← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 12356–12395 · переход к 12361.

стр. 12356

منهم موقفاً؛ لذلك يعطف على ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] ثم يقول سبحانه ﴿وَلاَ على أَنفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] يعني: هم مثلكم تماماً، فلا حرجَ بينكم في شيء. ﴿أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] إلخ. وكان في الأنصار قزازة، إذا جلس في بيت لا يأكل منه إلا إذا أَذِنَ له صاحب البيت، وقد يسافر الرجل منهم ويترك التابع عنده في البيت دون أنْ يأذنَ له في الأكل من طعام بيته ويعود، فيجد الطعام كما هو، أو يجده قد فسد دون أنْ يأكل منه التابع شيئاً، فأراد الحق سبحانه أنْ يرفع هذا الحرج عن الناس، فقال: ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] إلى آخر هذه المعطوفات. ولقائل أنْ يقول: وأيّ حرج في أنْ يأكل المرء في بيته؟ وهل كان يخطر على البال أنْ تجد حَرَجاً، وأنت تأكل من بيتك؟ قالوا: لو حاولتَ استقصاء هؤلاء الأقارب المذكورين في الآية لتبيّن لك الجواب، فقد ذكرتْ الآية آباءكم وأمهاتكم وإخوانكم وأخواتكم وأعمامكم وعماتكم وأخوالكم وخالاتكم، ولم تذكر شيئاً عن الأبناء وهم في مقدمة هذا الترتيب، لماذا؟

стр. 12357

قالوا: لأن بيوت الأبناء هي بيوت الآباء، وحين تأكل من بيت ولدك كأنك تأكل من بيتك، على اعتبار أن الولد وما ملكتْ يداه مِلْك لأبيه، إذن: لك أن تضع مكان ﴿بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] بيوت أبنائكم. ذلك لأن الحق ﵎ لم يُرِدْ أنْ يجعل للأبناء بيوتاً مع الآباء، لأنهما شيء واحد. إذن: لا حرجَ عليك أن تأكل من بيت ابنك أو أبيك أو أمك أو أخيك أو أختك أو عمك أو عمتِك، أو خالك أو خالتك ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾ [النور: ٦١] يعني: يعطيك صاحب البيت مفتاح بيته، وفي هذا إذْنٌ لك بالتصرُّف والأكل من طعامه إنْ أردتَ. ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ٍ وتلحظ في هذه أنها الوحيدة التي وردتْ بصيغة المفرد في هذه الآية، فقبلها: بيوتكم، آباءكم، أمهاتكم. . إلخ إلا في الصديق فقال ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ولم يقل: أصدقائكم. ذلك لأن كلمة صديق مثل كلمة عدو تستعمل للجميع بصغية المفرد، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي﴾ [الشعراء: ٧٧] . لأنهم حتى إنْ كانوا جماعة لا بُدَّ أنْ يكونوا على قلب رجل واحد، وإلا ما كانوا أصدقاء، وكذلك في حالة العداوة نقول عدو، وهم جمع؛ لأن الأعداء تجمعهم الكراهية، فكأنهم واحد.

стр. 12358

ثم يقول سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً﴾ [النور: ٦١] ﴿جَمِيعاً﴾ [النور: ٦١] سوياً بعضكم مع بعض، ﴿أَوْ أَشْتَاتاً﴾ [النور: ٦١] متفرقين، كُلٌّ وحده. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] علىأنفسكم، لأنك حين تُسلِّم على غيرك كأنك تُسلِّم على نفسك، لأن غيرك هو أيضاً سيسلم عليك، ذلك لأن الإسلام يريد أن يجعل المجتمع الإيماني وحدة متماسكة، فحين تقول لغيرك: السلام عليكم سيردّ: وعليكم السلام. فكأنك تُسلِّم على نفسك. أو: أن المعنى: إنْ دخلتم بيوتاً ليس فيها أحد فسلِّموا على أنفسكم، وإذا دخلوا المسجد قالوا: السلام على رسول الله وعلينا من ربنا، قالوا: تُسمع الملائكة وهي ترد. وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] وفي آية أخرى يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ﴾ [النساء: ٨٦] . والتحية فوق أنها من عند الله فقد وصفها بأنها ﴿مُبَارَكَةً﴾ [النور: ٦١] والشيء المبارك: الذي يعطي فوق ما ينتظر منه ﴿كَذَلِكَ﴾ [النور: ٦١] أي: كما بيَّن لكم الأحكام السابقة يُبيِّن لكم ﴿الآيات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١] .

стр. 12359

أي: أن الذي كلّفكم بهذه الأحكام رَبٌّ يحب الخير لكم، وهو غنيٌّ عن هذه، إنما يأمركم بأشياء ليعود نَفْعها عليكم، فإنْ أطعتموه فيما أمركم به انتفعتُم بأوامره في الدنيا، ثم ينتظركم جزاؤه وثوابه في الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾

стр. 12360

المؤمن: مَنْ آمن بإله وآمن بالرسول المبلّغ عن الإله، وما دُمْتَ قد آمنتَ بالرسول المبلِّغ عن الله فلا بُدَّ أن تكون حركتك خاضعةً لأوامره، ويجب أن تكون ذاتك له، فإذا رأى الرسول أمراً جامعاً يجمع المسلمين في خَطْب أو حدث أو حرب، ثم يدعوكم إلى التشاور لِيُدلي كل منكم برأيه وتجربته، ويُوسِّع مساحة الشورى في المجتمع ليأتي الحكم صحيحاً سليماً موافقاً للمصلحة العامة. فالمؤمن الحق إذا دُعي إلى مثل هذا الأمر الجامع، لا يقوم من مجلسه حتى يستأذن رسول الله ﷺ َ، وليس إلزاماً أنْ يأذن له رسول الله ﷺ َ؛ لأن أمر المسلمين الجامع لهم قد يكون أهمّ من الأمر الذي يشغلك، وتريد أن تقوم من أجله، وتترك مجلس رسول الله ﷺ َ.

стр. 12361

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ أولئك الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢] فالاستئذان هنا من علامات الإيمان، لا يقوم خِلْسة (وينسلت) من المجلس، لا يشعر به أحد، لا بُدَّ من أن يستأذن رسول الله حتى لا يُفوت مصلحة على المؤمنين، ولربما كان له رَأْيٌ ينتفع به. والرسول إما يستشير أصحابه ليستنير برأيهم وتجاربهم، فحين يدعوهم إلى أمر جامع يجب أن يُفهم هذا الأمر على نطاق منزلة الرسول من بلاغة عن الله للأمة، فإذا دعا نفر نفراً للتشاور، فإنما يتشاوران في أمر شخصي يخصُّ صاحبه، لكن حين يدعوهم رسول الله لا يدعو لخصوصية واحدة، وإنما لخصوصية أمة، شاء الله أن تكون خير أمة أُخْرِجَتْ للناس، وسوف يستفيد الفرد أيضاً من هذه الدعوة، وربما كانت استفادته من الاستجابة للدعوة العامة التي تنتظم كل الناس خَيْراً من استفادته من دعوته الخاصة، فيجب أنْ يُقدِّر المدعو هذا الفارق. ومع وجود هذا الفارق لم يَحرِم اللهُ بعضَ الناس الذين لهم مشاغل أنْ يستأذنوا فيها رسول الله وينصرفوا؛ لذا شرع لهم الاستئذان، لكن يجب أنْ يضعوا هذا الفارق في بالهم، وأنْ يذكروا أنهم انصرفوا لبعض شأنهم، والرسول قائم في أمر لشئون الدنيا كلها إلى أنْ تقوم الساعة. فكأنه إنْ شارك في هذا الاجتماع فسيستفيد كفرد، وستستفيد أمته: المعاصرون منهم والآتُون إلى أنْ تقومَ الساعة، فإنْ فضّل شأنه الخاص على هذه الشئون فقد أساء، وفعل مَا لا يليق بمؤمن؛ لذلك أُمر رسول الله أنْ يأذنَ لمنْ يشاء، ثم يستغفر له اللهَ.

стр. 12362

يقول سبحانه: ﴿فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] فالأمر متروك لرسول الله يُقدِّره حَسْب مصلحة المسلمين العامة، فَلَهُ أن يأذنَ أو لا يأذنَ. إذن: لا بُدَّ من استئذان رسول الله ﷺ َ فيأذن لمَنْ يشاء منهم ممَّنْ يرى أن في الباقين عِوَضاً عنه وعن رأيه، فإنِ استأذن صاحب رأي يستفيد منه المسلمون لم يأذن له. ثم يقول سبحانه: ﴿واستغفر لَهُمُ الله﴾ [النور: ٦٢] ، وكأن مسألة الاستئذان والقيام من مجلس رسول الله ﷺ َ أمر لا يريده الله تعالى. حتى إن استأذنتَ لأمر يهمك، وحتى إنْ أَذِن لك رسول الله، فالأفضل ألاَّ تستأذن؛ لأن الرسول ﷺ َ حين يدعو لأمر جامع يُهِمّ جماعة المسلمين، يجب ألاَّ ينشغل أحد عَمَّا دُعِي إليه، وألاَّ يُقدِّم على مصلحة المسلمين ومجلس رسول الله شيئاً آخر، ففي الأمر الجامع ينبغي أنْ يُكتّل الجميع مواهبهم وخواطرهم في الموضوع، وساعة تستأذن لأمر يخصُّك فأنت منشغل عن الجماعة شارد عنهم. فحين تنشغل بأمرك الخاص عن أمر المسلمين العام، فهذه مسألة تحتاج إلى استغفار لك من رسول الله، فالرسول يأذن لك، ثم يستغفر لك الله. ثم يقول الحق سحبانه: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾

стр. 12363

قوله سبحانه: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣] فأنتم يدعو بعضكم بعضاً في مسألة خاصة، لكن الرسول يدعوكم لمسألة عامة تتعلق بحركة حياة الناس جميعاً إلى أنْ تقوم الساعة. أو: أن الدعاء هنا بمعنى النداء يعني: يناديكم الرسول أو تنادونه؛ لأن لنداء الرسول ﷺ َ آداباً يجب مراعاتها، فهو ليس كأحدكم تنادونه: يا محمد، وقد عاب القرآن على جماعة لم يلتزموا أدب النداء مع رسول الله، فقال: ﴿إِنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الحجرات أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] . فأساءوا حين قالوا: يا محمد، ولو قالوا حتى: يا أيها الرسول فقد أساءوا؛ لأنه لا يصحّ أنْ يتعجّلوا رسول الله، ويجب أنْ يتركوه على راحته، إنْ وجد فراغاً للقائهم خرج إليهم، إذن: أساءوا من وجهين. ولا يليق أن نناديه ﷺ َ باسمه: يا محمد. لأن الجامع بين الرسول وأمته ليس أنه محمد، إنما الجامع أنه رسول الله، فلا بُدَّ أنْ نناديه بهذا الوصف. ولِمَ لا وربه وهو خالقه ومصطفيه قد ميّزه عن سائر إخوانه من الرسل، ومن أولي العزم، فناداهم بأسمائهم: ﴿يَآءَادَمُ اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ [البقرة: ٣٥] . وقال: ﴿يانوح اهبط بِسَلاَمٍ مِّنَّا﴾ [هود: ٤٨] . وقال: ﴿ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ﴾ [الصافات: ١٠٤١٠٥] . وقال: ﴿ياموسى إني أَنَا الله﴾ [القصص: ٣٠] . وقال: ﴿ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] . وقال: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ [ص: ٢٦] .

стр. 12364

لكن لم يُنَادِ رسولَ الله ﷺ َ باسمه أبداً، إنما يناديه ب «ياأيها» الرسول، ياأيها النبي. فإذا كان الحق ﵎ لم يجعل دعاءه للرسول كدعائه لباقي رسله، أفندعوه نحن باسمه؟ ينبغي أن نقول: يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يا رسول الله، يا نبي الله، فهذا هو الوصف اللائق المشرِّف. وكما نُميِّز دعاء رسول الله حين نناديه، كذلك حين ينادينا نحن يجب أن نُقدِّر هذا النداء، ونعلم أن هذا النداء لخير عام يعود نفعه على الجميع. ثم يقول الحق : ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] . لا شكَّ أن الذين يستأذنون رسول الله فيهم إيمان، فيُراعنون مجلس رسول الله، ولا يقومون إلا بإذنه، لكن هناك آخرون يقومون دون استئذان: ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ [النور: ٦٣] والتسلل: هو الخروج بتدريج وخُفْية كأنْ يتزحزح من مكان لآخر حتى يخرج، أو يُوهِمك أنه يريد الكلام مع شخص آخر ليقوم فينسلِتُ من المجلس خُفْية، وهذا معنى ﴿يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً﴾ [النور: ٦٣] يلوذ بآخر ليخرج بسببه. ويحذر الله هؤلاء: ﴿فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] والتحذير إنذار بالعاقبة السيئة التي تترتب على الانسحاب من مجلس رسول الله، كأنه يقول لهم: قارنوا بين انسحابكم من مجلس الرسول وبين ما ينتظركم من العقاب عليه.

стр. 12365

وقال: ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] لا يخالفون أمره، فجعل في المخالفة معنى الإعراض، لا مجرد المخالفة، فالمعنى: يُعرِضون عنه. والأمر: يُراد به فعل الأمر أو النهي أو الموضوع الذي نحن بصدده يعني: ليس طلباً، وهذا المعنى هو المراد هنا: أي الموضوع الذي نبحثه ونتحدث فيه، فانظروا ماذا قال رسول الله ولا تخالفوه ولا تعارضوه؛ لأنه وإنْ كان بشراً مثلكم إلا أنه يُوحَى إليه. لذلك يحدد الرسول ﷺ َ مركزه كبشر وكرسول، فيقول: «يَرِدُ عليَّ يعني من الحق الأعلى فأقول: أنا لست كأحدكم، ويُؤخَذ مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم» . لذلك كان الصحابة يفهمون هذه المسألة، ويتأدبون فيها مع رسول الله، ويسألونه في الأمر: أهو من عند الله قد نزل فيه وَحْي، أم هو الرأْي والمشورة؟ فإنْ كان الأمر فيه وَحْيٌ من الله فلا كلامَ لأحد مع كلام الله، وإنْ كان لم يرد فيه من الله شيء أدْلَى كُلٌّ منهم برأيه ومشورته. وهذا حدث فعلاً «في غزوة بدر حين نزل رسول الله ﷺ َ منزلاً رأى بعض الصحابة أن غيره خير منه، فسألوا رسول الله: أهذا منزل أنزلكَهُ الله، أم هو الرأْيُ والمشورة؟ فقال:» بل هو الرأي والمشورة «فأخبروه أنه غير مناسب، وأن المكان المناسب كذا وكذا» .

стр. 12366

وقوله تعالى: ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] أي: في الدنيا ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] أي: في الآخرة، فإنْ أفلتوا من فتنة الدنيا فلنْ يُفلتوا من عذاب الآخرة. ثم تختم السورة بقوله تعالى: ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾

стр. 12367

ألا: أداة تنبيه لشيء مهم بعدها، والتنبيه يأتي لأن الكلام سفارة بين المتكلم والمخاطب، المتكلم عادة يُعد كلامه، ولديْه أُنْسُّ بما سيقول، لكن المخاطب قد لا يكون خالي الذِّهْن فيفاجئه القول، وربما شغله ذلك عن الكلام، فيضيع منه بعضه. والحق ﵎ يريد ألاَّ يضيع منك حرف واحد من كلامه، فينبهك بكلمة هي في الواقع لا معنى لها في ذاتها، إلا أنها تنبهك وتُذهِب ما عندك من دهشة أو غفلة، فتعي ما يُقال لك، وهذا أسلوب عربي عرفته العرب، وتحدثتْ به قبل نزول القرآن. ويقول الشاعر الجاهلي يخاطب المرأة التي تناوله الكأس: أَلاَ هُبِّي بصَحْنِكِ فَاصْبِحِيناَ ... وَلاَ تُبْقِي خُمُورَ الأَنْدرِينَا

стр. 12368

يريد أن ينبهها إلى الكلام المفيد الذي يأتي بعد. وبعد ألا التنبيهية يقول سبحانه: ﴿إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ [النور: ٦٤] . والسموات والأرض ظرف فيهما كل شيء في الكون العُلْوي والسُّفْلي، فلله ما في السموات وما في الأرض أي: المظروف فيهما، فما بال الظرف نفسه؟ قالوا: هو أيضاً لله، كما جاء في آية أخرى: ﴿للَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ [النور: ٤٢] إذن: فالظرف والمظروف مِلْك له سبحانه. وعادةً ما يكون الظرف أقلَّ قيمةً من المظروف فيه، فما بداخل الخزينة مثلاً أثمن منها، وما بداخل الكيس أثمن منه، وكذلك عظمة السموات والأرض بما فيهما من مخلوقات. لذلك إياك أنّْ تجعل المصحف الشريف ظرفاً لشيء مهم عندك فتحفظه في المصحف؛ لأنه لا شيء أغلى ولا أثمن من كتاب الله، فلا يليق أن تجعله حافظةً لنقودك، أو لأوراقك المهمة؛ لأن المحفوظ عادة أثمن من المحفوظ فيه. وفي الآية: ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ [النور: ٦٤] أسلوب قصر بتقديم الجار والمجرور، فكلُّ ما في السموات، وكل ما في الأرض مِلْكٌ لله وحده، لا يشاركه فيه أحد، وعلى كثرة المفترين في الألوهية والفرعونية لم يَدَّعِ أحد منهم أن له مُلْكَ شيء منها. حتى إن النمورد الذي جادل أبانا إبراهيم ﵇ وقال: أنا أُحي وأميت لمَّا قال له إبراهيم: ﴿فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب﴾ [البقرة: ٢٥٨] لم يستطع فِعْل شيء وبُهِت وانتهت المسألة.

стр. 12369

ومُلْكه تعالى لم يقتصر على الخَلْق، فخَلَق الأشياء ثم تركها تؤدي مهمتها وحدها، إنما خلقها وله تعالى قيومية على ما خلق، وتصرّف في كل شيء، فلا تظن الكون من حولك يخدُمك آلياً، إنما هو خاضع لإرادة الله وتصرّفه سبحانه. فالماء الذي ينساب لك من الأمطار والأنهار قد يُمنع عنك ويصيب أرضك الجفاف، أو يزيد عن حَدِّه، فيصبح سيولاً تغرق وتدمر، إذن: المسألة ليست رتابة خَلْق، وليست المخلوقات آلاتٍ (ميكانيكية) ، إنما لله المْلك والقيومية والتصرُّف في كل ما خلق. ثم يقول سبحانه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور: ٦٤] لفهم هذه الآية لا بُدَّ أن نعلم أن علاقة الحق ﵎ بالأحداث ليستْ كعلاقتنا نحن، فنحن نعلم من علم النحو أن الأفعال ماضٍ، وهو ما وقع بالفعل قبل أن تتكلم به مثل: جاء محمد، ومضارع وهو إما للحال مثل: يأكل محمد. أو للاستقبال مثل: سيأكل محمد. أما بالنسبة لله تعالى، فالأحداث سواء كلها مَاضٍ وواقع، وقد تكلمنا في هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] . ومعلوم أن الاستعجال يكون للأمر الذي يأْتِ بَعْد، والقيامة لم تأتِ بعد لكن عبَّر عنها بالماضي (أتى) لأنه سبحانه لا يعوقه ولا يُخرجه شيء عن مراده، فكأنها أتتْ بالفعل، إذن: ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] ليست منطقية مع كلامك أنت، إنما هي منطقية مع كلام الله. كذلك في قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور: ٦٤] فقد: للتحقيق، ويعلم بالنسبة لله تعالى تعني عَلِم، لكنه بالنسبة لك

стр. 12370

أنت يعلم: إذن: فهناك طرف منك وطرف من الحق سبحانه، فبالنسبة للتحقيق جاء بقد، وبالنسبة للاستقبال جاء بيعلم. ثم يقول سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ﴾ [النور: ٦٤] وجاء في آية أخرى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] . فإياك أن تفهم أن نظر الله ورؤيته سبحانه للأبعاض المختلفة في الأماكن المختلفة رؤية جزئية، تتجه إلى شيء فلا ترى الآخر، إنما هي رؤية شاملة، كأن لكل شيء رؤية وحده، وهذا واضح في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] . فسبحانه لا يشغله سَمْع عن سمع، ولا بَصَر عن بصر، فبصره سبحانه محيط، واطلاعه دقيق؛ لذلك يأتي جزاؤه حقاً يناسب دِقّة اطلاعه، فإياك إذن أن تغفل هذه الحقيقة، فربُّك قائم عليك، ناظر إليك، لا تَخْفى عليه منك خافية. فيا مَنْ تتسلل لِواذاً احذر، فلا شيء أهمّ من مجلس مع رسول الله ﷺ َ، ورسول الله نفسه كان حريصاً أن يرى أصحابه في مجلسه بإستمرار، والله تعالى يوصيه بذلك فيقول له: ﴿وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] . وكان بعض أصحابه يُصلِّي خلفه، فكان عندما يسلم ينصرف الرجل مسرعاً فيراه ﷺ َ في أول الصلاة، ولا يراه في آخرها،

стр. 12371

فاستوقفه في إحدى الصلوات وقال له: «أزهداً فينا» ؟ وكأنه يعزّ على رسول الله أن يجد أحد أصحابه لا يتواجد مع حضرته، أو يَزْهَد في مجلسه، فيُحرم من الخيرات والتجليات التي تتنزل على مجلس رسول الله، ويُحرَم من إشعاعات بصيرته وبصره إليه. لذلك أُحرِج الرجل، وأخذ يوضح لرسول الله ﷺ َ ما يدفعه كل صلاة إلى الإسراع بالانصراف، وأن هذا منه ليس زهداً في حضرة رسول الله ومجلس رسول الله، فقال: يا رسول الله إن لي امرأة بالبيت تنتظر ردائي هذا لتصلي فيه. يعني: ليس لديه في بيته إلا ثوبٌ واحد، فدعا له النبي ﷺ َ بالخير، فلما عاد لزوجته سألته عن سبب غيابه، فقصَّ عليها ما كان من أمر رسول الله، وأنه استوقفه وحكى لها ما دار بينهما، فقالت لزوجها: أتشكو ربك لمحمد؟ ولما سألوها بعد ذلك قالت: «غاب عني مقدار مائة تسبيحة» فانظر إلى ساعتها التي تضبط عليها وقتها.

стр. 12372

﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان: ١] مادة الباء والراء والكاف عادةً تدلُّ على البركة، وهي أن يعطيك الشيء من الخير فوق ما تظن فيه ويزيد عن تقديرك، كما لو رأيتَ طعام الثلاثة يكفي العشرة، فتقول: إن هذا الطعام مُبَاركٌ أو فيه بركة.

стр. 12373

ومن معاني تبارك: تعالى قَدْره و ﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان: ١] تنزّه عن شبه ما سواه، وتبارك: عَظُم خَيْره وعطاؤه. وهذه الثلاثة تجدها مُكمِّلة لبعضها. ومن العجيب أن هذا اللفظ ﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان: ١] مُعجز في رَسْمه ومُعْجز في اشتقاقه، فلو تتعبتَ القرآن لوجدتَ أن هذه الكلمة وردتْ في القرآن تسْع مرات: سبع منها بالألف ﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان: ١] ومرتان بدون الألف، فلماذا لم تُكتب بالألف في الجميع، أو بدونها في الجميع؟ ذلك ليدلُّك على أن رَسْم القرآن رَسْم توقيفيّ، ليس أمراً (ميكانيكياً) ، كما في قوله تعالى في أول سورة العلق: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فرَسْم كلمة اسم هنا بالألف، وفي باقي القرآن بدون الألف. إذن: فالقرآن ليس عادياً في رَسْمه وكتابته، وليس عادياً في قراءته، فأنت تقرأ في أي كتاب آخر على أيِّ حال كنتَ، إلا في القرآن لا بُدَّ أن تكون على وضوء وتدخل عليه بطُهْر. . الخ ما نعلم من آداب تلاوة القرآن. ومن حيث الاشتقاق نعلم أن الفعل يُشتَقُّ منه الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل. . الخ، لكن ﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان: ١] لم يذكر منها القرآن إلا هذه الصيغة، وكأنه يريد أنّْ يخصَّها بتنزيه الله تعالى، مثلها مثل كلمة سبحان؛ لذلك على كثرة ما مرَّ في التاريخ من الجبابرة أرغموا الناس على مدحهم والخضوع لهم، لكن ما رأينا واحداً مهما كان مجرماً في الدين يقول لأحد هؤلاء: سبحانك.

стр. 12374

لذلك نقول في تسبيح الله: سبحانك، ولا تُقال إلا لك. مهما اجترأ الملاحدة فإنهم لا ينطقونها لغير الله. إذن: ﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان: ١] تدور حول معَانٍ ثلاثة: تعالى قَدْره، وتنزَّه عن مشابهة ما سواه، وعَظُم خَيْره وعطاؤه، ومَنْ تعاظُم خَيْره سبحانه أنه لا مثيل له: في قَدْره، ولا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في فعله. وهذا كله من مصلحتنا نحن، فلا كبيرَ إلا الله، ولا جبارَ إلا الله، ولا غنيَّ إلا الله. وسُمِّي القرآن فرقاناً؛ لأنه يُفرِّق بين الحق والباطل، وقد نزل القرآن ليُخرج الناسَ من الظلمات إلى النور، فيسير الناس على هُدىً وعلى بصيرة، فالقرآن إذن فَرَق لهم مواضع الخير عن مواضع العطب، فالفرقان سائر في كل جهات الدين، ففي الدين قمة هي الحق ﵎ ومُبلِّغ عن القمة هو الرسول ﷺ َ، ومُرْسَل إليه هم المؤمنون، فجاء القرآن ليفرُقَ بين الحق والباطل في هذه الثلاثة. ففي القمة، وُجدِ مَنْ ينكر وجود إله خالق لهذا الكون، وآخرون يقولون بوجود آلهة متعددة، وكلاهما على طرفي نقيض للآخر، ليس هناك سيال فكر يجمعهم، فجاء القرآن ليفرق بين الحق والباطل في هذه المسألة، ويقول: الأمر وسط بين ما قُلْتم: فالإله موجود، لكنه إله واحد لا شريكَ له، ففرقَ في مسألة القمة. كذلك فَرق في مسألة الرسول وهو بشر من قومه، فلما اعترض بعضهم عليه وحسدوه على هذه المكانة وهو واحد منهم أيَّده الله بالمعجزة التي تُؤيده وتُظهِر صِدْقه في البلاغ عن الله، وكانت معجزته ﷺ َ في شيء نبغ فيه القوم، وهي الفصاحة والبلاغة والبيان، والعرب أهل بيان، وهذه بضاعتهم الرائجة وتحدَّاهم بهذه المعجزة فلم يستطيعوا.

стр. 12375

وكذلك فَرَق في مسألة الخَلْق من حيث مُقوِّمات حياتهم، فبيَّن لهم الحلال والحرام، وفي استبقاء النوع بيَّن لهم الحلال، وشرع لهم الزواج، ونهاهم عن الزنا ليحفظ سلالة الخليفة لله في الأرض. إذن: فَرق القرآن في كل شيء: في الإله، وفي الرسول، وفي قِوَام حياة المرسَل إليهم، وما دام قد فَرقَ في كل هذه المسائل فلا يوجد لفظ أفضل من أن نُسمِّيه «الفرقان» . ولا شكَّ أن الألفاظ التي ينطق بها الحق ﵎ لها إشعاعات، وفي طياتها معَانٍ يعلمها أهل النظر والبصيرة ممَّنْ فتح الله عليهم، وما أشببها بفصوص الماس! والذي جعل الماس ثميناً أن به في كل ذرة من ذراته تكسراتٍ إشعاعية ليست في شيء غيره، فمن أيِّ ناحية نظرتَ إليه قابلك شعاع معكوس يعطي بريقاً ولمعاناً يتلألأ من كل نواحيه، وكذلك ألفاظ القرآن الكريم. ومن معاني الفرقان التي قال بها بعض العلماء أنه نزل مُفَرَّقاً، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ﴾ [الإسراء: ١٠٦] يعني: أنزلناه مُفرَّقاً لم ينزل مرة واحدة كالكتب السابقة عليه، وللحق ﵎ حكمة في إنزال القرآن مُفرقاً، حيث يعطي الفرصة لكل نَجْم ينزل من القرآن أنْ يستوعبه الناس؛ لأنه يرتبط بحادثة معينة، كذلك ليحدث التدرّج المطلوب في التشريعات. يقول تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء: ١٠٦] . لقد كان المسلمون الأوائل في فترة نزول القرآن كثيري الأسئلة، يستفسرون من رسول الله عن مسائل الدين، كما قال تعالى:

стр. 12376

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة﴾ [البقرة: ١٨٩] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال﴾ [الأنفال: ١] فكان النجم من القرآن ينزل ليُجيب عليهم ويُشرَّع لهم، وما كان يتأتَّى ذلك لو نزل القرآن جملة واحدة. وكلمة: ﴿نَزَّلَ الفرقان﴾ [الفرقان: ١] تؤيد هذا المعنى وتسانده؛ لأن نزّل تفيد تكرار الفعل غير «أنزل» التي تفيد تعدِّى الفعل مرة واحدة. وقوله تعالى: ﴿على عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] كأن حيثية التنزيل عليه هي العبودية لله تعالى، فهو العبد المأمون أن ينزل القرآن عليه. وسبق أن قلنا: أن العبودية لفظ بغيض إنِ استُعمِل في غير جانب الحق سبحانه، أمّا العبودية لله فيه عِزٌّ وشرف ولفظ محبوب في عبودية الخَلْق للخالق؛ لأن العبودية للبشر يأخذ السيد خير عبده، أمّا العبودية لله فيأخذ العبد خير سيده. لذلك جعل الله تعالى العبودية له سبحانه حيثية للارتقاء السماوي في رحلة الإسراء، فقال: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] فالرِّفْعة هنا جاءتْ من العبودية لله. ثم يقول سبحانه: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ١] العالمين: جمع عَالَم، والعَالَم ما سوى الله تعالى، ومن العوالم: عالم الملائكة، عالم الإنس، وعالم الجن، وعالم الحيوان، وعالم النبات، وعالم الجماد، إلا أن بعض هذه العوالم لم يَأْتِها بشير ولا نذير؛ لأنها ليست مُخيَّرة، والبشارة والنذارة لا تكون إلا للمخيّر. يقول تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن

стр. 12377

يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢] . فإنْ عزلْتَ من هذه العوالم مَنْ ليس له اختيار، فيتبقى منها: الجنّ والإنس، وإليهما أُرسل الرسول ﷺ َ بشيراً ونذيراً، لكن لماذا قال هنا ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ١] ولم يقل: بشيراً ونذيراً؟ قالوا: لأنه سبحانه سيتكلم هنا عن الذين خاضوا في الألوهية، وهؤلاء تناسبهم النَّذَارة لا البشارة؛ لذلك قال في الآية بعدها: ﴿الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾

стр. 12378

في آخر سورة النور قال سبحانه: ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ [النور: ٦٤] فذكر ملكية المظروف، وهنا قال: ﴿الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ [الفرقان: ٢] فذكر مِلْكية الظرف أي: السماوات والأرض. ثم تكلّم سبحانه في مسألة القمة التي تجرّأوا عليها، فقال: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ﴾ [الفرقان: ٢] . وسبق أنْ تكلمنا كثيراً عن مسألة اتخذا الولد والحكمة منها، فالناس تحب الولد، إما ليكون امتداداً للذكْر، وإما ليساند والده حالَ ضَعْفه، وإما للكثرة، والحق ﵎ هو الحيُّ الباقي الذي لا يموت، ولا يحتاج لمن يُخلِّد ذِكْراه، وهو القويُّ الذي لا يحتاج لغيره، فَلِمَ إذنْ يتخذ ولداً؟ وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ﴾ [الفرقان: ٢] وهذا أمر

стр. 12379

يؤيده الواقع؛ لأن الله تعالى أول ما شَهِد شهد لنفسه، فقال سبحانه: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم﴾ [آل عمران: ١٨] . أي: لما خلقتُ الملائكة شهدوا لله تعالى، ثم شهد أولو العلم بالاستدلال، فشهادة الحق سبحانه لنفسه شهادة الذات للذات، والملائكة شهدتْ شهادةَ المشاهدة، ونحن شهدنا شهادةَ الاستدلال والبرهان. والحق ﵎ يُعطينا الدليل على صِدْق هذه الشهادة، فيقول تعالى: ﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] . وقال سبحانه: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٤٢] . وهذا هو التفصيل المنطقي العاقل الذي نردُّ به على هؤلاء، فلو كان مع الله تعالى آلهة أخرى لَذهبَ كل منهم بجزء من الكون، وجعله إقطاعية خاصة به، وعَلاَ كل منهم على الآخر وحاربه، ولو كان معه سبحانه آلهة أخرى لاجتمعوا على هذا الذي أخذ الملْك منهم ليحاكموه أو ليتوسَّلوا إليه. وقلنا: إن الدَّعْوى تثبُتُ لصاحبها إذا لم يَدّعِهَا أحد غيره لنفسه، وهذه المسألة لم يدَّعها أحد، فهي إذن ثابتة لله تعالى إلى أنْ يُوجَد مَنْ يدَّعي هذا الخَلْق لنفسه. وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك بجماعة في مجلس فَقَد أحدهم محفظته فيه، ولما انصرفوا وجدها صاحب البيت، فسألهم عنها، فلم يدَّعِها أحد منهم، ثم اتصل به أحدهم يقول: إنها لي، فلا شكّ أنها له حتى يوجد مُدَّعٍ آخر، فنفصل بينهما.

стр. 12380

ثم يقول تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان: ٢] فخَلْق الله تعالى ليس خَلْقاً كما اتفق، إنما خَلْقه سبحانه بقَدَرٍ وحساب وحكمة، فيخلق الشيء على قَدْر مهمته التي يُؤدِّيها؛ لذلك قال في موضع آخر: ﴿الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٢٣] .

стр. 12381

أي: أتوْا بآلهة غير الله، هذه الآلهة بإقرارهم وبشهادتهم وواقعهم لا تخلق شيئاً، ويا ليتها فقط لا تخلق شيئاً، ولكن هي أنفسها مخلوقة، فاجتمع فيها الأمران. وهذه من الآيات التي وقف عندها المستشرقون وقالوا: إن فيها شهبة تناقض؛ لأن الله قال: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] فأثبت أن معه آخرين لهم صفة الخَلْق، بدليل أنه جمعهم معه، وهو سبحانه أحسنهم. وفي موضع آخر يقول سبحانه: ﴿وَرَسُولاً إلى بني إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أني أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله﴾ [آل عمران: ٤٩] . وللردِّ على هؤلاء نقول: تعالوْا أولاً نفهم معنى الخَلْق، الخَلْق: إيجاد لمعدوم، كما مثّلْنا سابقاً بصناعة كوب الزجاج من صَهْر بعض المواد، فالكوب كان معدوماً وهو أوجده، لكن من شيء موجود، كما أن الكوب يجمد على حالته، لكن الحق يُوجِد من معدوم: معدوماً من معدوم، ويُوجده على هيئة فيها حياة ونمو

стр. 12382

وتكاثر من ذاته، كما قال سبحانه: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] . والذين يصنعون الآن الورد الصناعي، ويحاولون جاهدين مُضَاهاة الورد الطبيعي الذي خلقه، فيضعون عليه رائحة الورد ليتوفر لها الشكل والرائحة، ثم ترى الوردة الصناعية زاهية لا تذبُل، لكن العظمة في الوردة الطبيعية أنها تذبل؛ لأن ذُبولها يدلُّ على أن بها حياة. لذلك سمَّى اللهُ الإنسانَ خالقاً، فأنصفه واحترم إيجاده للمعدوم، لكنه سبحانه أحسنُ الخالقين، ووَجْه الحُسْن أن الله تعالى خلق من لا شيء، وأنت خلقتَ من موجود، الله خلق خَلْقاً فيه حياة ونمو وتكاثر، وأنت خلقتَ شيئاً جامداً على حالته الأولى، ومع ذلك أنصفك ربك. ففي قوله تعالى: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير﴾ [آل عمران: ٤٩] معلوم أنه في مقدور كل إنسان أنْ يُصوِّر من الطين طَيْراً؟ ويُصمِّمه على شكله، لكن أَيُقال له: إنه خلق بهذا التصوير طَيْراً؟ وهل العظمة في تصويره على هيئة الطير؟ العظمة في أنْ تبعثَ فيه الحياة، وهذه لا تكون إلا من عند الله؛ لذلك قال عيسى ﵇: ﴿فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله﴾ [آل عمران: ٤٩] . فإنْ سلَّمْنا أنهم يخلقون شيئاً فهم في ذات الوقت مخلوقون، والأدْهَى من هذا أن الذي يتخذونه إلهاً لا يستطيع حتى أن يحمي نفسه أو يقيمها، إنْ أطاحتْ به الريح، وإنْ كُسِر ذراع الإله أخذوه لِيُرمموه، الإله في يد العامل ليصلحه!! شيء عجيب وعقليات حمقاء. لذلك يقول تعالى عن آلهتهم: ﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب﴾ [الحج: ٧٣] .

стр. 12383

ثم يقول سبحانه: ﴿وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾ [الفرقان: ٣] يعني: لا تنفعهم إنْ عبدوها، ولا تضرّهم إنْ كفروا بها ﴿وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً﴾ [الفرقان: ٣] أي: موتاً أو حياة لغيرهم، فهم لا يملكون شيئاً من هذا كله، لأنه من صفات الإله الحق الذي يُحيي ويُميت، ثم ينشر الناس في الآخرة. إذن: للإنسان مراحل متعددة، فبعد أنْ كان عَدَماً أوجده الله، ثم يطرأ عليه الموت فيموت، ثم يبعثه الله، ويُحييه حياة الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَقَالَ الذين كفروا إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ﴾

стр. 12384

بعد أن تكلم الفرقان وفرَق في مسألة القمة والألوهية واتخاذ الولد والشركاء، وبيَّن الإله الحق من الإله الباطل، أراد سبحانه أنْ يتكلّم عن الفرقان في الرسالة، فيحكى ما قاله الكفار عن القرآن ﴿إِنْ هذا﴾ [الفرقان: ٤] يعني: ما هذا أي القرآن الذي يقوله محمد ﴿إِلاَّ إِفْكٌ﴾ [الفرقان: ٤] الإفك: تعمُّد الكذب الذي يقلب الحقائق، وسبق أن قُلْنا: إن النسبة الكلامية إنْ وافقت الواقع فهي صٍِدْق، وإنْ خالفتْه فهي كذب. والإفْك قَلْب للواقع يجعل الموجود غير موجود، وغير الموجود موجوداً، كما جاء في حادثة الإفك حين اتهموا عائشة أم المؤمنين بما يخالف الواقع، فالواقع أن صفوان أناخ لها ناقته حتى ركبت

стр. 12385

دون أن ينظر إليها، وهذا يدل على مُنْتهى العِفَّة والصيانة، وهُمْ بالإفك جعلوا الطُّهْر والعفة عُهْراً. ومن العجيب أن هؤلاء الذين اتهموا القرآن بأنه إفك هم أنفسهم الذين قالوا عنه: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] . فهم يعترفون بالقرآن ويشهدون له، لكن يُتعبهم ويُنغِّص عليهم أن يُنزل على محمد بالذات، فلو نزل فرضاً على غير محمد لآمنوا به. ومن حُمْقهم أن يقولوا: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] . والمنطق أن يقولوا فاهْدنا إليه، لكنه العناد والمكابرة. وقوله: ﴿افتراه﴾ [الفرقان: ٤] أي: ادعاه، وعجيب أمر هؤلاء، يتهمون القرآن بأنه إفك مُفْترى، فلماذا لا يفترون هم أيضاً مِثْله، وهم أمة بلاغة وبيان؟! وفي موضع آخر يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] . وقديماً قالوا: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذكوراً، وإلا فكيف تتهمون محمداً أن رجلاً أعجمياً يُعلِّمه القرآن، والقرآن عربي؟ وقوله تعالى: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] الذي قال هذه المقولة هو النضر بن الحارث، ولما قالها رددها بعده آخرون أمثال: عدَّاس، ويسَّار، وأبي فكيهة الرومي، والقرآن يرد على كل هذه الاتهامات: ﴿فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾ [الفرقان: ٤] أي: حكموا به

стр. 12386

والظلم هو: الحكم بغير الحق، والزّور هو: عُدَّة الحكم ودليله. والظلم يأتي بعد الزور، لأن القاضي يستمع أولاً إلى الشهادة، ثم يُرتِّب عليها الحكم، فإن كانت الشهادةُ شهادةَ زور كان الحكم حينئذ ظالماً. لكن الحق ﵎ يقول ﴿ظُلْماً وَزُوراً﴾ [الفرقان: ٤] وهذا دليل على أن الحكم جاء منهم مُسبقاً، ثم التمسوا له دليلاً. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين﴾

стр. 12387

الأساطير: جمع أسطورة، مثل أعاجيب جمع أعجوبة، وأحاديث جمعُ أُحْدوثة، والبكرة أو النهار، والأصيل آخره، والمعنى أنهم قالوا عن القرآن: إنه حكايات وأساطير السابقين ﴿اكتتبها﴾ [الفرقان: ٥] يعني: أمر بكتابتها. وهذا من ترددهم واضطراب أقوالهم، فالنبي ﷺ َ أُميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، وقولهم: ﴿فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان: ٥] أي: باستمرار ليُكرِّرها ويحفظها. ويردُّ القرآن عليهم: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر﴾

стр. 12388

﴿أَنزَلَهُ﴾ [الفرقان: ٦] أي: القرآن مرة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ﴿الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض﴾ [الفرقان: ٦] فلا تظن أنك بمجرد خَلْقك قدرْتَ أن تكشف أسرار الله في

стр. 12389

كونه، إنما ستظل إلى قيام الساعة تقف على سر، وتقف عند سر آخر. لماذا؟ لأن الحق يريد أن يبطل هذه المدعيات، ويأتي بأشياء غيبية لم تكن تخطر على بال المعاصرين لمحمد، ثم تتضح هذه الأشياء على مَرَّ القرون، مع أن القرآن نزل في أُمة أمية، والرسول الذي نزل عليه القرآن رجل أمي، ومع ذلك يكشف لنا القرآن كل يوم عن آية جديدة من آيات الله. كما قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق﴾ [فصلت: ٥٣] . والحق ﵎ يكشف لرسوله ﷺ َ شيئاً من الغيبيات، ليراها المعاصرون له ليلقم الكفارَ الذين اتهموه حجراً، فيكشف بعض الأسرار كما حدث في بدر حيث وقف النبي ﷺ َ في ساحة المعركة بعد أن عرف أن مكة ألقتْ بفلذات أكبادها وسادتها في المعركة، وقف يشير بعصاه إلى مصارع الكفار، ويقول: «هذا مصرع أبي جهل، وهذا مصرع عتبة بن ربيعة. .» . الخ يخطط على الأرض مصارع القوم. ومَنِ الذي يستطيع أن يحكم مسبقاً على معركة فيها كَرٌّ وفَرٌّ، وضَرْب وانتقال وحركة، ثم يقول: سيموت فلان في هذا المكان. والوليد بن المغيرة والذي قال عنه القرآن ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى

стр. 12390

الخرطوم﴾ [القلم: ١٦] يعني: ستأتيه ضربة على أنفه تَسِمُه بسِمَة تلازمه، وبعد المعركة يتفقده القوم فيجدونه كذلك. هذه كلها أسرار من أسرار الكون يخبر بها الحق ﵎ رسوله ﷺ َ، والرسول يخبر بها أمته في غير مظنَّة العلم بها. ومن ذلك ما يُروى من «أن ابنتي رسول الله ﷺ َ قد تزوجتا من ولدين لأبي لهب، فلما حدثت العداوة بينه وبين رسول الله أمر ولديْه بتطليق ابنتي رسول الله، وبعدها رأى أحد الولدين رسول الله ماشياً، فبصق ناحيته، ورأى رسول الله ذلك فقال له:» أكلك كلب من كلاب الله «. فقال أبو لهب بعد أن علم بهذه الدعوة: أخاف على ولدي من دعوة محمد. وعجيب أنْ يخاف الكافر من دعوة رسول الله، وهو الذي يتهمه بالسحر وبالكذب ويكفر به وبدعوته. ولما خرج هذا الولد في رحلة التجارة إلى الشام أوصى به القوم أن يحرسوه، ويجعلوا حوله سياجاً من بضائعهم يحميه خشية أن تنفذ فيه دعوة محمد، وهذا منه كلام غير منطقي، فهو يعلم صدق النبي ﷺ َ وأنه مُرْسَل من عند الله، لكن يمنعه من الإيمان حقده على رسول الله وتكبّره على الحق.

стр. 12391

وخرج الولد في رحلة التجارة ورغم احتياطهم في حمياته هجم عليه سبع في إحدى الليالي واختطفه من بين أصحابه، فتعجبوا لأن رسول الله قال: «كلب من كلاب الله» وهذا أسد ليس كلباً. قال أهل العلم: ما دام أن رسول الله نسب الكلب إلى الله، فكلب الله لا يكون إلا أسداً. فالمعنى: قل يا محمد في الرد عليهم ولإبطال دعاواهم: ﴿أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض﴾ [الفرقان: ٦] وسوف يفضحكم ويُبطِل افتراءكم على رسول الله من قولكم إفك وكذب وافتراء وأساطير الأولين، وسوف يُخْزِيكم أمام أعْينِ الناس جميعاً. وعلى عهد رسول الله قامتْ معركة بين الفُرْس والروم غُلبت فيها الروم، فحزن رسول الله لهزيمة الروم؛ لأنهم أهل كتاب يؤمنون بالله وبالرسول، أما الفرس فكانوا كفاراً لا يؤمنون بالله ويعبدون النار وغيرها. فمع أنهما يتفقان في تكذيبهم لرسول الله، إلا أن إيمان الروم بالله جعل رسول الله يتعصب لهم مع أنهم كافرون به، فعصبية رسول الله لا تكون إلا لربه . فلما حزن رسول الله لذلك أنزل الله تعالى عليه: ﴿الم غُلِبَتِ الروم في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ العزيز الرحيم﴾ [الروم: ١٥] . فأيُّ عقل يستطيع أنْ يحكم على معركة ستحدث بعد عدة سنوات؟ لو أن المعركة ستحدث غداً لأمكن التنبؤ بنتيجتها، بناءً على حساب العَدد والعُدة والإمكانات العسكرية، لكن مَنْ يحكم على معركة ستدور رحاها بعد سبع سنين؟ ومَنْ يجرؤ أن يقولها قرآناً يُتْلَى ويُتعبَّد به إلى يوم القيامة. فلو أن هذه المدة مرَّت ولم يحدث ما أخبر به رسول الله لكفَر به مَنْ آمن وانفضَّ عنه مَنْ حوله.

стр. 12392

إذن: ما قالها رسول الله قرآناً يُتْلَى ويُتعبَّد به إلا وهو واثق من صِدْق ما يخبر به؛ لأن الذي يخبره ربه الذي يعلم السرَّ في السموات والأرض؛ لذلك قال هنا الحق : ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض﴾ [الفرقان: ٦] . ومن العجيب أن ينتصر الروم على الفُرْس في نفس اليوم الذي انتصر فيه الإيمان على الكفر في غزوة بدر، هذا اليوم الذي قال الله تعالى عنه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله﴾ [الروم: ٤٥] . وما دام أن الذي أنزل القرآن هو سبحانه الذي يعلم السِّر في السماوات والأرض، فلن يحدث تضارب أبداً بين منطوق القرآن ومنطوق الأكوان؛ لأن خالقهما واحد فمن أين يأتي الاختلاف أو التضارب؟ ثم يقول سبحانه: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الفرقان: ٦] فما مناسبة الحديث عن المغفرة والرحمة هنا؟ قالوا لأن الله ﵎ يريد أن يترك لهؤلاء القوم الذين يقرعهم مجالاً للتوبة وطريقاً للعودة إليه وإلى ساحة الإيمان. لذلك يقول النبي ﷺ َ لمن أشار عليه بقتل الكفار: «لعلَّ الله يُخرِج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً» . وكان الصحابة يألمون أشد الألم إنْ أفلتَ أحد رءوس الكفر من

стр. 12393

القتل في المعركة، كما حدث مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص قبل إسلامهما، وهم لا يدرون أن الله تعالى كان يدَّخِرهم للإسلام فيما بعد. فقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الفرقان: ٦] حتى لا يقطع سبيل العودة إلى الإيمان بمحمد على مَنْ كان كافراً به، فيقول لهم: على رغم ما حدث منكم. إنْ عُدْتم إلى الجادة وإلى حظيرة الإيمان ففي انتظاركم مغفرة الله ورحمته. والحق ﵎ يُبيِّن لنا هذه المسألة حتى في النزوع العاطفي عند الخَلْق، فهند بنت عتبة التي أغرتْ وَحْشِياً بقتل حمزة عم رسول الله وأسد الله وأسد رسوله، ولم تكتف بهذا، بل مثَّلتْ به بعد مقتله ولاكَتْ كبده ﵁، ومع ذلك بعد أنْ أسلمتْ وبايعتْ النبي ﷺ َ نُسيت لها هذه الفعلة وكأنها لم تكُنْ. ولما قال أحدهم لعمر بن الخطاب: هذا قاتل أخيك (يشير إليه) والمراد زيد بن الخطاب، فما كان من عمر إلا أن قال: وماذا أفعل به وقد هداه الله للإسلام؟

стр. 12394

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام)

стр. 12395

عجيب أمر هؤلاء المعاندين: يعترضون على رسول الله أنْ يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لكسْب العيش، فهل سبق لهم أنْ رَأَوْا نبياً لا يأكل الطعام، ولا يمشي في الأسواق؟ ولو أن الأمر كذلك لكان لاعتراضهم معنى، إذن: قولهم ﴿مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق﴾ [الفرقان: ٧] قولٌ بلا حجة من الواقع، ليستدركوا بهذه المسألة على رسول الله. فماذا يريدون؟ قالوا: ﴿لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ٧] صحيح أن الملَك لا يأكل، لكن معنى ﴿لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧] يعني: يسانده، وفي هذه الحالة لن يُغيِّر من الأمر شيئاً، وسيظل كلام محمد هو هو لا يتغير. إذَن: لن يضيف الملَك جديداً إلى الرسالة. . وعليه، فكلامهم هذا سفسطة وجَدَلٌ لا معنى له. وكلمة ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ٧] لم يقولوا بشيراً، مما يدل على اللدَد واللجاج، وأنهم لن يؤمنوا؛ لذلك لن يفارقهم الإنذار.
следующие страницы →