← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 11796–11835 · переход к 11801.

стр. 11796

أما الأخلاق والعقائد فهي واحدة، فالله إله واحد في كل ديانات السماء، والكذب مُحرَّم في كل ديانات السماء لم يأْتِ نبي من الأنبياء ليبيح لقومه الكذب. والمنسك: المنهج التعبدي، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [الأنعام: ١٦٢] . ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ. .﴾ [الحج: ٦٧] يعني: فاعلوه. ثم يقول سبحانه: ﴿فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمر. .﴾ [الحج: ٦٧] كأنْ يقولوا: أنت رسول ونحن أيضاً نتبع رسولاً، له منهج وله شريعة، نعم: لكن هذه شريعة خاتمة جاءت مهيمنة على كل الشرائع قبلها، ومناسبة لمستجدّات الأمور. لذلك يُطمئن الحق ﵎ رسوله ﷺ َ - بعدها: ﴿وادع إلى رَبِّكَ إِنَّكَ لعلى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧] يعني: أطمئن، فأنت على الحق وادْعُ إلى ربك؛ لأنك على هدى مستقيم سيصل إليهم إنْ لم يكن إيماناً فسيكون إصلاحاً وتقنيناً بشرياً تلجئهم إليه أحداث الحياة ومشاكلها، فلن يجدوا أفضل من شرع الله يحكمون به، وإنْ لم يؤمنوا. وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله ﷺ َ: لا تنازعهم ولا ينازعونك، وخُذ ما أمرك الله به: ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين﴾ [الحجر: ٩٤] الذين يجادلونك وينازعونك في الرسالة، وسوف تحدث لهم أقضية بقدر ما يُحدِثون من الفجور ويلجئون إلى شرعك وقانونك ليحلوا به مشاكلهم. والهدى وُصِف بأنه مستقيم، لأنه هدى من الله صنعه لك، هدى

стр. 11797

الخالق الذي يعلم ملَكات النفس الإنسانية كلها، وشرع لكل ملكة ما يناسبها، وأحداث الحياة ستضطرهم إلى ما قنن الله لخلافته في الأرض. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ الله أَعْلَمُ. .﴾ .

стр. 11798

الجدل: مأخوذ من جَدْل الحبل بعضه على بعض لتقويته، وإنْ كانت خيطاً رفيعاً نبرمه فنعطيه سُمْكاً وقوة؛ لذلك الخيط حين نبرمه يقلّ في الطول؛ لأن أجزاءه تتداخل فيكون أقوى، فالجدْل من تمتين الشيء وتقويته، وكذلك الجدال؛ فهو محاولة تقوية الحجة أمام الخَصْم. وفي آية أخرى: ﴿وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ. .﴾ [النحل: ١٢٥] فالمعنى: إنْ جادلوك بعد التي هي أحسن فقُلْ ﴿الله أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحج: ٦٨] يعني: ردهم إلى الله واحتكم إليه؛ لذلك جاء بعدها: ﴿الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة. .﴾ .

стр. 11799

لاحظ أن الحق سبحانه لم يقُلْ: يحكم بيننا وبينكم كما يقتضي المعنى؛ لأنكما طرفان تتجادلان. وكأن الحق ﵎ يقول لرسوله ﷺ َ: أتركهم فسوف يختلفون هم فيما بينهم، ولن يظل الخلاف معك؛ لأن الخلاف في شيء واحد ينشأ عن هوى النفس، وهوى النفس ينشأ من الحرص على السلطة الزمنية، يعني: أرحْ نفسك، فربُّك سيحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون.

стр. 11800

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السمآء والأرض. .﴾ .

стр. 11801

هذه قضية حكم بها الحق سبحانة لنفسه، ولم يدَّعِها أحد، فلا يعلم ما في السماء والأرض إلا الله، وهذه الآية جاءت بعد الحكم في المنازعة فربما اعترض أحد وقال: ما دام الأمر من الله أحكاماً تنظم حركة الحياة وقد جاء كل رسول بها، فما ضرورة أنْ يجيء رسول الله ﷺ َ للناس كافة. وقلنا: إن الدين نوعان: نوع لا يختلف باختلاف الرسل والأمم والعصور، وهذا في القضايا العامة الشاملة التي لا تتغير، وهي العقائد والأصول والأخلاق، ونوع آخر يختلف باختلاف العصور والأمم، فيأتي الحكم مناسباً لكل عصر، ولكل أمة. وما دام الحق سبحانه هو الذي سيحكم بين الطرفين قال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السمآء والأرض. .﴾ [الحج: ٧٠] أعلم كل شيء كائن في الوجود ظاهره وباطنه، فأنا أحكُم عن علم وعن خبرة. ﴿إِنَّ ذلك فِي كِتَابٍ. .﴾ [الحج: ٧٠] والعلم شيء، والكتاب شيء آخر، فما دام الله تعالى يعلم كل شيء، وما دام سبحانه لا يضل ولا ينسى، فما ضرورة الكتاب؟ قالوا: الكتاب يعني به اللوح المحفوظ الذي يحوي كل شيء.

стр. 11802

وفي آية أخرى قال: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٥] . حتى القرآن نفسه في ذلك الكتاب: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢] . وقال تعالى: ﴿يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب﴾ [الرعد: ٣٩] ويقول تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البر والبحر وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرض وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] . فضرورة الكتاب ليدلّك وليدلّ الملائكة المطَّلعين على أن الأشياء التي تحدث مستقبلاً كتبها الله أزلاً، فالذي كتب الشيء قبل أنْ يكون، ثم جاء الشيء موافقاً لما أكبر دليل على عِلْمه وإحاطته. إذن: مجيء الكتاب لا ليساعدنا على شيء، إنما ليكون حُجَّة عليك، فيقال لك: ﴿اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء: ١٤] ها هو تاريخك، وها هي قصتك، ليس كلاماً من عندنا، وإنما فعلْك والحجة عليك. وعِلْم الله تعالى في قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السمآء والأرض. .﴾ [الحج: ٧٠] يحمل الوعد والوعيد في وقت واحد، وهذا من عجائب الأداء القرآني، أنْ يعطي الشيء ونقيضه، كيف؟ هَبْ أن عندك ولديْن اعتدى أحدهما على الآخر في غَيبتك، فلما عُدْتَ أسرعا بالشكوى، كل من صاحبه، فقلتَ لهما: اسكتا لا أسمع لكما صوتاً. وقد عرفت ما حدث وسأرتب لكل منكما ما يناسبه وما يستحقه على وَفْق

стр. 11803

ما علمت، لا شكَّ عندها أن المظلوم سيفرح ويستبشر، وأن الظالم سيخاف ويتغير لونه. إذن: فعلم الله بكل شيء في السماء والأرض وإحاطته سبحانه بما يجري بين خَلْقه وَعْد للمحق، ووعيد للمبطل. ثم يقول سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً. .﴾ .

стр. 11804

كأن العبادة - وهي: طاعة أمر واجتناب نهي - يجب أن تكون صادرة من أعلى منا جميعاً، فليس لأحد منا أن يُشرِّع للآخر، فيأمره أو ينهاه؛ لأن الأمر من المساوى لك لا مُرجح له، وله أنْ يقول لك: لماذا أنت تأمر وأنا أطيع؟ أما إنْ جاء الأمر من أعلى منك فأنت تطيع بلا اعتراض، ومعك الحجة أن الأمر من أعلى منك فأنت تطيع بلا اعتراض، ومعك الحجة أن الأمر من أعلى، تقول: أبي أمرني بكذا وكذا، أو ربي أمرني بكذا وكذا، أو نهاني عن كذا وكذا. إذن: كل دليل على حكم الفعل أو الترك لا بُدَّ أنْ يكون مصدره من الحق ، فهو الأعلى مني ومنك، وإذا انصعْتَ لأمره ونهيه فلا حرجَ عليَّ ولا ضرر؛ لأنني ما انصعت لمساوٍ إنما انصعت لله الذي أنا وأنت عبيد له، ولا غضاضةَ في أن نتبع حكمه. لذلك في حِكَم أهل الريف يقولون: (اللي الشرع يقطع صباعه مَيْخُرش دم) لماذا؟ لأنك ما قطعته أنت إنما قطعه الله، فليس الأمر تسلط أو جبروت من أحد، وليس فيه مذلّة ولا استكانة لأحد.

стр. 11805

ومعنى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله. .﴾ [الحج: ٧١] يعني: يعبدون غيره تعالى ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً. .﴾ [الحج: ٧١] السلطان: إما سلطان قَهْر، أو سلطان حجة، سلطان القهر أن يقهرك ويجبرك على ما لم تُرِدْ فِعْله، أما سلطان الحجة فيقنعك ويُثبِت لك بالحجة أن تفعل باختيارك، وهذه الآلهة التي يعبدونها من دون الله ليس لها سلطان، لا قَهْر ولا حُجّة. لذلك؛ في جدل إبليس يوم القيامة للذين اتبعوه يقول لهم: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي. .﴾ [إبراهيم: ٢٢] يعني: كنتم على إشارة فاستجبتم لي، وليس لي عليكم سلطان، لا قوة أقهركم بها على المعصية، ولا حجة أقنعكم بها. ثم يقول تعالى: ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ. .﴾ [الحج: ٧١] يعني: علم الاجتهاد الذي يستنبط الأحكام من الحكم المُجْمل الذي يُنزله الحق ﵎، وهذه هي حجة العلم التي قال الله تعالى عنها: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ. .﴾ [النساء: ٨٣] يعني: أهل العلم. إذن: العبادة لا بُدَّ أن تكون بسلطان من الله نصاً قاطعاً وصريحاً لا يحتمل الجدل، وإما أنْ تكونَ باجتهاد أُولِي العلم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١] لم يقُلْ سبحانه: لن ينتصر الظالمون، ولم ينْفِ عنهم النصر؛ لأن هذه مسألة مُسلمة إنما لا يفزع لنصرتهم أحد، فلن ينتصروا ولن ينصرهم أحد، ولا يفزع أحد لينصر أحداً إلا إذا كان المنصور ضعيفاً.

стр. 11806

ثم يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ المنكر. .﴾ .

стр. 11807

تصور هذه الآية حال الكفار عند سماعهم لكتاب الله وآياته من رسول الله أو صحابته، فإذا سمعوها ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ المنكر. .﴾ [الحج: ٧٢] أي: الكراهية تراها وتقرؤها في وجوههم عُبُوساً وتقطيباً وغضباً وانفعالاً، ينكر ما يسمعون، ويكاد أن يتحول الانفعال إلى نزوع غضبي يفتك بمَنْ يقرأ القرآن لما بداخلهم من شر وكراهية لما يتلى عليهم. لذلك قال تعالى بعدها: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بالذين يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتنا. .﴾ [الحج: ٧٢] والسَّطْو: الفَتْك والبطش؛ لأن العمل الوجداني الذي يشغل نفوسهم يظهر أولاً على وجوههم انفعالاً يُنبيء بشيء يريدون إيقاعه بالمؤمنين، ثم يتحول الوجدان إلى نزوع حركي هو الفتك والبطش. (قُلْ) في الرد عليهم: ماذا يُغضِبكم حتى تسطوا علينا وتكرهوا ما نتلو عليكم من كتاب الله. والغيظ والكراهية عند سماعهم القرآن دليل على عدم قدرتهم على الرد بالحجة، وعدم قدرتهم أيضاً على الإيمان؛ لذلك يتقلَّبون بين غيظ وكراهية.

стр. 11808

لذلك يخاطبهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذلكم النار وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ. .﴾ [الحج: ٧٢] يعني: مالي أراكم مغتاظين من آيات الله كارهين لها الآن، والأمر ما يزال هيِّناً؟ أمجرد سماع الآيات يفعل بكم هذا كلّه؟ فما بالكم حينما تباشرون النار في الآخرة، الغيظ الذي تظنونه شرّاً فتسطُون علينا بسببه أمر بسيط، وهناك أشرّ منه ينتظركم ﴿النار وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ. .﴾ [الحج: ٧٢] وما أشبه هذا بموقف الصِّدِّيق أبي بكر حينما أوقف صناديد قريش بالباب، وقدّم عليهم المستضعفين من المؤمنين، فغضبوا لذلك وورِمَتْ أنوفهم، فقال لهم: أَوَرِمتْ أنوفكم أنْ قدمتهم عليكم الآن، فكيف بكم حين يُقدمهم الله عليكم في دخول الجنة؟ وكلمة ﴿وَعَدَهَا. .﴾ [الحج: ٧٢] الوعد دائماً يكون بالخير، أما هنا فاستُعملَتْ على سبيل الاستهزاء بهم والتقليل من شأنهم، كما قال في آية أخرى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق: ٢٤] فساعةَ أن يسمع البُشْرى يستشرف للخير، فيفاجئه العذاب، فيكون أنكَى له. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه. .﴾ [الكهف: ٢٩] لأن انقباض النفس ويأسها بعد بوادر الانبساط أشدّ من العذاب ذاته. وقوله: ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ [الحج: ٧٢] أي: ساءت نهايتكم ومرجعكم..

стр. 11809

قُلنْا: الضرب إيقاع شيء على شيء بقوة، ومنه نقول: ضربنا الدينار يعني: بعد أن كان قطعة من الذهب أو الفضة مثلاً أصبح عملةً معروفة متداولة. والمثل: تشبيه شيء غير معلوم بشيء آخر معلوم وعجيب وبديع يَعْلَق في الذهن، كما نصف لك إنساناً لم تَرَهُ بإنسان تعرفه. نقول هو مثل فلان. وهكذا كل التشبيهات: شيء تريد أن تعلمه للمخاطب وهو لا يعلمه. ومنه قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] وقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فاقصص القصص لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] . إذن: الأمثال: إعلام بشيء معلوم ليصل العلم فيه إلى شيء

стр. 11810

مجهول، وكلمة (مثَل) استقلَّتْ بأن يكون المثَل بديعاً في النسج، بليغاً موجزاً، بحيث تتناقله الألسنة بسرعة في كلمات معدودة. فلو وجدَت مثلاً تلميذاً مُهملاً تكاسل طوال العام، ولم يذاكر، فلما حضر الامتحان راح يجتهد في المذاكرة، فتقول له: (قبل الرماء تملأ الكنائن) يعني: قبل أنْ تصطاد بالسهام يجب أنْ تُعِدّها أولاً وتملأ بها كنانتك، فهذا مثَلٌ يُضرَب للاستعداد للأمر قبل حلوله. ومن أمثلة أهل الريف يقولون: (أعْطِ العيش لخبازه ولو يأكل نصفه) ويُضرب لمن يجعل الصنعة عند غير صانعها والمتخصص فيها. ويقولون فيمَنْ يُقصِّر في الأمر المنوط به: (باب النجار مخلع) . وحين ترسل مَنْ يقضي لك حاجة فيفلح فيها ويأتي بالنتيجة المرجوة يقول لك: (أبدى المخْضُ عن الزبد) والمخضُ عملية خَضِّ اللبن في القِرْبة لفَصْل الزُّبْد عن اللبن. وهكذا، المثل قَوْل موجز بليغ قيل في مناسبته، ثم استعمله الناس لخِفَّته وجماله وبلاغته في المواقف المشابهة، والمثَل يظل على حالة الأول لا يغير، ويجب الالتزام بنصِّه مع المفرد والمثنى والجمع، ومع المذكر والمؤنث، فمثلاً إنْ أرسلتَ رسولاً يقضي لك حاجة، فعندما يعود تقول له: (ما وراءك يا عصام) هكذا بالكسر في خطاب المؤنث مع أنه رجل، لماذا؟ لأن المثَل قيل أول

стр. 11811

ما قيل لمؤنث، فظلَّ على هذه الصيغة من التأنيث حتى ولو كان المخاطَبُ مذكَّراً. وقصة هذا المثَل أن الحارث ملك كندة أراد أن يتزوج أم إياس، وبعثَ مَنْ تخطبها له، وكان اسمها عصام، فلما ذهبت إليها قالت لها أمها: إن فلانة جاءت تخطبك لفلان، فلا تخفي عنها شيئاً، ودعيها تشمُّك إنْ أرادت، وناطقيها فيما استنطقتْك به، فلما دخلتْ على الفتاة وأرادت أن ترى جسمها خلعتْ ثوبها، وكشفتْ عن جسمها، فقالت المرأة: (ترك الخداع من كشف القناع) فسارت مثلاً، ثم عادت إلى الحارث فاستقبلها متعجلاً ردَّها فقال: (ما وراءكِ يا عصام) يعني: ما الخبر؟ فظلَّ المثل هكذا للمؤنث، وإن خُوطِب به المذكر. والحق ﵎ يضرب لكم هذا المثل ويقول: خذوه في بالكم، وانتبهوا له، وافتحوا له آذانكم جيداً واعقلوه؛ لأنه سينفعكم في علاقتكم برسول الله وبالمؤمنين. والخطاب هنا مُوجَّه للناس كافّة، لم يخُصّ أحداً دون أحد: ﴿ياأيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ. .﴾ [الحج: ٧٣] فلم يقُل يا أيها المؤمنون؛ لأن هذا المثَلَ مُوجَّه إلى الكفار، فالمؤمنون ليسوا في حاجة إليه ﴿فاستمعوا لَهُ. .﴾ [الحج: ٧٣] يعني: انصتوا وتفهَّموا مراده ومرماه، لتسيروا في حركتكم على وَفْق ما جاء فيه، وعلى وَفْق ما فهمتم من مغزاه. فما هو هذا المثَل؟ ﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ. .﴾ [الحج: ٧٣] .

стр. 11812

أي: الذين تعبدونهم وتتجهون إليهم من دون الله ﴿لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً. .﴾ [الحج: ٧٣] وهو أصغر المخلوقات ﴿وَلَوِ اجتمعوا لَهُ. .﴾ [الحج: ٧٣] يعني: تضافرَتْ جهودهم، واجتمع أمرهم جميعاً لا واحداً واحداً، وهذا ترقٍّ في التحدي، حيث زاد في قوة المعاند. كما ترقَّى القرآن في تحدِّي العرب، فتحداهم أولاً بأنْ يأتوا بمثل القرآن، ولأن القرآن كثير تحدّاهم بعشر سور فما استطاعوا، فتحدَّاهم بسورة واحدة فلم يستطيعوا. ثم يترقى في التحدي فيقول: اجمعوا كل فصحائكم وبلغائكم، بل والجن أيضاً يساعدونكم ولن تستطيعوا: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ. .﴾ [الإسراء: ٨٨] . وقوله تعالى: ﴿لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً. .﴾ [الحج: ٧٣] جاءت بنفي المستقبل فلم يقُلْ مثلاً: لم يخلقوا، فالنفي هنا للتأبيد، فهم ما استطاعوا في الماضي، ولن يستطيعوا أيضاً فيما بعد حتى لا يظن أحد أنهم ربما تمكّنوا من ذلك في مستقبل الأيام، ونفي الفعل هكذا على وجه التأبيد؛ لأنك قد تترك الفعل مع قدرتك عليه، إنما حين تتحدَّى به تفعل لتردّ على هذا التحدِّي، فأوضح لهم الحق سبحانه أنهم لم يستطيعوا قبل التحدي، ولن يستطيعوا بعد التحدي. ثم يقول تعالى: ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ. .﴾ [الحج: ٧٣] فقد تقول: إن عملية الخَلْق هذه عملية صعبة لا يُتحدَّى بها، لذلك تحداهم بما هو أسهل من الخَلْق ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ. .﴾ [الحج: ٧٣] وهل يستطيع أحد أن يُعيد ما أخذه الذباب من طعامه على جناحيه أو رجله أو خرطومه؟ وكانوا يذبحون القرابين عند الأصنام، ويضعون أمامها الطعام

стр. 11813

ليباركوه، فكانت الدماء تسيل عندها وتتناثر عليها، فيحطّ عليها الذباب، ويأخذ من هذه الدماء على أَرْجُله النحيفة هذه أو على أجنحته أو على خرطومه، فتحدَّاهم أن يعيدوا من الذباب ما أخذه، وهذه مسألة أسهل من مسألة الخَلْق. ولك أنْ تُجرِّب أنت هذه العملية، إذا وقع ذباب على العسل الذي أمامك، فلا بُدَّ أن يأخذ منه شيئاً ولو كان ضئيلاً لا يُدرَك ولا يُوزَن ولا تكاد تراه، لكن أتستطيع أنْ تُمسِك الذبابة وتردّ ما أخذتْ منك؟ لذلك يقول تعالى بعدها: ﴿ضَعُفَ الطالب والمطلوب﴾ [الحج: ٧٣] يعني: كلاهما ضعيف، فالذباب في ذاته ضعيف وهم كذلك ضعفاء، بدليل أنهم لن يقدروا على هذه المسألة، لكن هناك ضعيف يدَّعي القوة، وضعيف قوته في أنه مُقِرٌّ بضعفه، فالذباب وإنْ كان ضعيفاً إلا أن الله تعالى قال فيه: ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا. .﴾ [البقرة: ٢٦] يعني: ما فوقها في الصِّغر، ليس المراد ما فوقها في الكبر كالعصفور مثلاً. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ. .﴾ .

стр. 11814

يعني: هؤلاء الكفار الذين عبدوا من دون الله آلهة لا تستطيع أن تخلق ذباباً، ولا تستطيع حتى أنْ تردَّ من الذباب ما أخذه، هؤلاء ما عرفوا لله قدره، ولو عرفوا قَدْر الله ما عبدوا غيره. والقَدْر: يعني مقدار الشيء، وقلنا: إن مقادير الأشياء تختلف

стр. 11815

حسب ما تريده من معرفة المقادير، فالطول مثلاً له مقياس يُقَاس به مقدار الطول، لكن هذا المقياس يختلف باختلاف المقيس، فإنْ أردتَ أنْ تقيسَ المسافة بين القاهرة والأسكندرية مثلاً لا تستخدم المللي أو السنتيمتر ولا حتى المتر، إنما تستخدم الكيلومتر، فإنْ أردت شراء قطعة من القماش تقول متر، أما إنْ أردتَ صورة شخصية تقول سنتيمتر. إذن: لكل شيء مقدار يُقدَّر به، ومعيار يُقاس به، فإنْ أردتَ المسافة تقيس الطول، فإنْ أردت المساحة تقيس الطول في العرض، فإنْ أردتَ الحجم تقيس الطول في العرض في الارتفاع، الطول بالمتر والمساحة بالمتر المربع، والحجم بالمتر المكعب. كذلك في الوزن تُقدِّره بالكيلو أو الرطل أو الجرام. . إلخ. وقدر تأتي بمعنى: ضيَّق، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ. .﴾ [الفجر: ١٦] . ويقول الحق : ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ الله. .﴾ [الطلاق: ٧] . والمقدار كما يكون في الماديات يكون أيضاً في المعنويات، فمثلاً تعبر عن الزيادة المادية تقول: فلان كبر يعني شَبَّ وزاد، أما في المعنويات فيقول الحق سبحانه: كَبُر ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ. .﴾ [الكهف: ٥] يعني: عَظُمتْ. والحق ﵎ ليس مادة؛ لأنه سبحانه فوق المادة، فمعنى المقدار في حقه تعالى عظمته في صفات الكمال فيه ﴿مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ. .﴾ [الحج: ٧٤] ما عظّموه حَقَّ التعظيم الذي ينبغي له،

стр. 11816

وما عرفوا قَدْره، ولو عرفوا ما عبدوا غيره، ولا عبدوا أحداً معه من هذه الآلهة التي لا تخلق ذباباً، ولا حتى تسترد ما أخذه منهم الذباب، فكيف يُسَوُّون هؤلاء بالله ويقارنونهم به ؟ إنهم لو عرفوا لله تعالى قَدْره لاستحيوا من ذلك كله. ثم تُذيَّل الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] فما مناسبة هاتين الصفتين للسياق الذي نحن بصدده؟ قالوا: لأن الحق تكلَّم في المثَل السابق عَمَّنْ انصرفوا عن عبادته سبحانه إلى عبادة الأصنام وقال: ﴿ضَعُفَ الطالب والمطلوب﴾ [الحج: ٧٣] فقال في مقابل هذا الضعف إن الله لقويُّ، قوة عن العابد؛ لأنه ليس في حاجة إلى عبادته، وقوة عن المعبود لأنه لو شاء حَطَّمه، وما دُمْتم انصرفتم عن الله وعبدتم غيره، فهذا فيه مُضارَّة، وكأن هناك معركة، فإنْ كان كذلك فالله عزيز لا يغالب. والآية: ﴿مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ. .﴾ [الحج: ٧٤] وردتْ في عدة مواضع في كتاب الله، منها: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ. .﴾ [الأنعام: ٩١] فلم يعرفوا لله تعالى قَدْره لأنهم اتهموه، وله سبحانه كمال العدل، فكيف يُكلف عباده بعبادته، ولا يبلغهم برسول؟ وهو سبحانه القائل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] . فحين يقولون: ﴿مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ. .﴾ [الأنعام: ٩١] كأنهم يصِفُون الحق سبحانه بأنه يُعذِّب الناس دون أنْ يُبلِّغهم بشيء. ويردّ عليهم في هذه المسألة: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَآءَ بِهِ موسى. .﴾ [الأنعام: ٩١] .

стр. 11817

وفي موضع آخر: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ. .﴾ [الزمر: ٦٧] . ونقول: قَدّرَه حَقَّ قدره، وقَدَره قَدْره، كأن الأمور تختلف في تقدير الأشياء، فمثلاً تنظر إلى حجرة فتقول: هذه تقريباً ٥×٤هذا تقدير إجمالي تقريبي، إنما إنْ أخذت المقياس وقدَّرْتَ تقديراً حقيقياً، فقد تزيد أو تنقص، فالأول تقول: قدَّرْت الحجرة قَدْرها. والآخر تقول: قدرت الحجرة حَقَّ قَدرها. وعليه فإنك إنْ أردت أنْ تُقدِّر الله تعالى حَقَّ قَدْره فإنك تقدِّره على قَدْر استيعاب العقل البشري، إنما قَدْره تعالى حقيقة فلا تحيط به؛ لأن كمالاته تعالى لا تتناهى ولا تُدرَك إدراكاً تاماً. ومن ذلك ما سبق أن ذكرناه عن علم اليقين وعين اليقين وحقِّ اليقين. ولما نزل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ. .﴾ [آل عمران: ١٠٢] قال بعض الصحابة: ومَنْ يقدر على ذلك إنها مسألة صعبة أن نتقي الله التقوى الكاملة التي يستحقها ، فأنزل الله تعالى: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم. .﴾ [التغابن: ١٦] ونزلت: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا. .﴾ [البقرة: ٢٨٦] .

стр. 11818

وكان النبي ﷺ َ إذا أثنى على الله تعالى يقول: «سبحانك، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» . لماذا؟ لأنه لا يملك أحد مهما أُوتِي من بلاغة الأسلوب أنْ يُثني على الله الثناء المناسب الذي يليق به سبحانه، ومن رحمة الله تعالى بعباده أن تحمل عنهم هذه المسألة فأثنى الحق سبحانه على نفسه، وعلَّمنا كيف نثني عليه سبحانه، فإذا ما تحدث البليغ وأثنى على الله بفنون القول والثناء، فإن العييَّ الذي لا يجيد الكلام يطمئن حيث يُثِني على ربه بما علمه من الثناء، وما وضعه من صيغ يقولها الفيلسوف، ويقولها راعي الشاة. ولولا أن الله تعالى علَّمنا صيغة الحمد في سورة الفاتحة فقال: ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [الفاتحة: ٢] ما تعلمنا هذه الصيغة، فتعليم الله لعباده صيغة الحمد في ذاتها نعمة تستحق الحمد، والحمد يستحق الحمد، وهكذا في سلسلة لا تنتهي، ليظل الحق ﵎ محموداً دائماً، ويظل العبد حاملاً دائماً. وبعد أن تكلم الحق سبحانه عن مسألة الألوهية وما ينبغي لها من صفات الكمال المطلق، وحذر أنْ نُدخِل عليها ما ليس منها وما لا يستحقها، وهذه قمة العقائد، وبعد أن نؤمن بالإلهيات بهذا الصفاء ونُخلِّص إيماننا من كل ما يشوبه لا بُدَّ من البلاغ عن هذه القوة الإلهية التي آمنا بها، والبلاغ يكون بإرسال الرسل.

стр. 11819

لذلك قال سبحانه: ﴿الله يَصْطَفِي مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس. .﴾ .

стр. 11820

إذن: المرحلة الثانية في الإيمان بعد الإيمان بالقمة الإلهية الإيمان بالرسل ﴿الله يَصْطَفِي مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس. .﴾ [الحج: ٧٥] . والاصطفاء: اختيار نخبة من كثير، واختيار القليل من الكثير دليل على أنها الخلاصة والصفوة، كما يختلف الاصطفاء باختلاف المصطفي، فإنْ كان المصطفِي هو الله تعالى فلا بُدَّ أنْ يختار خلاصة الخلاصة. والاصطفاء سائر في الكون كله، يصطفي من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسلاً، ويصطفي من الزمان، ويصطفي من المكان، كما اصطفى رمضان من الزمان، والكعبة من المكان. ولم يجعل الحق سبحانه الاصطفاء لتدليل المصطفى على غيره، إنما ليُشيع اصطفاءَه على خَلْق الله، فما اصطفى رمضان على سائر الزمن - لا ليدلل رمضان - إنما لتأخذ منه شحنة تُقوِّي روحك، وتُصفِّيها بقية الأيام، لتستفيد من صالح عملك فيها. وقد يتكرر الاصطفاء مع اختلاف متعلق الاصطفاء؛ لذلك وقف المستشرقون عند قول الله تعالى: ﴿يامريم إِنَّ الله اصطفاك وَطَهَّرَكِ واصطفاك على نِسَآءِ العالمين﴾ [آل عمران: ٤٢] . يقولون: ما فائدة تكرار الاصطفاء هنا؟ ولو تأملنا الآية لوجدنا فَرْقاً بين الاصطفاء الأول والآخر: الاصطفاء الأول اصطفاء؛ لأنْ

стр. 11821

تكوني عابدة تقية متبتلة منقطعة في محرابك لله، أما الاصطفاء الآخر فاصطفاء على نساء العالمين جميعاً، بأن تكوني أماً لمولود بلا أب، فمُتعلِّق الاصطفاء - إذن - مختلف. وتنقسم الملائكة في مسألة الاصطفاء إلى ملائكة مُصْطفاة، وملائكة مُصْطَفًى منها. وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً. .﴾ [فاطر: ١] يعني: كلهم لهم رسالة مع عوالم أخرى غيرنا. أما في الآية التي معنا، فالكلام عن الملائكة الذين لهم صلة بالإنسان أمثال جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، والحفظة الكاتبين والمكلفين بحفظ الإنسان، فالله تعالى يصطفي هؤلاء، أما الباقون منهم فالله مصطفيهم لعبادته فهم مُهيِّمون لا يدرون عن هذا الخلق شيئاً، وهم الملائكة العالون الذين قال الله عنهم في الحديث عن إبليس: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين﴾ [ص: ٧٥] يعني: الذين لم يشملهم الأمر بالسجود؛ لأن لهم مهمة أخرى. ثم يقول تعالى: ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] السمع يتعلق بالأصوات، والبصر يتعلق بالأفعال، وهما كما قلنا عُمْدة الحواسِّ كلها، والحق سبحانه في قوله: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] يُبيّن لنا أن رسله سيُوَاجَهُون بأقوال تؤذيهم واستهزاء، وسيُقَابلون بأفعال تعرقل مسيرة دعوتهم، فليكُنْ هذا معلوماً حتى لا يفُتّ في عَضُدهم، وأنا معهم سميع لما يُقال، بَصير بما يفعل، فهُمْ تحت سمعي وبصري وكلاءتي.

стр. 11822

﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحج: ٧٦] ما أمامهم، ويعلم أيضاً ما خلفهم، فليعمل الإنسان ما يشاء، فعِلْم الله محيط به. ﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ [الحج: ٧٦] فالمرجع في النهاية إليه سبحانه، فالحق ﵎ لم يخلق خَلْقه ليتركهم هَمَلاً، إنما خلقهم لحكمة، وجعل لهم نهاية يُجازَي فيها كُلٌّ بعمله، فمَن تعب ونصب في سبيل دعوة الله وتحمّل المشاقّ في مساندة رسل الله فله جزاؤه، ومَنْ جابههم وعاندهم سواء بالأقوال السَّابّة الشاتمة المستهزئة، أو بالأفعال التي تعوق دعوتهم، فله أيضاً ما يستحق من العقاب. وبعد أن حدَّثنا ربنا عن الإلهيات وعن الرسل التي تُبلِّغ عنه سبحانه، يُحدثنا عن المنهج الذي سيأتون به لينظم حركة حياتنا، هذا المنهج موجز في افعل كذا، ولا تفعل كذا، وهو لا يشمل في أوامره ونواهيه كل حركات الحياة. فالأوامر والنواهي محصورة في عِدَّة أمور، والباقي مباح؛ لأن الله تعالى وضع الأوامر والنواهي في الأصول التي تعصم حركة الحياة من الأهواء والنزوات، وترك الباقي لاختيارك تفعله على أيِّ وجه تريد. لذلك نرى العلماء يجتهدون ويختلفون في مثل هذه الأمور التي تركها الله لنا، ولو أراد سبحانه لأنزل فيها حكماً محكماً، لا يختلف عليه أحد. ولك أن تقول: ولماذا ترك الحق سبحانه هذه الأمور تتضارب فيها الأقوال، وتختلف فيها الآراء، وتحدث فيها نزاعات بين الناس؟ قالوا: هذا مراد الله؛ لأن الله تعالى خلق الإنسان مُسخَّراً في أشياء، ومختاراً في أشياء أخرى، فللناس أن يتركوا المجتهد يجتهد

стр. 11823

ما وسعه الاجتهاد، ثم يحكمون على ما وصل إليه أنه حق، وآخر يجتهد ويقررون أنه باطل؛ لأن الله لو أراده على لون واحد لقاله، إنما تركه محتملاً للآراء. إذن: أراد سبحانه أن تكون هذه الآراء لأن الإنسان كما هو محكوم بقهر في كثير من الكونيات وله اختيار في بعض الأمور، كذلك الحال في التكليف، فهو مقهور في الأصول التي لو حاد عنها يفسد العالم، ومختار في أمور أخرى يصحّ فِعْلها ويصحّ تَرْكها. يقول تعالى في هذا المنهج: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اركعوا واسجدوا وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ. .﴾ .

стр. 11824

النداء في ضَرْب المثل السابق كان للناس كافَّة؛ لأنه يريد أنْ يَلفِت عُبَّاد الأصنام إلى هذا المثَل، ويُسْمعهم إياه، أمَّا هنا فالكلام عن منهج ودستور مُوجَّه، خاصّة إلى الذين آمنوا، لأنه لا يُكلَّف بالحكم إلا مَنْ آمن به، أما مَنْ كفر فليس أَهْلاً لحمل هذه الأمانة؛ لذلك تركه ولم ينظم له حركة حياته. وكما قلنا في رجل المرور أنه يساعد مَن استعان به ووثق فيه، فيدلّه ويرشده، أما مَنْ شكَّ في كلامه وقلّلَ من شأنه يتركه يضل في مفترق الطرق. فإذا ناداك ربك بما يكلفك به، فاعلم أن الجهة مُنفكّة، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ. .﴾ [النساء: ١٣٦] . وقد اعترض على أسلوب القرآن في هذه الآية بعض الذين

стр. 11825

يأخذون الآيات على ظاهرها، يقولون: كيف يخاطبهم بيا أيها الذين آمنوا ثم يقول: آمِنوا، كيف وهم يؤمنون بالفعل؟ قالوا: المراد يا أيها الذين آمنوا قبل سماع الحكم الجديد ظَلُّوا على إيمانكم في الحكم الجديد، واستمِرّوا على إيمانكم؛ لذلك إذا طلبتَ شيئاً ممَّنْ هو موصوف به فاعلم أن المراد الدوام عليه. كما أن هناك فَرْقاً بين الإيمان بالحكم وبين تنفيذ الحكم، فقد تؤمن بالحكم أنه من الله ولا تشكّ فيه ولا تعترض عليه، لكنك لا تنفذه وتعصاه، فمثلاً في الحج يقول تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت. .﴾ [آل عمران: ٩٧] الذي لله تعالى على عباده أنْ يحجوا البيت ﴿مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً. .﴾ [آل عمران: ٩٧] وهذا شرط ضروري، فلا تكليفَ بلا استطاعة، ثم يقول: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ [آل عمران: ٩٧] . فهل يعني هذا أن مَنْ لم يحج فهو كافر؟ قالوا: لا، لأن المراد: لله على الناس حكم يعتقده المؤمن، بأن لله على الناس حج البيت، فمن اعتقد هذا الاعتقاد فهو مؤمن، أما كونه ينفذه أو لا ينفذه هذه مسألة أخرى. ثم يبدأ أول ما يبدأ في التكليف بمسألة الصلاة: ﴿اركعوا واسجدوا وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ. .﴾ [الحج: ٧٧] لقد جاء الرسل من عند الله بتكاليف كثيرة، لكن خَصَّ هنا الصلاة لأنها التكليف الذي يتكرر كل يوم خمس مرات، أما بقية التكاليف فهي موسمية: فالصوم شهر في العام كله، والحج مرة في العمر كله لمن استطاع، والزكاة عند خروج المحصول لمن يملك النصاب أو عند حلول الحَوْل. إذن: تختلف فريضة الصلاة عن باقي الفرائض؛ لذلك خَصَّها

стр. 11826

رسول الله ﷺ َ في قوله: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمَنْ تركها فقد كفر» . ويقول: «الصلاة عماد الدين» . وخصَّها الحق ﵎ بظرف تشريعي خاص، حيث فُرِضت الصلاة بالمباشرة، وفُرِضت باقي الفرائض بالوحي. وضربنا لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى - قلنا: إن رئيس العمل يمكن أن يرسل لك ورقة يقول: افعل كذا وكذا، فإنْ كان أمراً هاماً اتصل بك تليفونياً، وأخبرك بما يريد لأهميته، فإنْ كان الأمر أهم من ذلك وجاء من جهة أعلى يقول لك: تعال عندي لأمر هام، ويُكلِّفك به مباشرة، وكذلك على حسب الأهمية يوجد ظرف التشريع. فالصلاة لم تأت بالوحي كباقي الفرائض، إنما جاءت مباشرة من المُوحِي ؛ لأنها ستكون صلة بين العبد وربه، فشاء أن يُنزّهَها حتى من هذه الواسطة، ثم ميَّزها على غيرها من التكاليف، فجعلها الفريضة التي لا تسقط عن المسلم بحال أبداً. فقد تكون فقيراً فلا تلزمك الزكاة، وغير مستطيع فلا يلزمك حج، ومريض أو مسافر فلا يلزمك صوم. أما الصلاة فلا يُسقِطها عنك شيء من هذا كله، فإنْ كنت غير قادر على القيام فلك أنْ تُصلِّي قاعداً أو مضطجعاً أو راقداً، تشير

стр. 11827

بطرفك لركوعك وسجودك، ولو حتى تجري أفعال الصلاة على قلبك، المهم أن تظلّ ذاكراً لربك متصلاً به، لا يمر عليك وقت إلا وهو سبحانه في بالك. وقلنا: إن ذكر الله في الأذان والإقامة والصلاة ذِكْر دائم في كل الوقت لا ينقطع أبداً، فحين تصلي أنت الصبح مثلاً غيرك يصلي الظهر، وحين تركع غيرك يسجد، وحين تقول: بسم الله الرحمن الرحيم. غيرك يقول: الحمد لله رب العالمين. . الخ. فهي عبادة متداخلة دائمة لا تنقطع أبداً؛ لذلك يقول أحد أهل المعرفة مخاطباً الزمن: يا زمن فيك كل الزمن. يعني: في كل جزئية من الزمن الزمن كله، كأنه قال: يا ظُهْر، وفيك العصر، وفيك المغرب، وفيك العشاء، وهكذا العالم كله يدور بعبادة لله لا تنتهي. وذكر من الصلاة الركوع والسجود؛ لأنهما أظهر أعمال الصلاة، لكن الركوع والسجود حركات يؤديها المؤمن المخلص، ويؤديها المنافق، وقد كان المنافقون أسبق الناس إلى الصفوف الأولى؛ لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يُميِّز هذا من هذا، فقال: ﴿وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ. .﴾ [الحج: ٧٧] . فليست العبرة في حركات الركوع والسجود، إنما العبرة في التوجّه بها إلى الله، وإخلاص النية فيها لله، وإلا أصبحت الصلاة مجرد حركات لا تعدو أن تكون تمارين رياضية كما يحلو للبعض أن يقول: الصلاة فيها تمارين رياضية تُحرِّك كل أجزاء الجسم، نعم هي كما تقولون رياضة، لكنها ليست عبادة، العبادة أن تؤديها لأن الله تعالى أمرك بها. ثم يقول تعالى: ﴿وافعلوا الخير لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] .

стр. 11828

والخير كلمة عامة تشمل كل أوامر التكليف، لكن جاءت مع الصلاة على سبيل الإجمال، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالخير - إذن - كلمة جامعة لكل ما تؤديه وظائف المناهج من خير المجتمع؛ لأن المنهج ما جاء إلا لينظم حركة الحياة تنظيماً يتعاون ويتساند لا يتعاند، فإنْ جاء الأمر على هذه الصورة سَعِد المجتمع بأَسْره. ولا تنْسَ أن المنهج حين يُضيِّق عليك ويُقيِّد حركتك يفعل ذلك لصالحك أنت، وأنت المستفيد من تقييد الحركة؛ لأن ربك قيّد حركتك وضيَّق عليك حتى تُلحِق الشر بالآخرين، وفي الوقت نفسه ضيّق على الآخرين جميعاً أن يتحركوا بالشر ناحيتك، وأنت واحد وهم كثير، فمن أجل تقييد حركتك قيّد لك حركة الناس جميعاً، فمَنِ الكاسب في هذه المسألة. الشرع قال لك: لا تسرق وأنت واحد وقال للناس جميعاً: لا تسرقوا منه، وقال لك: غُضّ بصرك عن محارم الغير وأنت واحد. وقال لكل غير: غُضُّوا أبصاركم عن محارم فلان، فكل تكليف من الله للخَلْق يعود عليك. فالمعنى: ﴿وافعلوا الخير﴾ [الحج: ٧٧] أي: الذي لا يأتي منه فساد أبداً، وما دامت الحركات صادرة عن مراد لهوى واحد فإنها تتساند وتتعاون، فإنْ كان لك هوى ولغيرك هوى تصادمتْ الأهواء وتعاندت، والخير: كل ما تأمر به التكاليف المنهجية الشرعية من الحق ﵎. ثم يقول سبحانه: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] لكن، أين سيكون هذا الفَلاَح: في الدنيا أم في الآخرة؟ الفلاَح يكون في الدنيا لمن قام بشرع الله والتزم منهجه وفعل

стр. 11829

الخير، فالفَلاح ثمرة طبيعية لمنهج الله في أيِّ مجتمع يتحرك أفرادُه في اتجاه الخير لهم وللغير، مجتمع يعمل بقول رسول الله ﷺ َ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وعندها لن ترى في المجتمع تزاحماً ولا تنافراً ولا ظلماً ولا رشوة. . الخ هذا الفلاح في الدنيا، ثم يأتي زيادة على فلاح الدنيا فلاح الآخرة. إذن: لا تظنوا التكاليف الشرعية عِبْئاً عليكم؛ لأنها في صالحكم في الدنيا، وبها فلاح دنياكم، ثم يكون ثوابها في الآخرة مَحْض الفضل من الله. وقد نبهنا النبي ﷺ َ إلى هذه المسألة فقال: «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أنْ يتغمّدني الله برحمته» ذلك لأن الإنسان يفعل الخير في الدنيا لصالحه وصالح دنياه التي يعيشها، ثم ينال الثواب عليها في الآخرة من فضل الله كما قال تعالى: ﴿وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ. .﴾ [النساء: ١٧٣] . وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] نعرف أن لعل أداة للترجي، وهو درجات بعضها أرْجى من بعض، فمثلاً حين تقول: لعل فلاناً يعطيك، فأنت ترجو غيرك ولا تضمن عطاءه، فإنْ قلت: لعلِّي أعطيك. فالرجاء - إذن - في يدك، فهذه أرجى من سابقتها، لكن ما زلنا أنا وأنت متساويين، وربما أعطيك أولاً، إنما حين تقول: لعل الله يعطيك فقد رجوْتَ الله، فهذه أرجى من سابقتها، فإذا قال الله تعالى بذاته: لعلي أعطيك فهذا أقوى درجات الرجاء وآكدها؛ لأن الوعد من الله والرجاء فيه سبحانه لا يخيب.

стр. 11830

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجتباكم وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ. .﴾ .

стр. 11831

معنى ﴿حَقَّ جِهَادِهِ. .﴾ [الحج: ٧٨] كالذي قلناه في ﴿مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج: ٧٤] لأن الجهاد أيضاً يحتاج إلى إخلاص، وأنْ تجعل الله في بالك، فربما خرجتَ لمجرد أن تدفع اللوم عن نفسك وحملتَ السلاح فعلاً ودخلت المعركة، لكن ما في بالك أنها لله وما في بالك إعلاء كلمة الله، كالذي يقاتل للشهرة وليرى الناس مكانته، أو يقاتل طمعاً في الغنائم، أو لأنه مغتاظ من العدو وبينه وبينه ثأر، ويريد أن ينتقم منه، هذه وغيرها أمور تُخرِج القتال عن هدفه وتُفرغه من محتواه. لذلك لما سئل رسول الله ﷺ َ: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمَنْ في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ َ: «مَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» «وهذا هو حق الجهاد، وأنت فيه حكَم على نفسك، لأن ميزان ذلك في يدك.

стр. 11832

وقد تسأل: ولماذا الجهاد؟ قالوا: لأنك إذا انتفعتَ بالمنهج تطبيقاً له بعد التحقيق الذي أتى به الرسل تنفع نفسك، لكن ربك يريد أنْ يُشيع النفع لمن معك أيضاً، وهذا لا يتأتّى إلا بالجهاد بالنفس أو المال أو أي شيء محبوب، وإلا فكيف ستربح الصفقة التي قال الله تعالى عنها: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة. .﴾ [التوبة: ١١١] . وكما أن للجنود في ساحة القتال مهمة، كذلك لمن قعد ولم يخرج مهمة: الجندي حين يقتحم الأهوال والمخاطر ويُعرِّض نفسه للموت، فهذا يعني أنه دخل المعركة وما عرَّض نفسه للموت، فهذا يعني أنه ما دخل المعركة وما عرَّض نفسه للقتل إلا وهو واثق تمام الثقة، أن ما يذهب إليه بالقتل خير مما يناله بالجُبْن، وهذا يشجع الآخرين ويحثّهم على القتال. لذلك، في غزوة بدر لما سمع الصحابي كلام رسول الله ﷺ َ عن أجر الشهيد وكان في فمه تمرة يمصُّها، فقال: يا رسول الله، أليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أُقتل في سبيل الله؟ قال: نعم، فألقى التمرة من فيه وخرج لتوِّه إلى الجهاد لأنه واثق تمام الثقة أن ما سيذهب إليه بالشهادة خير مما ترك. أما الذين بَقَوْا ولم يخرجوا، فمهمتهم أن يحملوا المنهج، وأنْ يحققوه، وإلا لو خرج الجميع إلى القتال واستشهدوا جميعاً، فمَنْ يحمل منهج الله وينشره؟

стр. 11833

وجاءءت كلمة الجهاد عامة لتشمل كل أنواع الجهاد، فإذا ما أثمر الجهاد ثمرته وتعلبنا على الكفر فلم يَعُدْ هناك كفار، أو خَلَّوْا طريق دعوتنا وتركونا، وأحبوا أنْ يعيشوا في بلادنا أهل ذمة، فلا داعي - إذن - للقتال، ويتحول الجهاد إلى ميدان آخر هو جهاد النفس. لذلك قال تعالى بعدها: ﴿هُوَ اجتباكم. .﴾ [الحج: ٧٨] يعني: اختاركم واصطفاكم لتكونوا خير أمة أُخرجت للناس، وثمن هذا الاجتباء أن نكون أهلاً له، وعلى مستوى مسئوليته، وأنْ نحقق ما أراده الله منّا. كما ننصح جماعة من أهل الدعوة الذين حملوا رايتها، نقول لهم: لقد اختاركم الله، فكونوا أَهْلاً لهذا الاختيار، واجعلوا كلامه تعالى في محلّه. ثم يقول سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ. .﴾ [الحج: ٧٨] يعني: ما اجتباكم ليُعنتكم، أو ليُضيِّق عليكم، أو ليُعسِّر عليكم الأمور، إنما جعَل الأمر كله يُسْر، وشرعه على قَدْر الاستطاعة، ورخَّص لكم ما يُخفِّف عنكم، ويُذهِب عنكم الحرج والضيق، فمَنْ لم يستطع القيام صلى قاعداً، ومَنْ كان مريضاً أفطر، والفقير لا زكاة عليه ولا حج. . الخ. كما قال سبحانه في موضع آخر: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لأَعْنَتَكُمْ. .﴾ [البقرة: ٢٢٠] لكنه سبحانه ما أعنتكم ولا ضَيَّق عليكم، وما كلَّفكم إلا ما تستطيعون القيام به. وقوله تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] كلمة (ملة) جاءت هكذا بالنصب، لأنها مفعول به لفعل تقديره: (الزموا) مِلة أبيكم إبراهيم؛ لأنكم دعوته حين قال: ﴿رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ. .﴾ [البقرة: ١٢٨]

стр. 11834

ومن دعوة إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ. .﴾ [البقرة: ١٢٩] لذلك كان النبي ﷺ َ يقول: «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبُشْرى عيسى» . يعني: من ذريته وذرية ولده إسماعيل ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا. .﴾ [البقرة: ١٢٨] أعطنا التكاليف، وكأنه مُتشوِّق إلى تكاليف الله، وهل يشتاق الإنسان للتكليف إنْ كان فيه ضيق أو مشقة؟ وكذلك كان صحابة النبي ﷺ َ يعشقون تكاليف الإسلام، ويسألون عنها رسول الله رغم قوله لهم: «ذروني ما تركتكم» إلا أنهم كانوا يسألون عن أمور الدين ليبنوا حياتهم الجديدة، لا على ما كانت الجاهلية تفعله، بل على ما أمر به الإسلام. ولنا مَلْحظ في قوله تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ. .﴾ [الحج: ٧٨] . نقول: الإسلام انقياد عَقَديٌّ للجميع، وفي أمة الإسلام مَنْ ليس من ذرية إبراهيم، لكن إبراهيم ﵇ أبٌ لرسول الله محمد ﷺ َ، والرسول أب لكل مَنْ آمن به؛ لأن أبوة الرسول أبوة عمل واتباع، كما جاء في قول الله تعالى في قصة نوح عن ابنه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ. .﴾ [هود: ٤٦] .

стр. 11835

ولما كان النبي ﷺ َ أباً لكل مَنْ آمن به سَمَّى الله زوجاته أمهات للمؤمنين، فقال سبحانه: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ. .﴾ [الأحزاب: ٦] . وما دامت الأزواج أمهات، فالزوج أب، وبناءً على هذه الصلة يكون إبراهيم ﵇ أباً لأمة الإسلام، وإنْ كان فيهم مَنْ ليس من سلالته. ونجد البعض ممَّنْ يحبون الاعتراض على كلام الله يقولون في مسألة أبوة الرسول لأمته: لكن القرآن قال غير ذلك، قال في قصة زيد بن حارثة: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ٤٠] فنفى أن يكون محمد أباً لأحد، وفي هذا ما يناقض كلامكم. نقول: لو فهمتم عن الله ما اعترضتُم على كلامه، فالله يقول: ما كان محمد أباً لأحدكم، بل هو أب للجميع، فالمنفيّ أن يكون رسول الله أباً لواحد، لا أن يكون أباً لجميع أمته. وقال بعدها: ﴿ولكن رَّسُولَ الله. .﴾ [الأحزاب: ٤٠] وما دام رسول الله، فهو أب للكل. ثم يقول تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ. .﴾ [الحج: ٧٨] يعني: إبراهيم ﵇ سماكم المسلمين، فكأن هذه مسألة واضحة وأمْر معروف أنكم مسلمون منذ إبراهيم ﵇: ﴿وَفِي هذا لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس. .﴾ [الحج: ٧٨] . وفي موضع آخر يحدث تقديم وتأخير، فيقول سبحانه: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣] .
следующие страницы →