو علاقتك بربك أو يُنغِّص عليك طمأنينة حياتك؛ لأن ربك حليم سيتجاوز عن مثل هذا على حَدِّ قولهم (حبيبك يبلع لك الزلط) .
لذلك «لما وَشَى أحد المؤمنين للكفار في فتح مكة، وهَمَّ عمر أن يقتله فنهاه رسول الله ﷺ َ وقال: لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» .
ويكفي أنهم خرجوا بأنفسهم واقتحموا معركة غير متكافئة في العدد والعُدَّة، ألا نذكر لهم هذا الموقف؟ ألم يقل الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات. .﴾ [هود: ١١٤] ومَنِ ابتُلِي بشيء يضعف أمامه، فليكن قوياً فيما يقدر عليه، وإنْ غلبك الشيطان في باب من أبواب الشر فشمِّر له أنت في أبواب الخير، فإن هذا يُعوِّض ذاك.
стр. 11767
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ذلك وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ. .﴾ .
стр. 11768
﴿ذلك﴾ [الحج: ٦٠] يعني: هذا الأمر الذي تحدثنا فيه قد استقر، وإليك هذا الكلام الجديد ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ. .﴾ [الحج: ٦٠] .
الحق خلق الإنسان وجعل فيه ملكات مختلفة ليؤدي خلافته في الأرض بحركات متوازنة، فخلق لنا عواطف وجعل لها مهمة، هذه العواطف لا يحكمها قانون. وخلق لنا أيضاً غرائز ولها مهمة، لكن محكومة بقانون تعلية الغرائز عند الخلق، فإياك أنْ تتعدى بغريزتك إلى غير المهمة التي خلقها الله لها.
فمثلاً، غريزة حب الطعام جعلها الله فيك لاستبقاء الحياة، فلا تجعلها غرضاً أصيلاً لذاتها، فتأكل لمجرد أنْ تلتذَّ بالأكل؛ لأنها لذة وقتية تعقبها آلام ومتاعب طويلة. وهذه الغريزة جعلها الله في النفس البشرية منضبطة تماماً كما تضبط المنبّة مثلاً، فحين تجوع تجد نفسك تاقتْ للطعام وطلبته، وإنْ عطشتْ مالتْ نفسك نحو الماء، وكأن بداخلك جرساً يُنبِّهك إلى ما تحتاجه بنيتك من مُقوِّمات استبقائها.
حب الاستطلاع غريزة جعلها الله فيك لتنظر بها وتستطلع ما في الكون من أسرار دالة على قدرة الله وعظمته، فلا تتعدى هذا الغرض، ولا تحرِّك هذه الغريزة إلى التجسُّس على الخَلْق والوقوف على أسرارهم.
стр. 11769
التناسل غريزة جعلها الله لحِفْظ النوع، فلا ينبغي أنْ تتعدى ما جعلت له إلى ما حرَّم الله.
الغضب غريزة وانفعال قَسْري لا تختاره بعقلك تغضب أو لا تغضب، إنما إنْ تعرضتَ لأسبابه فلا تملك إلا أنْ تغضب، ومع ذلك جعل له حدوداً وقنَّن له وأمر فيه بضبط النفس وعدم النزوع.
الحب والكُرْه غريزة وعاطفة لا تخضع لقانون، ولا يحكمها العقل، فلك أن تحب وأن تكره، لكن إياك أنْ تتعدَّى هذه العاطفة إلى عمل عقليٍّ ونزوع تعتدي به أو تظلم.
لذلك يقول تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ. .﴾ [المائدة: ٨] .
لأن هذه المسألة لا يحكمها قانون، وليس بيدك الحب أو الكره؛ لذلك لما قابل سيدنا عمر قاتل أخيه قال له عمر: أَدِرْ وجهك عني فإنِّي لا أحبك. وكان الرجل عاقلاً فقال لسيدنا عمر: أَوَ عَدمُ حبك لي يمنعني حقاً من حقوقي؟ قال عمر: لا، فقال الرجل: إنما يبكي على الحب النساء. يعني أحب أو اكره كما شِئْتَ، لكن لا تتعدَّ ولا تحرمني حقاً من حقوقي.
فهل وقفنا بالغرائز عند حدودها وأهدافها؟ لو تأملتَ مثلاً الغريزة الجنسية التي يصِفُها البعض بِمْلء فيه يقول: غريزة بهيمية. . سبحان الله أَلاَ تستحي أنْ تظلم البهائم لمجرد أنها لا تتكلّم، وهي أفهم لهذه الغريزة منك، أَلاَ تراها بمجرد أن يُخصِّب الذكَر أُنثاه
стр. 11770
لا يقربها أبداً، وهي لا تمكِّنه من نفسها إذا ما حملَتْ، في حين أنك تبالغ في هذه الغريزة، وتنطلق فيها انطلاقاً يُخرِجها عن هدفها والحكمة منها؟ على مثل هذا أن يخزى أن يقول مثل هذه المقولة، وألاَّ يظلم البهائم، فمن الناس مَنْ هم أَدنْى من البهائم بكثير.
وما يقال عن غريزة الجنس في الحيوان يقال كذلك في الطعام والشراب.
إذن: الخالق سبحانه خلق الغرائز فيك، ولم يكبتها، وجعل لها منافذ شرعية لتؤدي مهمتها في حياتك؛ لذلك أحاطها بسياج من التكليف يُنظِّمها ويحكمها حتى لا تشرد بك، فقال مثلاً في غريزة الطعام والشراب: ﴿يابنيءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا. .﴾ [الأعراف: ٣١] .
وقال في غريزة حب الاستطلاع: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُواْ. .﴾ [الحجرات: ١٢] وهكذا في كل غرائزك تجد لها حدوداً يجب عليك ألاَّ تتعداها.
لذلك قلنا في صفات الإيمان وفي صفات الكفر أن الله تعالى يصف المؤمنين بأنهم ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ. .﴾ [الفتح: ٢٩] لأنهم يضعون كل غريزة في موضعها فالشدة مع الأعداء، والرحمة مع إخوانهم المؤمنين، ويقف عند هذه الحدود لا يقلب مقاييسها، ويلتزم بقول الحق ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين. .﴾ [المائدة: ٥٤] .
وكأن الخالق يُسوِّينا تسوية إيمانية، فالمؤمن لم يُخلَق عزيزاً ولا ذليلاً، إنما الموقف هو الذي يضعه في مكانه المناسب، فهو عزيز شامخ مع الكفار، وذليل مُنكسِر متواضع مع المؤمنين.
стр. 11771
ويتفرع عن هذه المسألة مسألة ردِّ العقوبة إذا اعتُدِي عليك: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ الله. .﴾ [الحج: ٦٠] .
الحق هو خالق النفس البشرية، وهو أعلم بنوازعها وخَلَجاتها؛ لذلك أباح لك إن اعتدى عليك أنْ تردَّ الاعتداء بمثله، حتى لا يختمر الغضب في نفسك، وقد ينتج عنه ما هو أشد وأبلغ في ردِّ العقوبة، يبيح لك الرد بالمثل لتنتهي المسألة عند هذا الحد ولا تتفاقم، فمَنْ ضربك ضربة فلك أنْ تُنفِّس عن نفسك وتضربه مثلها، لك ذلك، لكن تذكرَّ المثلية هنا، لا بد أن تكون تامة، كما قال سبحانه في موضع آخر: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ. .﴾ [النحل: ١٢٦] .
وهل تستطيع أن تضبط هذه المثلية فتردّ الضربة بمثلها؟ وهل قوتك كقوته، وحِدَّة انفعالك كحِدَّة انفعاله؟ ولو حدث وزدْتَ في ردِّك نتيجة غضب، ماذا تفعل؟ أتسمح له أنْ يردَّ عليك هذه الزيادة؟ أم تكون أنت ظالماً معتدياً؟
إذن: ماذا يُلجئك لمثل هذه المتاهة، ولك في التسامح سِعَة، وفي قول الله بعدها: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ [النحل: ١٢٦] مَخْرج من هذا الضيق؟
وسبق أنْ حكينا قصة المرابي اليهودي الذي قال لطالب الدَّيْن: إن تأخرت في السداد أشترط عليك أنْ آخذ رطلاً من لحمك. وجاء وقت السداد ولم يُوف المدين، فرفعه الدائن إلى القاضي وأخبره بما اشترطه عليه، فقال القاضي: نعم من حقك أن تأخذ رطلاً من لحمه لكن بضربة واحدة بالسكين تأخذ رطلاً، إنْ زاد أو نقص أخذناه منك.
стр. 11772
إذن: مسألة المثلية هنا عقبةٌ تحدُّ من ثورة الغضب، وتفتح باباً للارتقاءات الإيمانية، فإنْ كان الحق سبحانه سمح لك أن تُنفِّس عن نفسك فقال: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا. .﴾ [الشورى: ٤٠] فإنه يقول لك: لا تنسَ العفو والتسامح ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عَنِ الناس والله يُحِبُّ المحسنين﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
لذلك، فالآية التي معنا تلفتنا لَفْتةً إيمانية: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ. .﴾ [الحج: ٦٠] واحدة بواحدة ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ. .﴾ [الحج: ٦٠] يعني: زاده بعد أنْ ردَّ العدوان بمثله وظلمه واعتدى عليه ﴿لَيَنصُرَنَّهُ الله. .﴾ [الحج: ٦٠] ينصره على المعتدي الذي لم يرتَض حكم الله في رَدِّ العقوبة بمثلها.
وتلحظ في قوله تعالى مخايل النصر بقوله ﴿إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٠] مع أن الصفة التي تناسب النُّصْرة تحتاج قوة وتحتاج عزة، لكنه سبحانه اختار صفة العفو والمغفرة ليلفت نظر مَنْ أراد أنْ يعاقب إلى هذه الارتقاءات الإيمانية: اغفر وارحم واعْفُ؛ لأن ربك عفو غفور، فاختار الصفة التي تُحنِّن قلب المؤمن على أخيه المؤمن.
ثم أليس لك ذنب مع الله؟ ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ. .﴾ [النور: ٢٢] فما دُمْت تحب أن يغفر الله لك فاغفر لعباده، وحين تغفر لمَنْ يستحق العقوبة تأتي النتيجة كما قال ربك : ﴿فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] .
فالحق سبحانه يريد أن يشيع بيننا الصفاء النفسي والتلاحم الإيماني، فأعطاك حقَّ رَدِّ العقوبة بمثلها لتنفِّس عن نفسك الغيظ، ثم دعاك إلى العفو والمغفرة.
стр. 11773
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ذلك بِأَنَّ الله يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ. .﴾ .
стр. 11774
﴿ذلك. .﴾ [الحج: ٦١] يعني ما قُلْته لك سابقاً له دليل، فما هو؟ أن الله يأخذ من القوي ويعطي للضعيف، ويأخذ من الطويل ويعطي للقصير، فالمسألة ليست ثابتة (أو مكانيكا) وإنما خلقها الله بقدر. والليل والنهار هما ظرفا الأحداث التي تفعلونها، والحق سبحانه ﴿يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل. .﴾ [الحج: ٦١] .
يولج الليل يعني: يُدخِل الليل على النهار، فيأخذ منه جزءاً جزءاً فيُطوِّل الليل ويُقصِّر النهار، ثم يُدخِل النهار على الليل فيأخذ منه جزءاً جزءاً، فيُطوِّل النهار ويُقصِّر الليل؛ لذلك نراهما لا يتساويان، فمرة يطول الليل في الشتاء مثلاً، ويقصر النهار، ومرة يطول النهار في الصيف، ويقصر الليل. فزيادة أحدهما ونَقْص الآخر أمر مستمر، وأغيار متداولة بينهما.
وإذا كانت الأغيار في ظرف الأحداث، فلا بُدَّ أن تتغير الأحداث نفسها بالتالي، فعندما يتسع الظرف يتسع كذلك الخير فيه، فمثلاً عندنا في المكاييل: الكَيْلة والقدح والوَيْبة وعندنا الأردب، وكل منهما يسَعُ من المحتوى على قدر سعته. وهكذا كما نزيد أن ننقص في ظرف الأحداث نزيد وننقص في الأحداث نفسها.
ثم تُذيَّل الآية بقوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٦١] سميعٌ لما يقال، بصيرٌ بما يفعل، فالقول يقابله الفعل، وكلاهما عمل، والبعض يظن أن العمل شيء والقول شيء آخر، لا؛ لأن
стр. 11775
العمل وظيفة الجارحة، فكل جارحة تؤدي مهمتها فهي تعمل، عمل العَيْن أن ترى، وعمل الأذن أنْ تسمع، وعمل اليد أن تلمس، وعمل الأنف أن يشُم، وكذلك عمل اللسان القول، فالقول للسان وحده، والعمل لباقي الجوارح وكلاهما عمل، فدائماً نضع القول مقابل الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] .
والسمع والبصر هما الجارحتان الرئيسيتان في الإنسان، وهما عمدة الحواس كلها، حيث تعملان باستمرار على خلاف الشَّم مثلاً، أو التذوق الذي لا يعمل إلا عدة مرات في اليوم كله.
стр. 11776
﴿ذلك. .﴾ [الحج: ٦٢] أي الكلام السابق أمر معلوم انتهينا منه ﴿بِأَنَّ الله هُوَ الحق. .﴾ [الحج: ٦٢] والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير أبداً، فكُلُّ ما سِوى الله يتغير، وهو سبحانه الذي يُغيِّر ولا يتغير؛ ولذلك أهل المعرفة يقولون: إن الله تعالى لا يتغير من أجلكم، لكن يجب عليكم أنْ تتغيروا أنتم من أجل الله.
وما دام أن ربك هو الحق الثابت الذي لا يتغير، وما عداه يتغير، فلا تحزن، ويا غضبان ارْضَ، ويا مَنْ تبكي اضحك واطمئن؛ لأنك ابن أغيار، وفي دنيا أغيار لا تثبت على شيء؛ لذلك فالإنسان يغضب إذا أُصيب بعقبة في حياته يقول: لو لم تكُنْ هذه!! نقول له: وهل تريدها كاملة؟ لا بُدَّ أنْ يصيبك شيء؛ لأنك ابن أغيار، فماذا تنتظر إنْ وصلْت القمة لا بُدَّ أنْ تتراجع؛
стр. 11777
لأنك ابن أغيار دائم التقلُّب في الأحوال، وربك وحده هو الثابت الذي لا يتغير.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الباطل. .﴾ [الحج: ٦٢] كل مَا تدعيه أو تعبده من دون الله هو الباطل، يعني الذي يَبْطُل، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء: ٨١] يعني: يزول ولا يثبت أبداً ﴿وَأَنَّ الله هُوَ العلي الكبير﴾ [الحج: ٦٢] العلي يعني: كل خَلْقه دونه. وكبير يعني: كل خَلْقه صغير.
ومن أسمائه تعالى ﴿الكبير﴾ [الحج: ٦٢] ولا نقول أكبر إلا في الأذان، وفي افتتاح الصلاة، والبعض يظن أن أكبر أبلغ في الوصف من كبير، لكن هذا غير صحيح؛ لأن أكبر مضمونه كبير، إنما كبير مقابله صغير، فهو سبحانه الكبير؛ لأن ما دونه وما عداه صغير.
أما حين يناديك ويستدعيك لأداء فريضة الله يقول: الله أكبر؛ لأن حركة الحياة وضروريات العيش عند الله أمر كبير وأمر هام لا يغفل، لكن إنْ كانت حركة الحياة والسعي فيها أمر كبيراً فالله أكبر، فربُّك يُخرجك للصلاة من عمل، ويدعوك بعدها إلى العمل: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله. .﴾ [الجمعة: ١٠] .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً. .﴾ .
стр. 11778
﴿أَلَمْ تَرَ. .﴾ [الحج: ٦٣] إنْ كانت للأمر الحِسِّي الذي تراه العين،
стр. 11779
فأنت لم تَرَهُ ونُنبهك إليه، وإنْ كانت للأمر الذي لا يُدرَك بالعين فهي بمعنى: ألم تعلم. وتركنا العلم إلى الرؤية لنبين لك أن الذي يُعلِّمك الله به أوثق مما تهديك إليه عَيْنك.
فالمعنى: ألم تعلم وألم تنظر؟ . المعنيان معاً.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً. .﴾ [الحج: ٦٣] فهذه آية تراها، لكن ترى منها الظاهر فقط، فترى الماء ينهمر من السماء، إنما كيف تكَّون هذا الماء في طبقات الجو؟ ولماذا نزل في هذا المكان بالذات؟ هذه عمليات لم تَرَها، وقدرة الله تعالى واسعة، ولك أن تتأمل لو أردتَ أنْ تجمع كوب ماء واحد من ماء البخار، وكم يأخذ منك من جهد ووقت وعمليات تسخين وتبخير وتكثيف، فهل رأيتَ هذه العمليات في تكوين المطر؟
إذن: رأيت من المطر ظاهرة، لذلك يلفتك ربك إلى ما وراء هذا الظاهر لتتأمله.
لذلك؛ جعل الخالق مسطح الماء ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، فاتساع مُسطَّح الماء يزيد من البَخْر الذي ينشره الله تعالى على اليابس، كما لو وضعتَ مثلاً كوبَ ماء في غرفتك، وتركتَه مدة شهر أو شهرين، ستجد أنه ينقص مثلاً سنتيمتراً، أما لو نثرتَ الكوب على أرض الغرفة فسوف يجفّ بعد دقائق.
إذن: فاتساع رقعة الماء يزيد من كمية البخار المتصاعد منها، ونحن على اليابس نحتاج كمية كبيرة من الماء العَذْب الصالح للزراعة وللشرب. . الخ، ولا يتوفر هذا إلا بكثرة كمية الأمطار.
ثم يُبيِّن سبحانه نتيجة إنزال الماء من السماء: ﴿فَتُصْبِحُ الأرض
стр. 11780
مُخْضَرَّةً. .﴾ [الحج: ٦٣] يعني: تصير بعد وقت قصير خضراء زاهية. دون أن يذكر شيئاً عن تدخُّل الإنسان في هذه العملية، فالإنسان لم يحرث ولم يبذر ولم يَرْو، إنما المسألة كلها بقدرة الله، لكن من أين أتت البذور التي كوَّنَتْ هذا النبات؟ ومَنْ بذرها ووزَّعها؟ البُذور كانت موجودة في التربة حيَّة كامنة لم يُصِبْها شيء، وإنْ مَرَّ عليها الزمن؛ لأن الله تعالى يحفظها إلى أنْ تجد الماء وتتوفَّر لها عوامل الإنبات فتنبت؛ لذلك نُسمِّي هذا النبات (العِذْى) ؛ لأنه خرج بقدرة الله لا دَخْل لأحد فيه.
وتولَّتْ الرياح نَقْل هذه البذور من مكان لآخر، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ. .﴾ [الحجر: ٢٢] ولو سلسلْتَ هذه البذرة ستجدها من شجرة إلى شجرة حتى تصل إلى شجرة أُمٍّ، خلقها الخالق سبحانه لا شجرةَ قبلها ولا بذرة. لذلك يُرْوى أن يوسف النجار وكان يرعى السيدة مريم ﵍ ويشرف عليها، ويقال كان خطيبها - لما رآها حاملاً وليس لها زوج سألها بأدب: يا مريم، أتوجد شجرة بلا بذرة؟ قالت: نعم الشجرة التي أنبتتْ أول بذرة.
ثم يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج: ٦٣] اللطْف هو دِقَّة التناول للأشياء، فمثلاً حين تريد أن تدخل خيطاً في إبرة، تجد الخيط لا ينفذ من ثقبها لأول مرة، فتحاول أنْ تُرفِّق من طرف الخيط وتبرمه حتى يدِقّ فينفذ من الثقب، فالخيط بعد أنْ كان غليظاً أصبح لطيفاً دقيقاً.
ويقولون: الشيء كلما لَطُف عَنُف، في حين يظن البعض أن الشيء الكبير هو القوي، لكن هذا غير صحيح، فكلما كان الشيء
стр. 11781
لطيفاً دقيقاً كان خطره أعظم، أَلاَ ترى الميكروب كيف يصيب الإنسان وكيف لا نشعر به ولا نجد له ألماً؟ ذلك لأنه دقيق لطيف، وكذلك له مدخل لطيف لا تشعر به؛ لأنه من الصِّغَر بحيث لا تراه بالعين المجردة.
والبعوضة كم هي هيِّنة صغيرة؛ لذلك تُؤلمك لدغتها بخرطومها الدقيق الذي لا تكاد تراه، وكلما دَقَّ الشيء احتاج إلى احتياط أكثر لتحمي نفسك من خطره، فمثلاً إنْ أردتَ بناء بيت في الخلاء أو منطقة نائية، فإنك ستضطر أنْ تضع حديداً على الشبابيك يحميك من الحيوانات المفترسة كالذئاب مثلاً، ثم تضع شبكة من السلك لتحميك من الفئران، فإن أردْتَ أن تحمي نفسك من الذباب والبعوض احتجت إلى سِلْك أدق، وهكذا كلما صَغُر الشيء ولطف احتاج إلى احتياط أكثر.
فاللطيف هو الذي يدخل في الأشياء بلطف؛ لذلك يقولون: فلان لطيف المدخل يعني: يعني: يدخل لكل إنسان بما يناسبه، ويعرف لكل إنسان نقطة ضَعْف يدخل إليه منها، كأن معه (طفاشة) للرجال، يستطيع أن يفتح بها أي شخصية.
لكن، ما علاقة قوله تعالى ﴿إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج: ٦٣] بعد قوله: ﴿فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً. .﴾ [الحج: ٦٣] ؟ قالوا: لأن عملية الإنبات تقوم على مَسَامّ وشعيرات دقيقة تخرج من البذرة بعد الإنبات، وتمتصّ الغذاء من التربة، هذه الشعيرات الجذرية تحتاج إلى لُطْف، وامتصاص الغذاء المناسب لكل نوع يحتاج إلى خبرة،
стр. 11782
كما قال تعالى: ﴿يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل. .﴾ [الرعد: ٤] .
فالأرض تصبح مُخضَرَّة من لُطْف الحق سبحانه، ومن خبرته في مداخل الأشياء، لذلك قال بعدها: ﴿إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج: ٦٣] .
ولدِقّة الشعيرات الجذرية نحرص ألاَّ تعلو المياه الجوفية في التربة؛ لأنها تفسد هذه الشعيرات فتتعطن وتموت فيصفرُّ النبات ويموت.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَإِنَّ الله. .﴾ .
стр. 11783
فما في السموات وما في الأرض مِلْك لله تعالى، ومع ذلك لا ينتفع منها الحق سبحانه بشيء، إنما خلقها لمنفعة خَلْقه، وهو سبحانه غنيٌّ عنها وغنيٌّ عنهم، وبصفات الكمال فيه سبحانه خلق ما في السماوات وما في الأرض؛ لذلك قال بعدها: ﴿وَإِنَّ الله لَهُوَ الغني الحميد﴾ [الحج: ٦٤] .
وصفات الكمال في الله تعالى موجودة قبل أنْ يخلق الخَلْق، وبصفات الكمال خلق، وملكيته تعالى للسماوات وللأرض، ولما فيهما ملكية للظرف وللمظروف، ونحن لا نملك السماوات، ولا نملك الأرض، إنما نملك ما فيهما من خيرات ومنافع مما ملّكنا الله له، فهو الغني سبحانه، المالك لكل شيء، وما ملَّكنا الله له، فهو الغني سبحانه، المالك لكل شيء، وما ملَّكنا إلا من باطن مُلْكه.
والحميد: يعني المحمود، فهو غني محمود؛ لأن غنَاه لا يعود
стр. 11784
عليه سبحانه، إنما يعود على خَلْقه، فيحمدونه لغنَاه، لا يحقدون عليه، ومن العجيب أن الحق سبحانه يُملِّك خَلْقَه من مُلْكه، فمَن استخدم النعمة فيما جُعلتْ له، ومَنْ أعطى غير القادر من نعمة الله عليه يشكر الله له، وهي في الأصل نعمته. ذلك لأنك أنت عبده، وقد استدعاك للوجود، وعليه سبحانه أنْ يتولاّك ويرعاك.
فإن احتاج غير القادر منك شيئاً، قال تعالى: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً. .﴾ [البقرة: ٢٤٥] .
فاعتبره قرضاً، وهو ماله، لكنه ملّكك إياه؛ لذلك لا يسلبه منك إنما يأخذه قرضاً حسناً ويضاعفه لك؛ لأنه غنيٌّ حميد أي: محمود، ولا يكون الغنى محموداً إلا إذا كان غير الغني مستفيداً من غِنَاه.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأرض والفلك تَجْرِي فِي البحر بِأَمْرِهِ. .﴾ .
стр. 11785
هذه الآية امتداد للآية السابقة، فما في السماء وما في الأرض مِلْك له سبحانه لكنه سخَّره لمنفعة خَلْقه، فإنْ سأل سائل: فلماذا لا يجعلها الله لنا ويُملكنا إياها؟ نقول: لأن ربك يريد أنْ يُطمئِنك أنه لن يعطيها لأحد أبداً، وستظل مِلْكاً لله وأنت تنتفع بها، وهل تأمن إنْ ملّكها الله لغيره أنْ يتغيّر لك ويحرمك منها؟ فأمْنُك في أن يظل الملْك لله وحده؛ لأنه ربك ومُتولّيك، ولن يتغير لك، ولن يتنكّر في منفعتك.
стр. 11786
وقوله تعالى: ﴿والفلك تَجْرِي فِي البحر بِأَمْرِهِ. .﴾ [الحج: ٦٥] الفُلْك: السفن، تُطلق على المفرد وعلى الجمع، تجري في البحر بأمره تعالى، فتسير السفن بالريح حيث أمرها الله، كما قال سبحانه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح. .﴾ [البقرة: ١٦٤] وهذه لا يملكها ولا يقدر عليها إلا الله، وقال في آية أخرى: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الريح فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ على ظَهْرِهِ. .﴾ [الشورى: ٣٣] .
وتأمَّل دِقَّة الأداء القرآني من الله الذي يعلم ما كان، ويعلم ما يكون، ويعلم ما سيكون، فلقائل الآن أنْ يقول: لم نَعُد في حاجة إلى الريح تُسيِّر السفن، أو توجهها؛ لأنها أصبحت تسير الآن بآلات ومحركات، نعم السفن الآن تسير بالمحركات، لكن للريح معنى أوسع من ذلك، فالريح ليست هذه القوة الذاتية التي تدفع السفن على صفحة الماء، إنما الريح تعني القوة في ذاتها، أياً كانت ريحاً أم بُخَاراً أم كهرباء أم ذرة. . إلخ.
بدليل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ. .﴾ [الأنفال: ٤٦] يعني: تذهب قوتكم أيًا كانت هذه القوة حتى الصياد الذي يركب البحر بقارب صغير يُسيِّره بالمجاديف بقوة يده وعضلاته هي أيضاً قوة، لا تخرج عن هذا المعنى.
وهكذا يظل معنى الآية صالحاً لكل زمان ولكل مكان، وإلى أن تقوم الساعة.
والريح إنْ أُفردَتْ دلَّتْ على حدوث شَرٍّ وضرر، كما في قوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم﴾ [الذاريات: ٤١] .
وقوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ. .﴾ [الأنفال: ٤٦]
стр. 11787
وقوله: ﴿بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]
وإنْ جاءت بصيغة الجمع دلَّت على الخير، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ. .﴾ [الحجر: ٢٢] .
وسبق أنْ تحدثنا عن مهمة الريح في تماسك الأشياء وقيامها بذاتها، فالجبل الأشمّ الذي تراه ثابتاً راسخاً إنما ثبتَ بأثر الريح عليه، وإحاطته به من كل جانب، بحيث لو فُرِّغ الهواء من أحد جوانب الجبل لانهار، وهذه هي الفكرة التي قامت عليها القنبلة، فالهواء هو الذي يقيم المباني والعمارات ويثبتها؛ لأنه يحيطها من كل جانب، فيُحدِث لها هذا التوازن، فإنْ فُرِّغ من أحد الجوانب ينهار المبنى.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ. .﴾ [الحج: ٦٥] فالسماء مرفوعة فوقنا بلا عَمَد، لا يمسكها فوقنا إلا الله بقدرته وقيوميته أنْ تقع على الأرض إلا بإذنه تعالى، كما قال في آية أخرى:
﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ. .﴾ [فاطر: ٤١] .
﴿إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] فمن صفاته تعالى الرأفة والرحمة، والفَهْم السطحي لهاتين الصفتين يرى أنهما واحد، لكن هما صفتان مختلفتان، فالرأفة تزيل الآلام، والرحمة تزيد الإنعام، والقاعدة أن درْء المفسدة مُقدَّم دائماً على جَلْب المصلحة، فربك يرأف بك فيزيل عنك أسباب الألم قبل أن يجلب لك نفعاً برحمته.
وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بمثل: قلنا هَبْ أن واحداً يرميك بحجر، وآخر يرمي لك تفاحة، فأيُّهما يشغلك أولاً؟ لا شكَّ ستُشغل
стр. 11788
بالحجر، كيف تقي نفسك من ضرره ثم تحاول أن تنال هذه التفاحة؟
لذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ ولكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى. .﴾ [النحل: ٦١] .
ثم يقول سبحانه: ﴿وَهُوَ الذي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ. .﴾ .
стр. 11789
الحق ﵎ يُذكّرنا ببعض نعمه وببعض العمليات التي لو تتبعناها لوقفنا بمقتضاها على نِعَم الله علينا، ولم نَنْسها أبداً.
أولها: ﴿وَهُوَ الذي أَحْيَاكُمْ. .﴾ [الحج: ٦٦] والإحياء: أن يعطي المحيي ما يُحييه قوة يؤدي بها المهمة المخلوق لها. والإحياء الأول في آدم ﵇ حين خلقه ربه وسوّاه ونفخ فيه من روحه، ثم أوجدنا نحن من ذريته.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ. .﴾ [الحج: ٦٦] وكما أن الخَلْق آية من آيات الله، فكذلك الموت آية من آيات الله، نراها ونلمسها، وما دُمْتَ تُصدِّق بآية الخَلْق وآية الموت، وتراهما، ولا تشك فيهما، فحين نقول لك إن بعد هذا حياة أخرى فصدِّق؛ لأن صاحب هذه الآيات واحد، والمقدمات التي تحكم أنت بصدقها يجب أنْ تؤدي إلى نتيجة تحكم أيضاً بصدقها، وها هي المقدمات بين يديك صادقة.
لذلك يقول تعالى بعدها: ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ. .﴾ [الحج: ٦٦] والإحياء
стр. 11790
يُطلَق في القرآن على معانٍ متعددة، منها الحياة المادية التي تتمثل في الحركة والأكل والشرب، ومنها الحياة في الآخرة التي قال الله عنها: ﴿وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ. .﴾ [العنكبوت: ٦٤] .
وهذه الحياة الحقيقية؛ لأن حياة الدنيا تعتريها الأغيار، ويتقلَّب فيها الإنسان بين القوة والضعف، والصحة والمرض، والغنى والفقر، والصِّغَر والكِبَر، وبعد ذلك يعتريها الزوال، أما حياة الآخرة التي وصفها الله بأنها الحيوان يعني: مبالغة في الحياة، فهي حياة لا أغيار فيها ولا زوالَ لها.
إذن: لديك حياتان: حياة لِبنْية المادة وبها تتحرك وتُحِس وتعيش، وحياة أخرى باقية لا زوالَ لها.
لذلك يقول الحق : ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ. .﴾ [الأنفال: ٢٤] كيف - إذن - ونحن أحياء؟ قالوا: لما يحييكم ليست حياة الدنيا المادية التي تعتريها الأغيار، إنما يحييكم الحياةَ الحقيقية في الآخرة، الحياة الباقية التي لا تزول، التي قال الله عنها: ﴿وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] يعني: العلم الحقيقي الذي يهدي صاحبه.
فإن كانت الحياة المادية الدنيوية بنفْخ الروح في الإنسان، فبِمَ تكون الحياة الثانية ﴿إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ. .﴾ [الأنفال: ٢٤] .
قالوا: هذه الحياة تكون بروح أيضاً، لكن غير الروح الأولى، إنها بروح القرآن الذي قال الله فيه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا. .﴾ [الشورى: ٥٢] وسمَّى المَلك الذي ينزل به روحاً: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
стр. 11791
فالروح الثانية التي تُحييك الحياة الحقيقية الخالدة هي منهج الله في كتابه الكريم، إن اتبعته نِلْتَ هذه الحياة الباقية الخالدة وتمتعتَ فيها بما لا عَيْن رأت، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، وهي لا مقطوعة ولا ممنوعة.
ثم يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٦] كفور: صيغة مبالغة من كافر، والكفور الذي لم يعرف للمنعِم حَقّ النعمة، مع أنه لو تبيَّنها لما انفكَّ أبداً عن شكر المنعم سبحانه.
والإنسان يمرُّ بمراحل مختلفة بين الحياة والموت، كما جاء في قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين فاعترفنا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] ، فمتى سيقولون هذا الكلام؟
قالوا: هذا يوم القيامة، وقد أحياهم الله من موت العدم، فأحياهم في الدنيا ثم أماتهم، ثم أحياهم في الآخرة، فهناك موت قبل إيجاد، وموت بعد إيجاد، ثم يأتي البعث في القيامة. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي أَحْيَاكُمْ. .﴾ [الحج: ٦٦] قضية قالها الخالق ولم يدعها أحد لنفسه مع كثرة الكفار والملاحدة والأفاقين في كل زمان ومكان، لم نسمع مَنِ ادَّعَى مسألة الخَلْق، وهذه قضية يجب أن نقف عندها وأن نبحث: لماذا لم يظهر مَنْ يدَّعي ذلك؟ وإذا لم يَدَّع الخَلْق أحدٌ، ولم يدَّع الإحياء أحد، فمَنْ - إذن - صاحب الخَلْق والإحياء والإماتة؟
إذا كان الناس يهتمون ويؤرخون لأيِّ مخترع آلة مثلاً، فيقولون: مخترع الكهرباء فلان وعاش في بلدة كذا، وكان من أمره كذا وكذا، وتعلم في كذا، وحصل على كذا. . الخ فكيف بمَنْ خلقكم
стр. 11792
وأحياكم من عدم؟ خاصة وهذه المسألة لم يتبجح بادعائها أحد فثبتت القضية له .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمر وادع إلى رَبِّكَ. .﴾ .
стр. 11793
الحق خلق آدم ﵇ خليفة له في الأرض، وأجرى له تدريباً على مهمته بالأمر الإلهي والنهي الإلهي، وأخبره بعداوة الشيطان له ولذريته، وحذَّره أن يتبع خطواته، وقد انتهت هذه التجربة بنزول آدم من الجنة إلى الأرض ليباشر مهمته كخليفة لله في أرضه على أنْ يظلَّ على ذِكْر من تجربته مع الشيطان. وقد سخَّر الله له كل شيء في الوجود يخدمه ويعمل من أجله.
ثم أنزل الله عليه منهجاً، يعمل به لتستقيم حركة حياته وحياة ذريته، وذكَّره بالمنهج التدريبي السابق الذي كلَّفه به في الجنة، وما حدث له لما خالف منهج ربه، حيث ظهرت عورته: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة. .﴾ [الأعراف: ٢٢] .
كذلك إنْ خالفت هذا المنهج الإلهي في الدنيا ستظهر عوراتكم لذلك إذا رأيت أيّ عورة في المجتمع في أيّ ناحية: في الاجتماع، في الاقتصاد، في التربية، فاعلم أن حكماً من أحكام الله قد عُطِّل، فظهرت سوأة من سوءات المجتمع؛ لأن منهج الله هو قانون الصيانة
стр. 11794
الذي يحميك وينظم حياتك لتؤدي مهمتك في الحياة.
كما لو دخلتَ بيتك فوجدتَ آلة من آلات البيت لا تؤدي مهمتها، فتعلم أن بها عطلاً فتذهب بها إلى المهندس المختص بصيانتها، كذلك إن تعطل في حياتكم شيء عن أداء مهمته فردُّوه إلى صاحب صيانته إلى الله وإلى الرسول، وهذا منطق حازم يعترف به الجميع المؤمن والكافر أن ترد الصنعة إلى صانعها، وإلى العالِم بقانون صيانتها، وأنت لم يدّع أحد أنه خلقك، فحين يحدث فيك خَلَل، فعليك أنْ تذهبَ إلى ربك وخالقك.
لذلك «كان النبي ﷺ َ إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة» ، ومعنى «حزبه أمر» يعني: شيء فوق طاقته وأسبابه، يُهرَع إلى الصلاة ليعرض نفسه على ربه ، فإنْ وجدتَ في نفسك خللاً في أي ناحية، فما عليك إلا أنْ تتوضأ، وتقف بين يدي ربك ليصلح ما تعطل فيك.
وإن كان المهندس يُصلح لك الآلة بشيء مادي، ولو قطعة صغيرة من السلك، فإن ربك غَيْب، وعلاجه أيضاً غَيْب يأتيك من حيث لا تدري.
ومنهج الله الذي وضعه لصيانة خَلْقه فيه أصول وفيه فروع، الأصول: أن تؤمن بالإله الواحد الفاعل المختار، وهذه قاعدة ما اختلف عليها أيٌّ من رسالات السماء أبداً، كما يقول تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ. .﴾ [الشورى: ١٣] .
فهذه أصول لا يختلف عليها دين من الأديان، لكن لما كان الناس منثورين في شتى بقاع الأرض، تعيش كل جماعة منهم منعزلةً عن
стр. 11795
الأخرى لبُعْد المسافات وانعدام وسائل الاتصال والالتقاء التي نراها اليوم، والتي جعلتْ العالم كله قرية واحدة، ما يحدث في أقصى الشرق تراه وتسمع به في أقصى الغرب، وفي نفس الوقت.
لما عاش الناس هذه العزلة لا يدري أحد بأحد لدرجة أنهم كانوا منذ مائتي عام يكتشفون قارات جديدة.
وقد نشأ عن هذه العزلة أنْ تعددت الداءات بتعدد الجماعات، فكان الرسول أو النبي يأتي ليعالج الداءات في جماعة بعينها يُبعَث إلى قومه خاصة، فهذا ليعالج مسألة الكيل والميزان، وهذا ليعالج طغيان المال، وهذا ليعالج انحراف الطباع وشذوذها، وهذا ليعالج التعصب القبلي.
أما رسالة محمد ﷺ َ، فجاءت في بداية التقاء الجماعات هنا وهناك، فكانت رسالته ﷺ َ عامة للناس كافة، وتجد أصول الرسالات عند موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام أصولاً واحدة، أمّا الفروع فتختلف باختلاف البيئات.
لكن، لما كان في علمه تعالى أن هذه العزلة ستنتهي، وأن هذه البيئات ستجتمع وتلتقي على أمر واحد وستتحد فيها الداءات؛ لذلك أرسل الرسول الخاتم لهم جميعاً على امتداد الزمان والمكان.
وفي هذه الآية: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ. .﴾ [الحج: ٦٧] أي: أن الحق سبحانه جعل لكل أمة من الأمم التي بعث فيها الرسل مناسك تناسب أقضية زمانهم؛ لأنهم كانوا في عزلة بعضهم عن بعض، كما جاء في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً. .﴾ [المائدة: ٤٨] فالشرائع تختلف في الفروع المناسبة للزمان وللمكان وللبيئة،
стр. 11796
أما الأخلاق والعقائد فهي واحدة، فالله إله واحد في كل ديانات السماء، والكذب مُحرَّم في كل ديانات السماء لم يأْتِ نبي من الأنبياء ليبيح لقومه الكذب.
والمنسك: المنهج التعبدي، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [الأنعام: ١٦٢] .
﴿هُمْ نَاسِكُوهُ. .﴾ [الحج: ٦٧] يعني: فاعلوه.
ثم يقول سبحانه: ﴿فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمر. .﴾ [الحج: ٦٧] كأنْ يقولوا: أنت رسول ونحن أيضاً نتبع رسولاً، له منهج وله شريعة، نعم: لكن هذه شريعة خاتمة جاءت مهيمنة على كل الشرائع قبلها، ومناسبة لمستجدّات الأمور.
لذلك يُطمئن الحق ﵎ رسوله ﷺ َ - بعدها: ﴿وادع إلى رَبِّكَ إِنَّكَ لعلى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧] يعني: أطمئن، فأنت على الحق وادْعُ إلى ربك؛ لأنك على هدى مستقيم سيصل إليهم إنْ لم يكن إيماناً فسيكون إصلاحاً وتقنيناً بشرياً تلجئهم إليه أحداث الحياة ومشاكلها، فلن يجدوا أفضل من شرع الله يحكمون به، وإنْ لم يؤمنوا.
وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله ﷺ َ: لا تنازعهم ولا ينازعونك، وخُذ ما أمرك الله به: ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين﴾ [الحجر: ٩٤] الذين يجادلونك وينازعونك في الرسالة، وسوف تحدث لهم أقضية بقدر ما يُحدِثون من الفجور ويلجئون إلى شرعك وقانونك ليحلوا به مشاكلهم.
والهدى وُصِف بأنه مستقيم، لأنه هدى من الله صنعه لك، هدى
стр. 11797
الخالق الذي يعلم ملَكات النفس الإنسانية كلها، وشرع لكل ملكة ما يناسبها، وأحداث الحياة ستضطرهم إلى ما قنن الله لخلافته في الأرض.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ الله أَعْلَمُ. .﴾ .
стр. 11798
الجدل: مأخوذ من جَدْل الحبل بعضه على بعض لتقويته، وإنْ كانت خيطاً رفيعاً نبرمه فنعطيه سُمْكاً وقوة؛ لذلك الخيط حين نبرمه يقلّ في الطول؛ لأن أجزاءه تتداخل فيكون أقوى، فالجدْل من تمتين الشيء وتقويته، وكذلك الجدال؛ فهو محاولة تقوية الحجة أمام الخَصْم.
وفي آية أخرى: ﴿وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ. .﴾ [النحل: ١٢٥] فالمعنى: إنْ جادلوك بعد التي هي أحسن فقُلْ ﴿الله أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحج: ٦٨] يعني: ردهم إلى الله واحتكم إليه؛ لذلك جاء بعدها: ﴿الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة. .﴾ .
стр. 11799
لاحظ أن الحق سبحانه لم يقُلْ: يحكم بيننا وبينكم كما يقتضي المعنى؛ لأنكما طرفان تتجادلان. وكأن الحق ﵎ يقول لرسوله ﷺ َ: أتركهم فسوف يختلفون هم فيما بينهم، ولن يظل الخلاف معك؛ لأن الخلاف في شيء واحد ينشأ عن هوى النفس، وهوى النفس ينشأ من الحرص على السلطة الزمنية، يعني: أرحْ نفسك، فربُّك سيحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون.
стр. 11800
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السمآء والأرض. .﴾ .
следующие страницы →