← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 12531–12570 · переход к 12536.

стр. 12531

تأتي هذه الآية استمراراً لذكْر بعض آيات الله في الكون التي تلفت نظر المكابرين المعاندين لرسول الله، وسبق أنْ ذكر سبحانه: الظل والليل والرياح. . الخ إذن: كلما ذكر عنادهم يأتي بآية كونية ليلفتهم إلى أنهم غفلوا عن آيات الله، وجدالهم مع رسول الله يدل على أنهم لم يلتفتوا إلى شيء من هذا؛ لذلك ذكر آية كونية من آيات الله المرئية للجميع ومكررة، وعليها الدليل القائم إلى يوم القيامة، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين﴾ [الفرقان: ٥٣] . المَرْجح: المرعى المباح، أو الكلأ العام الذي يسوم فيه الراعي ماشيته تمرح كيف تشاء. فمعنى ﴿مَرَجَ البحرين﴾ [الفرقان: ٥٣] أي: جعل العَذْب والمالح يسيران، كُلٌّ كما يشاء، لذلك تجد البحار والمحيطات المالحة التي تمثل

стр. 12532

ثلاثة أرباع الياسبة ليس لها شكل هندسي منتظم، بل تجده تعاريج والتواءات، وانظر مثلاً إلى خليج المكسيك أو خليج العقبة، وكأن الماء يسير على (هواه) ودون نظام، فلا يشكل مستطيلاً أو مربعاً أو دائرة. وكذلك الأنهار التي تولدتْ من الأمطار على أعلى الجبال، فتراها حين تتجمع وتسير تسير كما تشاء، ملتوية ومُتعرِّجة؛ لأن الماء يشقُّ مجراه في الأماكن السلهة، فإنْ صادفته عقبة بسيطة ينحرف هنا أو هناك، ليكمل مساره، وانظر إلى التواء النيل مثلاً عند (قنا) . إذن: الماء عَذْبٌ أو مالح يسير على هواه، وليست المسألة (ميكانيكا) ، وليست منتظمة كالتي يشقُّها الإنسان، فتأتي مستقيمة. ونلحظ هذه الظاهرة مثلاً حينما يقضي الإنسان حاجته في الخلاء، فينزل البول يشقّ له مجرىً في المكان الذي لا يعوقه، فإنْ صادفته حصاة مثلاً انحرف عنها كأنه يختار مساره على هواه. والبحر يقال عادة للمالح وللعذب على سبيل التغليب، كما نقول الشمسان للشمس والقمر. ومرْج البحرين آية كوينة تدل على قدرة الله، فالماء مع ما عُرف عنه من خاصية الاستطراق يعني: يسير إلى المناطق المنخفضة، يسير المالح والعذب معاً دون أن يختلط أحدهما بالآخر، ولو اختلطا لَفَسدا جميعاً؛ لأن العَذْب إنْ خالطه المالح أصبح غيْرَ صالح للشرب، وإنْ خالط المالح العذب فسد المالح، وقد خلقه الله على درجة معينة من الملوحة بحيث تُصلحه فلا يفسد، وتحفظه أن يكون آسناً. فالماء العذب حين تحصره في المكان يأسن ويتغير، أمّا البحر

стр. 12533

فقد أعدَّه الله ليكون مخزن الماء في الكون ومصدر البَخْر الذي تتكون منه الأنهار؛ لذلك حفظه، وجعل بينه وبين الماء العذب تعايشاً سِلْمياً، لا يبغي أحدهما على الآخر رغم تجاورهما. وقوله تعالى: ﴿هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] أي: مُفرِط في العذوبة مستساغ، ومن هذه الكلمة سَمَّوْا نهر الفرات لعذوبة مائه، فلَيس المراد بالفرات أن الماء كماء نهر الفرات؛ لأن الكلمة وُضِعت أولاً، ثم سُمِّيَ بها النهر، ذلك لأن القرآن هو كلام الله الأزلي. ﴿وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] أي: شديد الملوحة، ومع ذلك تعيش فيه الأسماك والحيوانات المائية، وتتغذى عليه كما تتغذى على الماء العَذْب، كما قال سبحانه: ﴿وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢] . ثم يقول سبحانه: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً﴾ [الفرقان: ٥٣] البرزخ: شيء بين شيئين، وأصل كلمة برزخ: اليابسة التي تفصل بين ماءين، فإن كان الماء بين يابستين فهو خليج. ﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ [الفرقان: ٥٣] الحِجْر: هو المانع الذي ينمع العَذْب والمالح أنْ يختلطا، والحِجْر نفسه محجور، مبالغة في المنع من اختلاط الماءيْن، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ القرآن جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ [الإسراء: ٤٥] . ومثل قوله تعالى: ﴿ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ [النساء: ٥٧] .

стр. 12534

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ مِنَ المآء﴾

стр. 12535

وفي آية عامة عن الماء، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] يعني: كل شيء فيه حياة فهو من الماء، لا أن الماء داخل في كل شيء، فالمعنى: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] أي: كل شيء موصوف بأنه حي، فالماء إذن دليل الحياة؛ لذلك إذا أراد العلماء أن يقضوا على الميكروبات أو الفيروسات جعلوا لها دواءً يفصل عنها المائيةَ فتموت. والإنسان الذي كرَّمه الله تعالى وجعله أعلى الأجناس، خلقه الله من الماء، ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ مِنَ المآء بَشَراً﴾ [الفرقان: ٥٤] وفي موضع آخر قال سبحانه: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب﴾ [الطارق: ٥٧] وهو ماء له خصوصية، وهو المنيُّ الذي قال الله فيه: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى﴾ [القيامة: ٣٧٣٨] . والبشر أي: الإنس ﴿فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾ [الفرقان: ٥٤] فمن الماء خلق الله البشر، وهم قسمان: ذكور وإناث، فكلمة (نَسَباً) تعني: الذكورة (وَصِهْراً) تعني: الأنوثة؛ لأن النسب يعني انتقال الأدنى من الأعلى بذكورة، فيظل الإنسان فلان بن فلان بن فلان. . الخ.

стр. 12536

فالنسب يأتي من ناحية الذكورة، أما الأنوثة فلا يأتي نسب، إنما مصاهرة، حينما يتزوج رجل ابنتي، أو أتزوج ابنته، يُسمُّونه صِهْرا. لذلك قال الشاعر: وَإنَّما أُمَّهَاتُ القَوْمِ أَوْعِية ... مُسْتحدثَات ولِلأَحْسَابِ آبَاءُ فمن عظمة الخالق أن خلق من الماء هذيْن الشيئين، كما قال في موضع آخر: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى﴾ [القيامة: ٣٩] ، وقد توصَّل العلماء مُؤخّراً إلى أن بويضة الأنثى لا دَخْلَ لها في نوع الجنين، وما هي إلا حاضنة للميكروب الذَّكَري الآتي من منيّ الرجل. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى﴾ [القيامة: ٣٧٣٩] . فالذكر والأنثى كلاهما من المنيّ، والذي يُطلق عليه العلماء الآن (الإكس، والإكس واي) فالحيوان المنويّ يخرج من الرجل، منه ما هو خاص بالذكورة، ومنه ماهو خاص بالأنوثة، ثم تتم عملية انتخاب للأقوى الذي يستطيع تلقيح البويضة. وهذه الظاهرة واضحة في النحل، حيث تضع الملكة البيض، ولا يُخصِّبها إلا الأقوى من الذكور، لذلك تطير الملِكة على ارتفاعات عالية، لماذا؟ لتنتخب الأقوى من الذكور. كذلك الميكروب ينزل من الرجل، والأقوى منه هو الذي يستطيع أن يسبق إلى بويضة المرأة، فإنْ سبق الخاص بالذكورة كان ذكراً، وإنْ سبق الخاص بالأنوثة كان أنثى، والحق سبحانه قال: ﴿الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٢٣] .

стр. 12537

وبهذه الآية الكونية في خَلْق الإنسان نرد على الذين يحلو لهم أن يقولوا: إن الإنسان خُلِق صُدْفة، فإذا كان الإنسان ذكراً وأنثى بينهما مواصفات مشتركة وأجهزة ومُقوِّمات واحدة، إلا أن الذكَر يختلف في الجهاز التناسلي وكذلك الأنثى، فهل يُردّ هذا الى الصدفة؟ ومعلوم أن الصُّدْفة من أعدائها الاتفاق، فإذا جاء الذكّر صدفة، وجاءت الأنثى كذلك صدفة، فهل من الصدفة أن يلتقيا على طريقة خاصة، فيثمر هذا اللقاء أيضاً ذكورة وأنوثة؟! إذن: المسألة ليست مصادفةً، إنما هي غاية مقصودة للخالق . ثم يقول سبحانه في ختام الآية ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً﴾ [الفرقان: ٥٤] وذكر سبحانه القدرة هنا؛ لأن هذه مسألة دقيقة لا تحدث إلا بقدرة الله تعالى. وقد فَطِن العرب حتى قبل نزول القرآن إلى هذه العملية بالفطرة، فهذه زوجة أبي حمزة تعاتبه؛ لأنه تركها وتزوج من أخرى، لأنها لم تَلِدْ له ذَكَراً، فتقول: مَا لأَبي حَمْزةَ لاَ يَأْتِينَا ... غَضْبان أَلاَّ نَلِدَ البَنِينَا تَاللهِ ما ذَلكَ في أَيْدينا ... فَنَحْنُ كَالأرْضِ لِغَارِسينَا نُعطِي لَهُمْ مِثْلَ الذي أُعْطِينَا ... وهذه المسألة التي فَطِن إليها العربي القديم لم يعرفها العلم إلا في القرن العشرين. وبعد هذه الآية الكونية يعود إلى خطابهم مرة أخرى لعل قلوبهم ترقّ، فالحق ﵎ يتعهدهم مرة بالنُّصح، ومرة بإظهار آياته تعالى في الكون.

стр. 12538

يعني: أيليق بهم بعد أنْ أوضحنا لهم كلَّ هذه الآيات أنْ يلتفتوا إلى غير الله، ويقصدوه بالعبادة؟ وقوله تعالى: ﴿مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان: ٥٥] البعض يرى أن هذه الآلهة نعم لا تنفع لكنها تضر، نقول لهم: هي لا تنفع، ولا تضر، أمَّا الذي يضر فهو الإله الحق الذي انصرفوا عنه إلى عبادة غيره، والمعنى هنا: ﴿مَا لاَ يَنفَعُهُمْ﴾ [الفرقان: ٥٥] إنْ عبدوه ﴿وَلاَ يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان: ٥٥] إنْ كفروا به وتركوه. والقرآن يُسمِّي فعلهم من هذه الآلهة عبادة، وهم أنفسهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] . إذن: أثبتوا لهم عبادة، والعبادة طاعة العابد للمعبود فيما يأمر به، وفيما ينهي عنه، فما الذي أمرتْهم به الأصنام؟ وما الذي نهتْهم عنه؟ فكلمة عبادة هنا خطأ، وهم ما عبدوا هذه الآلهة إلا لأنها لا أوامر لها ولا التزام معها، فتديّنهم تديّن (فنطزية) . وما أسهل أن تعبد إلهاً لا يأمرك ولا ينهاك، والذي يكرهونه في التديُّن الحقيقي أنه التزام وتكليف: افعل كذا، ولا تفعل كذا. لذلك ترى المسرفين على أنفسهم من خَلْق الله يتمنى كلٌّ منهم أن يكون هذا الدين كذباً، لماذا؟ ليسيروا على هواهم، ويعملوا ما يحلو لهم. كذلك رأينا الدجالين الذين ادَّعَوْا النبوة بداية من

стр. 12539

مسيلمة وسجاح، كيف كانوا يجذبون الناسَ إليهم؟ كانوا يجذبونهم بتخفيف الأوامر وتبسيط الدين، ولما شقَّتْ الزكاة على البعض أسقطوها من حسابهم، وأعفَوْ الناس منها. . إلخ. ولكل زمان دجالون يناسبون العصر الذي يعيشون فيه، وفي عصرنا الحاضر دجالون يُخفِّفون عنك الدين ويُطوِّعونه لأهواء الناس ورغباتهم، فلا مانع عندهم من الاختلاط، ولا بأس في أن ترتدي المرأة من اللباس ما تشاء. . إلى آخر هذه المسائل. ثم يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ الكافر على رَبِّهِ ظَهِيراً﴾ [الفرقان: ٥٥] . الظهير: هو المعين: كما ورد في قوله : ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] . وكانوا في الماضي يحملون الأحمال على الظّهْر قبل اختراع آلات الحمل، وحتى الآن نرى (الشيالين) يحملون الأثقال على ظهروهم، ويخيطون لهم (ظهرية) يرتدونها على ظهورهم؛ لتحميهم ساعة حَمْل الأثقال، وإذا أراد أحدهم معاونة الآخر يقول له: أعطني ظهرك، فكان الظهر إذن بهذا المعنى.

стр. 12540

والظهر أيضاً يقتضي العلو، ومنه قوله تعالى عن السد الذي بناه ذو القرنين: ﴿فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْباً﴾ [الكهف: ٩٧] يعني: ما استطاعوا اعتلاءه. لكن، كيف يكون الكافر ظهرياً على الله؟ قالوا: لأنه يفعل المعصية، ويتخذ أُسْوة فيها يُقلده الناس، ولو كان طائعاً لكان أُسْوة خير ونموذجَ صلاحٍ، فالكافر أسوة شر، وأسوة فساد، وهو شيطان الإنس الذي يوازي شيطان الجن الذي عصى ربه، ورفض السجود لآدم. وتوعَّد ذريته حين قال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] . وكلٌّ من شياطين الجن وشياطين الإنس يستعين بالنفس فيُسلِّطها على صاحبها حتى تُوقعه، فالإنسان حينما يستمع لنداء الشيطان، سواء شيطان الإنس أو شيطان الجن ويطيعه بعمل المخالفة، فإنه يُعينه على الله، والمعنى الصحيح: على معصية الله. كما أن الظهير يُطلق على مَنْ جعلْتَه وراء ظهرك، لا تأبه به، ولا تلتفت إليه، ومنه قول العرب: (لا تجعلنَّ حاجتي منك بظهر) يعني: اجعلها أمام عينيك لا تطوِها وراء ظهرك. إذن: فكِلاَ المعنيين جائز: ظهيراً أي: مُعِيناً، كأن الحق ﵎ يقول لنبيه ﷺ َ: اعلم يا محمد أن الكافر ظهير على الله، فقِفْ بالمرصاد، وجاهده ما استعطتَ، فكأنه تعالى يُحمِّس

стр. 12541

رسوله ليقف هذا الموقف، ويُشجِّعه ليكون من عدوه على حَذَر وعلى يقظة. أو: ظهيراً لا يُؤبه له، وهذا طمأنه لرسول الله، فالكافر هَيِّن على الله، فلا يهمك كيدهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾

стр. 12542

صحيح أن الله تعالى قال لرسوله ﷺ َ: ﴿ياأيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] لكن لا يعني هذا أن يهلك رسول الله نفسه في دعوتهم، ويألم أشد الألم لعدم إيمانهم؛ لأن مهمة الرسول البلاغ، وقد أسف رسول الله لحال قومه حتى خاطبه ربه بقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً﴾ [الكهف: ٦] . وما أمره الله بجهاد الكفار والمنافقين إلا ليحفزه، فلا يترك جُهْداً إلا بذله معهم، وإلاّ فأنت عندي مُبشِّر ومُنذِر ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً﴾ [الفرقان: ٥٦] أي: بالخير قبل أوانه ليتلفت الناس إلى وسائله ﴿وَنَذِيراً﴾ [الفرقان: ٥٦] أي: بالشر قبل أوانه ليحذره الناس، ويجتنبوا أسبابه ووسائله. ثم يوجه رب العزة نبيه ورسوله ﷺ َ: ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾

стр. 12543

في آية أخرى: يقول تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] . يعني: غير قادرين على دَفْع الثمن؛ لأنهم بخلاء وعندهم كزازة؟ أو لا يريدون أنْ يُخرِجوا من جيوبهم شيئاً تنتفع أنت به؟ مع أنك لم تسألهم أجراً، فهل يعني ذلك أن النبي كان من المفروض أن يسألهم أجراً؟ قالوا: نعم؛ لأنه إذا قدَّم إنسانٌ لإنسان شيئاً نافعاً، فعليه أن يدفع له أجراً بمقتضى التبادل والمعاوضة، وكأنه ﷺ َ يقول لهم: لقد قدَّمتُ إليكم جميلاً يفترض أن لي عليه أجراً، لكني لا أريد منكم أجراً، والمسألة من عندي تفضُّل. وما هو الأجر؟ الأجر: جُعْلٌ يقابل عملاً، والثمن: جعل يقابل تملُّكاً، وقيمة هذا الجُعْل تختلف باختلاف مشقة العمل، وطُول زمنه، ومهارة العامل فيما يقتضيه العمل ومخاطر ما يقتضيه العمل. فكل مسألة من هذه ترفع من قيمة الأجر، فحين تسافر مثلاً تحتاج إلى (شيَّال) يحمل لك الحقائب، فتعطيه الأجر الذي يتناسب ومجهوده، فإن استأجرت سيارة وسِرْتَ بها مسافة فلا بُدَّ أن الأجر سيزيد؛ لأنه أخَذ مجهوداً ووقتاً أكثر، فإن احتجتَ مثلاً سباكاً ليصلح لك شيئاً فسوف ترى ما في هذا العمل من المشقة، ولا تبخل عليه بأكثر من سابقيه. وربما كان العمل في نظرك بسيطاً لا يستغرق وقتاً، لكنه يحتاج إلى مهارة. هذه المهارة ليست وليدة اللحظة، ولكنها مجهود ونتيجة

стр. 12544

عوامل من التعلُّم والخبرة حتى وصل صاحبها إلى هذه المهارة. فالمهندس مثلاً الذي يُصمِّم لك منزلك في ساعة أو ساعتين، ومع ذلك يطلب مبلغاً كبيراً، لماذا؟ لأنه لا يتقاضى أجراً على هذا الوقت، إنما على سنواتٍ طويلة من الدراسة والمجهود والتحصيل، حتى وصل إلى هذه المهارة. إذن: كل أجر يُقدَّر بما يقابله من عمل، ويتناسب مع ما يقتضيه العمل من وقت ومجهود ومشقة ومخاطرة ومهارة. . ألخ. وإذا كان الأمر كذلك فانظروا إلىعمل الرسول وإلى مدى إفادتكم من رسالته، انظروا إلى المنهج الذي جاءكم به، وكيف أنه يريحكم مع أنفسكم، ويريحكم مع المجتمع، ويريحكم مع ربكم ، ويريحكم من شرور أنفسكم، ومن شرور الناس جميعاً. إذن: للرسول عمل كبير ومجهود عظيم، لو قدَّرْتَ له أجراً لكان كذلك عظيماً. إن الإنسان إذا أَجَّر مثلاً حارساً يحرسه بالليل، كم يدفع له؟ فالنبي يأتيك بمنهج يحرسك ويحميك في نفسك وفي مالك وفي عِرْضك وفي كل ما تملك، ولا يحميك من فئة معينة إنما يحميك من الناس أجمعين. بل إن حماية منهج الله لك لا تقتصر على الدنيا، إنما تتعدَّى إلى الآخرة، فتحميك فيها حماية ممتدة لا نهايةَ لها، فإنْ قدَّرْت لهذه الحماية أجراً، فكم يكون؟ إنما أنا أقول لك: لا أريد أجراً، لا كراهيةً في الأجر، بل لأنك أنت أيها الإنسان لا تستطيع تقدير هذا العمل أو تقييم الأجر عليه، أمَّا الذي يُقدِّر ذلك فهو ربِّي الذي بعثني، وأنت أيها العبد مهما قدَّمْتَ لي من أجر على ذلك فهو قليل.

стр. 12545

وحكينا قصة الرجل الطيب الذي قابلناه في الجزائر، يقف على الطريق يُلوِّح لسيارة تحمله، فوقفنا وفتحنا له الباب ليركب معنا، وقبل أن يركب قال: بكَمْ؟ يعني: الأجرة. فقال له صاحبي: لله، فقال الرجل: إذن فهي غالية جداً. هذا هو المعنى في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الله﴾ [هود: ٢٩] . وفي موضع آخر يقول سبحانه: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الله وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين﴾ [يونس: ٧٢] فما العلاقة بين الأجر وبين ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين﴾ [يونس: ٧٢] ؟ كأن المسلم ينبغي عليه أن يعمل العمل، لا لمن يعمل له، ولكن يعمله لله ليأخذ عليه الأجر الذي يناسب هذا العمل من يده تعالى، إنما إنْ أخذه من صاحبه فهو كالذي «فعل ليقال وقد قيل» وانتهتْ المسألة، وربما حتى لا يُشكر على عمله. لذلك وردتْ هذه العبارة على ألسنة كل الرسل: ﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٠٩] وليس هناك آية طلب فيها الأجر الظاهر إلا هذه الآية التي نحن بصددها: ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٥٧] . وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ [الشورى: ٢٣] . ومعنى: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٥٧] أي: سبيلاً للمثوبة، وسبيلاً للأجر من جهاد في سبيل الله، أو صدقة على الفقراء. . إلخ. وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ﴾ [الفرقان: ٥٧] تدل على التخيير في دَفْع الأجر، فالرسول لا يأخذ إلا طواعية، والأجر: ﴿أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٥٧] من الجهاد والعمل الصالح، فكأن أجر الرسول

стр. 12546

العمل للغير، لتأخذ أنت الأجر من الله، فالرسول لا يأخذ شيئاً لنفسه. ونلحظ في آيات الأَجْر أنها جاءت مرة ﴿أَجْراً﴾ [الأنعام: ٩٠] ومرة ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧] والبعض يرى أن (من) هنا زائدة، وهذا لا يُقال في كلام الله، عَيْب أن نتهم كلام الله بأن فيه زيادة، فكلُّ حرف فيه له معناه. وسبق أن ضربنا لمِنْ هذه مثلاً بقولنا: ما عندي مال، وما عندي من مال. فالأولى نفَتْ أنْ يكون عندك مالٌ يُعتدُّ به، لكن قد يكون عندك القليل منه، أما القول الثاني فيعني نَفْي المال مطلقاً بدايةً مِمَّا يقال له مال، إذن: فأيّهما أبلغ في النفي؟ فمِنْ هنا تفيد العموم. لذلك يقول تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون: ٧٢] لماذا؟ لأنه سيعطيك ويُكافئك على قَدْره هو، وبما يناسب جُودَه تعالى وكرمه الذي لا ينفد، أما الإنسان فسيعطيك على قَدْره وفي حدود إمكاناته المحدودة. مَلْحظ آخر في هذه المسألة في سورة الشعراء، وهي أحفَلُ السُّور بذِكْر مسألة الأجر، حيث تعرَّضَتْ لموكب الرسل، فذكرت ثمانية هم: موسى وهارون وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب.

стр. 12547

تلحظ أن كل هؤلاء الرسل قالوا: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ على رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: ١٠٩] عدا إبراهيم وموسى ﵉ لم يقولا هذه الكلمة، لماذا؟ قالوا: لأنك حين تطلب أجراً على عمل قمتَ به لا يكون هناك ما يُوجب عليك أنْ تعمل له مجاناً، فأنت لا تتقاضى أجراً إنْ عملتَ مثلاً مجاملةً لصديق، وكذلك إبراهيم ﵇ أول ما دعا إلى الإيمان دعا عمه آزر، ومثل هذا لا يطلب منه أجراً، وموسى ﵇ أول ما دعا دعا فرعون الذي احتضنه وربَّاه في بيته، ولو طلب منه أجراً لقال له: أيّ أجر وقد ربَّيتك وو. . إلخ. الآية الأخرى في الاستثناء هي قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ [الشورى: ٢٣] فكأن المودة في القربى أجر لرسول الله ﷺ َ على رسالته، لكن أيُّ قُرْبى: قُرْبى النبي أم قُرْباكم؟ لا شكَّ أن النبي الذي يجعل حُبَّ القريب للقريب ورعايته له هو أجره، يعني بالقُرْبى قُرْبى المسلمين جميعاً، كما قال عنه ربُّه : ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] .

стр. 12548

الحق ﵎ يُطمئن رسوله ﷺ َ يا محمد لا تهتم بكثرة الكفار ومكرهم بك وتعاونهم مع شياطين الإنس والجن؛ لأن هؤلاء سيتساقطون ويموتون، إما بأيديكم، أو بعذاب من عند الله، وعلى فَرْض أنهم عاشوا فلن تغلب قوتهم وحِيلُهم قوة الله تعالى ومكره، وإنْ توكلوا على أصنام لا تضر ولا تنفعَ، فتوكل أنت على الله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] . والعاقل لا يتوكل إلا عل مَنْ يثق به ويضمن معانوته، وأنه سيوافقك في كل ما تريد، لكن ما جدوى أنْ تتوكل على أحد ليقضي لك مصلحة، وفي الصباح تسمع خبر موته؟ وكأن الحق ﵎ يريد أن ينصِّح خَلْقه: إنْ أردتَ أنْ تتوكل فتوكل على مَنْ ينفعك ولا يتركك، على مَنْ يظل على العهد معك لا يتخلى عنك، على مَنْ لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. هذه هي الفِطْنة. لكن ما جدوى أن تتوكل على مَنْ ليس فيه حياة؟ وعلى فرض أن فيه حياةً دائمة فلا تضمن ألا يتغير قلبه عليك؟ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨] سبِّح يعني: نزِّه، والتنزيه تضعه في إطار ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فلله وجود، ولك وجود، لكن وجوده تعالى ليس كوجودك، ولله صفة ولك نفس الصفة، لكن صفته تعالى ليست كصفتك، ولله تعالى فعل، ولك فعل، لكن فعله تعالى ليس كفعلك. إذن: نزَّه الله في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله عن مشابهة الخَلْق، وما دام الحق سبحانه مُنزَّهاً في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، فأنت تتوكّل على إله لا تطرأ عليه عوامل التغيير أبداً.

стр. 12549

وهذا التنزيه لله تعالى، وهذه العظمة والكبرياء له سبحانه في صالحك أنت أيها الإنسان، من صالحك ألاَّ يوجد لله شبيه، لا في وجوده، ولا في بقائه، ولا في تصرُّفه، من صالحك أن يعرف كل إنسان أن هناك مَنْ هو أعلى منه، وأن الخَلْق جميعاً محكومون بقانون الله، فهذا يضمن لك أن تعيش معهم آمناً، إذن: من الخير لنا أن يكون الإله ليس كمثله شيء، وأن يكون سبحانه عالياً فوق كل شيء. ويجب عليك حين تُنزه الله تعالى ألاَّ تُنزِّهه تنزيهاً مُجرّداً، إنما تنزيهاً مقرونا بالحمد ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨] فتحمده على أنه واحد لا شريك له، ولا مثيلَ له، وليس كمثله شيء، ففي ظل هذه العقيدة لا يستطيع القويُّ أن يطغى على الضعيف، ولا الغني على الفقير. . إلخ. ثم يقول سبحانه: ﴿وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: ٥٨] نقول: كفاك فلان. يعني: لا تحتاج لغيره. كقولنا: حَسْبُك الله يعني: كافيك عن الاحتياج لغيره؛ لأنه يعطيك كُلَّ ما تحتاج إليه، ويمنع عنك الشر، وإنْ كنت تظنه خيراً لك. وكأن الحق ﵎ يقيم لك (كنترولاً) يضبط حياتك ويضمن لك السلامة، لذلك حين تدعو الله فلا يستجيب لك، لا تظن أن الله تعالى موظفٌ عندك، لا بُدَّ أن يُجيبك لما تريد، إنما هو ربك ومتولٍّ أمرَك، فيختار لك ما يصلح لك، ويُقدِّم لك الجميل وإن كنت تراه غير ذلك. وقد ضربنا لهذه المسألة مثلاً بالأم التي تكثِر الدعاء على ولدها، فكيف بها إذا استجابَ الله لها؟ إذن: من رحمة الله بها أنْ يردَّ

стр. 12550

دعاءها، ويمنع إجابتها، فمنع الإجابة هنا إجابة. ﴿وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: ٥٨] المعنى: إذا توكلتَ على الحيِّ الذي لا يموت، فآثار هذا التوكل أنْ يحميك من ذنوب العباد، فهو وحده الذي يعلم ذنوبهم، ويعلم حتى ما يدور في أنفسهم. ألم يقُل الحق لرسوله ﷺ َ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَتِ الرسول وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المصير﴾ [المجادلة: ٨] . فما زال القَوْلُ في أنفسهم لم يخرج، ومع ذلك أخبره الله به، وكأن الحق سبحانه يُطمئن رسوله: مهما تآمروا عليك، ومهما دبّروا لك، ومهما تكاتف ضدك جنودُ الإنس والجن، فاطمئِنْ لأن ربك عليم بالذنوب التي قد لا تدركها أنت، ولا حيلة عندك لردِّها، فيكفيك أن يعلم اللهُ ذنوبَ أعدائك. ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين﴾ [الأنفال: ٣٠] . والخبير: الذي يعلم خبايا الأمور، حتى في مسائل الدنيا الهامة نقول: نستدعي لها الخبير؛ لأن المختص العادي لا يقدر عليها. وفي موضع آخر يقول تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤] . ثم ينقلنا الحق ﵎ إلى آية كونية، تنضاف إلى الآيات السابقة، والهدف من ذكر المزيد من الآيات الكونية أنه لعلَّها تصادف رقَّة قلبٍ واستمالة مواجيد، فتعطف الخَلْق إلى الخالق، وتُلفِت الأنظار إليه سبحانه.

стр. 12551

البعض يظن أن خَلْق السموات والأرض شيء سهل، وأعظم منه خَلْق الإنسان، لكن الحق ﵎ يقول: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ [غافر: ٥٧] . فالإنسان يخلقه الله، وقد يموت بعد يوم، أو بعد مائة عام، وقد تصيبه في حياته الأمراض، أمّا السموات والأرض، فقد خلقها الله تعالى بهندسة دقيقة، وقوانين لا تختلف ولا تختل مع ما يمرُّ عليها من أزمنة، وكأن الحق سبحانه يقول للإنسان: إن السموات والأرض هذه خلْقتي وصَنْعتي، لو تدبرتَ فيها وتأملتَها لوجدتَها أعظم من خَلْقك أنت. وقوله تعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان: ٥٩] سبق أن تكلَّمنا في هذه المسألة وقلنا: إن جمهرة آيات القرآن تدل على أن الخَلْق تمَّ في مدة ستة أيام إلا سورة واحدة تُشعِر آياتها أن الخلق في ثمانية أيام، وهي سورة فصلت. حيث يقول فيها الحق : ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العالمين وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وأوحى فِي

стр. 12552

كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم﴾ [فصلت: ٩١٢] . وجملة هذه ثمانية أيام، وكل مُجْمل يخضع للتفصيل إلا تفصيل العدد فيرجع للمجمل، كيف؟ الحق سبحانه يتكلم هنا عن خَلْق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم تكلَّم عن خَلْق الأرض في يومين، وجعل فيها رواسي من فوقها، وبارك فيها وقدَّر فيها أقواتها في أربعة أيام، فالأربعة الأيام هذه تكملة لخلّق الأرض فهي تكملة لليومين، كأنه قال في تتمة أربعة أيام، فالأرض في يومين والباقي أكمل الأربعة. كما تقول: سِرْتُ إلى طنطا في ساعة، وإلى الأسكندرية في ساعتين أي يدخل فيهما الساعة الأولى إلى طنطا، فاليومان من الأربعة الأيام. لكن، كيف نُقدِّر هذا اليوم؟ الله يخاطبنا باليوم الذي نعرفه ونعرف مدلوله، فالمعنى: في ستة أيام من أيامكم التي تعرفونها. وإلاَّ لو كان المراد يوماً لا نعرفه نحن، فسيكون لا معنى له؛ لأننا لا نفهمه. ولقائل أن يقول: كيف يستغرق الخَلْق كل هذه المدة والحق ﵎ يخلق بكُنْ، وكن لا تحتاج وقتاً؟ قالوا: فَرْق بين عملية الخَلْق وما يحتاجه المخلوق في ذاته. فأنت مثلاً، إنْ أردتَ أنْ تصنع كوباً من الزبادي تحضر اللبن مثلاً وتضع عليه خميرة الزبادي المعروفة المأخوذة من زبادي دسم سبق صُنْعه، وتضعه في درجة حرارة معينة، بعد هذه العملية تكون قد صنعت الزبادي فعلاً، لكن هل يمكنك أن تأكل منه فَوْر الانتهاء

стр. 12553

من صناعته؟ لا، بل لا بُدَّ أن تتركه عدة ساعات لتتفاعل عناصره، فهل تقول: أنا صنعت الزبادي في عدة ساعات مثلاً؟ كذلك، حين تذهب إلى (الترزي) لتفصيل ثَوْب مثلاً يقول لك: موعدنا بعد شهر، فهل تستغرق خياطة الثوب شهراً؟ لا، إنما مدته عنده شهر. فالحق ﵎ يفعل ويخلق دون معالجة، وبالتالي دون زمن؛ لأنه سبحانه يقول للشيء: كُنْ فيكون. وقوله: سبحانه: ﴿ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ [الفرقان: ٥٩] سبق أن تكلمنا في هذه المسألة: فاستوى تعني: صعد وارتفع وعلا وجلس، ونحن نُنزِّه الله تعلى عن استواء يشابه استواء خَلْقه. والاستواء هنا رمزية لتمام الأمر بما نعرفه في عادة الملوك في الجلوس على كرسي العرش، حين يتم لهم الأمر ويستتبّ. و ﴿الرحمن﴾ [الفرقان: ٥٩] دليل على أن مسألة الخَلْق كلها تدور في إطار الرحمانية ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: ٥٩] لأنه سبحانه خلق السموات والأرض وخلقنا، ومع ذلك لا نعرف: كيف تم هذا الخَلْق؟ ولن نستطيع أن نقف على تفصيل هذا الخَلْق، إلا إذا أطعلنَا الخالق عليه، وإلاَّ فهذا أمر لم نشاهده، فكيف نخوض فيه، كمن يقول: إن الأرض كانت قطعةَ من الشمس، ثم انفصلتْ عنها مع دوران الشمس. . إلخ هذه الأقوال. لذلك الحق ﵎ يُحذِّرنا من سماع مثل هذه النظريات، لأن مسألة الخَلْق لا تخضع للعلم التجريبي أَبداً، فيقول

стр. 12554

سبحانه: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ [الكهف: ٥١] . إذن: سيوجد في الكون مُضلون يقولون للناس مثل هذه الأقوال في الخَلْق ويدَّعُون بها أنهم علماء يعرفون ما لا يعرفه الناس، فاحذروهم فما شاهدوا عملية الخَلْق، وما كانوا مساعدين لله تعالى، فيطلعوا على تفاصيل الخَلْق. لذلك تقوم هذه الأقوال في خَلْق الإنسان وخَلْق السماء والأرض دليلاً على صِدْق هذه الآية، فما موقف هذه الآية إذن إذا لم تقل هذه الأقوال؟ ومثال ذلك الذين يحلو لهم التعصب للقرآن الكريم ضد الحديث النبوي يقول لك أحدهم: حدِّثني عن القرآن، سبحان الله، أتتعصّب للقرآن ضد الرسول الذي بلَّغك القرآن، وما عرفتَ القرآن إلا من طريقه؟ يعني (الواد ربَّانيّ) لا يعترف إلا بالقرآن. ونقول لمثل هذا الذي يهاجم الحديث النبوي: أنت صليتَ المغرب ثلاث ركعات، فأين هذا من القرآن؟ لذلك يقول النبي ﷺ َ: «يُوشك الرجل يتكىء على أريكته يُحدَّث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما كان حراماً حرَّمْناه، وإن ما حرّم رسول الله كما حرّم الله» .

стр. 12555

لماذا؟ لأنِّي أقول لكم من باطن قَوْل الله تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] . بالله، لو لم يُوجَد الآن مَنْ يقول بهذا القول، فماذا سيكون موقف هذا الحديث؟ وكيف لنا أن نفهمه؟ لقد فضحهم هذا الحديث، وأبان ما عندهم من غباء، فقد كان بإمكانهم بعد أنْ عرفوا حديث رسول الله أنْ يُمسِكوا عن التعصب للقرآن ضد الحديث النبوي، فيكون الحديث ساعتها غير ذي معنى لكن هيهات. نعود إلى موضوعنا، ونحن بصدد الكلام عن خَلْق السموات وخَلْق الأرض، واستواء الحق ﵎ على العرش، وهاتان المسألتان لا تسأل فيهما إلا الله ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: ٥٩] لأنه وحده الذي يعلم خبايا الأمور، وهذه أمور لم يطلّع عليها أحد فيخبرك بها. وكلمة: (سأل) الإنسان لا يسأل عن شيء إلا إذا كان يجهله، والسؤال له مراحل: فقد تجهل الشيء ولا تهتم به، ولا تريد أن تعرفه، فأنت واحد من ضمن الذين لا يعرفون، وقد تجهل الشيء لكن تهتم به، فتسأل عنه لاهتمامك به، فمرَّة نقول: اسأل به. ومرة نقول: اسأل عنه. والمعنى: اسأل اهتماماً به، أي: بسبب اهتمامك به اسأل عنه خبيراً ليعطيك ويخبرك بما تريد، فهو وحده الذي يعرف خبايا الأمور ودقائقها، وعنده خبر خَلْق السموات وخَلْق الأرض، ويعلم مسألة الاستواء على العرش؛ لذلك إنْ سألتَ عن هاتين المسألتين، فلا تسأل إلا خبيراً. والذين قالوا في قوله تعالى: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: ٥٩]

стр. 12556

أي: ممَّنْ يعلم الكلام عن الله من أهل الكتاب نقول: لا بأسَ؛ لأنه سيؤول إلى الله تعالى في النهاية.

стр. 12557

نلحظ أن الحق ﵎ حينما ذكر الصفة الملزمة لأنْ تخضع له سبحانه لم يَقُلْ مثلاً: اسجدوا لله، إنما ﴿اسجدوا للرحمن﴾ [الفرقان: ٦٠] وأتى بالصفة التي تُعدِّي رحمانيته إليك، فكان من الواجب أنْ تطيع، وأن تخضع له. كما قُلْنا سابقاً: اجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن مُلْكه. ﴿قَالُواْ وَمَا الرحمن﴾ [الفرقان: ٦٠] كأنهم لا يعرفون هذه الكلمة، إنهم لا يعرفون إلا رحمن اليمامة. وقولهم: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان: ٦٠] دليل على أن الامتناع عن السجود ليس للذات المسجود لها، بل لمن أمر بالسجود، كما سبق وأنْ قالوا: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فكأنهم إنْ أمرهم الله بالسجود لسجدوا، لكن كيف يأتي الأمر من الرسول خاصة؟ وما مَيْزته عليهم حتى يأمرهم؛ لذلك قال بعدها: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ [الفرقان: ٦٠] والنفور: الانفكاك عن الشيء بكُرْه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء﴾

стр. 12558

يعود السياق مرة أخرى لذِكْر آية كونية؛ لأن الحق ﵎ يراوح بين آية تطلب منهم شيئاً، وأخرى تلفتهم إلى قدرة الله وعظمته، وهذا يدل على مدى تعنتهم ولجاجتهم وعنادهم، وحرص الحق على لَفْتهم إليه، والأخْذ بأيديهم إلى ساحته تعالى. ولو شاء سبحانه لَسرَد الآيات الكونية مرة واحدة، وآيات التكذيب مرة واحدة، ولكن يُزاوج بين هذه وهذه لتكون العبرة أنفذ إلى قلوب المؤمنين. قلنا: ﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان: ٦١] يعني: تنزّه، وعَلاّ قدره، وعَظُم خيره وبركته. والبروج: جمع بُرْج، وهو الحصن الحصين العالي الذي لا يقتحمه أحد، والآن يُطلقونها على المباني العالية يقولون: برج المعادي، برج النيل. . الخ، ومنه قوله تعالى: ﴿والسمآء ذَاتِ البروج﴾ [البروج: ١] . وقوله سبحانة: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . والبروج: منازل في السماء يحسب الناسُ بها الأوقات، ويربطون بينها وبين الحظوظ، فترى الواحد منهم أول ما يفتح جريدة الصباح ينظر في باب «حظك اليوم» ، وقد دلَّتْ الآيات على أن هذه البروج جعلها الله لتُسهِّل على الناس أمور الحساب. كما قال سبحانه: ﴿الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] . وقال تعالى: ﴿والشمس والقمر حُسْبَاناً﴾ [الأنعام: ٩٦] .

стр. 12559

يعني: بها تُحسب المواقيت، فالشمس تعطيك المواقيت اليومية والليلية، والقمر يدلُّك على أول كل شهر؛ لأنه يظهر على جِرْم معين، وكيفية مخصوصة تُوضّح لك أول الشهر ومنتصفه وآخره، ثم تعطيك الشمس بالظل حساب جزيئات الزمن. ومعلوم أن في السماء اثنيْ عَشَر بُرْجاً جمعها الناظم في قوله: حَمَلَ الثَّوْرُ جَوْزةَ السَّرطَانِ ... وَرَعَى الليْثُ سُنْبُلَ الميزاَنِ عَقْرب القَوْس جَدْي دَلْو ... وحُوت مَا عَرفنَا من أُمَّة السُّرْيَانِ فهي: الحملَ، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. فأوّلها الحَمل، وآخرها الحوت، وكلُّ بُرْج يبدأ من يوم ٢١ في الشهر وينتهي يوم ٢٠. ثم يقول تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ [الفرقان: ٦١] السراج هو المصباح الذي نشعله ليعطي حرارة وضوءاً ذاتياً، والمراد هنا الشمس؛ لأن ضوءها ذاتيٌّ منها، وكذلك حرارتها، على خلاف القمر الذي يضيء بواسطة الأشعة المنعكسة على سطحه، فإضاءته غير ذاتية؛ لذلك يقولون عن ضوء القمر: الضوء الحليم؛ لأنه ضوء بلا حرارة. والعجيب أن سطح القمر كما وجدوه حجارة، ولما أخذوا منه حجراً ليُجروا عليه بحوثهم فهلْ قَلَّ ضوء القمر؟ لا لأن دائرته الكاملة هي التي تعكس إلينا ضوء الشمس وحين تأخذ منه حجراً يعكس لك ما تحته أشعة الشمس. وفي موضع آخر، يوضح الحق سبحانه هذه المسألة، فيقول

стр. 12560

تعالى: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً﴾ [يونس: ٥] فالضياء هو الذي يأتي من الكوكب ذاتياً، والنور هو انعكاس الضوء على جسم آخر، فهو غير ذاتي. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ اليل والنهار﴾

стр. 12561

عرفنا أن الليل: غياب الشمس عن نصف الكرة الأرضية، والنهار مواجهة الشمس للنصف الآخر، والليل والنهار متعاقبان ﴿خِلْفَةً﴾ الفرقان: ٦٢] يأتي الليل ثم يعقبه النهار، كل منهما خَلْف الآخر، وهذه المسألة واضحة لنا الآن، لكن كيف كانت البداية عندما خلق الله تعالى الخَلْق الأول، فساعتها، هل كانت الشمس مواجهة للأرض أم غائبة عنها؟ إنْ كان الحق سبحانه خلق الشمس مواجهةً للأرض، فالنهار هو الأول، ثم تغيب الشمس، ويأتي الليل ليخلف النهار، أما النهار فلم يُسبق بليْل. وكذلك كانت الشمس عند الخَلْق غير مواجهة للأرض، فالليل هو الأول، ولا يسبقه نهار، وفي كلتا الحاليتن يكون أحدهما ليس خلْفة للآخر، ونحن نريد أن تصدُقَ الآية على كليْهما. إذن: لا بد أنهما خِلْفة منذ الخَلْق الأول؛ ذلك لأن الأرض كما عرفنا ولم يَعُدْ لدينا شك في هذه المسألة كروية، والحق ﵎ حينما خلق الشمس والقمر الخَلق الأول كان المواجه منها للشمس نهاراً، والمواجهة منها للقمر ليلاً، ثم تدور حركة الكون، فيخلف أحدهما الآخر منذ البداية.

стр. 12562

وهذه النظرية لا تستقيم إلا إذا قُلْنا بكروية الأرض، وهذه يؤيدها قوله تعالى: ﴿وَلاَ اليل سَابِقُ النهار﴾ [يس: ٤٠] . والمعنى أيضاً: ولا النهار سابق الليل، لكن ذكر الليلَ؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الليل خُلِق أولاً، لماذا؟ لأن الزمن عندهم يثبت بليله، كما يحدث مثلاً في الصوم، فهل تصوم أولاً في النهار ثم ترى الهلال بالليل؟ إنما ترى الهلال بالليل أولاً، فكأن رمضان يبدأ يومه بليله. وما دام الأمر كذلك فالليل سابقُ النهار عندهم، وهذه قضية يعتقدونها ومُسلَّمة عندهم، وجاء القرآن وخاطبهم على أساس هذا الاعتقاد: أنتم تعتقدون أن الليلَ سابقُ النهار يعني: النهار لا يسبق الليل، نعم لكن: اعلموا أيضاً أن الليل لا يسبق النهار. إذن: المحصلة: لا الليلُ سابقُ النهار، ولا النهار سابق الليل. ولو قلنا بأن الأرض مسطوحة لَمَا استقام لنا هذا القول. لكن أيّ ليل؟ وأيّ نهار؟ نهاري أنا، أم نهار المقابل لي؟ وكل واحد على مليون من الثانية يولد نهار ويبدأ ليل؛ لأن الشمس حين تغيب عني تشرق على آخرين، والظهر عندي يوافقه عصر أو مغرب أو عشاء عند آخرين. إذن: كل الزمن فيه الزمن، وهذا الاختلاف في المواقيت يعني أن نغمة الأذان (الله أكبر) شائعة في كل الزمن، فالله معبود بكل وقت وفي كل زمن، فأنت تقول: الله أكبر وغيرك يقول: أشهد أن لا إله إلا الله. . وهكذا. وإنْ كان الحق ﵎ خلق الليل للسُّبات وللراحة،

стр. 12563

والنهار للسعي والعمل، فهذه الجمهرة العامة لكنها قضية غير ثابتة، حيث يوجد من مصالح الناس ما يتعارض وهذه المسألة، فمن الناس مَنْ تقتضي طبيعة عمله أن يعمل بالليل كالخبازين والحراس والممرضين. . إلخ. فهؤلاء يُسمح لهم بالعمل بالليل والراحة بالنهار، ولو لم يكُنْ لهؤلاء منفذ لقلنا: إن هذا الكلام متناقض مع كونيات الخَلْق؛ لذلك يقول في آية أخرى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم باليل والنهار﴾ [الروم: ٢٣] فتراعي هذه الآية ظروف هؤلاء الذين يضطرون للعمل ليلاً، وللراحة نهاراً. وقوله تعالى: ﴿لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان: ٦٢] يعني: يا مَنْ شغله نهار عمله عن ذكر ربه انتهِزْ فرصة الليل، ويا مَنْ شغله نوم الليل عن ذِكْر ربه انتهز فرضة النهار، وذلك كقول النبي ﷺ َ: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل» . فمَن فاته شيء في ليله فليتداركه في نهاره، ومَنْ فاته شيء في نهاره فليتداركه في ليله، وإذا كان الله تعالى يبسط يده بالليل ويبسط يده بالنهار، وهما مستمران، فمعنى ذلك أن يده تعالى مبسوطة دائماً. ومعنى ﴿يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: ٦٢] يتمعنّ ويتأمل في آيات الله، في الليل وفي النهار، كأنه يريد أن يصطاد لله نعماً يشكره عليها، على خلاف الغافل الذي لا يلتفت إلى شيء من هذا، فمن فضل الله علينا

стр. 12564

أن يُنبِّهنا إلى هذه النعم، ويلفت نظرنا إليها؛ لأننا أهل غفلة. وقوله: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان: ٦٢] أي: شكراً، فهي صغية مبالغة في الشكر.

стр. 12565

يعطينا الحق ﵎ صورة للعبودية الحقة، ونموذجاً للذين اتبعوا المنهج، كأنه يقول لنا: دَعْكُم من الذين أعرضوا عن منهج الله وكذَّبوا رسوله، وانظروا إلى أوصاف عبادي الذين أمنوا بي، ونفَّذوا أحكامي، وصدَّقوا رسولي. نقول: عباد وعبيد. والتحقيق أن (عبيد) جمع لعبد، وأن (عباد) جمع لعابد مثل: رجال جمع راجل: ﴿وَأَذِّن فِي الناس بالحج يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ [الحج: ٢٧] إذن: عبيد غير عِبَاد. وسبق أن تحدثنا عن الفَرْق بين العبيد والعباد، فكلنا عبيد لله تعالى: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، فما دام يطرأ عليه في حياته ما لا يستطيع أنْ يدفعه مع أنه يكرهه فهو مقهور، فالعبد الكافر الذي تمرَّد على الإيمان بالله، وتمرَّد على تصديق الرسول، وتمرد على أحكام الله فلم يعمل بها. فهل بعد أن أَلِفَ التمرد يستطيع أن يتمرد على المرض إنْ أصابه؟ أو يستطيع التمرد على الموت إنْ حلّ بساحته؟ إذن: فأنت

стр. 12566

عبد رغماً عنك، وكلنا عبيد فيما نحن مقهورون عليه، ثم لنا بعد ذلك مساحة من الاختيار. أما المؤمن فقد خرج عن اختياره الذي منحه الله في أن يؤمن أو يكفر، وتنازل عنه لمراد ربه، فاستحق أن يكون من عباد الله ﴿وَعِبَادُ الرحمن﴾ [الفرقان: ٦٣] فنحن وإنْ كنا عبيداً فنحن سادة؛ لأننا عبيد الرحمن؛ لذلك كانت حيثية تكريم الله لرسوله ﷺ َ في الإسراء هي عبوديته لله تعالى، حيث قال: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] ، فالعبودية هي علة الارتقاء. فلما أخلص رسول الله العبودية لله نال هذا القُرْب الذي لم يسبقه إليه بشر. لذلك وصف الملائكة بأنهم ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] وباستقراء الآيات لم نجد سوى آية واحدة تخالف في ظاهر الأمر هذا المعنى الذي قُلْناه في معنى العباد، وهي قوله تعالى في الكلام عن الآخرة: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾ [الفرقان: ١٧] . فقال للضالين (عبادي) وهي لا تُقال إلا للطائعين، لماذا؟ قالوا: لأن في القيامة لا اختيارَ لأحد، فالجميع في القيامة عباد، حيث انتفى الاختيار الذي يُميِّزهم. والعلماء يقولون: إن العباد تُؤخَذ منها العبادية، وأن العبيد تُؤخَذ منها العبودية: العبادية في العباد أن يطيع العابد أمر الله، وينتهي عن نواهيه طمعاً في ثوابه في الآخرة، وخوفاً من عقابه فيها، إذن: جاءت العبادية لأخذ ثواب الآخرة وتجنّب عقابها. أما العبودية فلا تنظر إلى الآخرة، إنما إلى أن الله تعالى تقدّم

стр. 12567

بإحسانه على عبيده إيجاداً من عدم، وإمداداً من عُدْمٍ، وتربية وتسخيراً للكون، فالله يستحق بما قدّم من إحسان أن يُطاع بصرف النظر عن الجزاء في الآخرة ثواباً أو عقاباً. أما العبودة فهي: ألاَّ ينظر العبد إلى ما قدَّم من إحسان، ولا ما أخّر من ثواب وعقاب، وإنما ينظر إلى أن جلال الله يستحق أنْ يطُاع، وإنْ لم يسبق له الإحسان، وإنْ لم يأتِ بعد ذلك ثواب وعقاب. وإن كانت العبودية مكروهة في البشر كما قال أحد الساسة: متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ ذلك لأن العبودية للبشر يأخذ السيد خيْر عبده، أما العبودية لله تعالى فِعزٌّ وشرف، حيث يأخذ العبد خَيْر سيده، فهي عبودية سيادة، لا عبودية قهر. فحين تؤمن بالله يعطيك الله الزمام: يقول لك: إنْ أردت أنْ أذكرك فاذكرني، وفي الحديث القدسي: «مَنْ ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، ومَنْ ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» . وإنْ كان يستدعيك إلى خَمْس صلوات في اليوم والليلة، فما ذلك إلا لتأنسَ بربك، لكن أنت حر تأتيه في أيِّ وقت تشاء من غير موعد، وأنت تستطيع أن تحدد بَدْءَ المقابلة

стр. 12568

ونهايتها وموضوعها. . إلخ، فزمام الأمر في يدك. وقد تعلم سيدنا رسول الله خُلق الله، فكان إذا وضع يده في يد أحد الصحابة يُسلِّم عليه لا ينزع يده منه حتى يكون هو الذي ينزع يده من يد رسول الله، وهذا أدب من أدب الحق ﵎ إذن: فالعبودية لله تعالى عبودية لرحمن، لا عبودية لجبار. وأول ما نلحظ في هذه الآية أنه تعالى أضاف العباد إلى الرحمن، حتى لا نظن أن العبودية لله ذِلَّة، وأن القرآن كلام رب وُضِع بميزان، ثم يذكر صفات هؤلاء العباد، صفاتهم في ذواتهم، وصفاتهم مع مجتمعهم، وصفاتهم مع ربهم، وصفاتهم في الارتقاء بالمجتمع إلى الطُّهر والنقاء. أما في ذواتهم، فالإنسان له حالتان هما محلُّ الاهتمام: إما قاعد، وإما سائر، ونُخرِج حالة النوم لأنه وقت سكون، أما حال القعود فالحركة محدودة في ذاته، والمهم حال الحركة والمشي، وهذا هو الحال الذي ينبغي الالتفات إليه. لذلك يوضح لنا ربنا كيف نمشي فيقول: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ [الفرقان: ٦٣] . يعني: برفق وفي سكينة، وبلين دون اختيال، أو تكبُّر، أو غطرسة، لماذا؟ لأن المشي هو الذي سيُعرِّضك لمقابلة مجتمعات متعددة، وهذا الأدب الرباني في المشي يُحدِث في المجتمع استطراقاً إنسانياً يُسويِّ بين الجميع.

стр. 12569

وفي موضع آخر يقول تعالى في هذه المسألة: ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً﴾ [لقمان: ١٨] ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولاً﴾ [الإسراء: ٣٧] . وتصعير الخدِّ أنْ تُميله كِبْراً وبَطَراً وأصله (الصعر) مرض في البعير يصيب عنقه فيسير مائلاً، ومَنْ أراد أن يسير مُتكبِّراً مختالاً فليتكبر بشيء ذاتي فيه، وهل لديك شيء ذاتي تستطيع أن تضمنه لنفسك أو تحتفظ به؟ إنْ كنتَ غنياً فقد تفتقر، وإنْ كنتَ قوياً صحيحاً قد يصيبك المرض فيُقعدك، وإنْ كنتَ عزيزاً اليوم فقد تذلّ غداً. إذن: فكل دواعي التكبُّر ليست ذاتية عندك، إنما هي موهوبة من الله، فعلامَ التكبُّر إذن؟ ﴿ لذلك يقولون في المثل (اللي يخرز يخرز على وركه) إنما يخرز على ورك غيره؟﴾ وأصل هذا المثل أن صانع السروج كان يأتي بالصبي الذي يعمل تحت يده، ويجعله يمدّ رِجله، ويضع السرج على وركه، ثم يأخذ في خياطته، فرآه أحدهم فرَقَّ قلبه للصبي فقال للرجل: إنه ضعيف لا يتحمل هذا، فإنْ أردتَ فاجعله على وركك أنت. كذلك الحال هنا، مَنْ أراد أن يتكبّر فليتكبّر بشيء ذاتي فيه، لا بشيء موهوب له. والمتكبِّر شخص ضُرِب الحجاب على قلبه، فلم يلتفت إلى ربه الأعلى، ويرى أنه أفضل من خَلْق الله جميعاً، ولو استحضر كبرياء ربه لاستحى أن يتكبر على خَلْق الله، فتكبُّره دليل على غفلته عن هذه المسألة. لذلك يقول الناظم: فَدَع كُلَّ طاغِيةٍ للزمَان ... فَإِنَّ الزمَانَ يُقيم الصَّعَرْ يعني: سيرَى من الزمان ما يُقوِّم اعوجاجه، ويُرغِم أنفه.

стр. 12570

ومعنى ﴿مَرَحاً﴾ [لقمان: ١٨] المرح: الفرح ببطر. والبطر: أنْ تأخذ النعمة وتنسى المنعم، وتتنعّم بها، وتعصى مَنْ وهبك إياها، إذن: المنهيّ عنه الفرح المصاحب للبطر، وإنكار فضل المنعم، أما الفرح المصاحب للشكر فمحمود، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨] . وفي موضع آخر يُعلِّمنا أدب المشي، فيقول: ﴿واقصد فِي مَشْيِكَ واغضض مِن صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] . وقالوا: إن المراد بالمشي الهَوْن، هو الذي يسير فيه الإنسان على سجيته دون افتعال للعظمة أو الكِبْر، لكن دون انكسار وذِلّة، وسيدنا عمر ﵁ حينما رأى رجلاً يسير متماوتاً ضربه، ونهاه عن الانكسار والتماوت في المشية، وهكذا فمِشْية المؤمن وَسَط، لا متكبر ولا متماوت متهالك. ثم تتحدث الآية بعد ذلك عن صفات عباد الرحمن وعلاقاتهم. بالناس: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ [الفرقان: ٦٣] والجاهل: هو السَّفيه الذي لا يزن الكلام، ولا يضع الكلمة في موضعها، ولا يدرك مقاييس الأمور، لا في الخَلْق ولا في الأدب. وسبق أن فرَّقْنا بين الجاهل والأميّ: الأميّ هو خالي الذهن، ليس عنده معلومة يؤمن بها، وهذا من السهل إقناعه بالصواب. أما الجاهل فعنده معلومة مخالفة للواقع؛ لذلك يأخذ منك مجهوداً في إقناعه؛ لأنه يحتاج أولاً لأن تُخرِج من ذهنه الخطأ، ثم تُدخِل في قلبه الصواب. والمعنى: إذا خاطبك الجاهل، فحذار أن تكون مثله في الردِّ عليه فتَسْفَه عليه كما سَفِهَ عليك، بل قرِّعه بأدب وقُلْ ﴿سَلاَماً﴾ [الفرقان: ٦٣] لتُشعِره بالفرق بينكما.
следующие страницы →