← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 12601–12640 · переход к 12606.

стр. 12601

لذلك يكنُون ببرودة العين عن السرور، وبسخونتها عن الحزن، يقولون: رزقني الله ولداً قرَّتْ به عيني، ويقولون: أسخن الله عين فلان يعني: أصابه بحُزْن تغلي منه عينه. ولأن العين جوهرة غالية في جسم الإنسان فقد أحاطها الخالق بعناية خاصة، وحفظ لها في الجسم حرارةً مناسبة تختلف عن حرارة الجسم التي تعتدل عند ٣٧ْ، فلو أخذتْ العينُ هذه الدرجة لانفجرتْ. ومن عجيب قدرة الله تعالى أن تكون حرارة العين تسع درجات، وحرارة الكبد أربعين، وهما في جسم واحد. فالمعنى ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] يعني: اجعل لنا من أزواجنا ما نُسَرُّ به، كما جاء في الحديث الشريف عن صفات الزوجة الصالحة: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً له من زوجة صالحة: إنْ أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرَّته، وإن أقسم عليها أبرَّته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله» . وهَبْ لنا من ذرياتنا أولاداً ملتزمين بمنهج الله، لا يحيدون عنه، ولا يُكلِّفوننا فوق ما نطيق في قول أو فعل؛ لأن الولد إنْ جاء على خلاف هذه الصورة كان مصيبة كبرى لوالديه، بدليل أن الرجل قد يسرف على نفسه بأنواع المعاصي، وقد يُقصِّر في حق الله، لكن يحزن إنْ فعل ولده مثل فِعْله.

стр. 12602

فالأب قد لا يصلي، لكن يحثُّ ولده على الصلاة، ويفرح له إنْ صلى واستقام، لماذا؟ لأنه يريد أن يرى وأن يُعوِّض ما فاته من الخير الجمال في ابنه، ولا يحب الإنسان أن يرى غيره أحسن منه إلا ولده، لأنه امتداده وعِوَضه فيما فات. وإنْ أخذنا ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] على أنها بمعنى الاستقرار والثبات، فالمعنى أن تكون الزوجة على خُلُق وأدب وجمال، بحيث تُرضِي الزوج، فلا تمتد عينه إلى غيرها، وتسكن عندها لأنها استوفت كل الشروط، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ﴾ [الحجر: ٨٨] . وكذلك إنْ وجد صفات الخير والأدب والجمال في أولاد بحث لا تمتد عينه إلى أكثر من ذلك؛ لأنه يرى في أولاده كُلَّ تطلعاته، وكل ما يتمناه، فلا يتطلع إلى غيرهم؛ لذلك حين يمدحون. يقولون: فلان لم يَعُدْ عنده تطلعات، لماذا؟ لأنه حقَّق كل ما يريد. ويقولون في المدح أيضاً: فلان هذا قَيْد النظر، يعني: حين تراه تسكن عنده عينك، ولا تتحول عنه لجماله وكمال صفاته. والولد حين يكون على هذه الصورة، يريد والديه في الدنيا وفي الآخرة؛ لأنه ولد صالح لا ينقطع بِرّه بوالديه لموتهما، إنما يظل بارّاً بهما حتى بعد الموت فيدعو لهما. وفي الآخرة يجمعهم الله جميعاً في مستقر رحمته: ﴿والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] . وهكذا كله في الأزواج وفي الأولاد هبة ومنحة من الله.

стр. 12603

ونلحظ أن بعض الأزواج يعيشون مع أزواجهم على مَضَض، وربما على كُرْه تحملهم عليه ظروف الحياة والأولاد واستقرار الأسرة، فإنْ قلتَ للزوج: إن زوجتك ستكون معك في الجنة يقول: كيف، حتى في الآخرة؟! وهو لا يعلم أن الله تعالى سيُطهِّرها من الصفات التي كرهها منها في الدنيا. قال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٥] . ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الجنة اليوم فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى الأرآئك مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٥٥٦] . وقول تعالى: ﴿واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان: ٧٤] نلحظ أن الدعوة هنا جماعية، ومع ذلك لم يقُلْ أئمة، وذكر إماماً بصيغة المفرد، فلماذا؟ قالوا: لأنه تعالى يُنبِّهنا إلى أنّ الإمام هو الذي يسير على وَفْق منهج الله ولا يحيد عنه؛ لذلك إنْ تعددتْ الأئمة فهُمْ جميعاً في حُكْم إمام واحد؛ لأنهم يصدرون عن رب واحد، وعن منهج واحد لا تحكمهم الأهواء فتُفرِّقهم كالأمراء مثلاً. فجمعهم في القول من كل منهم على حدة ووحدهم في الإمامة.

стр. 12604

ثم يقول الحق سبحانه عن جزاء عباد الرحمن: ﴿أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة بِمَا صَبَرُواْ﴾

стр. 12605

﴿أولئك﴾ [الفرقان: ٧٥] خبر عن عباد الرحمن الذين تقدمتْ أوصافهم، فجزاؤهم ﴿يُجْزَوْنَ الغرفة﴾ [الفرقان: ٧٥] وجاءت الغرفة مفردةً مع أنهم متعددون، يحتاج كل منهم إلى غرفة خاصة به. قالوا؛ لأن الغرفة هنا معناها المكان العالي الذي يشتمل على غرفات، كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فأولئك لَهُمْ جَزَآءُ الضعف بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي الغرفات آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] . وهذا الجزاء نتيجة ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ [الفرقان: ٧٥] صبوا على مشاقِّ الطاعات، وقد أوضح النبي ﷺ َ هذه المسألة بقوله: «حُفَّتْ الجنة بالمكاره، وحُفَّتْ النار بالشهوات» . فالجنة تستلزم أن أصبر على مشاقِّ الطاعات، وأن أُقدِّر الجزاء على العمل، أستحضره في الآخرة، فإنْ ضِقْتَ بالطاعات وكذَّبْتَ بجزاء الآخرة، فَلِمَ العمل إذن؟ ومثَّلْنا لذلك بالتلميذ الذي يجدّ ويجتهد في دروسه، لأنه يستحضر يوم الامتحان ونتيجته، وكيف سيكون موقفه في هذا اليوم، إذن: لو استحضر الإنسانُ الثوابَ على الطاعة لَسهُلَتْ عليه وهانتْ عليه متاعبها، ولو استحضر عاقبة المعصية وما ينتظره من جزائها لا بتعد عنها.

стр. 12606

فالتكاليف الشرعية تستلزم الصبر، كما قال تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين﴾ [البقرة: ٤٥] . فالحق ﵎ يريد منّا ألاَّ نعزل التكاليف عن جزائها، بل ضَعِ الجزاء نُصْب عينيك قبل أنْ تُقدِم على العمل. لذلك النبي ﷺ َ يسأل أحد صحابته: «كيف أصبحتَ يا حارثة» فيقول: أصبحتُ مؤمناً حقاً، فقال: «إنَّ لكل حقّ حقيقة، فما حقيقة إيمانك» . قال: عزفتْ نفسي عن الدنيا، حتى استوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعَّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون «. فالمسألة إذن في نظرهم لم تكُنْ غيباً، إنما مشاهدة، كأنهم يرونها من شدة يقينهم بها؛ لذلك قال له النبي ﷺ َ:» عرفتَ فالزم «. والإمام علي كرَّم الله وجهه يقول: لو كُشِف عني الحجاب ما ازددتُ يقيناً. لماذا؟ لأنه بلغ من اليقين في الغيب إلى حَدِّ العلم والمشاهدة. ثم يقول تعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً﴾ [الفرقان: ٧٥] . التحية أن نقول له: إننا نُحيِّيك يعني: نريد حياتك بأُنْسك بِنَا، والسلام: الأمان والرحمة، لكن ممَّنْ يكون السلام؟ ورَدُّ السلام في

стр. 12607

القرآن الكريم بمعان ثلاثة: سلام من الله، كما في قوله تعالى: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] . وسلام من الملائكة: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣٢٤] . وسلام من أهل الأعراف، وهم قوم استوتْ حسناتهم وسيئاتهم، فلم يدخلوا الجنة، ولم يدخلوا النار، وهؤلاء يقولون: ﴿وَعَلَى الأعراف رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الجنة أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦] . إذن: فعباد الرحمن يُلَقَّوْن في الجنة سلاماً من الله، وسلاماً من الملائكة، وسلاماً من أهل الأعراف. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ﴾

стр. 12608

وسبق أنْ قال تعالى عن النار ﴿سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ [الفرقان: ٦٦] لأنها قبيحة، ومقابلها هنا ﴿حَسُنَتْ﴾ [الفرقان: ٧٦] والمستقر: مكان الإقامة العابرة غير الدائمة، والمقام: مكان الإقامة الدائمة، ومعلوم أن مَنْ يدخل الجنة يقيم فيها إقامة أبدية دائمة، أما مَنْ يدخل النار فقد يخرج منها، إنْ كان مؤمناً. فكيف قال عن كل منهما: مُستقراً ومُقَاماً؟ قالوا: لأنهم ساعةَ يأتيهم نعيم وجزاء نقول لهم: ليس هذا هو النعيم الدائم، فالمستقر في نعمة واحدة، إنما المقام في نِعَم أخرى كثيرة مُترقية مُستعلية، لدرجة أن الكمالات في عطاء الله لا تتناهى.

стр. 12609

ثم يُنهي الحق سبحانه سورة الفرقان بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُاُْ بِكُمْ رَبِّي﴾

стр. 12610

بعد أن تحدث الحق ﵎ عن عباد الرحمن، وذكر أوصافهم وجزاءهم توجّه إلى الآخرين الذين لم يتصرفوا بهذه الصفات ولن ينالهم شيء من هذا النعيم، يقول لهم: إياكم أنْ تظنوا أن الله تعالى سيبالي بكم، أو يهتم، أو يكون في معونتكم؛ لأن الله تعالى لا يبالي إلا بعباده الذين عبدوه حَقَّ العبادة، وأطاعوه حَقَّ الطاعة، وأنتم خالفتُمْ الأصل الأصيل من إيجاد الخَلْق، ولم تحققوا معنى الاستخلاف في الأرض الذي خلقكم الله تعالى من أجله. فكما أنكم انصرفتم عن منهج الله ولم تَعْبئوا به ولم تعبدوه، ولم يكُنْ على بالكم، فكذلك لا يعبأ الله بكم، ولن تكونوا على ذِكْر منه سبحانه، وسوف يهملكم. وقوله تعالى: ﴿لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] يعني: لولا عبادتكم، حيث إنها لم تقع ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] أي: بالأصل الأصيل، وهو أنكم مخلوقون للعبادة ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ [الفرقان: ٧٧] كما لازمتم أنتم الكفر بي ولم تعبدوني وأصررتُم على الكفر، كذلك يكون الجزاء من جنس العمل لِزاماً لكم، فلا يُفارقكم أبداً.

стр. 12611

سبق أن تكلمنا عن الحروف المقطعة في أوائل السور، وقلنا فَرْق بين اسم الحرف ومُسمّى الحرف، مُسمّى الباء مثلاً: بَا أو بُو أو بِي أو إبْ في حالة السكون، إنما اسمها: باءٌ مفتوحة، أو مضمومة، أو ساكنة، لكن حين تنطق هذا الحرف في كَتَب مثلاً تقول: كَتَبَ فتنطق مُسمَّى الحرف لا اسمه. وقُلْنا: في هذه المسألة معانٍ كثيرة، أيسرها: أن القرآن، وهو كلام الله المعجز مُنزَّل من حروف مثل حروفكم التي تتكلمون

стр. 12612

بها، وكلمات مثل التي في لغتكم، لكن ما الذي جعله متميزاً بالإعجاز عن كلامكم؟ نقول: لأنه كلام الله، هذا هو الفَرْق، أمّا الحروف فواحدة. ولو تأملتَ لوجدتَ أن الحروف المقطعة في أوائل السور مجموعها أربعة عشر حرفاً، هي نصف الحروف الهجائية، مرة يأتي حرف واحد، ومرة حرفان، ومرة ثلاثة أحرف، ومرة أربعة أحرف، ومرة خمسة أحرف. وهذا يدُّلنا على أن القرآن مُعْجِز، مع أنه بنفس حروفكم، وبنفس كلماتكم. وسبق أن ضربنا لتوضيح هذه المسألة مثلاً: هَبْ أنك أردت أن تختبر جماعة في إجادة النسج مثلاً، فأعطيت أحدهم صوفاً، وللثاني حريراً، وللثالث قطناً، وللرابع كتاناً، فهل تستطيع أن تحكم على دِقَّة نَسْج كل منهم وأيهما أرقّ وأجمل؟ بالطبع لا تستطيع؛ لأن الحرير أنعم وأرقّ من القطن، والقطن أرقّ من الصوف، والصوف أرقّ من الكتان، فإنْ أردتَ تمييز الدقة والمهارة في هذه الصنعة فعليك أنْ تُوحِّد النوع. إذن: سِرّ الإعجاز في القرآن أن تكون مادته ومادة غيره من الكلام واحدة، حروفاً وكلمات؛ لذلك كثيراً ما يقول الحق ﵎ بعد الحروف المقطعة:

стр. 12613

﴿تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين﴾

стр. 12614

أي: أن الكتاب المبين مُكوَّن من مثل هذه الحروف، ولله تعالى معَانٍ أخرى، فيها مرادات له سبحانه، لعلّ الزمن يكشف لنا عنها. . والقرآن كلام الله، وصفاته لا تتناهى في الكمال، فإنِ استطعتَ أن تصف الأشياء، هذا كذا، وهذا كذا فهذه طاقة البشر والعقل البشري. أمّا آيات الله في كتابه المبين فهي الآيات الفاصلة التي لها بَدْء ولها ونهاية، وتتكوّن منها سور القرآن. ومعنى ﴿المبين﴾ [الشعراء: ٢] الواضح المحيط بكل شيء، كما قال سبحانه في آية أخرى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾

стр. 12615

هذه هي التسلية لرسول الله ﷺ َ؛ لأنه حمّل نفسه في تبليغ الرسالة فوق ما يُطيق، وفوق ما يطلبه الله منه حِِرْصاً منه على هداية الناس، وإرجاعهم إلى منهج الله؛ ليستحقوا الخلافة في الأرض، ولأن من شروط الإيمان أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك. والحق ﵎ يُسلِّي رسوله ﷺ َ، كما قال له في سورة الكهف: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً﴾ [لكهف: ٦] .

стр. 12616

كأن ترى ولدك يُرهق نفسه في المذاكرة، فتشفق عليه أنْ يُهلك نفسه، فأنت تعتب عليه لصالحه، كذلك الحق ﵎ يعتب على رسوله شفقة وخوفاً عليه أنْ يُهلِك نفسه. ومعنى ﴿بَاخِعٌ﴾ [الشعراء: ٣] البخع: الذَّبْح الذي لا يقتصر على قَطْع المرىء والودجين، إنما يبالغ فيه حتى يفصل الفقرات، ويخرج النخاع من بينها، والمعنى: تحزن حزناً عميقاً يستولي على نفسك حتى تهلك، وهذا يدل على المشقة التي كان يعانيها الرسول ﷺ َ من تكذيب قومه له. وفي موضع آخر، يقول سبحانه لرسوله ﷺ َ: ﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨] فهذا أمر نهائي واضح، ونَهْي صريح، بعد أنْ لفتَ نظره بالإنكار، فقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] . وقد نبّه الله تعالى رسوله في عِدّة مواضع حتى لا يُحمِّل نفسه فوق طاقتها، فقال الحق : ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب﴾ [الرعد: ٤٠] . وقال: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] . وقال: ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥] . فالحق ﵎ يقول لرسوله: يسِّر على نفسك، ولا تُكلِّفها تكليفاً شاقّاً مُضْنياً، والعتاب هنا لصالح الرسول، لا عليه.

стр. 12617

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء﴾

стр. 12618

والآية هنا ليست آيةَ إقناع للعقول، إنما آية تُرْغمهم وتُخضع رقابهم، وتُخضع البنية والقالب، وهذا ليس كلاماً نظرياً يُقال للمكذبين، إنما حقائق وقعتْ بالفعل في بني إسرائيل. واقرأ إنْ شئت قوله تعالى: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وظنوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٧١] . فأخذوا ما آتيناهم بقوة، لماذا؟ بالآية التي أرغمتهم وأخضعتْ قوالبهم، لكن الحق ﵎ كما قلنا لا يريد بالإيمان أنْ يُخضع القوالب، إنما يريد أن يُخضع القلوب باليقين والاتباع. فلو شاء ربك لآمن مَنْ في الأرض كلهم جميعاً، لا يتخلف منهم أحد، بدليل أنه سبحانه خلق الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وبدليل أنه سبحانه بعث رسلاً وعصمهم، ولم يجعل للشيطان سبيلاً عليهم، وبدليل أن الشيطان بعد أن تعهّد أن يُغوي بني آدم ليكونوا معه سواء في المعصية قال له: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤ ٢] . والشيطان نفسه يقول: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ [ص: ٨٢٨٣] . إذن لو أراد سبحانه لجعلَ الناس جميعاً مؤمنين وما عَزَّ عليه ذلك، لكنه أراد سبحانه أن يكون الإيمان باختيار المؤمن، فيأتي ربه طواعية مختاراً.

стр. 12619

حتى في أمور الدنيا وأهلها، قد ترى جباراً يضرب الناس، ويُخضعِهم لأمره ونهيه، فيطيعونه طاعةَ قوالب، إنما أيستطيع أنْ يُخضِع بجبروته قلوبهم؟! وقال: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] خَصَّ الأعناق؛ لأنها مظهر الخضوع، فأول الخضوع أنْ تلوى الأعناق، أو الأعناق تُطلَق عند العرب على وجوه القوم وأعيانهم؛ لذلك يقولون في التهديد: هذه مسألة تضيع فيها رقاب. والمراد: الرقاب الكبيرة ذات الشأن، لا رقاب لمامة القوم، والضعفاء، أو العاجزين. ومثلها كلمة صدور القوم يعني: أعيانهم والمقدَّمين منهم الذين يملأون العيون. والمعنى: فأنت لا تُخضِع الناس؛ لأني لو أردتُ أنْ أُخضعهم لأخضعتُهم؛ لذلك يقول تعالى في آية آخرى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] . فإذا كان ربك لا يُكرِه الناسَ على الإيمان، أفتُكرههم أنت؟ ولماذا الإكراه في دين الله؟ : إن الحق ﵎ يوالي تنزيل القرآن عليهم آية بعد آية فلعل نجماً من نجومه يصادف فراغاً، وقلباً صافياً من الموجدة على رسول الله فيؤمن. لكن هيهات لمثل هؤلاء الذين طُبِعوا على اللدد والعناد والجحود أن يؤمنوا؛ لذلك يقول الله عنهم: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل: ١٤] . وقال عنهم:

стр. 12620

﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ﴾

стр. 12621

قوله: ﴿مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء: ٥] يعني: جديد على أذهانهم؛ لأننا لا نلفتهم بآية واحدة، بل بآيات الواحدة تلو الأخرى: ﴿إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥] . فكلما جاءتهم آية كذَّبوها، وهذا دليل على اللدد والعداوة التي لا تفارق قلوبهم لرسول الله ﷺ َ، بحيث لا يصادف نجم من القرآن قلوباً خالية، فكأن عداوتهم لك يا محمد منعتْهم من الإيمان بالقرآن، فهم مستعدون للإيمان بالقرآن إنْ جاء من غيرك. أليسوا هم القائلين: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] . إذن: فاللدَد والخصومة ليستْ في منهج الله، إنما في شخص رسول الله؛ لذلك ربُّك يُعزِّيك ويحرص عليك: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] مرة ساحر، ومرة مجنون. . إلخ. انظر إلى التسلية: ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] فأنت عندهم صادق أمين ﴿ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] . وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥] أي: في غباء ولَدَد، وهل هناك أشدّ لَدَداً من قولهم: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] .

стр. 12622

بدل أن يقولوا: اهدنا إليه!!

стр. 12623

أي: كلما جاءهم ذِكْر من الرحمن، وآية من آياته أصرُّوا على تكذيبها ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الشعراء: ٦] . كما جاء في آيات أخرى: ﴿وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] . وقال: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ﴾ [ص: ٨٨] . يعني: غداً تعلمون عاقبة تكذيبكم، فآيات الله تسير أمامكم، فكلُّ يوم يزداد المؤمنون بمحمد، ويتناقص عدد الكافرين، كل يوم تزداد أرض الإيمان، وتتراجع أرض الكفر. ألم يقُل الحق لهم: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ [الأنبياء: ٤٤] . فهذه إذن مقدمات تروْنها بأعينكم، وكان ينبغي عليكم أن تأخذوا منها عبرةً وعظة، فبوادر نجاح الدعوة وظهور الدين واضحة، هذا معنى: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الشعراء: ٦] . فليتهم اقتصروا على التكذيب والإصرار عليه، إنما تعدّى الأمر منهم إلى الاستهزاء بالرسل وبكلام الله، ألم يقولوا على سبيل الاستهزاء: ﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ [الفرقان: ٤١] .

стр. 12624

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرض﴾

стр. 12625

لَمَّا لم يفلح الذكر المُحْدث والآيات المتجددة مع هؤلاء المعاندين فلم يَرْعَوُوا. ردَّهم الله تعالى إلى الآيات الكونية الظاهرة لهم والتي سبقتهم في الوجود، آيات في السماء: الشمس والقمر والنجوم، وآيات في الأرض: البحار والقفار والجبال والنبات والحيوان. وكلها آيات كونية لم يدَّعها أحد منهم، بل جاء الإنسان إلى الوجود وطرأ عليها، وقد سبقتْه هذه الآيات التي يراها: الكبير والصغير، والرجل والمرأة، والعاقل وغير العاقل، أَلاَ ينظرون فيها نظرةَ اعتبار، فيسألون عن مبدعها؟ ضربنا لذلك مثلاً بالإنسان الذي انقطعتْ به السُّبُل في صحراء جرداء حتى أشرف على الهلاك، فأخذته سِنَة فنام، ولما استيقظ وجد في هذا المكان المنقطع مائدةً، عليها أطايب الطعام والشراب، أَلا ينبغي عليه قبل أنْ تمتدَّ يده إلى هذا الطعام أن يسأل نفسه من الذي أعده له؟ كذلك الإنسان طرأ على كوْن مُعَدٍّ لاستقباله، وعلى وجود لا تتناوله قدرته، ولا سلطانَ له عليه، فهو لا يتناول الشمس مثلاً ليُوقِدها ولم يدَّعِ هذه الآيات الكونية أحد، أَلاَ يدلّ ذلك على الخالق ويُوجِب علينا الإيمان به؟

стр. 12626

لذلك يقول سبحانه ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [لقمان: ٢٥] . وقال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله﴾ [الزخرف: ٨٧] . ولو تأمل الإنسان في (اللمبة) الصغيرة التي تضيء غرفة، ولها عمر افتراضي لا يتعدَّى عدة أشهر وهي عُرْضَة للكسر وللأعطال، ومع ذلك تكاتف في صناعتها فريق من المهندسين والعمال والفنيين، وكثير من الآلات والعِدَد، ومع ذلك نُؤرِّخ لمخترع المصباح، ونعرف تاريخه، وكيفية صنعه. . الخ. نعرف مخترع (التلفون والراديو) و. . أليس من الأَوْلَى أن ننظر ونتأمل في خَلْق الشمس، هذا الكوكب العظيم الذي يضيء الدنيا كلها، دون وقود، أو قطعة غيار، أو عُطْل طِوَال هذه المدَد المتعاقبة؟ فإذا ما جاء رسول، وقطع على الناس هذه الغفلة، وقال لهم: أَلاَ أُنبّئكم بمَنْ خلق كل هذا؟ إنه الله. كان يجب عليهم أنْ يُعيروه آذانهم ويؤمنوا. هنا يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرض﴾ [الشعراء: ٧] وهي آية ظاهرة أمام أعينهم، يروْنَها هامدة جرداء مُقْفرة، فإذا نزل عليها الماء أحياها الله بالنبات، ألم ينظروا إلى الجبال والصحراء بعد نزول المطر، وكيف تكتسي ثوباً بديعاً من النبات بعد فَصْل الشتاء. ألم يسألوا أنفسهم: مَنْ نقل هذه البذور وبذرها في الجبال؛ لذلك يقول سبحانه في موضع آخر: ﴿وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] .

стр. 12627

وقوله تعالى هنا: ﴿كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧] كم: خبرية تفيد الكثرة، جاءت بصيغة الاستفهام للتقرير، كما تقول لصاحبك: كم أحسنتُ إليك، بدل أنْ تُعدِّد مظاهر إحسانك إليه، فتسأله لأنك واثق أن الإجابة في صالحك، فالكلام بالإخبار دَعْوى منك، لكن الإجابة على سؤال إقرار منه. فالمعنى: أن نبات الأرض كثير يفوق الحصر. والزوج: الصنف، والزوج أيضاً الذكر أو الأنثى، والبعض من العامة يظن أن الزوج يعني الاثنين وهذا خطأ، فالزوج واحد معه مثله، كما في قوله سبحانه: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين﴾ [الأنعام: ١٤٣١٤٤] . فهذه أربعة أصناف، فيها ثمانية أزواج، فالزوج فرد واحد معه مثله، فلا تقول زوج أحذية. بل زَوْجَا أحذية. والحق يقول: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى﴾ [النجم: ٤٥] . وكذلك النبات لا بُدَّ فيه من ذكورة وأنوثة، وإنْ كانت غير واضحة فيه كله كما هي واضحة مثلاً في النخل، ففيه ذكر نُلقِّح منه الأنثى لتثمر، وكذلك شجرة الجميز منها ذكر وأنثى. لكن لم نَرَ ذكورة وأنوثة في الجوافة مثلاً أو في الليمون، لماذا؟ قالوا: مرة توجد الذكورة والأنوثة في الشيء الواحد كعود الذرة مثلاً، قبل أنْ يُخرِج ثمرته تخرج سنبلة في أعلاه تحمل لقاح الذكورة، وحينما يهزها الريح يقع اللقاح على شُرَابة (كوز) الذرة، وتتم عملية التلقيح. وقد تكون الذكورة والأنوثة في شيء لا تعرفه أنت كالمناجو والتفاح مثلاً، فلم نعلم لها ذكراً وأنثى.

стр. 12628

لكن الحق تعالى قال: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] . وقال: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] . ثم وصف الزوج بأنه ﴿كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧] فماذا يعني الكرم هنا؟ قالوا: لأنك إذا أخذتَ الثمرة الواحدة ونظرت وتأملتَ فيها لوجدتَ لها صفات متعددة ونِعَماً كثيرة، كما قال سبحانه: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] وهي نعمة واحدة بصيغة المفرد ولم يقل نعم الله. قالوا: لأن الحق يريد أن يلفتنا إلى أن كل نعمة واحدة لو استقصيتَ عناصرها وتكوينها لوجدتَ في طياتها نِعَماً لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى. فمعنى ﴿كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧] يعني: كثير العطاء وكثير الخيرات.

стр. 12629

قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [الشعراء: ٨] أي: في آية الإنبات، وكل زوج كريم يخرج من الأرض ﴿لآيَةً﴾ [الشعراء: ٨] شيء عجيب ودلالة واضحة على مُكوِّن حكيم يعمل الشيء بقصد ونظام، ينبغي أن تلفتنا إلى قدرة الخالق . ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨] يعني: مع كل هذه الآيات لم يؤمنوا، إلا القليل منهم كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] مع أنك لو تأملتَ آية واحدة لكانت كافية لأنْ تلفتك إلى الله.

стр. 12630

وَفِي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيةٌ ... تَدلُّ عَلَى أَنَّه الوَاحِدُ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾

стр. 12631

جاء الحق ﵎ هنا بصفة ﴿العزيز﴾ [الشعراء: ٩] بعد أن قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨] لنعلم أن الذين كفروا لم يكفروا رَغْماً عن الله، إنما كفروا بما أودع الله فيهم من الاختيار. فهو سبحانه الذي أعانهم عليه لَمَّا أحبوه وأصروا عليه؛ لأنه تعالى ربُّهم، بدليل أنه تعالى لو تركهم مجبرين مرغمين ما فعلوا شيئاً يخالف منهج الله أبداً، وبدليل أنهم مجبرون الآن على أشياء ومقهورون في حياتهم في مسائل كثيرة، ومع ذلك لا يستطيع أحد منهم أن يخرج على شيء من ذلك. فمع إِلْفهم العناد والتمرد على منهج الله، أيستطيع أحدهم أنْ يتأبَّى على المرض، أو على الموت، أو على الأقدار التي تنزل به؟ أيختار أحد منهم يوم مولده مثلاً، أو يوم وفاته؟ أيختار طوله أو قوته أو ذكاءه؟ لكن لما أعطاهم الله الصلاحية والاختيار اختاروا الكفر، فأعانهم الله على ما أحبُّوا، وختم على قلوبهم حتى لا يخرج منها كفر، ولا يدخلها إيمان. وكلمة ﴿العزيز﴾ [الشعراء: ٩] تعني: الذي لا يُغلَب ولا يُقْهر، لكن هذه الصفة لا تكفي في حقَّه تعالى؛ لأنها تفيد المساواة للمقابل، فلا بُدَّ أنْ نزيد عليها أنه سبحانه هو الغالب أيضاً.

стр. 12632

لذلك يقول : ﴿والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١] فالله تعالى عزيز يَغْلِب ولا يُغْلَب. ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] . وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨] . ثم يذكر سبحانه بعدها صفة الرحمة، فهو سبحانه مع عزته رحيم، إنه تعالى رحيم حين يَغْلب، ألم يتابع لهم الآيات ويَدْعُهم إلى النظر والتأمل، لعلَّهم يثوبون إلى رُشْدهم فيؤمنوا؟ فلما أصرُّوا على الكفر أمهلهم، ولم يأخذهم بعذاب الاستئصال، كما أخذ الأمم الأخرى حين كذَّبتْ رسلها. كان الرسل قبل محمد ﷺ َ يُبلِّغون الدعوة، ويُظهرون المعجزة، فمَنْ لم يؤمن بعد ذلك يعاقبه الله، كما قال سبحانه: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠] . أمَّا أمة محمد ﷺ َ فقد قال تعالى في شأنها: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] . وقال هنا: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ [الشعراء: ٩] فالحق ﵎ في كل هذه الآيات يُسلِّي رسوله ﷺ َ، ويعطيه عبرةً من الرسل الذين سبقوه، فليس محمد بِدْعاً في ذلك، ألم يقل

стр. 12633

له ربه: ﴿ياحسرة عَلَى العباد مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] فالمسألة إذن قديمة قِدَم الرسالات. لذلك، يأخذنا السياق بعد ذلك إلى موكب النبوات، فيذكر الحق سبحانه لرسوله ﷺ َ طرفاً من قصة نبي الله موسى: ﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ موسى﴾

стр. 12634

الحق ﵎ يقصُّ على رسوله قصص الأنبياء، وهو أحسن القصص لحكمة: ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] . لأن رسول الله ﷺ َ مرَّ بمعارك كثيرة مع الكفر، فكان يحتاج إلى تثبيت مستمر كلما تعرض لشدة؛ لذلك تكرر القصص القرآني لرسول الله على مدى عمر الدعوة، والقصص القرآني لا يراد به التأريخ لحياة الرسل السابقين، إنما إعطاء النبي محمد ﷺ َ عِبرةً وعظة بمَنْ سبقه من إخوانه الرسل؛ لذلك كانت القصة تأتي في عدة مواضع، وفي كل موضع لقطة معينة تناسب الحدث الذي نزلت فيه. وهنا يقول سبحانه: ﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ موسى﴾ [الشعراء: ١٠] يعني: اذكر يا محمد، إذ نادى ربك موسى أي: دعاه. لكن لماذا بدأ بقصة موسى ﵇ بالذات؟ قالوا: لأن كفار مكة كفروا بك أنت، فلا تحزن؛ لأن غيرهم كان أفظع منهم، حيث ادعى الألوهية، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] . والسياق هنا لم يذكر: أين ناداه ربه، ولا متى ناداه، وبدأ الحوار معه مباشرة، لكن في مواضع أخرى جاء تفصيل هذا كله.

стр. 12635

ثم يأتي الأمر المباشر من الله تعالى لنبيه موسى: ﴿أَنِ ائت القوم الظالمين﴾ [الشعراء: ١٠] أي: الذين ظلموا أنفسهم، بأنْ جعلوا لله تعالى شريكاً، والشرك قِمَّة الظلم ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . ولم يُبيِّن القرآن مَنْ هم هؤلاء الظالمون؛ لأنهم معروفون مشهورون، فهم في مجال الشرك أغنياء عن التعريف، بحيث إذا قلنا ﴿القوم الظالمين﴾ [الشعراء: ١٠] انصرف الذِّهْن إليهم، إلى فرعون وقومه؛ لأنه الوحيد الذي تجرّأ على ادعاء الألوهية، وبعد أنْ ذكرهم بالوصف يُعيِّنهم: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾

стр. 12636

أي: قُلْ لهم يا موسى ألا تتقون ربكم؟ واعرض عليهم هذا العرض؛ لأن الطلب يأتي مرة بالأمر الصريح: افعل كذا، ومرة يتحنّن إليك بأسلوب العرض، ألا تفعل كذا؟ على سبيل الاستفهام والعرض والحضِّ. والمعنى: ألا يتقون الله في ظلمهم لأنفسهم باتخاذهم مع الله شريكاً ولا إله غيره، وظلموا بني إسرائيل في أنهم يُذبِّحونَ أبناءهم ويستحيُون نساءهم. لكن، لماذا تكلم عن قوم فرعون أولاً، ولم يعرض عليه هو أولاً، وهو رأس الفساد في القوم؟ ويجيب على هذا السؤال المثل القائل (يا فرعون ماذا فرعنك؟ قال: لأنني لم أجد أحداً يردني) فلو وقف له قومه ورَدَعوه لارتدع، لكنهم تركوه، بل ساروا في رَكْبه إلى أنْ صار طاغية، وأعانوه حتى أصبح طاغوتاً.

стр. 12637

فقال موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إني أَخَافُ﴾

стр. 12638

لما دعا الحق ﵎، نبيه موسى ﵇ لأنْ يذهب إلى قوم فرعون لم يبادر بالذهاب، إنما أبدى لربه هواجس نفسه وخلجاتها؛ لأنه يعلم مُقدَّماً مشقة هذه المهمة، فقد عاش مع فرعون ويعلم طبيعته، فقال: ﴿إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء: ١٢] وكيف لمن يدّعي الألوهية أنْ يسمع لرسول؟ ويُرْوَى أنه في عهد الخليفة المأمون ادَّعَى أحدهم النبوة، فحبسوه، ثم ادعاها آخر فقال: اجمعوا بينهما حتى يواجه أحدهما الآخر، فلما حضرا قالوا: يا هذا إن هذا الرجل يدَّعي النبوة، فقال: كذب، أنا لم أُرسِل أحداً. وهكذا جعل من نفسه إلهاً بعد أن كان نبياً. ويواصل موسى الحديث عن مخاوفه: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي﴾

стр. 12639

يضيق صدري ساعةَ يكذّبونني، وضيق الصدر ينتج عنه أن أتلجلج وأتعصب، فلا أستطيع أن أتكلم الكلام المُقْنِع؛ ذلك لأنني

стр. 12640

سأشاهد باطلاً واضحاً يُجابه حقاً واضحاً، ولا بُدَّ أنْ يضيق صدري بذلك، خاصة وأن موسى ﵇ سابقه في مسألة الكلام. لذلك قال: ﴿فَأَرْسِلْ إلى هَارُونَ﴾ [الشعراء: ١٣] وفي آية أخرى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] . يعني: مساعداً لي يتكلم بدلاً عني، إنْ عجز لساني عن الكلام، وهذا يدل على حرصه ﵇ على تبليغ دعوة ربه إلى فرعون وقومه. وعليه، فقد كان موسى وهارون كلاهما رسول، إلا أن القرآن قال مرة عنهما: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: ١٦] بصيغة المفرد، وقال مرة أخرى: ﴿إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] بصغية المثنى. الرسول: هو المرسَل من شخص لآخر، سواء كان واحداً أو مُثَنى أو جمعاً. ومعلوم أن الإنسان يحتاج لا ستبقاء حياته طعاماً وشراباً، وقبل ذلك وأهمَ منه يحتاج لاستبقاء نفسه، أَلاَ تراه يصبر على الطعام، ويصبر على الشراب، لكنه لا يصبر بحال على الهواء، فإنْ حُبِس عنه شهيق أو زفير فارق الحياة؟ وسبق أن قلنا: إن من رحمة الله تعالى بنا أنْ يُملِّك الطعام كثيراً، وقليلاً ما يُملِّك الماء، لكن الهواء لا يُملّكه الله لأحد، لماذا؟ لأنه لو ملَّك عدوك الهواء فمنعه عنك، فسوف تموت قبل أنْ يرضى عنك، بالإضافة إلى أن الهواء هو العنصر الأساسي في الحياة، وعليه تقوم حركاتها.
следующие страницы →