← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 12496–12535 · переход к 12501.

стр. 12496

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية﴾

стр. 12497

هذه المشاهد لم تكن مجرد تاريخ يحكيه القرآن، إنما مشاهد ومَرَاءٍ رآها كفار مكة في رحلة الصيف يمرون على هذه الديار، كما قال سبحانه في موضع آخر: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وباليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧١٣٨] إذن: فهذا التاريخ له واقع يسانده، وآثار تدل عليه. والقرية التي أُمطرتْ مطر السَّوْء هي سدوم قرية قوم لوط ﴿أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا﴾ [الفرقان: ٤٠] ألم يشاهدوها في أسفارهم. ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ [الفرقان: ٤٠] كلمة (بَلْ) للإضراب، فهي تنفي ما قبلها، وتُثبِت ما بعدها، فالمعنى: أنهم مَرُّوا عليها وشاهدوها، ويَعْرفونها تمام المعرفة، لكنهم لا يرجُونَ نُشُوراً يعني: لا ينتظرون البعث، ولا يؤمنون به، ولا يعترفون بالوقوف بين يدي الله للحساب، ألم يقولوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢] . وعجيبٌ ألاَّ يؤمنَ هؤلاء بالبعْث والحساب، وهم أنفسهم كانوا إذا رأَوْا ظالماً وقفوا في وجهه ومنعوه من الظلم، كما كان في حِلْف

стр. 12498

الفضول مثلاً، فيأخذون الظالم ويعاقبونه حتى يرجع عن ظُلْمه، ثم يردُّون للمظلوم حَقّه، لكن ألم ينظروا في حال الظالمين الذين مرُّوا في الدنيا دون عقاب، ودون قصاص؟ أليس من العدل أن تكون لهم دَارٌ أخرى يُحاسبون فيها؟ لذلك كنا نردُّ على الشيوعيين بهذه المسألة، نقول لهم: لقد عذبتُمْ أعداءكم من الإقطاعيين والرأسماليين، وأنتقمتُم منهم فما بال الذين سبقوكم ولم تدركوهم؟ أليس من العدل أنْ تعترفوا بيوم جامع يُحاسب فيه هؤلاء؟ ولما قال القائل: لن يموت ظلوم حتى ينتقم الله منه، قالوا له: إن فلاناً الظالم قد مات، ولم نَرَ فيه شيئاً، فقال: إن وراء هذه الدار داراً يُجازي فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وبعد أن عرض الحق ﵎ بعض النماذج من موكب النبوات تسليةً لرسوله ﷺ َ يُبيِّن أن الأمر مع هؤلاء الكفار لن يتوقف عند العِنَاد والتعنّت بمطالب سخيفة، إنما يتعدَّى ذلك إلى محاولة الاستهزاء به والسخرية منه، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾

стр. 12499

(إنْ) نافية بمعنى: ما يتخذونك إلا هُزُواً، ثم ذكر صيغة الاستهزاء: ﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ [الفرقان: ٤١] وفي موضع آخر قالوا: ﴿أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] كأنه ﷺ َ دون هذه المنزلة، وما دام الرسول في نظرهم دون هذه المنزلة

стр. 12500

فإنهم يريدون شخصاً على مستوى المنزلة، كما قالوا: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] . ومعنى هذا أنهم مؤمنون بضرورة وجود إله ورسول ومنهج، وكل اعتراضهم أن تكون الرسالة في محمد بالذات. ثم تناقضون مع أنفسهم، فيقولون: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾

стр. 12501

فكيف تستهزئون به وترَوْنه دون مستوى الرسالة، ثم تقولون إنه كاد أنْ يُضلكم عن آلهتكم يعني: قَرُبَ أنْ يُضلّكم عن آلهتكم، مع ما أنتم عليه من التعنّت والعناد؟ هذا دليل وشهادة لرسول الله أنه قويٌّ وأنه على مستوى الرسالة، وأنه لم يدخر وُسْعاً في دعوتكم، حتى كاد أنْ يصرفكم عن آلهتكم. والدليل على أنهم كانوا يخافون من تأثير رسول الله عليهم قولهم لأتباعهم إذا رأوهم يستمعون للقرآن: ﴿لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] إذن: يريدون أنْ يُشوِّشوا على القرآن لما يعلمون من تأثيره في النفوس، وهم أمة فصاحة وبلاغة، فإنْ سمعوا القرآن فلا بُدَّ أن يُؤثّر في قلوبهم ويجذبهم إليه. ألا ترى قصة إسلام عمر ﵁ وكيف كان قبل الإسلام شديداً جباراً؟ فلما تهيأت له الفرصة فاستمع للقرآن وصادف منه ملَكةً سليمة وفطرة نقية، حيث أعاده حادث ضَرْبه

стр. 12502

لأخته وشَجِّه لها، أعاده إلى سلامة الفطرة والطويّة، فلما سمع منها القرآن وصادف منه قلباً نقياً وفطرة سليمة تأثر به، فأسرع إلى رسول الله يعلن إسلامه. إذن: فقولكم: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ [الفرقان: ٤٢] دليل على أنه كُفْء للمهمة التي بعث بها، وهذا يناقض قولكم سخريةً منه واستهزاءً: ﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ [الفرقان: ٤١] . وقولهم: ﴿لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤٢] يدل على أنه ﷺ َ فعل معهم أفعالاً اقتضتْ منهم أنْ يصبروا على الضلال ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٤٢] سيعرفون ذلك، لكن بعد فوات الأوان، وبعد ألاَّ تنفعهم هذه المعرفة.

стр. 12503

الحق ﵎ يضع لرسوله ﷺ َ قضية، هي أن الدين إنما جاء ليعصم الناس من أهواء الناس، فلكُلِّ نفس بشرية هَوىً، وكل إنسان يعجبه هواه، وما دام الأمر كذلك فلن ينقاد لغيره؛ لأن غيره أيضاً له هوىً؛ لذلك يقول تعالى: ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض﴾ [المؤمنون: ٧١] . لكن، لماذا تختلف الأهواء؟ قالوا: لأن طبيعة الحياة تتطلب أن تكون الأهواءُ مختلفةً؛ لأن مجالات الحياة متعددة، فهذا هواه في كذا، وهذا هواه في كذا. فترى الصَّديقَيْن يلازم أحدهما الآخر، ويشاركه طعامه وشرابه، فلا يفرقهما شيء، فإذا ما ذهبا لشراء

стр. 12504

شيء ما تباينتْ أهواؤهما، كما أن هوىً مختلفاً يخدم هوىً مختلفاً، فالذين اختلفوا مثلاً في تصميم الأشياء يخدمون اختلاف الأذواق والأهواء، لذلك يقولون: خلاف هو عَيْن الوفاق، ووفاق هو عَيْن الخلاف. وقد ضربنا لذلك مثلاً بسيطاً: هَبْ أنك دخلتَ مطعماً، وأنت تفضل مثلاً ورك الدجاجة وغيرك كذلك يفضله، وصادف أن في المطعم (وركاً) واحداً، فلا شكَّ أنكما ستختلفان عليه. إذن: اتفقتما في الأول لتختلفا في الآخر، لكن إن اختلفتْ رغباتكما، فسوف ينتج عن هذا الاختلاف اتفاقٌ في النهاية، فأنت ستأخذ الورك، وغيرك سيأخذ الصدر، فهذا إذن خلاف يؤدي إلى وفاق، ووفاق يؤدي إلى خلاف. هنا يقول الحق سبحانه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣] الهَوَى. أن تكون هناك قضية ظاهرٌ فيها وَجْه الحق، إلا أنك تميلُ عنه وأنت تعرفه، لا أنك تجهله. لذلك يقول العلماء: آفةُ الرأْي الهوى. فالرأي قد يكون صائباً، لكن يميل به الهوى حيث يريد الإنسان، وقلنا: لا أدلّ على ذلك من أن الرجل منهم كان يسير فيجد حجراً أجمل من حَجره الذي يعبده، فيَلْقي الإله الذي يعبده ليأخذ هذا الذي هو أجمل منه فيتخذه إلهاً، إذن: هواه في جمال الحجر غلب أنه إله. وقد وقف المستشرقون عند قوله تعالى في حَقِّ النبي ﷺ َ: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى﴾ [النجم: ٣] . يقولون: كيف يحكم الله بأن رسوله لم ينطق عن الهوى، وقد عدَّل له بعض ما نطق به، مثل قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي لِمَ

стр. 12505

تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ [التحريم: ١] . وقال تعالى: ﴿عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ﴾ [التوبة: ٤٣] . ولا بُدَّ أن نُحدِّد مفهوم الهوى أولاً: أنت مدرك أن لديه قضيتين: الحق واضح في إحداهما، إلا أن هواه يميل إلى غير الحق. إنه ﷺ َ نطق لأنه لم تكن هناك قضية واقعة، وهو يعرف وجه الحق فيها، فهو إذن لم يَسِرْ على الهوى، إنما على ما انتهى إليه اجتهاده. ألاَ ترى قوله تعالى لرسوله ﷺ َ في مسألة تبنِّيه لزيد بن حارثة ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ [الأحزاب: ٥] فمعنى أن نسبته لأبيه أقسط أن رسول الله لم يكُنْ جائراً، فما فعله قِسْط، لكن فِعْل الله أقسط منه. فالحق ﵎ لم يُخطّىء رسوله ﷺ َ، وسمّى فِعْله عدلاً، وهو عَدْل بشرى يناسب ما كان من تمسُّك زيد برسول الله، وتفضيله له على أهله، فلم يجد رسول الله أفضلَ من أنْ يتبنَّاه مكافأةً له. ثم يقول سبحانه: ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ [الفرقان: ٤٣] وكيلاً يتولَّى توجيهه، ليترك هواه ويتبع الحق، كما قال سبحانه في موضع آخر: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] وقال: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] وقال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ﴾ [الشورى: ٤٨] . فالذي اتبع هواه حتى جعله إلهاً له لا يمكن أنْ تحمله على أنْ

стр. 12506

يعدل عن هواه؛ لأن الأهواء مختلفة، فالبعض يريد أنْ يتمتع بجهد غيره، فيضع يده في جيوب الآخرين ليسرقهم، لكن أيسرُّه أن يفعل الناسُ معه مثلَ فِعْله معهم؟ إذن: هوى صادمَ هوى، فأَيُّهما يغلب؟ يغلب مَنْ يحكم بلا هوى، لا لك ولا عليك، وقضية الحق في ذاتها لا توجد إلا من الله تعالى. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ﴾

стр. 12507

﴿يَسْمَعُونَ﴾ [الفرقان: ٤٤] أي: سماع تعقُّل وتدبُّر، فلو سَمعُوا وعَقِلوا ما وصلتْ بهم المسائل إلى هذا الحدِّ ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام﴾ [الفرقان: ٤٤] مع أن الأنعام مُسخَّرة وتُؤدِّي مهمتها ولم تمتنع عن شيء خُلِقَتْ له، فقد شبَّههم الله بالأنعام؛ لأن الأنعام لا يُطلب منها أن تسمع الهداية لأنها مُسخَّرة، والذي يُطلب منه السماع والهداية هو المخيِّر بين أن يفعل أو لا يفعل. كأن الحق سبحانه يقول: أتظن أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون؟ وكلمة ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ [الفرقان: ٤٤] تدل على أن بعضهم يسمع ويعقل، وهذا من قانون الاحتمال، فكثير من كفار قريش ناصبوا رسول الله العداء، وانتهى الأمر بهم إلى أَنْ أسلموا وحَسُن إسلامهم، إذن: كان فيهم مَنْ يسمع، ومَنْ يفكر ويعقل؛ لذلك قال: ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ [الفرقان: ٤٤] ليحمي هذا الحكم، وليحتاط لما سيقع من إيمان هؤلاء البعض، هذا دِقَّة في تحرِّي الحقيقة.

стр. 12508

وسبق أنْ ذكرنا ما كان من أسف المؤمنين حين يفوتهم قَتْل أحد صناديد الكفر في المعركة، فكانوا يألمون لذلك أشدَّ الألم، وهم لا يدرون أن حكمة الله كانت تدخرهم للإيمان فيما بعد، ومنهم خالد ابن الوليد الذي أصبح بعد ذلك سيف الله المسلول. والأنعام قُلْنا: لا دخلَ لها في مسألة الهداية أو الضلال؛ لأنها مُسخَّرة لا اختيارَ لها؛ لذلك ضرب الله بها المثل لليهود: ﴿كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة: ٥] فالحمار مهمته أنْ يحمل فحسب، أمّا أنت أيها اليهودي فمهمتك أن تحمل وتطبق، الحمار لا يطبق؛ لأنه لم يُطلب منه ذلك، مع أن الحيوان يعرف صاحبه ويعرف طعامه ومكان شرابه، ويعرف طريقه ومكان مبيته، حتى أن أحدهم مات على ظهر جواده، فسار به الجواد إلى بيته. إذن: فالأنعام تفهم وتعقل في حدود المهمة التي خلقها الله لها، ولا تُقصِّر في مهمتها، أما المهمة الدينية فتعلمها في باطن الأمر، لكن لا يُطلَب منها شيء الآن، لأنها انتهتْ من هذه المسألة أولاً، كما قال : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢] ؟ فاختاروا أن يكونوا مُسيَّرين بالغريزة محكومين بها، إذن: فلهم اختيار، لكن نفّذوا اختيارهم جملةً واحدة من أول الأمر. خُذْ مثلاً الهدهد وهو من المملوكات التي سخّرها الله لسليمان ﵇ يقول له: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] أيُّ ديمقراطية هذه التي تمتَّع بها الهدهد مع سليمان.؟! إذن: فحتى الحيوانات تعرف هذه القضية، وإنْ لم يُطلَب

стр. 12509

منها شيء، والحيوانات لا يمكن أنْ تفعل شيئاً إلا إذا كان منوطاً بغرائزها وفي مقدورها. وسبق أنْ ضربنا مثلاً بالحمار إذا أردتَ منه أن يقفز فوق جدول ماء فإنه ينظر إليه، فإنْ كان في مقدوره قفزَ، وإنْ كان فوق مقدوره تراجَع، ولا يمكن أنْ يُقدِم مهما ضربته؛ لأنه علم بغريزته أنه فوق إمكاناته، أما الإنسان فقد يُقدِم على مثل هذا دون حساب للإمكانات، فيُوقع نفسه فيما لا تُحمد عقباه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾

стр. 12510

الحق وهو خالق الآيات في الكون يُنبِّه إليها الخَلْق، وكان من المفروض ممَّن يرى الآيات أنْ يتنبه إليها دون أنْ يُنبه، فإذا رأى عجيبة من عجائب الكون تأملها، وسبق أنْ ضربنا لذلك مثلاً بمَنِ انقطعت به السُّبل في صحراء شاسعة، ليس بها أنيس ولا حياة، وقد بلغ به الجهد حتى نام، فلما استيقظ وجد مائدة عليها أطايب الطعام أو الشراب، بالله قبل أنْ تمتدَّ يده إلى الطعام، أليس من المفروض أنْ يفكر في هذا الطعام، مَنْ أتى به؟ وأعدَّه على هذه الصورة؟ إذن: في الكون آياتٌ كان يجب أنْ تشدَّ انتباهك لتبحث فيها وفي آثار وجودها وكلها آيات عالية عَنّا وفوق إمكاناتنا: الشمس والقمر، الهواء والمطر. . إلخ. ومع ذلك لم يتركك الله؛ لأن تتنبه أنت، بل نبَّهك ولفتَك وجذب انتباهك لهذه ولهذه.

стр. 12511

وهنا، الحق ﵎ يعرض الآيات والكونيات التي يراها الإنسان برتابة كل يوم، يراها الفيلسوف كما يراها راعي الشاة، يراها الكبير كما يراها الصغير كل يوم على نظام واحد، لا يكاد يلتفت إليها. يقول سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [الفرقان: ٤٥] أي: ألم تعلم، أو ألم تنظر إلى صَنْعة ربك ﴿كَيْفَ مَدَّ الظل وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ [الفرقان: ٤٥] نعم نرى الظل، فما هو؟ الظل أنْ يَحْجب شيء كثيف على الأرض مثل جبل أو بناء أو شجرة أو نحوه ضوءَ الشمس، فتظهر منطقة الظل في المكان المُشْمِس، فالمسألة إذن متعلقة بالشمس، وبالأرض التي نعيش عليها. وقد علمنا أن الأرض كرة تواجه الشمس، فالجهة المواجهة منها للشمس تكون مُضَاءة، والأخرى تكون ظلاماً لا نقول ظلاً، فما الفرق بين الظلِّ والظلام؟ قالوا: إذا كان الحاجبُ لضوء الشمس من نفس الأرض فهي ظُلْمة، وإنْ كان الحاجب شيئاً على الأرض فهو ظل. والظل نراه في كل وقت، وقد ورد في عدة مواضع من كتاب الله، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ المتقين فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] . وقال: ﴿لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ [النساء: ٥٧] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ﴾ [النحل: ٤٨] . ينبهنا ربنا ﵎ إلى مهمة أخرى من مهام الظل، وهي أنه يحمينا من وَخْزة الشمس وحرارتها، ويرتقي الإنسان في استخدام الظل فيجعله كما قال تعالى ﴿ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ [النساء: ٥٧] أي:

стр. 12512

أن الظل نفسه مُظلَّل، فيجعلون الخيمة مثلاً لها سقفان منفصلان حتى لا يتأثر داخلُ الخيمة بالحرارة خارجها. لذلك تجد ظل الشجرة ألطفَ من ظِلِّ الحائط مثلاً أو المظلة؛ لأن أوراق الشجرة يُظلِّل بعضها بعضاً، فالظل يأتيك من مُظلل آخر، فتشعر تحت ظل الشجرة وكأنك في (تكييف) ؛ لأن الأوراق تَحجب عنك حرارة الشمس، في حين تسمح بمرور الهواء، كما قال الشاعر في وصف دوحة: يصدُّ الشمسَ أنَّي وَاجَهتْنَا ... فَيحْجُبُها وَيَأْذَنُ لِلْنَسِيمِ وقال تعالى: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١] . وحين تتأمل هذه الظاهرة ساعة طلوع الشمس ترى الشيء الكثيف الذي يحجب ضوء الشمس يطول ظِلُّه إلى نهاية الأفق، ثم يأخذ في القِصر كلما ارتفعتْ الشمس إلى أنْ يصير في زوال، ثم ينعكس الظل مع ميل الشمس ناحية الغرب فيطول إلى نهاية الأفق. والحق ﵎ يريد منا أن نلاحظ هذه الظاهرة، وأنْ نتأملها ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: ٤٥] أي: ساعة طلوع الشمس ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾ [الفرقان: ٤٥] لأن مشيئة الله تستطيع أن تخلق الشيء ونقيضه، فإنْ شاءَ مَدَّ الظل، وإنْ شاء أمسكه.

стр. 12513

لكنه يتغير: ينقص في أول النهار، ويزيد في آخره وكل ما يقبل الزيادة يقبل النقص، والنقص أو الزيادة حركة، وللحركة نوعان: حركة قَفْزية كحركة عقرب الدقائق في الساعة، فهو يتحرك بحركة قفزية، وهي أنْ يمرَّ على المتحرك وقت ساكن ثم يتحرك، إنما أتدرك ذلك في حركة عقرب الساعات؟ لا؛ لأنه يسير بحركة انسيابية، بحيث توزع أجزاء الحركة على أجزاء الزمن. ومثَّلْنا هذه الحركة بنمو الطفل الصغير الذي لا تدرك حركة نموه حالَ نظرك له منذ ولادته، إنما إنْ غبْتَ عنه فترة أمكنك أنْ تلاحظ أنه يكبر ويتغير شكله؛ لأن نموه مُوزَّع على فترات الزمن، لا يكبر هكذا مرة واحدة، فهي مجموعات كِبَر تجمعتْ في أوقات متعددة، وليس لديك المقياس الدقيق الذي تلاحظ به كبر الطفل في فترة قصيرة. وإذا كنا نستطيع إجراء هذه الحركة في الساعات مثلاً، فالحق ﵎ يُحدِثها في حركة الظل وينسبها لعظمها إلى نفسه تعالى؛ لأن الظل لا يسير بحركة ميكانيكية كالتي تراها في الساعة إنما يسير بقدرة الله. والحق سبحانه يلفتنا إلى هذه الظاهرة، لا لأنها مجرد ظاهرة كونية نراها وتعجب منها، إنما لأننا سنستغلها وننتفع بها في أشياء كثيرة. فقدماء المصريين أقاموا المسلات ليضبطوا بها الزمن عن طريق الظل، وصنع العرب المسلمون المزْولة لضبط الوقت مع حركة الشمس، ونرى الفلاح البسيط الآن ينظر إلى ظل شيء ويقول لك: الساعة الآن كذا؛ لأنه تعودَّ أن يقيس الوقت بالظل، مع أن مثل هذا التقدير يكون غير دقيق؛ لأن للشمس مطالعَ متعددة على مرِّ أيام العام؛ لذلك في أحد معابد الفراعنة معبد به ٣٦٥ طاقة، تدخل الشمس كل يوم واحدة منها.

стр. 12514

إذن: أفادنا الظل في المسلات والمزاول، ومنها انتقل المسلمون إلى عمل الساعات، وأولها الساعة الدقاقة التي كانت تعمل بالماء، وقد أهدوْا شارلمان ملك فرنسا واحدة منها فقال: إن فيها شيطاناً، هكذا كان المسلمون الأوائل. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ [الفرقان: ٤٥] أي: أن الضوء هو الذي يدل على الظلِّ.

стр. 12515

الحق ﵎ يُبيِّن الحركة البطيئة للظل فيقول: ﴿قَبْضاً يَسِيراً﴾ [الفرقان: ٤٦] لا تدركه أنت أبداً؛ لأن في كل لحظة من لحظات الزمن حركة فلا يخلو الوقت مهما قَلَّ من الحركة، لكن ليس لديك المقياس الذي تدرك به بُطْءَ هذه الحركة. وقوله: ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ [الفرقان: ٤٦] دليل على أن المسألة ليست ميكانيكاً، إنما هي بقيومية الله تعالى؛ لذلك فكأن الحق سبحانه يقول: يا عبادي ناموا مِلْءَ جفونكم، فربُّكم قيُّوم على مصالحكم لا ينام. وأهل المعرفة يستنبطون من ظاهرة الظل أسراراً، فيروْنَ أن ظِلَّ الأشياء الشاهقة المتعالية يخضع لله تعالى، ويسجد على الأرض، رغم أنه متعالٍ شامخ، كما جاء في قوله سبحانه: ﴿وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بالغدو والآصال﴾ [الرعد: ١٥] . وقال سبحانه: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] فللظل حركة بطيئة لا يعلمها إلا الله؛ لأنك لا تدرك مدى صِغَرها؛ لذلك قُلْنا في الهباء: إنه نهاية ما يمكن أن يكون من التفتيت المنظور.

стр. 12516

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِبَاساً﴾

стр. 12517

﴿اليل﴾ [الفرقان: ٤٧] يعني: الظلْمة لا الظل، فالظلمة هي التي منعتْ النور، وإياك أن تظن أن الظلمة ضد النور، وتحاول أنت أن تنسخ الظلمة بنور من عندك، وهذه آفة الحضارة الآن أنْ جعلتَ الليل نهاراً. وقد تنبه العلماء أخيراً إلى مدى ضرر الأشعة على صحة الإنسان، لذلك جاء في الحديث الشريف: «أطفئوا المصابيح إذا رقدتم» فالشعاع له عمل وقت حركتك، لكن ساعة نومك وراحتك ليس له مهمة، بل هو ضار في هذا الوقت. والحق ﵎ يمتنُّ علينا بالليل والنهار، فيقول: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧١٧٢] . إذن: فلليل مهمة، وللنهار مهمة يُوضِّحها هنا الحق سبحانه بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِبَاساً﴾ [الفرقان: ٤٧] أي: ساتراً،

стр. 12518

كما أن اللباس يستر الجسم، والنوم ردع ذاتي يقهر الكائن الحي، وليس ردعاً اختيارياً. لذلك تلاحظ أنك إنْ أردت أنْ تنامَ في غير وقت النوم تتعب وترهق، أمّا إنْ أتاك النوم فتسكن وتهدأ، ومن هنا قالوا: النوم ضيف ثقيل إنْ طلبته أَعْنَتكَ، وإنْ طلبك أراحك. لذلك ساعة يطلبك النوم تنام مِلْء جفونك، ولو على الحصى يغلبك النوم فتنام، وكأن النوم يقول لك: اهمد واسترح، فلم تَعُدْ صالحاً للحركة، أما مَنْ غالب هذه الطبيعة فأخذ مثلاً حبوباً تساعده على السهر، فإنْ سهر ليلة نام بعدها ليلتين، كما أن الذي يغالب النوم تأتي حركته مضطربة غير متوازنة. فعليك إذن أن تخضع لهذه الطبيعة التي خلقك الله عليها وتستسلم للنوم إنْ ألحَّ عليك، ولا تكابر لتقوم في الصباح نشيطاً وتستأنف حركة حياتك قوياً صالحاً للعمل وللعطاء. وللصوفية في النوم مَلْحظ دقيق يُبْنَى على أن الكون كله غير المختار مُسبِّح لربه، كما قاله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] وعليه، فذرات الكافر في ذاتها مؤمنة، يؤلمها ويغيظها أن صاحبها عَاصٍ أو كافر فتطيعه، وهي كارهة لفعله بدليل أنها ستشهد عليه يوم القيامة، فإنْ كانت مُسخِّرة لمراداته في الدنيا فإنها ستتحرر من هذه الإرادة في الآخرة. فاللسان مُسخَّر لصاحبه، إنْ شاء نطق به الشهادتين، وإنْ شاء نطق به كلمة الكفر؛ لأنه مقهور لإرادته، أما في القيامة فلا إرادة إلا للحق ﵎. وفي النوم ترتاح هذه الجوارح وهذه الذرات من سيئات صاحبها ومن ذنوبه، تستريح من نكده وإكراهه لها على معصية الله. فالنوم

стр. 12519

رَدْع طاقيّ، فلم يَعُد الإنسان صالحاً للحركة، ولا للتعايش السالم مع جوارحه، لقد كثُرتْ ذنوبه ومعاصيه حتى ضاقتْ بها الجوارح، فيأتي النوم ليريحها. وهذه الظاهرة نشاهدها مثلاً في موسم الحج، يقول لك الحاج: يكفيني أنْ أنامَ في اليوم ساعة أو ساعتين لماذا؟ لأن السيئات في هذا المكان قليلة، فجوارحك في راحة وانسجام معك فلا تحملك على النوم، أمّا العاصي فلا يكفيه أن ينام عشرة ساعات؛ لأن جوارحه وأعضاءه مُتْعَبة متضايقة من أفعاله. وهذه نُفسِّر بها أن رسول الله ﷺ َ كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه ذلك لأن جوارحه ﷺ َ تصحبه خير صُحْبة، فهي في طاعة دائمة مستمرة، فكيف تحمله على أنْ ينام؟ والخالق يعامل الناس على المعنى العام، فالنفوس دائماً ميَّالة للشر جانحة للسوء؛ لذلك تتعب الطاقة وتتعب الجوارح، وكأن الله تعالى يريد إحداث هُدْنة للتعايش بينك وبين جوارحك، نَمْ لتصبح نشيطاً. ومعنى ﴿والنوم سُبَاتاً﴾ [الفرقان: ٤٧] السّبْت أي: القطْع. فمعنى ﴿سُبَاتاً﴾ [الفرقان: ٤٧] يعني: قاطعاً للحركة، لا انقطاعاً نهائياً، إنما انقطاعاً مُسْتأنفاً لحركة أفضل، وبدن أقوى وأصحّ، فالذي يقضي ليله ساهراً يقوم من نومه مُتْعباً مُضطرباً، على خلاف مَنْ جعل وقت النوم للنوم؛ لأن الخالق جعل نومك بالليل على قَدْر ما تتحرك بالنهار، فإنْ أردتَ حركة مُتزنة نشيطة وقوية فنَمْ على مقدار هذه الحركة.

стр. 12520

وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ النهار نُشُوراً﴾ [الفرقان: ٤٧] النشور مثل الشُّكور: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾ [الإنسان: ٩] أي: شكر، وكذلك النشور أي نشر، والنشر يعني الانطلاق في الأرض بالحركة، كما في قوله تعالى: ﴿فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله﴾ [الجمعة: ١٠] . ثم يقول سبحانه: ﴿وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح﴾

стр. 12521

قلنا: إن الرياح إذا جاءت هكذا بصيغة الجمع دلَّتْ على الخير، وإنْ جاءتْ مفردة فهي آتية بالشر، وإذا نظرتَ إلى الجبال العالية وإلى ناطحات السحاب تقول: ما الذي يقيم هذه المباني العالية، فلا تميل؟ الذي يسمكها هو الهواء الذي يحيط بها من كل ناحية، ولو فرَّغْتَ الهواء من أحد نواحيها تنهار فوراً. إذن: فالريح من هنا، ومن هنا، ومن هنا، فهي رياح متعددة تُصلِح ولا تُفسِد، وتُحدِث هذا التوازن الذي نراه في الكون، أمّا الريح التي تأتي من ناحية واحدة فهي مدمرة مهكلة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] . وقال الحق : ﴿بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] . ومعنى ﴿بُشْراً﴾ [الفرقان: ٤٨] بسكون الشين، مع أنها في

стр. 12522

الأصل بُشُراً مثل رُسُل، فلما خُفِّفَتْ صارت بُشْراً، والبُشْرى هي الإخبار بما يسرُّ قبل زمنه، فلا تقول يبشر إلا في الخير، وكان العربي ساعة تمر عليه الرياح يعرف كم بينه وبين المطر، فيحكم على مجيء المطر بحركة الرياح الطرية التي تداعب خدّه. وقوله سبحانه: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: ٤٨] يقال: بين يديك يعني: أمامك. والمراد هنا المطر الذي يسبق رحمة الله. ثم قول تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً﴾ [الفرقان: ٤٨] السماء لها معنى لُغوي، ومعنى شرعي. فهي لغةً: كل ما علاك، وشرعاً: هي هذه السماء العالية والتي تتكون من سبع سموات، لكن أينزل المطر من السماء أم من جهة السماء؟ المطر ينزل من الغمام من جهة السماء، والغمام أصله من الأرض نتيجة عملية البخر الذي يتجمع في طبقات الجو، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣] . إذن: فرحمة الله هي الماء الذي خلق الله منه كلّ شيء حيٍّ.

стр. 12523

وقوله تعالى: ﴿مَآءً طَهُوراً﴾ [الفرقان: ٤٨] الطَّهُور: الماء الطاهر في ذاته، المطهِّر لغيره، فالماء الذي تتوضأ به طاهر ومطهر، أما بعد أنْ تتوضأ به فهو طاهر في ذاته غير مُطهِّر لغيره، وماء السماء طاهر ومُطهر؛ لأنه مُصفّى مُقطّر، والماء المقطر أنقى ماء. بالإضافة إلى أن الماء قِوَام الحياة، منه نشرب ونسقي الزرع والحيوان والطير، فالماء يعطيك الحياة ويعطيك الطهارة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ﴾

стр. 12524

قوله تعالى: ﴿بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ [الفرقان: ٤٩] أي: أرض بلدة مَيْت، وفرْق بين ميْت وميِّت: الميْت هو الذي مات بالفعل، والميِّت هو الذِّي يؤول أمره إلى الموت، وإنْ كان ما يزال على قيد الحياة، ومن ذلك قوله تعالى مخاطباً نبيه ﷺ َ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] . والأرض الميْتة هي الجرداء الخالية من النبات، فإذا نزل عليها الماء أحياها بالنبات، كما في قوله سبحانه: ﴿وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] . وقوله تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً﴾ [الفرقان: ٤٩] يُقال سقاه وأسقاه: أسقاه: أعدَّ له ما يستقى منه، وإنْ لم يشرب الآن، لكن سقاه يعني: ناوله ما يشربه، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ [الإنسان: ٢١] . أمّا في المطر فيقول سبحانه: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢] أي: أعددناه لِسُقْياكم إنْ أردتم السُّقْيا.

стр. 12525

ومعنى ﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ [الفرقان: ٤٩] جمع إنسان، وأصلها أناسين، وخُفِّفَتْ إلى أناسيّ. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾

стр. 12526

التصريف: التحويل والتغيير، والمعنى حَوّلناه من هنا إلى هنا، ومع كل هذه العبر والآيات ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾ [الفرقان: ٥٠] فالكافرون بآيات الله كثير لا يلتفتون إلى آيات الله، حتى بعد أنْ تقدَّم العلم وتقدَّمتْ الحضارة الإنسانية، ووقف الناس على كثير من الآيات. فالحق ﵎ يُصرِّف المطر إلى بلاد بغزارة، فإنْ شاء أصابها الجفاف والجدب حتى تموت مزروعاتهم وحيواناتهم. إذنْ: ليست المسألة بيئة باردة أو كثيرة الأمطار، إنما المسألة مرادات خالق، ومرادات حق.

стр. 12527

يريد الحق ﵎ أن يمتنّ على رسوله ﷺ َ مِنَّةَ،

стр. 12528

فيقول له: المسألة ليست قلةَ رسل عندنا حتى نرسل رسولاً للناس كافة وللزمن كله، ونحن نستطيع أن نُخفِّف عنك ونبعث في كل قرية رسولاً يُخفِّف عنك عبء الرسالة، لكنّا نريد لك أنْ تنال شرف الجهاد وشرف المكافحة، فجمعناها كلها لك إلى أنْ تقوم الساعة. ونستفيد من هذه المسألة أن الحق حين يَهَبُ الطاقات لا يعنى هذا أن الطاقة هي التي تحكم قدرته في الأمر أن يبعث في كل قرية رسولاً، إنما يقدر أن يرسل رسولاً ويعطيه طاقة تتحمل هذا كله. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَلاَ تُطِعِ الكافرين وَجَاهِدْهُمْ﴾

стр. 12529

أي: ما دُمْنا قد جمعنا لك كل القرى، وحمّلناك الرسالة العامَة في كل الزمان وفي كل المكان، فعليك أن تقف الموقف المناسب لهذه المهمة ﴿فَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ [الفرقان: ٥٢] إنْ لوَّحُوا لك بالملك أو بالمال أو بالجاه والشرف، واعلم أن ما أعده الله لك وما ادخره لك فوق هذا كله. وحين يقول سبحانه لرسول ﷺ َ ﴿فَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ [الفرقان: ٥٢] فإنه يعذره أمامهم، فالرسول ينفذ أوامر الله. وَنَهْى الرسول عن طاعة الكافرين لا يعني أنه ﷺ َ يطيعهم، فهذه كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ [النساء: ١٣٦] فكيف يطلب الإيمان ممَّنْ ناداهم بالإيمان؟ إنه تحصيل حاصل. قالوا المعنى: أنت آمنتَ قبل أن أقول لك هذه الكلمة، وأقولها لك الآن لتُواصل

стр. 12530

إيماناً جديداً بالإيمان الأول، وإياك أنْ ينحلّ عنك الإيمان. إذن: إذا طُلِب الموجود فالمراد استدامة الوجود. وقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ [الفرقان: ٥٢] أي: بما جاءك من القرآن ﴿جِهَاداً كَبيراً﴾ [الفرقان: ٥٢] واعلم أنك غالب بأمر الله عليهم، ولا تقُلْ: إن هناك تيارَ إشراك وكفر وإيمان، وسوف أعطيك مثلاً كونياً في أهم شيء في حياتك، وهو الماء.

стр. 12531

تأتي هذه الآية استمراراً لذكْر بعض آيات الله في الكون التي تلفت نظر المكابرين المعاندين لرسول الله، وسبق أنْ ذكر سبحانه: الظل والليل والرياح. . الخ إذن: كلما ذكر عنادهم يأتي بآية كونية ليلفتهم إلى أنهم غفلوا عن آيات الله، وجدالهم مع رسول الله يدل على أنهم لم يلتفتوا إلى شيء من هذا؛ لذلك ذكر آية كونية من آيات الله المرئية للجميع ومكررة، وعليها الدليل القائم إلى يوم القيامة، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين﴾ [الفرقان: ٥٣] . المَرْجح: المرعى المباح، أو الكلأ العام الذي يسوم فيه الراعي ماشيته تمرح كيف تشاء. فمعنى ﴿مَرَجَ البحرين﴾ [الفرقان: ٥٣] أي: جعل العَذْب والمالح يسيران، كُلٌّ كما يشاء، لذلك تجد البحار والمحيطات المالحة التي تمثل

стр. 12532

ثلاثة أرباع الياسبة ليس لها شكل هندسي منتظم، بل تجده تعاريج والتواءات، وانظر مثلاً إلى خليج المكسيك أو خليج العقبة، وكأن الماء يسير على (هواه) ودون نظام، فلا يشكل مستطيلاً أو مربعاً أو دائرة. وكذلك الأنهار التي تولدتْ من الأمطار على أعلى الجبال، فتراها حين تتجمع وتسير تسير كما تشاء، ملتوية ومُتعرِّجة؛ لأن الماء يشقُّ مجراه في الأماكن السلهة، فإنْ صادفته عقبة بسيطة ينحرف هنا أو هناك، ليكمل مساره، وانظر إلى التواء النيل مثلاً عند (قنا) . إذن: الماء عَذْبٌ أو مالح يسير على هواه، وليست المسألة (ميكانيكا) ، وليست منتظمة كالتي يشقُّها الإنسان، فتأتي مستقيمة. ونلحظ هذه الظاهرة مثلاً حينما يقضي الإنسان حاجته في الخلاء، فينزل البول يشقّ له مجرىً في المكان الذي لا يعوقه، فإنْ صادفته حصاة مثلاً انحرف عنها كأنه يختار مساره على هواه. والبحر يقال عادة للمالح وللعذب على سبيل التغليب، كما نقول الشمسان للشمس والقمر. ومرْج البحرين آية كوينة تدل على قدرة الله، فالماء مع ما عُرف عنه من خاصية الاستطراق يعني: يسير إلى المناطق المنخفضة، يسير المالح والعذب معاً دون أن يختلط أحدهما بالآخر، ولو اختلطا لَفَسدا جميعاً؛ لأن العَذْب إنْ خالطه المالح أصبح غيْرَ صالح للشرب، وإنْ خالط المالح العذب فسد المالح، وقد خلقه الله على درجة معينة من الملوحة بحيث تُصلحه فلا يفسد، وتحفظه أن يكون آسناً. فالماء العذب حين تحصره في المكان يأسن ويتغير، أمّا البحر

стр. 12533

فقد أعدَّه الله ليكون مخزن الماء في الكون ومصدر البَخْر الذي تتكون منه الأنهار؛ لذلك حفظه، وجعل بينه وبين الماء العذب تعايشاً سِلْمياً، لا يبغي أحدهما على الآخر رغم تجاورهما. وقوله تعالى: ﴿هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] أي: مُفرِط في العذوبة مستساغ، ومن هذه الكلمة سَمَّوْا نهر الفرات لعذوبة مائه، فلَيس المراد بالفرات أن الماء كماء نهر الفرات؛ لأن الكلمة وُضِعت أولاً، ثم سُمِّيَ بها النهر، ذلك لأن القرآن هو كلام الله الأزلي. ﴿وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] أي: شديد الملوحة، ومع ذلك تعيش فيه الأسماك والحيوانات المائية، وتتغذى عليه كما تتغذى على الماء العَذْب، كما قال سبحانه: ﴿وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢] . ثم يقول سبحانه: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً﴾ [الفرقان: ٥٣] البرزخ: شيء بين شيئين، وأصل كلمة برزخ: اليابسة التي تفصل بين ماءين، فإن كان الماء بين يابستين فهو خليج. ﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ [الفرقان: ٥٣] الحِجْر: هو المانع الذي ينمع العَذْب والمالح أنْ يختلطا، والحِجْر نفسه محجور، مبالغة في المنع من اختلاط الماءيْن، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ القرآن جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ [الإسراء: ٤٥] . ومثل قوله تعالى: ﴿ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ [النساء: ٥٧] .

стр. 12534

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ مِنَ المآء﴾

стр. 12535

وفي آية عامة عن الماء، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] يعني: كل شيء فيه حياة فهو من الماء، لا أن الماء داخل في كل شيء، فالمعنى: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] أي: كل شيء موصوف بأنه حي، فالماء إذن دليل الحياة؛ لذلك إذا أراد العلماء أن يقضوا على الميكروبات أو الفيروسات جعلوا لها دواءً يفصل عنها المائيةَ فتموت. والإنسان الذي كرَّمه الله تعالى وجعله أعلى الأجناس، خلقه الله من الماء، ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ مِنَ المآء بَشَراً﴾ [الفرقان: ٥٤] وفي موضع آخر قال سبحانه: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب﴾ [الطارق: ٥٧] وهو ماء له خصوصية، وهو المنيُّ الذي قال الله فيه: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى﴾ [القيامة: ٣٧٣٨] . والبشر أي: الإنس ﴿فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾ [الفرقان: ٥٤] فمن الماء خلق الله البشر، وهم قسمان: ذكور وإناث، فكلمة (نَسَباً) تعني: الذكورة (وَصِهْراً) تعني: الأنوثة؛ لأن النسب يعني انتقال الأدنى من الأعلى بذكورة، فيظل الإنسان فلان بن فلان بن فلان. . الخ.
следующие страницы →