← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 12636–12675 · переход к 12641.

стр. 12636

أي: قُلْ لهم يا موسى ألا تتقون ربكم؟ واعرض عليهم هذا العرض؛ لأن الطلب يأتي مرة بالأمر الصريح: افعل كذا، ومرة يتحنّن إليك بأسلوب العرض، ألا تفعل كذا؟ على سبيل الاستفهام والعرض والحضِّ. والمعنى: ألا يتقون الله في ظلمهم لأنفسهم باتخاذهم مع الله شريكاً ولا إله غيره، وظلموا بني إسرائيل في أنهم يُذبِّحونَ أبناءهم ويستحيُون نساءهم. لكن، لماذا تكلم عن قوم فرعون أولاً، ولم يعرض عليه هو أولاً، وهو رأس الفساد في القوم؟ ويجيب على هذا السؤال المثل القائل (يا فرعون ماذا فرعنك؟ قال: لأنني لم أجد أحداً يردني) فلو وقف له قومه ورَدَعوه لارتدع، لكنهم تركوه، بل ساروا في رَكْبه إلى أنْ صار طاغية، وأعانوه حتى أصبح طاغوتاً.

стр. 12637

فقال موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إني أَخَافُ﴾

стр. 12638

لما دعا الحق ﵎، نبيه موسى ﵇ لأنْ يذهب إلى قوم فرعون لم يبادر بالذهاب، إنما أبدى لربه هواجس نفسه وخلجاتها؛ لأنه يعلم مُقدَّماً مشقة هذه المهمة، فقد عاش مع فرعون ويعلم طبيعته، فقال: ﴿إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء: ١٢] وكيف لمن يدّعي الألوهية أنْ يسمع لرسول؟ ويُرْوَى أنه في عهد الخليفة المأمون ادَّعَى أحدهم النبوة، فحبسوه، ثم ادعاها آخر فقال: اجمعوا بينهما حتى يواجه أحدهما الآخر، فلما حضرا قالوا: يا هذا إن هذا الرجل يدَّعي النبوة، فقال: كذب، أنا لم أُرسِل أحداً. وهكذا جعل من نفسه إلهاً بعد أن كان نبياً. ويواصل موسى الحديث عن مخاوفه: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي﴾

стр. 12639

يضيق صدري ساعةَ يكذّبونني، وضيق الصدر ينتج عنه أن أتلجلج وأتعصب، فلا أستطيع أن أتكلم الكلام المُقْنِع؛ ذلك لأنني

стр. 12640

سأشاهد باطلاً واضحاً يُجابه حقاً واضحاً، ولا بُدَّ أنْ يضيق صدري بذلك، خاصة وأن موسى ﵇ سابقه في مسألة الكلام. لذلك قال: ﴿فَأَرْسِلْ إلى هَارُونَ﴾ [الشعراء: ١٣] وفي آية أخرى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] . يعني: مساعداً لي يتكلم بدلاً عني، إنْ عجز لساني عن الكلام، وهذا يدل على حرصه ﵇ على تبليغ دعوة ربه إلى فرعون وقومه. وعليه، فقد كان موسى وهارون كلاهما رسول، إلا أن القرآن قال مرة عنهما: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: ١٦] بصيغة المفرد، وقال مرة أخرى: ﴿إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] بصغية المثنى. الرسول: هو المرسَل من شخص لآخر، سواء كان واحداً أو مُثَنى أو جمعاً. ومعلوم أن الإنسان يحتاج لا ستبقاء حياته طعاماً وشراباً، وقبل ذلك وأهمَ منه يحتاج لاستبقاء نفسه، أَلاَ تراه يصبر على الطعام، ويصبر على الشراب، لكنه لا يصبر بحال على الهواء، فإنْ حُبِس عنه شهيق أو زفير فارق الحياة؟ وسبق أن قلنا: إن من رحمة الله تعالى بنا أنْ يُملِّك الطعام كثيراً، وقليلاً ما يُملِّك الماء، لكن الهواء لا يُملّكه الله لأحد، لماذا؟ لأنه لو ملَّك عدوك الهواء فمنعه عنك، فسوف تموت قبل أنْ يرضى عنك، بالإضافة إلى أن الهواء هو العنصر الأساسي في الحياة، وعليه تقوم حركاتها.

стр. 12641

ونلحظ أن الإنسان إذا صعد مكاناً عالياً (ينهج) ، وتزداد ضربات قلبه وحركة تنفسه، لماذا؟ لأن الحركة تحتاج لكثير من الهواء، فإنْ قَلَّ الهواء يضيق الصدر؛ لأنه يكفي فقط لا ستبقاء الحياة، لكنه لا يكفي الحركة الخارجية للإنسان. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾

стр. 12642

وليت المسألة تقف بين نبي الله موسى وبين قومه عند مسألة الكلام، إنما لهم عنده ثَأْرٌ قديم؛ لأنه قتل منهم واحداً، وإنْ كان عَنْ غير قصد، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿فَوَكَزَهُ موسى فقضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] فأخاف أنْ يقتلوني به. فيقول الحق سبحانه لموسى وهارون: ﴿قَالَ كَلاَّ فاذهبا﴾

стр. 12643

(كَلاَّ) تفيد نَفْي ما قبلها، وقبلها مسائل ثلاث: ﴿أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء: ١٢] ، ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي﴾ [الشعراء: ١٣] ، ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤] فعلى أيٍّ منها ينصَبُّ هذا النفي؟ النفي هنا يتوجَّه إلى ما يتعلق بموسى ﵇ لا بما يتعلق بالقوم من تكذيبهم إياه، يقول له ربه: اطمئن، فلن يحدث شيء من هذا كله. ولا ينصبُّ النفي على تكذيبهم له؛ لأنه سيُكذَّب؛

стр. 12644

لذلك نرى دقة الأداء القرآني حيث جاءت ﴿أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء: ١٢] في نهاية الآية، وبعدها كلام جديد ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ [الشعراء: ١٣] وهو المقصود بالنفي. وقد بيَّنَتْ سورة الفجر معنى (كلا) بوضوح في قوله تعالى ﴿فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ربي أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٥١٦] . فيقول تعالى بعدها رداً عليها ﴿كَلاَّ﴾ [الفجر: ١٧] يعني: ليس الإعطاء دليلَ إكرام، ولا المنعُ دليلَ إهانة، إنما المراد الابتلاء بالنعمة وبالنقمة. وكيف يكون الأمر كما تظنون، وقد أعطاكم الله فبخلتُم، وأحببتم المال حُبّا جماً، فلم تنفقوا منه على اليتيم أو المسكين، بل تنافستُم في جَمْعه حتى أكلتم الميراث، وأخذتم أموال الناس. إذن: فالمال الذي أكرمكم الله به لم يكُنْ نعمة لكم؛ لأنكم جعلتموه نقمة ووبالاً، حين أُعطيتم فمنعتم. وكلمة (كَلاَّ) هذه أصبح لها تاريخ مع موسى ﵇ فقد تعلَّمها من ربه، ووعى درسها جيداً، فلما حُوصِر هو وأتباعه بين البحر من أمامهم، وفرعون وجنوده من خلفهم، حتى أيقن أتباعه أنهم مُدْركون هالكون، قالها موسى ﵇ بملء فيه ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] . وقوله تعالى: ﴿فاذهبا بِآيَاتِنَآ﴾ [الشعرءا: ١٥] الآيات هنا يُقصَد بها المعجزات الدالة على صِدْقهما في البلاغ عن الله، وهي هنا العصا

стр. 12645

﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥] كما قال لهما في موضع آخر: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] . فمرّة يأتي بالسمع فقط، ومرّة بالسمع والرؤية، لماذا؟ لأن موقفه مع فرعون في المقام الأول سيكون جدلاً ونقاشاً، وهذا يناسبه السمع، وبعد ذلك ستحدث مقامات في (فعل) و (عمل) في مسألة السحر وإلقاء العصا، وهذا يحتاج إلى سمع وإلى بصر؛ لأن الإيذاء قد يكون من السمع فقط في أول اللقاء، وقد يكون من السمع والعين فيما بعد.

стр. 12646

وسبق أن قال سبحانه: ﴿أَنِ ائت القوم الظالمين قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ١٠١١] فذكر قومَ فرعن أولاً؛ لأنهم سبب فرعنته، حين سمعوا كلامه وأعانوه عليه، وهنا يُذكِّره ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ١٦] لأن حين يُهزَم فرعون يُهزَم قومه الذين أيَّدوه، فالكلام هنا مع قمة الكفر مع فرعون. ﴿فقولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: ١٦] إنَّا: جمع يُقَال للمثنى، ومع ذلك جاءت رسول بصيغة الإفراد، ولم يقُل: رسُولا؛ لأن الرسول واسطة بين المرسَل والمرسَل إليه، سواء أكان مفرداً أو مُثَنى أو جمعاً. وكلمة ﴿إِنَّا﴾ [الشعراء: ١٦] سيقولها موسى وهارون في نَفَس واحد؟ لا، إنما سيتكلم المقدَّم منهما، وينصت الآخر، فيكون كمنْ يُؤمِّن على كلام صاحبه. ألاَ ترى القرآن الكريم حينما عرض قضية موسى وقومه يوضح أن فرعون علا في الأرض واستكبر. . الخ.

стр. 12647

حتى دعا عليهم: ﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [يونس: ٨٨] . هذا كلام موسى ﵇ فردّ الله عليه: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] بالمثنى مع أن المتكلم واحد. قالوا: لأن موسى كان يدعو، وهارون يُؤمِّن على دعائه، والمؤمِّن أحد الداعيين، وشريك في الدعوة. فما مطلوبك يا رسول رب العالمين؟ ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا﴾

стр. 12648

فالأصل في لقاء موسى بفرعون أن ينقذ بني إسرائيل من العذاب، ثم يُبلِّغهم منهج الله، ويأخذ أيديهم إليه، وجاءت دعوة فرعون للإيمان ونقاشه في ادعائه الألوهية تابعة لهذا الأصل. وفي موضع آخر: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] . إذن: فتلوين الأساليب في القصص القرآني يشرح لقطاتٍ مختلفة من القصة، ويُوضِّح بعض جوانبها، وإنْ بدا هذا تكراراً في المعنى الإجمالي، وهذا واضح في وقوله تعالى في أول قصة موسى ﵇: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وحَزَناً﴾ [القصص: ٨] . وفي أية أخرى يقول تعالى على لسان امرأة فرعون: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ

стр. 12649

لِّي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] وكأن الله تعالى يقول: ستأخذونه ليكون قُرَّة عين لكم، إنما هو سيكون عدواً. والله تعالى يقول: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] ففرعون في حين كان يقتل الأطفال من بني إسرائيل، ويستحيي البنات، جاءه هذا الطفل بهذه الطريقة اللافتة للنظر، فكان عليهم أنْ يفهموا أن مَنْ أُلقِي في التابتوت وفي اليمِّ بافتعال، هو بهدف نجاته من القتل، فلو كان فرعون إلهاً، فكيف مرّت عليه هذه الحيلة وجازتْ عليه؟ وهذا يدل على أن الله تعالى إذا أراد إنفاذ أمر سلب من ذوي العقول عقولهم، وحال بين المرء وقلبه، ويدل على غباء قومه؛ لأنهم لو تأملوا هذه المسألة لظهر لهم كذب فرعون في ادعائه الألوهية. فكان ردّ فرعون على موسى ﵇: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾

стр. 12650

يريد فرعون أنْ يُذكِّر موسى بما كان من أمر تربيته في بيته لعدة سنوات، حتى شَبَّ وكبر، وكأنه يُوبِّخه كيف يقف منه هذا الموقف العدائي بعدما كان منه. ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨] ويقال: إن موسى لبث في بيت فرعون حتى سِنِّ الثامنة عشرة، أو سِنِّ الثلاثين، فالمعنى أنه ربَّاه ولبث معه أيضاً عدة سنوات.

стр. 12651

والمتأمل في هذه الحجة التي يظنها فرعون لصالحه يجد أنها ضده، وأنها تكشف عن غبائه، فلو كان إلهاً كما يدعي لعرف أن هلاكه سيكون على يدي هذا الطفل الذي ضَمَّه إليه ورعاه.

стр. 12652

والمراد بالفِعْلة قتل موسى ﵇ للرجل الذي وكزه فمات ﴿وَأَنتَ مِنَ الكافرين﴾ [الشعراء: ١٩] يصح من الكافرين بألوهية فرعون، أو من الجاحدين لنعمنا عليك وتربيتنا لك. لذلك العقلاء يروْنَ أن الإنسان حين يربي الأولاد ويراهم كما يحب، فليعلم أنه توفيق وعناية من الله تعالى، بدليل أن الأبناء يُربَّون في بيئة واحدة، وربما كانا توأميْن، ومع ذلك ترى أحدهما صالحاً والآخر طالحاً، فالمسألة عناية إلهية عليا، وقد التقط أحد الشعراء هذا المعنى فقال: إِذَا لَمْ تُصاَدِفَ في بَنيكَ عِنَايةً ... فقَدْ كذَبَ الراجي وخَابَ المؤَمَّلُ فمُوسى الذِي رَبَّاه جِبْريلُ كَافِرٌ ... ومُوسَى الذي رَبَّاهُ فِرْعَونُ مُرْسَلُ والمراد موسى السامري صاحب العجل، وقد وضعته أمه في صحراء وماتت، فأرسل الله إليه جبريل ﵇ يرعاه ويُربِّيه. ولا تأتي هذه المفارقات إلا بعناية الله سبحانه.

стр. 12653

يقول موسى ﵇: أنا لا أنكر أنني قتلتُ، لكنني قتلتُ وأنا من الضالين. يعني: الجاهلين بما يترتب على عملية القتل، وما كنت أعتقدُ أبداً أن هذه الوَكْزة ستقضي على الرجل. فكلمة ﴿الضالين﴾ [الشعراء: ٢٠] هنا لا تعني عدم الهدى، فمن هذا المعنى للضلال قولهم: ضَلَّ الطريق، وهو لم يتعمد أن يضل، إنما تاه رَغْماً عنه. ومنه قوله تعالى في الشهادة: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وقوله تعالى مخاطباً نبيه ﷺ َ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ [الضحى: ٧] أي: متحيراً بين الباطل الذي يمارسه قومه، وبين الحق الذي لا يجد له بينة.

стр. 12654

﴿حُكْماً﴾ [الشعراء: ٢١] أي: أنْ أضع الأشياء في مواضعها، وجاءت هذه الكلمة بعد ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ [الشعراء: ٢٠] كأنه يقول: أنا وكزتُ الرجل، هذا صحيح، فمات، وهذا خطأ غير مقصود وإنني مظلوم فيه؛ لأن الله قد أعطاني حكماً وقدرة لأضع الأشياء في محلها.

стр. 12655

ليس هذا فحسب، إنما أيضاً: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ المرسلين﴾ [الشعراء: ٢١] .

стр. 12656

يعني: ما مَّن به فرعون على موسى من قوله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ﴾ [الشعراء: ١٨١٩] . كأنه يقول له: أتمُنُّ عليَّ بهذه الأشياء، وتذكر هذه الحسنة، وهي لا تساوي شيئاً لو قارنتَها بما حدث منك من استعباد بني إسرائيل وتذبيح أبنائهم واستحياء نسائهم، وتسخيرهم في خدمتك. وقتل الذّكْران واستحياء الإناث، لا يعني الرأفة بهن، إنما يعني لَهُنَّ الذلة والهوان، حين لا تجد المرأة من محارمها مَنْ يحميها أو يدافع عنها، فتبقى بعد الرجال في هوان وذِلَّة في خدمة فرعون. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العالمين﴾

стр. 12657

يعني: مسألة جديدة هذه الذي جئتَ بها يا موسى، فمن رَبُّ العالمين الذي تتحدث عنه؟

стр. 12658

لأن السماوات بما فيها من كواكب ونجوم وشمس وقمر وأفلاك وأبراج، والأرض وما فيها من بحار وأنهار وجبال وقِفَار ونبات وحيوان وإنسان. قد وُجِدتْ قبل أن توجد أنت أيها الإله الفرعون!! إذن: رَدَّ عليه بشيء ثبت في الكون قبل مجيئه، وقبل مولده. وكأن المعنى المراد لموسى ﵇: أخبرني يا فرعون، يا مَنْ تدعي الألوهية، ما الذي زاد في الكون بألوهيتك له؟ وإنْ كان هذا الكون كله بسمائه وأرضه لله رب العالمين، فماذا فعلتَ أنت؟ ولم يقتصر على السماوات والأرض، وإنما ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ﴾ [الشعراء: ٢٤] أي: من هواء وطير يَسْبح في الفضاء، وكانوا لا يعرفون ما نعرفه الآن من أسرار الهواء، وانتقال الصوت والصورة من خلاله، ففي جَوِّ السماء فيما بين السماء والأرض من الأسرار ما يستحق التأمل. ثم يتلطف معهم فيقول: ﴿إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] يعني: إنْ كنتم موقنين بأن هذه الأشياء لم يخلقها إلا الله. ثم يقول الحق سبحانه ذاكراً جدال فرعون، فقال: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ﴾

стр. 12659

يقول فرعون لمن حوله من أتباعه الذين أقروا له بالألوهية: ألا تستمعون لما يقول؟ يعني: موسى ﵇. وهذه الكلمة لا يقولها فرعون إلا إذا أحسَّ من قومه ارتياحاً لما قاله موسى من

стр. 12660

نَفْي الربوبية والألوهية عن فرعون ونسبتها لله تعالى، خالق السموات والأرض. وكان فرعون ينتظر من قومه أنْ يتصدَّوْا لما يقوله موسى، فينهروه ويُسْكِتوه، لكن لم يحدث شيء من هذا، مما يدل على أنهم كانوا يتمنْونَ أن ينتصر موسى، وأن يندحر فرعون؛ لأنه كبت حرياتهم وآراءهم، كما كانوا يعرفون كذبه وينتظرون الخلاص منه. بدليل ما حكاه القرآن عن الرجل المؤمن الذي كان يكتم إيمانه من آل فرعون، وبدليل الذين أتوا فيما بعد وحَسَّنوا له مسألة السحرة وهم يريدون أن يُهزَم. وقبل أنْ يردَّ أحد من قوم فرعون بادرهم موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ﴾

стр. 12661

هنا ينقل موسى ﵇ فرعونَ من الجو الكوني المحيط به في السماء والأرض وما بينهما إلى ذات نفسه، يقول له: إنَّ لك آباء قبل أنْ تُولد، وقبل أن تدعي الألوهية، فمن كان ربهم؟ فلما ضَيَّق موسى ﵇ الخناق على فرعون، أراد أنْ يخرج من هذا الجدل وهذه المناظرة الخاسرة فقال محاولاً إنقاذ موقفه: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ﴾

стр. 12662

وهذه العبارة من فرعون تفضح المتكلِّم بها، فقد شهد لموسى بأنه رسول، وخانه لفظه من حيث لا يدري.

стр. 12663

يرد موسى ﵇ بحجة أخرى، لكن يختمها هذه المرة بقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] وقد قال في سابقتها ﴿إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] كأنه يقول لفرعون: ما دام قد وصل بك الأمر لأنْ تتهمني بالجنون فلن أقول إنْ كنتم موقنين، إنما إنْ كنتم تعقلون، فجاء بمقابل الجنون. فيُنهي فرعون هذا النقاش، ويأتي بخلاصة الأمر كما يرى، فيقول: ﴿قَالَ لَئِنِ اتخذت﴾

стр. 12664

وهذا من فرعون إفلاس في الحجة، ولو كان عنده رَدٌّ لما يقوله موسى لردّ عليه، ولَقرع الحجة بالحجة، لكنه تقوَّى على خَصْمه بأن هدده بالسجن والإبعاد، وكان المسجون عندهم يظل في السجن حتى الموت. ولم يُراع فرعون في هذه المسألة الناس من حوله، أن يكتشفوا هذا الإفلاس، وهذا الحمق في رَدِّه.

стр. 12665

ويُؤخِّر موسى ﵇ ما معه من الآيات، ويستمر في الجدل وإظهار الحجة: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ﴾

стр. 12666

يعني: إذا لم تقنع بكل الحجج السابقة، فهل لو جئتك بآية واضحة دالة على صدق رسالتي، أتجعلني أيضاً من المسجونين؟

стр. 12667

انظر إلى تعارض فرعون مع نفسه، فكان عليه ساعةَ أنْ يسمع من موسى هذا الكلام أنْ يُصر على سجنه، لكن الحق ﵎ يريد أنْ يُظهر حجته، فيجعل فرعون هو الذي يطلبها بنفسه ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ [الشعراء: ٣١] وما كان لموسى أن يأتي بآية إلا أنْ يطلبها منه فرعون.

стр. 12668

إلقاء العصا له في القرآن ثلاث مراحل: الأولى: هي التي واكبتْ اختيار الله لموسى ليكون رسولاً، حين قال له: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى﴾ [طه: ١٧] وقلنا: إن موسى ﵇ أطال في إجابة هذا السؤال لحرصه على إطالة مدة الأُنْس بالله فقال: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى﴾ [اطه: ١٨] .

стр. 12669

فالعصا في نظر موسى ﵇ عود من الخشب قريب عهد بأصله، كغصن في شجرة، لكنها عند الله لها قصة أخرى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا ياموسى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى﴾ [طه: ١٩٢٠] . وما صارت العصا عصاً إلا بعد أنْ قُطِعت من شجرتها، وفقدت الحياة النباتية، وتحولت إلى جماد، فلو عادت إلى أصلها وصارت شجرةً من جديد لكان الأمر معقولاً، لكنها تجاوزتْ مرتبة النباتية، وتحولت إلى الحيوانية، وهي المرتبة الأعلى؛ لذلك فزع منها موسى وخاف فطمأنه ربه: ﴿قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى﴾ [طه: ٢١] . وكانت هذه المرة بمثابة تدريب لموسى ﵇؛ ليألف العصا على هذه الحالة، وكأن الله تعالى أراد لموسى أنْ يُجري هذه التجربة أمامه، ليكون على ثقة من صِدْق هذه الآية، فإذا ما جاء لقاء فرعون ألقاها دون خوف، وهو واثق من نجاحه في هذه الجولة. إذن: كان الإلقاء الثاني للعصا أمام فرعون وخاصته، ثم كان الإلقاء للمرة الثالثة أمام السحرة. ومعنى ﴿ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] يعني: بيِّن الثعبانية، فيه حياة وحركة، وقال ﴿ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] يعني: واضح للجميع؛ لأنهم كانوا يجيدون هذه المسألة ويُخيِّلون للناس مثل هذه الأشياء، ويجعلونها تسعى وتتحرك، ولم تكن عصا موسى كذلك، إنما كانت ثعباناً مبيناً واضحاً وحقيقياً لا يشكّ في حقيقته أحد. والمتتبع للقطات المختلفة لهذه الحادثة في القرآن الكريم يجد

стр. 12670

السياق يُسمِّيها مرة ثعباناً، ومرة حية، ومرة جاناً، لماذا؟ قالوا: لأنها جمعت كل هذه الصفات: فهي خفة حركتها كأنها جان، وفي شكلها المرعب كأنها حية، وفي التلوِّي كأنها ثعبان. والجان: فرخ الحية. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ﴾

стр. 12671

هنا يتكلم عن نزع اليد؛ لأنه قال في آية أخرى: ﴿اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء﴾ [القصص: ٣٢] . وهكذا تتكامل لطقات القصة الواحدة، والتي يظنها البعض تكراراً، وليست هي كذلك. ﴿وَنَزَعَ﴾ [الشعراء: ٣٣] يعني: أخرج يده ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٣] مع أن موسى ﵇ كان آدم اللون يعني فيه سُمْرة، ومع ذلك خرجتْ بيضاء، لها شعاع وبريق يأخذ بالأبصار. وبمقارنة هذه الآية بآية سورة القصص نجد أنه حذف من آية سورة الشعراء الجيب، وهو فتحة الثوب من أعلى، لا الجيب المتعارف عليه، والذي نضع فيه النقود مثلاً، وكانوا في الماضي

стр. 12672

يجعلون الجيب بداخل ملابس الإنسان، ليكون في مأمن، فإذا أراد الإنسان شيئاً فيه مَدَّ يده من خلال الفتحة العليا للثوب، فسُمِّيتْ جيباً.

стр. 12673

الملأ: هم عليْة القوم، الذين يملأون العيون، ويتصدَّرون المجالس ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤] فاتهمه بالسحر ليخرج من ورطته وقال: ساحر لأن موسى لم يمارس هذه المسألة إلا مرة واحدة هي التي أجراها أمام فرعون، لكن الملأ على علم بالسحر وإِلْف له، وعندهم سحارون كثيرون. وفَرْق بين ساحر وسحَّار: ساحر لمن مارس هذه العملية مرة واحدة، إنما سحَّار مبالغة تدل على أنها أصبحت حِرْفته، مثل ناجر ونجّار، وخائط وخيّاط. و ﴿عَلِيمٌ﴾ الشعراء: ٣٤] أي: بسحره.

стр. 12674

هنا يستعدي فرعون قومه على موسى، ويُحذرهم أنه سيفسد العامة والدهماء، وتكون له الأغلبية، وتكون له شيعة يناصرونه عليكم حتى يُخرِجكم من أرضكم، وهذا أقلّ ما يُنتظر منه، يريد أن يهيج عليه الملأ من قومه؛ ليكونوا أعداء له يقفون في صَفِّ فرعون. وعجيب أنْ يقول الفرعون الإله ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٥] فهذه هي الألوهية الكاذبة التي انحدرتْ إلى مرتبة العبيد، ومتى يأخذ

стр. 12675

الإله رأي عبيده، ويطلب منهم المعونة والمشورة؟ ولو كان إلهاً بحق لكان عنده الحل ولديه الردّ. فلما نزل فرعون من منزلة الألوهية، وطلب الاستعانة بالملأ من قومه التفتوا إلى كذبه، ووجدوا الفرصة مواتية للخلاص منه، ومما يدل على أن أكثرهم وجمهرتهم كانوا يجارونه على مضض، وينتظرون لحظة الخلاص من قَهْره وكذبه؛ لذلك قالوا: ﴿قالوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾
следующие страницы →