Полный текст (14 757 стр.). Показаны 12321–12360 · переход к 12326.
стр. 12321
القَسَم: هو اليمين والحَلِف، والإنسان يُقسم ليؤكد المقسَم عليه يريد أن يطمئن المخاطب على أن المقسَم عليه حَقٌّ، وهؤلاء لم يقسموا بالله سِراً في أنفسهم، إنما ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [النور: ٥٣] يعني: بَالَغوا وأتَوْا بمنتهى الجهد في القسم، فلم يقل أحدهم: وحياة أمي أو أبي، إنما أقسموا بالله، وليس هناك قَسَم أبلغ من هذا القسم، لذلك يقول النبي ﷺ َ: «مَنْ كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليصمت» .
стр. 12322
فلما أقسموا بالله للرسول أنْ يخرجوا من بيوتهم وأولادهم وأموالهم إلى الجهاد مع رسول الله فضح الله سرائرهم، وكشف سترهم، وأبان عن زيف نواياهم، كما قال في آية أخرى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الذي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١] .
وتأمل دقَّة الأداء القرآني في: ﴿بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: ٨١] وهذا احتياط؛ لأن منهم أُنَاساً يراود الإيمان قلوبهم ويفكرون في أنْ يُخلِصوا إيمانهم ونواياهم لله تعالى، ويعودوا إلى الإسلام الصحيح.
والقرآن يفضح أمر هؤلاء الذي يُقسِمون عن غير صِدْق في القَسَم، كمن تعوَّد كثرة الحَلِف والحِنْث فيه؛ لذلك ينهاهم عن هذا الحَلِف: ﴿قُل لاَّ تُقْسِمُواْ﴾ [النور: ٥٣] ولا يمكن أن ينهي المتكلمُ المخاطبَ عن القسم خصوصاً إذا أقسم على خير، لكن هؤلاء حانثون في قَسَمهم، فهو كعدمه، فهم يُقسِمون باللسان، ويخالفون بالوجدان.
وقوله تعالى: ﴿طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ﴾ [النور: ٥٣] . يُشعِر بتوبيخهم، كأنه يقول لهم: طاعتكم معروفة لدينا ولها سوابق واضحة، فهي طاعة باللسان فحسب، ثم يؤكد هذا المعنى فيقول: ﴿إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٥٣] والذي يؤكد هذه الخبرة أنه يفضح قلوبهم ويفضح نواياهم.
والعجيب أنهم لا يعتبرون بالأحداث السابقة، ولا يتعظون بها، وقد سبق لهم أنه كان يجلس أحدهم يُحدِّث نفسه الحديث فيفضح الله ما في نفسه ويخبر به رسول الله، فيبلغهم بما يدور في نفوسهم، كما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] .
стр. 12323
ومع ذلك لم يعتبروا ولم يعترفوا لرسول الله بأنه مُؤيَّد من الله، وأنه تعالى لن يتخلى عن رسوله، ولن يدعه لهم يخادعونه ويغشُّونه، وهذه سوابق تكررتْ منهم مرات عِدّة، ومع ذلك لم ينتهوا عما هم فيه من النفاق، ولم يُخلِصوا الإيمان لله.
وبعد هذا كله يوصي الحق ﵎ نبيه ﷺ َ أن يُبقِي عليهم، وألاَّ يرمي (طوبتهم) لعل وعسى، فيقول : ﴿قُلْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول﴾
стр. 12324
وكأنه تعالى لا يريد أنْ يُغلق الباب دونهم، فيعطيهم الفرصة: جَدِّدوا طاعة لله، وجَدِّدوا طاعة لرسوله، واستدركوا الأمر؛ ذلك لأنهم عباده وخَلْقه.
وكما ورد في الحديث الشريف: «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم وقع على بعيره وقد أضله في فلاة» .
ونلحظ في هذه الآية تكرار الأمر أطيعوا ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول﴾ [النور: ٥٤] وفي آيات أخرى يأتي الأمر مرة واحدة، كما في الآية السابقة: ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ﴾ [النور: ٥٢] ، وفي ﴿أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ٢٠] وفي ﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [النساء: ٨٠] أي: أن طاعتهما واحدة.
стр. 12325
قالوا: لأن القرآن ليس كتابَ أحكام فحسب كالكتب السابقة، إنما هو كتاب إعجاز، والأصل فيه أنه مُعْجز، ومع ذلك أدخل فيه بعض الأصول والأحكام، وترك البعض الآخر لبيان الرسول وتوضيحه في الحديث الشريف، وجعل له ﷺ َ حقاً في التشريع بنصِّ القرآن: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] .
والقرآن حين يُورد الأحكام يوردها إجمالاً ثم يُفصِّلها رسول الله ﷺ َ، فالصلاة مثلاً أمر بها الحق ﵎ وفرضها، لكن تفصيلها جاء في السنة النوبية المطهرة، فإنْ أردتَ التفصيل فانظر في السنة.
كالذي يقول: إذا غاب الموظف عن عمله خمسة عشر يوماً يُفصَل، مع أن الدستور لم ينص على هذا، نقول: لكن في الدستور مادة خاصة بالموظفين تنظم مثل هذه الأمور، وتضع لهم اللوائح المنظِّمة للعمل.
وذكرنا أن الشيخ محمد عبده سأله بعض المستشرقين: تقولون في القرآن: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فهات لي من القرآن: كم رغيفاً في إردب القمح؟ فما كان من الشيخ إلا أن أرسل لأحد الخبازين وسأله هذا السؤال فأجابه: في الإردب كذا رغيف. فاعترض السائل: أريد من القرآن.
فردَّ الشيخ: هذا من القرآن؛ لأنه يقول: ﴿فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] .
فالأمر الذي يصدر فيه حكم من الله وحكم من رسول الله، كالصلاة مثلاً: ﴿إِنَّ الصلاة كَانَتْ عَلَى المؤمنين كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ [النساء: ١٠٣] .
стр. 12326
وفي الحديث: «الصلاة عماد الدين» .
ففي مثل هذه المسألة نقول: أطيعوا الله والرسول؛ لأنهما متواردان على أمر واحد، فجاء الأمر بالطاعة واحداً.
أما في مسائل عدد الركعات وما يُقَال في كل ركعة وكوْنها سِراً أو جهراً، كلها مسائل بيَّنها رسول الله. إذن: فهناك طاعة لله في إجمال التشريع أن الصلاة مفروضة، وهناك طاعة خاصة بالرسول في تفصيل هذا التشريع، لذلك يأتي الأمر مرتين ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول﴾ [النور: ٥٤] .
كما نلحظ في القرآن: ﴿وَأَطِيعُواْ الرسول﴾ [النور: ٥٦] هكذا فحسب.
قالوا: هذه في المسائل التي لم يَرِدْ فيها تشريع ونَصٌّ، فالرسول في هذه الحالة هو المشرِّع، وهذه من مميزات النبي ﷺ َ عن جميع الرسل، فقد جاءوا جميعاً لاستقبال التشريع وتبليغه للناس، وكان ﷺ َ هو الوحيد الذي فُوِّض من الله في التشريع.
ثم يقول تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤] لأنه تعالى أعلم بحِرْص النبي على هداية القوم، وكيف أنه يجهد نفسه في دعوتهم، كما خاطبه في موضع آخر: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] وكأن الحق ﵎ يقول لنبيه: قُلْ لهم وادْعُهم مرة ثانية لتريح نفسك ﴿قُلْ
стр. 12327
أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول﴾ [النور: ٥٤] وإنْ كنت غير مكلَّف بالتكرار، فما عليك إلا البلاغ مرة واحدة.
ومعنى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤] أي: من الله تعالى، فالرسول حُمِّل الدعوة والبلاغ، وأنتم حُمِّلْتم الطاعة والأداء، فعليكم أن تُؤدُّوا ما كلَّفكم الله به.
﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ [النور: ٥٤] نلحظ أن المفعول في ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ﴾ [النور: ٥٤] مفرد، فلم يقل: تطيعوهما، لتناسب صدر الآية ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول﴾ [النور: ٥٤] ذلك لأن الطاعة هنا غير منقسمة، بل هي طاعة واحدة.
وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الرسول﴾ [النور: ٥٤] تكليفاً من الله ﴿إِلاَّ البلاغ المبين﴾ [النور: ٥٤] المحيط بكل تفصيلات المنهج التشريعي لتنظيم حركة الحياة.
ثم يقول الحق سبحانه:
стр. 12328
﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾
стр. 12329
في أول الحديث عن سورة النور قلنا: إنها سُمِّيَتْ بالنور؛ لأنها تبين للناس النور الحسيّ في الكون، وتقيس عليه النور المعنوي في القيم، وما دُمْنا نطفىء أنوارنا الحسية حين يظهر نور الله في الشمس، يجب كذلك أن نطفىء أنوارنا المعنوية حين يأتينا شرع من الله.
فليس لأحد رَأْيٌ مع شرع الله؛ ذلك لأن الخالق يريد لخليفته في الأرض أن يكون في نور حِسِّيٍّ ومعنوي، ثم ضمن له مقومات بقاء حياته بالطعام والشراب شريطةَ أنْ يكون من حلال حتى تبنى خلاياه وتتكون من الحلال فيَسلم له جهاز الاستقبال عن الله وجهاز الإرسال إنْ أراد الدعاء.
وفي الحديث الشريف: «أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذِّي
стр. 12330
بالحرام فأنَّى يُستجاب لذلك؟» .
فهذه أجهزة مُعطَّلة خَرِبة أشبه ما تكون بالراديو الذي لا يحسن استقبال ما تذيعه محطات الإذاعة، فالإرسال قائم يستقبله غيره، أما هو فجهاز استقباله غير سليم.
فإذا ضمنتَ سلامة تكوينك بلقمة الحلال ضمن الله لك إجابة الدعاء، وفي الحديث يقول النبي ﷺ َ لسعد بن أبي وقاص ﵁: «أطِبْ مَطْعمك تكُنْ مُسْتجاب الدعوة» .
ثم ضمن الله للإنسان مُقوِّمات بقاء نوعه بالزواج لاستمرار الذرية لتستمر الخلافة في الأرض طاهرة نظيفة، ثم تحدثتْ السورة مُحذِّرة إياكم أنْ تجترئوا على أعراض الناس، أو ترْمُوا المحصنات، أو تدخلوا البيوت دون استئذان، حتى لاتطّلعوا على عورات الناس. . إلخ.
فالحق يريد سلامة المجتمع وسلامة الخلافة في الأرض، وكل هذه الأحكام والمعاني تصبُّ في هذه الآية:
﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض﴾ [النور: ٥٥] . فمَنْ فعل ذلك كان أَهْلاً للخلافة عن الله، إنها معركة ابتلاءات وتمحيص تُبيِّن الغَثَّ من السَّمين، أَلاَ ترى المسلمين
стр. 12331
الأوائل كيف كانوا يُعذَّبون ويُضطهدون، ولا يجرؤ أحد على حمايتهم حتى اضطروا للهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وقد قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] .
وهؤلاء الصحابة هم الذي حملوا للدنيا مشاعلَ الهداية، وساحوا بدعوة الله في أنحاء الأرض، فلا بُدَّ أن يُربوا هذه التربية القاسية، وأن يُمتحنوا كل هذا الامتحان، وهم يعلمون جيداً ثمن هذه التضحية وينتظرون ثوابها من الله، فأهل الحق يدفعون الثمن أولاً، أما أهل المبادىء الباطلة فيقبضون الثمن أولاً قبل أنْ يتحركوا في اتجاه مبادئهم.
وهذا الابتلاء الذي عاشه المسلمون الأوائل هو من تنقية الخليفة ليكون أَهْلاً لها.
لذلك قال سبحانه: ﴿وَعَدَ الله﴾ [النور: ٥٥] والوَعْد: بشارة بخير لم يَأْتِ زمنُه بعد، حتى يستعد الناس بالوسيلة له، وضِدّه الوعيد أو الإنذار بشرٍّ لم يأتِ زمنه بعد، لتكون هناك فرصة للاحتياط وتلافي الوقوع في أسبابه.
وما دام الوعد من الله تعالى فهو صِدْق، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله﴾ [التوبة: ١١١] .
والذي يفسد على الناس وعودهم، ويجرُّ عليهم عدم الوفاء أن الإنسان مُتغِّير بطَبْعه مُتقلِّب، فقد يَعِد إنساناً بخير ثم يتغير قلبه عليه فلا يفي له بما وعد، وقد يأتي زمن الوفاء فلا يقدر عليه، أمّا الحق ﵎ فلا يتغير أبداً، وهو سبحانه قادر على الوفاء بما وعد به، فليست هناك قوة أخرى تمنعه، فهو سبحانه واحد لا إله غيره؛ لذلك فوَعْده تعالى ناجز.
стр. 12332
﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ [النور: ٥٥] قلنا: إن الإيمان الذي يقوم على صفاء الينبوع والعقيدة ليس مطلوباً لذاته، إنما لا بُدَّ أن تكون له ثمرة، وأن يُرى أثره طاعة وتنفيذاً لأوامر الله، فطالما آمنتَ بالله فنفَّذ ما يأمرك به، وهناك من الناس مَنْ يفعل الخير، لكن ليس من منطلق إيماني مثل المنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿قَالَتِ الأعراب آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤] فَردَّ الله عليهم: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] يعني: خضعنا للأوامر، لكن عن غير إيمان، إذن: فقيمة الإيمان أن تُنفِّذ مطلوبه.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ [العصر: ١٣] .
فبماذا وعد الله الذين آمنوا؟ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض﴾ [النور: ٥٥] وهذه ليست جديدة، فقد سبقهم أسلافهم الأوائل ﴿كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] ، فاستخلاف الذين آمنوا ليس بدْعاً، إنما هو أمر مُشاهد في مواكب الرسل والنبوة ومُشَاهد في المسلمين الأوائل من الصحابة الذين أُذوا وعُذِّبوا واضطهدوا وأُخْرِجوا من ديارهم وأولادهم وأموالهم ولم يُؤمَروا بردِّ العدوان.
حتى إن رسول الله ﷺ َ حينما قدم المدينة في جَمْع من صحابته استقبله الأنصار بالحفاوة، واحتضنوا هؤلاء المهاجرين، وفعلوا معهم نموذجاًَ من الإيثار ليس له مثيل في تاريخ البشرية، وهل هناك إيثار أعظم من أنْ يعرض الأنصاري زوجاته على المهاجر يقول: اختر إحداهما أُطلِّقها لك، إلى هذه الدرجة فعل الإيمان بنفوس الأنصار.
стр. 12333
ولما رأى كفار قريش ما صنعه الأنصار مع المهاجرين توقَّدوا ناراً: كيف يعيش المهاجرون في المدينة هذه العيشة الهنية وتكتلوا جميعاً ضد هذا الدين ليضربوه عن قَوْس واحدة، وتآمروا على القدوة ليقضوا على هذا الدين الوليد الذي يشكل أعظم الخطر عليهم.
حتى إن الأمر قد بلغ بالمهاجرين والأنصار أنهم لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا بالسلاح مخافةَ إنْ ينقضَّ عليهم أعداؤهم، حتى إن أحد الصحابة يقول لإخوانه: أتروْنَ أنَّا نعيش حتى نأمن ونطمئن ولانبيت في السلاح ونصبح فيه، ولا ننخشى إلا الله؟ يعني: أهناك أمل في هذه الغاية؟
وآخر يذهب إلى رسول الله ﷺ َ يقول: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون.؟ ألاَ يأتينا يوم نضع فيه السلاح ونبيت آمنين؟
فيقول النبي ﷺ َ بلسان الواثق من وعد ربه، وليس كلاماً قد يُكذَّب فيما بعد: «لا تصبرون إلا يسيراً، حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم مُحْتبياً ليست فيه حديدة» يعني: في الملأ الواسع، والاحتباء جلسة المستريح الهانىء، والحديدة كناية عن السلاح.
وقد قال ﷺ َ: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلْك أمتي ما زُوِيَ لي منها» .
ومعنى «إن الله زوى لي الأرض» معلوم أن للإنسان مجالَ رؤية يلتقي فيه إلى نهاية الأفق، أمّا الأرض ذاتها فواسعة، فُزويَتْ الأرض لرسول الله يعني: جُمعت في زاوية، فصار ينظر إليها كلها.
стр. 12334
إذن: فهم في هذه المرحلة يشتهون الأمن وهدوء البال، وقد قال تعالى عنهم في هذه الفترة: ﴿وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله﴾ [البقرة: ٢١٤] .
وفي غمرة هذه الشدة وقمة هذا الضيق يُنزل تعالى على رسوله: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] حتى إن الصحابة ليتعجبون، يقول عمر ﵁: أيُّ جمع هذا؟ وقد نزلت الآية وهم في مكة في أشد الخوف لا يستطيعون حماية أنفسهم.
لكن بعد بدر وبعد أنْ رأى ما نزل بالكفار قال: صدق الله ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] .
ثم ينزل الله تعالى على رسوله ﷺ َ بعض الآيات التي تُطمئن المؤمنين وتصبرهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] .
فاطمئنوا، فكل يوم ننقص من أرض الكفر، ونزيد من أرض الإيمان، فالمقدِّمات في صالحكم، ثم يأتي فتح مكة ويدخلها النبي ﷺ َ في موكب مهيب مُطْأطِئاً رأسه، تواضعاً لمن أدخله، مُظهِراً ذِلة العبودية لله.
حتى إن أبا سفيان لما رأى رسول الله ﷺ َ في هذا الموكب يقول للعباس: لقد أصبح مُلْك ابن أخيك عظيماً، فيقول العباس: إنها النبوة يا أبا سفيان، يعني: المسألة ليست مُلْكاً إنما هو بشائر
стр. 12335
النصر لدين الله وظهوره على معقل الأصنام والأوثان في مكة.
ثم يذهب إلى خيبر معقل أهل الكتاب من بني قَيْنُقَاع وبني النضير وبني قريظة وينتصر عليهم، ثم تسقط في يده البحرين ومجوس هَجَر، ويدفعون الجزية.
بعد ذلك يرسل ﷺ َ كُتبه إلى الملوك والرؤساء يدعوهم إلى الإسلام، فيرسل إلى النجاشي مَلِك الحبشة، وإلى المقوقِس، وإلى هرقل، وإلى كسرى، وتأتيه الهدايا من كُلِّ هؤلاء.
ويستمر المدُّ الإسلامي والوفاء بوعد الله تعالى لخليفة رسول الله، فإنْ كان المد الإسلامي قد شمل الجزيرة العربية على عهد رسول الله، فإنه تعدّاها إلى شتى أنحاء العالم في عهد الخلفاء الراشدين، حتى ساد الإسلامُ العالمَ كله، وأظهره الله على أكبر حضارتين في ذلك الوقت: حضارة فارس في الشرق، وحضارة الروم في الغرب في وقت واحد، ويتحقق وعد الله للذين آمنوا بأنْ يستخلفهم في الأرض.
وبعد وفاة رسول الله ﷺ َ تتحقق النبؤات التي أخبر بها، ومنها ما كان من أمر سراقة بن مالك الذي خرج خلف رسول الله في رحلة الهجرة يريد طلبه والفوز بجائزة قريش، وبعد أن تاب سُرَاقة وعاد إلى الجادة كان الصحابة يعجبون لدقة ساعديْه ويصفونهما بما يدعو إلى الضحك «فكان ﷺ َ يقول عن ساعدي سراقة: كيف بهما في سواري كسرى؟»
стр. 12336
ويفتح المسلمون بعد ذلك مُلْك كسرى، ويكون سِوَارا كسرى من نصيب سُرَاقة، فيلبسهما، ويراهما الناس في يديه.
هذه كلها بشائر ومقدمات لوعد الله يراها المؤمنون في أنفسهم، لا فيمن يأتي بعد ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٥٥] يعني المسألة لن تطول.
كذلك «أم حرام بنت ملحان التي خرجت في غزوة ذات الصواري وركبت البحر ذكرت أن رسول الله ﷺ َ كان ينام هناك ثم يصحو وهو يضحك، فقالت له: ما يُضحكك يا رسول الله؟ قال:» أناس من أمتي يركبون زَبَد هذا البحر، ملوك على الأَسِرَّة أو كالملوك على الأَسِرّة «فقال: ادْعُ الله أن أكون منهم، فدعا لها فاستجاب الله دعاءه، وخرجتْ في الغزوة، ولما ركبوا البحر الأبيض أرادت أن تخرج فماتت» .
إذن: فالبشارة في هذه الآية ليست بشارة لفظية، إنما هي بشارة واقعية لها واقع يؤيدها، قد حدث فعلاً.
لكن، ما المراد بالأرض في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض﴾ [النور: ٥٥] ؟ إذا جاءت الأرض هكذا مُفْردةً غير مضافة لشيء فتعني كل الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسكنوا
стр. 12337
الأرض﴾ [الإسراء: ١٠٤] يعني: تقطّعوا في كل أنحائها، ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة﴾ [الإسراء: ١٠٤] الذي وعد الله به ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ [الإسراء: ١٠٤] يعني: جمعناكم من الأراضي كلها، وهذا هو الأمل القوي الذي نعيش عليه، وننتظر من الله أنْ يتحقق.
ثم يقول تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارتضى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥] ففوق الاستخلاف في الأرض يُمكِّن الله لهم الدين، ومعنى تمكين الدين: سيطرته على حركة الحياة، فلا يصدر من أمور الحياة أمر إ لا في ضوئه وعلى هَدْيه، لا يكون ديناً مُعطّلاً كما نُعطِّله نحن اليوم، تمكين الدين يعني توظيفه وقيامه بدوره في حركة الحياة تنظيماً وصيانة.
وقوله سبحانه: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ [النور: ٥٥] وهم الذين قالوا: نبيت في السلاح، ونصبح في السلاح، فيبدلهم الله بعد هذا الخوف آَمْناً، فإذا ما حدث ذلك فعليهم أنْ يحافظوا على الخلافة هذه، وأنْ يقوموا بحقها ﴿يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك فأولئك هُمُ الفاسقون﴾ [النور: ٥٥] .
ومعنى ﴿كَفَرَ بَعْدَ ذلك﴾ [النور: ٥٥] يعني: بعد أن استخلفه الله، ومكّن له الدين وأمَّنه وأزال عنه أسباب الخوف.
وفَرْق بين تمكين الإسلام وتمكين مَنْ يُنسب إلى الإسلام، فالبعض يدَّعي الإسلام، ويركب موجته حتى يحكم ويستتب له الأمر وتنتهي المسألة، لا. . لأن التمكين ليس لك أيها الحاكم، إنما التمكين لدين الله.
стр. 12338
دائماً ما يقرن القرآن بين هذيْن الركنين، وتأتي الزكاة بعد الصلاة؛ ذلك لأن الصلاة هي الركن الوحيد الذي فُرِض من الله مباشرة، أما بقية الأركان فقد فُرِضَتْ بالوحي، وضربنا لذلك مثلاً، ولله تعالى المثَل الأعلى بالرئيس الذي يُكلِّف مرؤوسيه بتأشيرة أو بالتليفون، فإنْ كان الأمر مُهماً استدعى الموظف المختص إلى مكتبه وكلَّفه بهذا الأمر مباشرة لأهميته.
فكذلك الحق ﵎ أمر بكل التكاليف الشرعية بالوحي، إلا الصلاة فقد فرضها على رسول الله بعد أن استدعاه إلى رحلة المعراج فكلّفه بها مشافهةً دون واسطة، ولما يعلمه الله تعالى من محبة النبي ﷺ َ لأمته قال له: «أنا فرضتُ عليك الصلاة بالقرب، وكذلك أجعلها للمصلى في الأرض بالقرب، فإنْ دخل المسجد وجدني» .
وإنْ كانت أركان الإسلام خسمة، فإن الشهادة والصلاة هما الركنان الدائمان اللذان لا ينحلان عن المؤمن بحال من الأحوال، فقد لا تتوفر لك شروط الصوم أو الزكاة أو الحج فلا تجب عليك، كما أن الصلاة هي الفريضة المكررة على مدار اليوم والليلة خمس مرات، وبها يتم إعلان الولاء لله دائماً، وقد وزَّعها الحق سبحانه على الزمن ليظل المؤمن على صلة دائمة بربه كلما شغلتْه الدنيا وجد (الله أكبر) تناديه.
وانظر إلى عظمة الخالق حين يطلب من صنعته أن
стр. 12339
تقابله وتعُرض عليه كل يوم خمس مرات، وهو سبحانه الذي يطلب هذا اللقاء ويفرضه عليك لمصلحتك أنت، ولك أن تتصور صنعة تعُرض على صانعها كل يوم خمس مرات أيصيبها عَطَبَ؟
وربك هو الذي يناديك ويدعوك للقائه ويقول: «لا أملّ حتّى تملَّوا» ومن رحمته بك ومحبته لك تركَ لك حرية اختيار الزمان والمكان، وترك لك حرية إنهاء المقابلة متى تشاء، فإنْ أردتَ أنْ تظلّ في بيته وفي معيته فعلى الرَّحْب والسَّعَة.
ولأهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام اجتمع فيها كل أركان الإسلام، ففي الصلاة تتكرر الشهادة: لا إلا إلا الله محمد رسول الله، وفي الصلاة زكاة؛ لأن الزكاة فرع العمل، والعمل فرع الوقت، والصلاة تأخذ الوقت نفسه، وفيها صيام حيث تمتنع في الصلاة عما تمتنع عنه في الصوم بل وأكثر، وفيها حج لأنك تتجه في صلاتك إلى الكعبة.
إذن: فالصلاة نائبة عن جميع الأركان في الاستبقاء، لذلك كانت هي عمود الدين، والتي لا تسقط عن المؤمن بحال من الأحوال حتى إنْ لم يستطع الصلاة قائماً صلى جالساً أو مضطجعاً، ولو أن يشير بأصبعه أو بطرفه أو حتى يخطرها على باله؛ ذلك لاستدامة الولاء بالعبودية لله المعبود.
والصلاة تحفظ القيم، فتُسوِّي بين الناس، فيقف الغني والفقير والرئيس والمرؤوس في صَفٍّ واحد، الكل يجلس حَسْب قدومه،
стр. 12340
وهذا يُحدِث استطراقاً عبودياً في المجتمع، ففي الصلاة مجال يستوي فيه الجميع.
وإنْ كانت الصلاة قوامَ القيم، فالزكاة قوام المادة لمنْ ليستْ له قدرة على الكسب والعمل. إذن: لدينا قوانين للحياة، ولاستدامة الخلافة على الأرض قوام القيم في الصلاة، وقوام المادة في الزكاة.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَأَطِيعُواْ الرسول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] وهنا في الصلاة والزكاة خَصَّ الرسول بالإطاعة؛ لأنه صاحب البيان والتفصيل لما أجمله الحق سبحانه في فرضية الصلاة والزكاة، حيث تفصيل كل منهما في السُّنة المطهرة، فقال: ﴿وَأَطِيعُواْ الرسول﴾ [النور: ٥٦] .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض﴾
стр. 12341
يعود السياق للحديث عن الكافرين: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض﴾ [النور: ٥٧] يعني: لا تظنن، والشيء المعجز هو الذي يثبت العجز للمقابل، نقول: عملنا شيئاً مُعْجزاً لفلان يعني: لا يستطيع الإتيان بمثله.
فإياك أنْ تظن أن الكافرين مهما عَلَتْ مراتبهم ومهما استشرى طغيانهم يُفْلِتون من عقاب الله، فلن يثبتوا له سبحانه العجز عنهم أبداً، ولن يُعجِزوه، إنما يُملي لهم سبحانه ويمهلهم حتى إذا أخذهم، أخذهم أَخذ عزيز مقتدر، وهو سبحانه مُدرِكهم لا محالةَ.
стр. 12342
وجاء على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ الله فِي الأرض وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً﴾ [الجن: ١٢] .
ونلحظ في قوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النار﴾ [النور: ٥٧] أنها عطفتْ هذه الجملة على سابقتها، وهي منفية ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ﴾ [النور: ٥٧] فهل يعني هذا أن معناها: ولا تحسبن مأواهم النار؟ قالوا: لا، إنما المعنى: ولا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض لأن مأواهم النار.
﴿وَلَبِئْسَ المصير﴾ [النور: ٥٧] أي: المرجع والمآب.
ثم ينتقل السياق إلى سلوك يمسُّ المجتمع من داخله والأسرة في أدقِّ خصوصياتها، بعد أنْ ذكر في أول السورة الأحكام الخاصة بالمجتمع الخارجي، فيقول سبحانه: ﴿ياأيها الذينءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم﴾
стр. 12343
تُعلِّمنا هذه الآية آداب الاستئذان داخل الأسرة المكوَّنة من الأبويْن والأبناء، ثم الأتباع مثل الخدم وغيرهم، والحق تبارك وتعالى
стр. 12344
يريد أن يُنشِّىءَ هذه الأسرة على أفضل ما يكون، ويخصّ بالنداء هنا الذين آمنوا، يعني: يا من آمنتم بي رباً حكيماً مُشرِّعاً لكم حريصاً على مصلحتكم استمعوا إلى هذا الأدب: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨] .
معلوم أن طلب المتكلم من المخاطب يأتي على صورتين: فعل الأمر وفعل المضارع المقترن بلام الأمر، فقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ﴾ [النور: ٥٨] يعني: عَلِّموا هؤلاء أن يستأذنوا عليكم مثل: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾ [النور: ٣٣] يعني: استعفوا، لأن اللام هنا لام الأمر، ومثل: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] .
وهذا الأدب تكليف من الله تعالى يُكلِّف به كل مؤمن داخل الأسرة، وإنْ كان الأمر هنا لغير المأمور، فالمأمور بالاستئذان هم مِلْك اليمين والأطفال الصغار، فأمر الله الكبارَ أن يُعلِّموا الصغار، كما ورد في الحديث الشريف: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر» .
فلم يُكلِّف بهذا الصغار إنما كُلِّف الكبار؛ لأن الأطفال لم يبلغوا بَعْد مبلغ التكليف من ربهم، إنما بلغوا مبلغ التكليف عندكم أنتم، لذلك أنت الذي تأمر وأنت الذي تتابع وتعاقب.
وأْمُرْ الصغير بالصلاة أو بالاستئذان لِتُربي فيه الدربة والتعود
стр. 12345
على أمر قد يشقُّ عليه حال كِبَره، إنما إنْ عوَّدته عليها الآن فإنها تسهل عليهم عند سِنِّ التكليف، وتتحول العادة في حقه إلى عبادة يسير عليها.
وشرع الله لنا آداب الاستئذان؛ لأن الإنسان ظاهراً يراه الناس جميعاً ويكثر ظاهره للخاصة من أهله في أمور لا يُظهرها على الآخرين، إذن: فَرُقْعة الأهل والملاصقين لك أوسع، وهناك ضوابط اجتماعية للمجتمع العام، وضوابط اجتماعية للمجتمع الخاص وهو الأسرة، وحرية المرء في أسرته أوسع من حريته في المجتمع العام، فإنْ كان في حجرته الخاصة كانت حريته أوسعَ من حريته مع الأسرة.
فلا بُدَّ إذن من ضوابط تحمي هذه الخصوصيات، وتُنظِّم علاقات الأفراد في الأسرة الواحدة، كما سبقت ضوابط تُنظِّم علاقات الأفراد خارج الأسرة.
ومعنى: ﴿الذين مَلَكَتْ أيمانكم﴾ [النور: ٥٨] هم العبيد الذين يقومون على خدمة بعض الناس وليس الأجير لأن الأجير يستطيع أن يتركك في أي وقت، أمَّا العبد فليس كذلك؛ لأنه مملوك الرقبة لا حريةَ له، فالمملوكية راجحة في هؤلاء، وللسيد السيطرة والمهابة فلا يستطيع أن يُفْلت منه.
﴿والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٨] هم الأطفال الصغار الذين لم يبلغوا مبْلَغ التكليف، ويقضون المصالح؛ فتراهم في البيت يدخلون ويخرجون دون ضوابط، فهل نتركهم هكذا يطَّلِعون على خصوصياتنا؟
وللخدم في البيت طبيعة تقتضي أن يدخلوا علينا ويخرجوا،
стр. 12346
وكذلك الصغار، إلا في أوقات ثلاثة لا يُسْمح لهم فيها بالدخول إلا بعد الاستئذان: ﴿مِّن قَبْلِ صلاوة الفجر﴾ [النور: ٥٨] لأنه وقت متصل بالنوم، والإنسان في النوم يكون حُرَّ الحركة واللباس ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم مِّنَ الظهيرة﴾ [النور: ٥٨] وهو وقت القيلولة، وهي وقت راحة يتخفّف فيها المرء من ملابسه ﴿وَمِن بَعْدِ صلاوة العشآء﴾ [النور: ٥٨] وبعد العشاء النوم.
هذه أوقات ثلاثة، لا ينبغي لأحد أن يدخل عليك فيها إلا بإذنك.
وانظر إلى هذا التحفّظ الذي يوفره لك ربك حتى لا تُقيِّد حريتك في أمورك الشخصية ومسائلك الخاصة، وكأن هذه الأوقات مِلْكٌ لك أيها المؤمن تأخذ فيها راحتك وتتمتع بخصوصياتك، والاستئذان يعطيك الفرصة لتتهيأ لمقابلة المستأذن.
أما في بقية الأوقات فالكل يستأذن عليك حتى الزوجة.
وسبب نزول هذه الآية أن رسول الله ﷺ َ أراد سيدنا عمر في أمر من الأمور، فأرسل إليه غلاماً من الأنصار، فلما ذهب الغلام دفع الباب ونادى: يا عمر. فلم يرد؛ لأنه كان نائماً، فخرج الغلام وجلس في الخارج ودَقَّ الباب فلم يستيقظ عمر، فماذا يفعل الغلام؟
رفع الغلام يديه إلى السماء وقال: يا رب أيقظه. ثم دفع الباب ودخل عليه، وكان عمر نائماً على وضع لا يصح أن يراه عليه أحد، واستيقظ عمر ولحظ أن الغلام قد رآه على هذا الوضع، فلما ذهب إلى النبي ﷺ َ قال: يا رسول الله نريد أن يستأذن علينا أبناؤنا
стр. 12347
ونساؤنا وموالنا وخدمنا، فقد حدث من الغلام كيت وكيت، فنزلت هذه الآية.
ويُسمِّي الله تعالى هذه الأوقات الثلاثة عورة: ﴿ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾ [النور: ٥٨] والعورة: هي ما يحب الإنسان ألاّ يراها أحد، أو يراه عليها؛ لأنها نوع من الخلل والخصوصية، والله لا يريد أنْ يراك أحد على شيء تكرهه.
لذلك يقولون لمن به خَلَل في عينه مثلاً: أعور: والعرب تقول للكلمة القبيحة: عوراء، كما قال الشاعر:
وعَوْراء جاءتْ من أخٍ فردَدْتُها ... بِسالمةِ العَيْنيْنِ طَالِبةً عُذْراً
يعني: كلمة قبيحة لم أردّ عليها بمثلها، إنما بسالمة لا عين واحدة، بل بسالمة العينين الاثنين.
ثم يقول سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ [النور: ٥٨] يعني: بعد هذه الأوقات: لا إثمَ ولا حرجَ عليكم، ولا على المماليك، أو الصغار أنْ يدخلوا عليكم، ففي غير هذه الأوقات يجلس المرء مُسْتعداً لممارسة حياته العادية، ولا مانع لديه من استقبال الخَدَم أو الأَطفال الصغار دون استئذان؛ لأن طبيعة المعيشة في البيوت لا تستغني عن دخول هؤلاء وخروجهم باستمرار.
لذلك قال تعالى بعدها: ﴿طوافون عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨]
стр. 12348
يعني: حركتهم في البيت دائمة، دخولاً وخروجاً، فكيف نُقيِّدها في غير هذه الأوقات؟
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الأيات﴾ [النور: ٥٨] أي: بياناً واضحاً، حتى لا يحدث في المجتمع تناقضات فيما بعد ﴿والله عَلِيمٌ﴾ [النور: ٥٨] بكل ما يُصلح الخلافة في الأرض ﴿حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨] في تشريعاته وأوامره، لا يضع الحكم إلا بحكمة.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم﴾
стр. 12349
الطفل حين كان طفلاً لم يبلغ الحُلُم كان يدخل دون استئذان في غير هذه الأوقات، فإنْ بلغ الحُلُم فعليه أنْ يستأذن، لا نقول: إنه تعوَّد الاستئذان في هذه الأوقات فقط، لا، إنما عليه أنْ يستأذن في جميع الأوقات فقد شَبَّ وكَبِر، وانتهتْ بالنسبة له هذه الحالة.
وبلوغ الحلم أن ينضج الإنسان نُضْجاً يجعله صالحاً لإنجاب مثله، فهذه علامة اكتمال تكوينه، وهذا لا يتأتّى إلا باستكمال الغريزة الجنسية التي هي سَبَب النَّسْل والإنجاب، ومثّلْنا ذلك بالثمرة التي لا تحلو إلا بعد نُضْجها، فإنْ تركتَها بعد النضج سقطتْ من نفسها، وهذه آية من آيات الله لبقاء النوع، فلو أكلنا الثمرة قبل نُضْجها لا تنبت بذرتها وينقرض نوعها، فمن حكمة الله في الخَلْق ألاَّ تحلو الثمرة إلا بعد النُّضْج.
стр. 12350
كذلك الولد حين يبلغ يصبح صالحاً للإنجاب، ونقول له، انتهتْ الرخصة التي منحها لك الشرع، وعليك أن تستأذن في جميع الأوقات.
لذلك يقول تعالى في موضع آخر: ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عَوْرَاتِ النسآء﴾ [النور: ٣١] .
وجاء بالطفل بصيغة المفرد؛ لأن الأطفال في هذه السِّنِّ لم تتكوّن لديهم الغريزة، وليست لهم هذه الميول أو المآرب، فكأنهم واحد، أمّا بعد البلوغ وتكوُّن الميول الغريزية قال: ﴿الأطفال﴾ [النور: ٥٩] لأن لكل منهم بعد البلوغ ميوله وشخصيته وشطحاته.
وقوله: ﴿كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] أي: من الكبار الذين يستأذنون في كل الأوقات ﴿كذلك﴾ [النور: ٥٩] أي: مثل ما بينَّا في الاستئذان الأول ﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ [النور: ٥٩] لأنه سبحانه ﴿عَلِيمٌ﴾ [النور: ٥٩] بما يُصلِحكم ﴿حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٩] لا يُشرِّع لكم إلا بحكمة.
ثم يقول سبحانه: ﴿والقواعد مِنَ النسآء اللاتي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً﴾
стр. 12351
نعلم أن الشارع الحكيم وضع للمرأة المسلمة قواعد تسير عليها في زِيِّها وسلوكها ومِشْيتها، حمايةً لها وصيانةً للمجتمع من الفتنة،
стр. 12352
وحتى لا يطمع فيها أصحاب النفوس المريضة، فجعل لها حجاباً يسترها يُخفي زينتها لا يكون شفافاً ولا واصفاً، وقال: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] .
لكن القواعد من النساء والكبيرات منهن لَهُنَّ حكم آخر.
والقواعد: جمع قاعد لا قاعدة، قاعدة تدل على الجلوس، أمّا القاعد ذكراً أو أنثى فهو الذي قعد عن دورة الحياة، ولم يَعُدْ له مهمة الإنجاب، ومثل هؤلاء لم يَعُدْ فيهنَّ إِرْبة ولا مطمع؛ لذلك لا مانعَ أن يتخفَّفْنَ بعض الشيء من اللباس الذي فُرِض عليهن حال وجود الفتنة، ولها أن تضع (طرحتها) مثلاً.
لكن هذه مسألة مقولة بالتشكيك: نسبية يعني: فمِن النساء مَنْ ينقطع حَيْضها ويدركها الكِبَر، لكن ما يزال فيها جمال وفتنة؛ لذلك ربنا ﵎ وضع لنا الحكم الاحتياطي ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠] ثم يدلُّهُن على ما هو خير من ذلك ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾ [النور: ٦٠] .
والمقصود بوَضْع الثياب: التخفّف بعض الشيء من الثياب الخارجية شريطة ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠] فلا يجوز للمرأة أن تضع ثيابها أَخْذاً بهذه الرخصة، ثم تضع الزينة وتتبرج. ونخشى أن نُعلِّم النساء هذا الحكم فلا يأخذْنَ به حتى لا نقول عنهن: إنهن قواعد!!
وتعجب حين ترى المرأة عندما تبلغ هذه السِّنَّ فتجدها وَرِعة في ملبسها، وَرِعة في مظهرها، وَرِعة في سلوكها، فتزداد جمالاً وتزداد بهاءً وآسرية، على خلاف التي لا تحترم سِنّها فتضع على
стр. 12353
وجهها المساحيق والألوان فتبدو مَسْخاً مُشوَّهاً.
ومعنى ﴿يَسْتَعْفِفْنَ﴾ [النور: ٦٠] أي: يحتفظْنَ بملابسهن لا يضعْنَ منها شيئاً، فهذا أَدْعى للعفة.
стр. 12354
قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] الحرج: هو الضيق، كما جاء في قوله سبحانه: ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء﴾ [الأنعام: ١٢٥]
أو الحرج بمعنى: الإثم، فالحرج المرفوع عن هؤلاء هو الضِّيق
стр. 12355
أو الإثم الذي يتعلق بالحكم الآتي في مسألة الأكل، بدليل أنه يقول ﴿وَلاَ على أَنفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] .
والأعمى يتحرَّج أنْ يأكل مع الناس؛ لأنه لا يرى طعامه، وربما امتدتْ يده إلى أطيب الطعام فيأكله ويترك أدناه، والأعرج يحتاج إلى راحة خاصة في جلْسته، وربما ضايق بذلك الآخرين، والمريض قد يتأفف منه الناس. فرفَع الله تعالى عن عباده هذا الحرج، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً﴾ [النور: ٦١] .
فيصح أن تأكلوا معاً؛ لأن الحق يريد أنْ يجعل التكامل في الذوات لا في الأعراض، وأيضاً أنك إنْ رأيتَ شاباً مَؤوفاً يعني به آفة، ثم تعامله معاملة خاصة فربما جرحْتَ شعوره، حتى إنْ كان ما به أمراً خَلْقياً من الله لا يتأباه، والبعض يتأبى أن يخلقه الله على هيئة لا يرضاها.
لذلك كانوا في الريف نسمعهم يقولون: اللي يعطي العمى حقه فهو مبصر، لماذا؟ لأنه رضي بهذا الابتلاء. وتعامل مع الناس على أنه كذلك، فطلب منهم المساعدة؛ لذلك ترى الناس جميعاً يتسابقون إلى مساعدته والأخذ بيده، فإنْ كان قد فقد عيناً فقد عوَّضه الله بها ألف عَيْن، أما الذي يتأبّى ويرفض الاعتراف بعجزه ويرتدي نظارة سوداء ليخفي بها عاهته فإنه يسير مُتعسِّراً يتخبّط لا يساعده أحد.
وكأن الحق ﵎ يريد لأصحاب هذه الآفات أن يتوافقوا مع المجتمع، لا يأخذون منه موقفاً، ولا يأخذ المجتمع
стр. 12356
منهم موقفاً؛ لذلك يعطف على ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] ثم يقول سبحانه ﴿وَلاَ على أَنفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] يعني: هم مثلكم تماماً، فلا حرجَ بينكم في شيء.
﴿أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] إلخ.
وكان في الأنصار قزازة، إذا جلس في بيت لا يأكل منه إلا إذا أَذِنَ له صاحب البيت، وقد يسافر الرجل منهم ويترك التابع عنده في البيت دون أنْ يأذنَ له في الأكل من طعام بيته ويعود، فيجد الطعام كما هو، أو يجده قد فسد دون أنْ يأكل منه التابع شيئاً، فأراد الحق سبحانه أنْ يرفع هذا الحرج عن الناس، فقال:
﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] إلى آخر هذه المعطوفات.
ولقائل أنْ يقول: وأيّ حرج في أنْ يأكل المرء في بيته؟ وهل كان يخطر على البال أنْ تجد حَرَجاً، وأنت تأكل من بيتك؟
قالوا: لو حاولتَ استقصاء هؤلاء الأقارب المذكورين في الآية لتبيّن لك الجواب، فقد ذكرتْ الآية آباءكم وأمهاتكم وإخوانكم وأخواتكم وأعمامكم وعماتكم وأخوالكم وخالاتكم، ولم تذكر شيئاً عن الأبناء وهم في مقدمة هذا الترتيب، لماذا؟
стр. 12357
قالوا: لأن بيوت الأبناء هي بيوت الآباء، وحين تأكل من بيت ولدك كأنك تأكل من بيتك، على اعتبار أن الولد وما ملكتْ يداه مِلْك لأبيه، إذن: لك أن تضع مكان ﴿بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] بيوت أبنائكم. ذلك لأن الحق ﵎ لم يُرِدْ أنْ يجعل للأبناء بيوتاً مع الآباء، لأنهما شيء واحد.
إذن: لا حرجَ عليك أن تأكل من بيت ابنك أو أبيك أو أمك أو أخيك أو أختك أو عمك أو عمتِك، أو خالك أو خالتك ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾ [النور: ٦١] يعني: يعطيك صاحب البيت مفتاح بيته، وفي هذا إذْنٌ لك بالتصرُّف والأكل من طعامه إنْ أردتَ.
﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ٍ وتلحظ في هذه أنها الوحيدة التي وردتْ بصيغة المفرد في هذه الآية، فقبلها: بيوتكم، آباءكم، أمهاتكم. . إلخ إلا في الصديق فقال ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ولم يقل: أصدقائكم.
ذلك لأن كلمة صديق مثل كلمة عدو تستعمل للجميع بصغية المفرد، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي﴾ [الشعراء: ٧٧] .
لأنهم حتى إنْ كانوا جماعة لا بُدَّ أنْ يكونوا على قلب رجل واحد، وإلا ما كانوا أصدقاء، وكذلك في حالة العداوة نقول عدو، وهم جمع؛ لأن الأعداء تجمعهم الكراهية، فكأنهم واحد.
стр. 12358
ثم يقول سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً﴾ [النور: ٦١] ﴿جَمِيعاً﴾ [النور: ٦١] سوياً بعضكم مع بعض، ﴿أَوْ أَشْتَاتاً﴾ [النور: ٦١] متفرقين، كُلٌّ وحده.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] علىأنفسكم، لأنك حين تُسلِّم على غيرك كأنك تُسلِّم على نفسك، لأن غيرك هو أيضاً سيسلم عليك، ذلك لأن الإسلام يريد أن يجعل المجتمع الإيماني وحدة متماسكة، فحين تقول لغيرك: السلام عليكم سيردّ: وعليكم السلام. فكأنك تُسلِّم على نفسك.
أو: أن المعنى: إنْ دخلتم بيوتاً ليس فيها أحد فسلِّموا على أنفسكم، وإذا دخلوا المسجد قالوا: السلام على رسول الله وعلينا من ربنا، قالوا: تُسمع الملائكة وهي ترد.
وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] وفي آية أخرى يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ﴾ [النساء: ٨٦] .
والتحية فوق أنها من عند الله فقد وصفها بأنها ﴿مُبَارَكَةً﴾ [النور: ٦١] والشيء المبارك: الذي يعطي فوق ما ينتظر منه ﴿كَذَلِكَ﴾ [النور: ٦١] أي: كما بيَّن لكم الأحكام السابقة يُبيِّن لكم ﴿الآيات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١] .
стр. 12359
أي: أن الذي كلّفكم بهذه الأحكام رَبٌّ يحب الخير لكم، وهو غنيٌّ عن هذه، إنما يأمركم بأشياء ليعود نَفْعها عليكم، فإنْ أطعتموه فيما أمركم به انتفعتُم بأوامره في الدنيا، ثم ينتظركم جزاؤه وثوابه في الآخرة.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾
стр. 12360
المؤمن: مَنْ آمن بإله وآمن بالرسول المبلّغ عن الإله، وما دُمْتَ قد آمنتَ بالرسول المبلِّغ عن الله فلا بُدَّ أن تكون حركتك خاضعةً لأوامره، ويجب أن تكون ذاتك له، فإذا رأى الرسول أمراً جامعاً يجمع المسلمين في خَطْب أو حدث أو حرب، ثم يدعوكم إلى التشاور لِيُدلي كل منكم برأيه وتجربته، ويُوسِّع مساحة الشورى في المجتمع ليأتي الحكم صحيحاً سليماً موافقاً للمصلحة العامة.
فالمؤمن الحق إذا دُعي إلى مثل هذا الأمر الجامع، لا يقوم من مجلسه حتى يستأذن رسول الله ﷺ َ، وليس إلزاماً أنْ يأذن له رسول الله ﷺ َ؛ لأن أمر المسلمين الجامع لهم قد يكون أهمّ من الأمر الذي يشغلك، وتريد أن تقوم من أجله، وتترك مجلس رسول الله ﷺ َ.
следующие страницы →