← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 12916–12955 · переход к 12921.

стр. 12916

لماذا؟ لأن المستقبل مقفول، فإنْ أردتَ استقبال أيِّ قضية فعليك أنْ تُخرِج من قبلك أيّ قضية أخرى معارضة لها، ثم بعد ذلك لك أنْ تدرس القضيتين، فما وافق الحق فأدخِلْه. لذلك يقول تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] فهو قلب واحد، لذلك أخرج منه كل قضية سابقة، وها هو القرآن واحد، وقائله واحد، ومُبلِّغه واحد، ولسانه عربي. يقول تعالى في وصفهم حالَ سماع القرآن: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصرفوا صَرَفَ الله قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧] أي: يريدون التسلُّل والخروج. ويقول تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً﴾ [التوبة: ١٢٤] أي: ماذا أفادتكم؟ وماذا زادتْ في إيمانكم. ويقول سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] يعني: ما الجديد الذي جاء به؟ ويقول عن الذين آمنوا: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] .

стр. 12917

و ﴿الأعجمين﴾ [الشعراء: ١٩٨] جمع: أعجمي، والأعجم هو الذي لا يُحسِن الكلام العربي، وإنْ كان ينطق به، والعجميّ ضد العربيّ والعجم غير العرب. فالمعنى ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ﴾ [الشعراء: ١٩٨] أي: القرآن العربي على بعض الأعجمين ما فهمه، وقال ﴿بَعْضِ﴾ [الشعراء: ١٩٨] لمراعاة الاحتمال، فمن العجم مَنْ تعلَّم العربية وأجادها ويستطيع فَهْم القرآن. وقوله تعالى: ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] لأنهم لم يفهموا منه شيئاً، فكذلك أنتم مثل هؤلاء العجم في تلقِّي واستقبال كلام الله، لم تفهموا منه شيئاً. ذلك لأنهم أحبوا الكفر والعناد وأصرُّوا عليه، واستراحتْ إليه قلوبهم حتى عَشقوه، فأعانهم الله عليه، وختم على قلوبهم، فلا يدخلها إيمانٌ، ولاَ يخرج منها كفر.

стр. 12918

معنى ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] أدخلناه في قلوب المجرمين، كأنهم عجم لا يفهمون منه شيئاً، لذلك ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [الشعراء: ٢٠١] وما داموا لن يؤمنوا به حتى يروا العذاب الأليم فلن يُقبلَ منهم إيمان. ومعنى ﴿بَغْتَةً﴾ [الشعراء: ٢٠٢] أي: فجأة، ومن حيث لا يشعرون.

стр. 12919

لذلك لما نزل القرآن وآمن برسول الله بعض الصحابة اضْطهد رسول الله وصحابته، وأوذوا حتى صاروا لا يأمنون على أنفسهم من بَطْش الكفار، حتى كانوا يبيتون في السلاح، ويستيقظون في السلاح، لا يجدون مَنْ يحميه. وفي هذه الحالة نزل قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] فتعجب عمر ﵁: أيُّ جمع هذا الذي سيُهزم، والمسلمون على هذه الحال؟ فلما شهد بدراً وما كان فيها من قتْل المشركين ونُصْرة دين الله، قال: نعم صدق الله، سيُهزم الجمع ويُولُّون الدبر. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ﴾

стр. 12920

أي: انظرونا وتمهَّلوا علينا، وأخِّروا عَنَّا العذاب، سبحان الله ألم تستعجلوه؟ وهذه طبيعة أهل العناد والكفر إنْ تركناهم طلبوا أنْ ينزل عليهم، وإنْ نزل بهم العذاب قالوا: انظرونا وتمهَّلوا علينا.

стр. 12921

ثم يقول رب العزة سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾

стр. 12922

﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] يعني: أخبرني ﴿إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥٢٠٦] ومع طول المدة، إلا أن الغاية واحدة ﴿مَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] .

стр. 12923

كما قال سبحانه في آية أخرى: ﴿ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١] ، فقد جاءهم رسول يُعلِّمهم وينذرهم؛ ليقيم عليهم الحجة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] . هذا كله ﴿ذكرى﴾ [الشعراء: ٢٠٩] تعني: نذكره لنُوقِظ غفلتكم ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] فأنتم الذين فعلتم هذا بأنفسكم ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] .

стр. 12924

ثم يقول الحق سبحانه عن القرآن: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين﴾

стр. 12925

لأنهم قالوا: إنما تنزَّلت الشياطين على محمد بالقرآن، وكانوا يقولون ذلك لكل شاعر ماهر بشعره عندهم، فلكل شاعر شيطان يُمليه الشِّعْر، وعندهم وادٍ يُسمَّى وادي «عبقر» هو وادي الجن، فيقولون: فلان عبقري أي: موصول بالجن في هذا الوادي. لكن، كيف والكتاب نزل على محمد عدو للشياطين، يلعنهم في كل مناسبة، ويُحذِّر أتباعه منهم: ﴿الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء﴾ [البقرة: ٢٦٨] ويقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السعير﴾ [فاطر: ٦] . فكيف إذن يمده الشيطان ويُمليه عليه، وهو عدوه؟ ولماذا لم يأتكم وأنتم أحباءه؟ هذه واحدة. الاخرى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] إن الله جعل القرآن مُعْجزاً ومنهجاً، والمعجزة لا يتسلَّط عليها إنس ولا جن فيفسدها، لذلك قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . أما الكتب السابقة فقد طلبتْ من المؤمنين بها أنْ يحفظوها، وفَرْق بين الحفظ مني، وطلب الحفظ منكم؛ لأن الطلب تكليف وهو عُرْضة لأنْ يُطاع ولأنْ يُعصَى، وقد جربنا حفظ البشر فلم يحافظوا على كتبهم السابقة؛ لذلك تولّى الحق حِفْظ قرآنه

стр. 12926

بنفسه، ولم يكِلْه إلى أحد من خَلْقه. لذلك تجد في هذا المجال كثيراً من العجائب والمفارقات، فمع تقدُّم الزمن وطغيان الحضارات المعادية للإسلام، والتي تُمطرنا كل يوم بوابل من الانحرافات والخروج عن تعاليم الدين، ومِنّا مَنْ ينساق خلفهم، وهذا كله ينقص من الأحكام المطبّقة من الإسلام. لكن مع هذا كله تجد القرآن يزداد توثيقاً، ويزداد حفظاً، ويتبارى حتى غير المسلمين في حِفْظ كتاب الله وتوثيقه، والتجديد في طباعته، حتى رأينا مصحفاً في ورقة واحدة، ومصحفاً في حجم عقلة الإصبع، ويفخر بعضهم الآن بأنه يملك أصغر مصحف في العالم. . إلخ بصرف النظر عن دوافعهم مِنْ وراء هذا. المهم أن الله تعالى يُسخِّر حتى أعداء القرآن لحِفْظ القرآن ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣١] . أليس من وسائل نَشْر القرآن والمحافظة عليه آلات التسجيل وآلات تكبير الصوت التي تنشر كلام الله في كل مكان؟ ولم يَلْق شيءٌ من الكتب السابقة مثل هذه العناية. إذن: فالعناية بالقرآن كنصٍّ لا تتناسب مع النقص في أحكامه وانصراف أهله عنها، وكأن الله يقول لنا: سأحفظ هذا النصِّ بغير المؤمنين به، وسأجعلهم يُوثِّقونه ويهتمون به؛ ليكون ذلك حجة عليكم. لذلك كان عند الألمان قبل الحرب العالمية خزانة بها أدراج، في كل درج منها أية من القرآن، يُحفظ به كل ما كُتب عن هذه الآية بدايةً من تفسير ابن عباس إلى وقتها، وهذا دليل على أنهم مُسخَّرون بقوة خفية لا يقدر عليها إلا الله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .

стр. 12927

وسبق أن قلنا: إن بعض النساء يَسِرْنَ في الشوارع كاشفات عن صدورهن، ومع ذلك تتحلّى بمصحف على صدرها، وليتها تستر صدرها ولا تُعلِّق المصحف. فكيف تقولون تنزلت به الشياطين، وقد جاء القرآن ليعلن لأهله عداءه لهم والحذر منهم؟ كيف والشياطين لا تتنزل إلا على كفَّار أثيم، وأنتم أوْلَى بأن تتنزَّل عليكم ﴿وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] . ومعنى: ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] أن هذه المسألة فوق قدراتهم؛ لأن الحق ﵎ قال: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ﴾

стр. 12928

وقد شرح الحق سبحانه هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾ [الجن: ٨٩] . وبعد ذلك يتكلم عن استقبال المنهج من الرسول ومن آله وأتباعه، ومن المؤمنين جميعاً:

стр. 12929

﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله﴾

стр. 12930

خاطب الحق ﵎ نبيه محمداً ﷺ َ بقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] فهل كان ﷺ َ مظنة أن يدعو مع الله إلهاً آخر؟ قالوا: لا، إنما المراد ابتداء توجيه، وابتداء تكليف، كأنه يقول له: اجعل عندك مبدءًا، أنك لا تتخذ مع الله إلهاً آخر، لا أن الرسول اتخذ إلهاً، فجاء الوحي لينهاه، إنما هو بداية تشريع وتكليف، وإذا كان العظيم المرسَل ﷺ َ يتوعده الله إنْ أراد أن يتخذ إلهاً آخر، فما بالك بمَنْ هو دونه؟ فساعَة يسمع الناس هذا الخطاب مُوجّهاً إلى النبي المرسَل إليهم، فلا بُدَّ أنْ يصغوا إليه، ويحذروا ما فيه من تحذير، كما لو وجَّه رئيس الدولة أمراً إلى رئيس الوزراء مثلاً ولله المثل الأعلى وحذَّره من عاقبة مخالفته، فلا شكَّ أن مَنْ دونه من الموظفين سيكون أطوع منه لهذا الأمر.

стр. 12931

وهكذا نقل الأمر من رسول الله إلى أهله وعشيرته الأقربين، ذلك ليطمئن الآخرون من قومه، فهو يأمرهم بأمر ليس بنجْوة عنه، فأول ما ألزم به ألزم نفسه ثم عشيرته، وهذا أدْعى للطاعة وللقبول، فأنت تردُّ أمري إذا كنتُ آمرك به ولا أفعله، لكني آمرك وأسبقك إلى الفعل. لذلك سيدنا عمر ﵁ وكان على المنبر يخطب في الناس، ويقول: أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا، فقام أعرابي وقال: لا سمعَ لك ولا طاعة، انظر إلى هذه الجرأة على مَنْ؟ على عمر وهو على المنبر فقال له عمر: ولِمَ؟

стр. 12932

قال: لأن ثيابك أطول من ثيابنا وكان القماش يُوزَّع بين المسلمين بالتساوي لا فَرْق بين طويل وقصير فقال عمر لابنه عبد الله: قُم يا عبد الله لتُرِي الناس، فقام عبد الله فقال: إن أبي رجل طِوَال مبالغة في الطول وثوبه في المسلمين لم يكْفِه، فأعطيته ثوبي فوصَله بثوبه، وها أنذا بمُرقَّعتي بينكم، عندها قال الأعرابي: إذنْ نسمع ونطيع. لكن أين القدوة في دوائرنا ومصالحنا الحكومية الآن؟ وأين هو رئيس المصلحة الذي يحضر، ويجلس على مكتبه في الثامنة صباحاً ليكون قدوة لمرؤوسيه؟ وإن من أشد ما ابتُلينا به أن نفقد القدوة في الرؤساء والمسئولين. لذلك أول ما وُجِّه التشريع والتكليف وُجِّه إلى رسول الله، وإلى أقرب الناس إليه وهم عشيرته الأقربون؛ لأن الفساد يأتي أول ما يأتي من دوائر القُرْبى والحاشية التي تحيط بالإنسان، وقد يكون الرئيس أو الحاكم بخير، لكن حاشيته هي سبب الفساد، حيث تستغل اسمه في فسادها أو تُضلِّله وتُعمِّي عليه الحقائق. . إلخ. لذلك كان سيدنا عمر ﵁ ساعة يريد أن يُقرِّر شيئاً للأمة، ويعلم أنه قَاسٍ عليهم يجمع أهله أولاً ويقول لهم: لقد شاء الله أن أقرر كذا وكذا، فمَنْ خالفني منكم في شيء من هذا جعلته نكالاً لعامة المسلمين، وهكذا يضمن أهله وأقاربه أولاً، ويبدأ بهم تنفيذ ما أرادوه للمسلمين.

стр. 12933

وتأمل ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] والإنذار كما ذكرنا التحذير من الشرِّ قبل أوانه، فلم يقُلْ: بشِّر عشيرتك، كأنه يقول له: إياك أنْ يأخذك به لين ورَأْفة، أو عطف لقرابتهم لك، بل بهم فابدأ. وقد امتثل رسول الله ﷺ َ لهذا التوجيه، فكان ﷺ َ يقول لقرابته: «يا عباس يا عم رسول الله، يا صفية عمة رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، اعملوا فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، ولا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأنسابكم» . وفي الوقت الذي يدعوه إلى إنذار عشيرته الأقربين يقول في مقابلها: ﴿واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك﴾

стр. 12934

بعد أن أمره بالشدة على أهله وقرابته يأمره باللين، وخَفْض الجناح لباقي المؤمنين به، وخَفْض الجناح كناية عن اللُّطْف واللين في المعاملة، وقَد أُخِذ هذا المعنى من الطائر حين يحنو على فراخه، ويضمهم بجناحه. وخَفْض الجناح دليل الحنان، لا الذلّة والانكسار، وفي المقابل نقول (فلان فارد أجنحته) إذا تكبَّر وتجبَّر، وتقول (فلان مجنح لي) إذا عصا أوامرك. وفي موضع أخر: ﴿واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] .

стр. 12935

وقال في حَقِّ الوالدين: ﴿واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة﴾ [الإسراء: ٢٤] فلا نقول: كُنْ ذليلاً لهم، إنما كُنْ رحيماً بهم، حَنُوناً عليهم، ففي هذا عِزّك ونجاتك.

стр. 12936

فإنْ عصاك الأقارب فلا تتردد في أنْ تعلنها ﴿إِنِّي برياء مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] وعندها لا تراعي فيهم حَقَّ الرحم، ولا حَقّ القُرْبى، لأنه لا حَقَّ لهم؛ لذلك قال ﴿فَقُلْ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ولم يقل تبرأ منهم؛ لأنه قد يتبرأ منهم فيما بينه وبينهم. لكن الحق ﵎ يريد أنْ يعلنها رسول الله على الملأ ليعلمها الجميع، وربنا يُعلِّمنا هنا درساً حتى لا نحابي أحداً، أو نجامله لقرابته، أو لمكانته حتى تستقيم أمور الحياة. والذي يُفسِد حياتنا وينشر فيها الفوضى واللا مبالاة أنْ ننافق ونجامل الرؤساء والمسئولين، ونُغطِّي على تجاوزاتهم، ونأخذهم بالهوادة والرحمة، وهذا كله يهدم معنويات المجتمع، ويدعو للفوضى والتهاون. لذلك يعلمنا الإسلام أنْ نعلنها صراحة ﴿فَقُلْ إِنِّي برياء مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] وليأخذ القانون مجراه، وليتساوى أمامه الجميع، ولو عرف المخالف أنه سيكون عبرة لغيره لارتدع. لذلك يُقال عن عمر ﵁ أنه حكم الدنيا كلها، والحقيقة أنه حكم نفسه أولاً، فحكمتْ له الدنيا، وكذلك مَنْ أراد أنْ يحكم الدنيا في كل زمان ومكان عليه أنْ يحكم نفسه، فلا يجرؤ أحد من أتباعه أن يخالفه، وساعة أن يراه الناس قدوة ينصاعون له بالسمع والطاعة.

стр. 12937

فقد تقول: إنْ فعلتَ هذا قلَّ أنصاري وتفرَّق الأتباع والحاشية من حولي، نقول لك: إياك أنْ تظنَّ أنهم يجلبون لك نفعاً، أو يدفعون عنك ضراً، فالأمر كله بيده تعالى وبأمره، فخيرٌ لك أنْ تراعى الله، وأن تتوكل عليه. ﴿وَتَوكَّلْ عَلَى العزيز الرحيم﴾ [الشعراء: ٢١٧] العزيز الذي يَغْلِب ولا يُغْلب، ويَقْهر ولا يُقهر، ومع ذلك فهو سبحانه رحيم بك وبهم. وصفة الرحمة هنا تنفي ما يظنه البعض أن العزة هنا تقتضي الجبروت أو القهر أو الظلم، فهو سبحانه في عِزَّته رحيم، لأن عزة العزيز على المتكبِّر رحمة بالمتكبَّر عليه. وكأن الحق يُعلِّم خليفته في أرضه خاصة أُولي الأمر منهم، يُعلِّمه أن يكون أريباً ناصحاً، يقول له: إياك أنْ تتوكّل على عبد مثلك إذا عجزتَ عن العمل؛ لأنه عاجز مثلك، وما دام الأمر كذلك فتوكَّل على العزيز الرحيم، فعِزَّته ورحمته لك أنت.

стр. 12938

أي: توكل على الذي يحبك، ويُقدِّر عملك وعبادتك حين تقوم، والمعنى تقوم له سبحانه بالليل والناس نيام ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين﴾ [الشعراء: ٢١٩] ونفهم من ذلك أنه يصح أن تقوم وحدك بالليل.

стр. 12939

وقوله: ﴿الذي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] يرى حالك في هذا القيام، وما أنت عليه من الفرح، وسرعة الاستجابة لنداء الله في قوله: الله أكبر، يراك حين تقوم على حالة انشراح القلب والإقبال على الله والنشاط للعبادة، لا على حال الكسل والتراخي. وإنْ أقبلتَ على الله أعطاك من الفُيوضات ما يُعوِّضك مكاسب الدنيا وتجارتها، إنْ تركتها لإجابة النداء؛ لذلك كان شعار الأذان الذي ارتضاه رسول الله ﷺ َ (الله أكبر) أي: أكبر من أيِّ شيء غيره، فإنْ كنتَ في نوم، فالله أكبر من النوم، وإنْ كنتَ في تجارة، فالله أكبر من التجارة، وإنْ كنتَ في عمل فالله أكبر من العمل. . إلخ. وعجيب أن نرى مَنْ يُقدِّم العمل على الصلاة بحجة امتداد الوقت، وإمكانية الصلاة بعد انتهاء العمل، وهذه حجة واهية؛ لأن ربك حين يناديك (الله أكبر) يريد أن تستجيب على الفور لا على التراخي، وإلا كيف تسمى الاستجابة للنداء إذا تأخرت عن وقتها؟ فطول الوقت خاصة بين الصبح والظهر وبين العشاء والصبح لا يعني أنْ تصلي في طول هذا الوقت؛ لأن النداء يقتضي الإسراع والاستجابة. ولنا ملحظ في (الله أكبر) فأكبر أفعل تفضيل تدلُّ على المبالغة ودون أكبر نقول: كبير، وكأنها إشارة إلى أن العمل والسعي ليس شيئاً هيناً أو تافهاً، إنماهو كبير، ينبغي الاهتمام به؛ لأنه عَصَب الحياة، ولا تستقيم الأمور في عمارة الأرض إلا به. لكن، إنْ كان العمل كبيراً فالله أكبر، فربُّك لا يُزهِّدك في العمل، ولا يُزهِّدك في الدنيا؛ لأنه خالقها على هذه الصورة وجاعل للعمل فيها دوراً، وإنْ شئتَ فاقرأ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ

стр. 12940

الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله﴾ [الجمعة: ١٠] . وقال في موضع آخر: ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا﴾ [القصص: ٧٧] لأن حركة الحياة هي التي تُعينك على أداء الصلاة وعلى عبادة الله، فبها تقتات، وبها تتقوَّى، وبها تستر عورتك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومع هذا فدعوة الله لك أَوْلَى بالتقديم، وأَوْلَى بالإجابة؛ لأن الذي خلقك وخلقها ناداك (الله أكبر) . و ﴿وَتَقَلُّبَكَ﴾ [الشعراء: ١١٩] تعني: القعود والقيام والركوع والسجود، فربُّك يراك في كل هذه الأحوال، ويرى سرورك بمقامك بين يديه، فإذا ما توكلتَ عليه فأنت تستحق أن يكون ربُّك عزيزاً رحيماً من أجلك. أو: أن المعنى ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين﴾ [الشعراء: ١١٩] أنه ﷺ َ كان يرى صحابته وهم يُصلُّون خلفه، فيرى مَنْ خلفه، كما يرى مَنْ أمامه، وكانت هذه من خصائصه ﷺ َ. لذلك كان يُحذِّرهم أنْ يسبقوه في الصلاة في ركوع أو سجود، أو قيام أو قعود. ويحذرهم أنْ يفعلوا في الصلاة خلفه ما لا يصح من المصلى اعتماداً على أنه ﷺ َ لا يراهم.

стр. 12941

السميع لما يقال، العليم بما يجول في الخواطر.

стр. 12942

وقد سبق أن قالوا عن القرآن تنزلت به الشياطين، فيردُّ عليهم: تعالوا أخبركم على مَنْ تتنزل الشياطين، وأصحح لكم هذه المعلومات الخاطئة: صحيح أن الشياطين تتنزل، لكن لا تتنزل على محمد؛ لأنه عدوها، إنما تتنزل على أوليائها. قال الحق سبحانه: ﴿وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] . ﴿تَنَزَّلُ على كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] فهذا الذي يناسب الشياطين ويرضيهم، والجن قسمان: فمنه الصالح وغير الصالح وهذا الذي يسمونه الشياطين. وكلمة ﴿أَفَّاكٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] مبالغة في الإفك أي: قلب الحقائق. وكان هؤلاء يخطفون الأخبار فيقولون شيئاً قد يصادف الصدق، ثم يجعلون معه كثيراً من الكذب.

стр. 12943

السمع مصدر وألته الأذن، فالمراد يلقون الأذن للسمع، كما في

стр. 12944

قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] . يعني: ألقى سمعه كي يستمع كمنْ يحرص على السماع من خفيض الصوت، فيميل نحوه ليسمع منه. وقال ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] لأن بعضهم والقلة منهم قد يصدق ليُغلِّف كذبه، ويُغطي عليه، فأنت تأخذ من صِدْقه هذه المرة دليلاً على أنه صادق، وهو يخلط الخبر الصادق بأخبار كثيرة كاذبة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون﴾

стр. 12945

الشعراء: جمع شاعر، وهو مَنْ يقول الشعر، وهو الكلام الموزون المُقفَّى، وقد اتهم الكفار رسول الله ﷺ َ بأنه شاعر، وردَّ عليهم القرآن الكريم في عدة مواضع، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] . وعجيب من كفار مكة، وهم العرب أهل اللسان والبلاغة والبيان، وأهل الخبرة في الكلام الموزون المُقفَّى، بحيث كانوا يجعلون للشعر أسواقاً في ذي المجاز وذي المجنَّة وعكاظ، ويعلِّقون أجود أشعارهم على أستار الكعبة، ومع ذلك لا يستطيعون التمييز بين الشعر وأسلوب القرآن الكريم. إذن: هم يعرفون الفَرْق، لكن يقصدون بقولهم كما حكاه القرآن: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون﴾ [الطور: ٣٠] يقصدون بالشعر الكلام العَذْب الذي يستميل النفس، ويُؤثِّر في الوجدان، ولو كان نثراً. وهذه ينادى بها الآن أصحاب الشعر الحر؛ لأنهم

стр. 12946

يقولون شعراً، لكنه غير موزون، وغير مُقفَّىً. ومعنى ﴿الغاوون﴾ [الشعراء: ٢٢٤] جمع غاوٍ. وهو الضال، وهؤلاء يتبعون الشعراء. لأنهم يؤيدون مذهبهم في الحياة بما يقولون من أشعار؛ ولأنهم لا يحكم منطقهم مبدأ ولا خُلُق، بل هواهم هو الذي يحكم المبدأ والخلق، فإنْ أحبُّوا مدحوا، وإنْ كرِهوا ذَمُّوا. والدليل على ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ﴾

стр. 12947

الضمير في ﴿أَنَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] يعود على الشعراء، والوادي: هو المنخفض بين جبلين، وكان محل السير ومحل نمو الأشجار والبساتين واستقرار المياه. ﴿يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥] نقول: فلان هَامَ على وجهه أي: سار على غير هدى، وبدون هدف أو مقصد، فالمعنى ﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] أن هذه حال الشعراء، لأنهم أهل كلام وخيال يمدحك أحدهم إنْ طمع في خيرك، فإنْ لم تُعطِه كال لك الذم وتفنَّن في النَّيل منك، فليس له وادٍ معين يسير فيه، أو مبدأ يلتزم به، كالهائم على وجهه في كل وَادٍ. فالمتنبي وهو من أعظم شعراء العصر العباسي ويُضرب به المثل في الحكمة والبلاغة، من أشهر شعره قوله:

стр. 12948

فَالخَيْل والليْلُ والبَيْدَاءُ تَعْرِفُني ... والسَّيْفُ والرُّمح والقِرْطَاسُ والقَلَم فلما كان في إحدى رحلاته خرج عليه قُطَّاع الطرق، فلما أراد أن يفرَّ قال له خادمه: ألست القائل: فَالخَيْل والليْلُ والبَيْدَاءُ تَعْرِفُني ... والسَّيْفُ والرُّمح والقِرْطَاسُ والقَلَم فاستحى أنْ يفرَّ، وثبت أمامهم حتى قتلوه، فقال قبل أنْ يموت: ما قتلني إلا هذا العبد، واشتهر هذا البيت في الأدب العربي بأنه البيت الذي قتل صاحبه. ولما جاء المتنبي إلى مصر مدح حاكمها كافور الإخشيدي طمعاً فيه، وكان كافور رجلاً أسود؛ لذلك كَنَّوْه بأبي المِسْك، ولما مدحه المتنبي حالَ الرضا قال فيه: أَبا كُلِّ طِيبٍ لاَ أَبَا المِسْك وَحْدَهُ ... وفي قصيدة أخرى يقول: قَضَى اللهُ يَا كافُورُ أنَّكَ أَوَّلٌ ... وليْسَ بقَاضٍ أنْ يُرَى لَكَ ثَانِ فلما لم يُعْطه كافور طلبه، وساءتْ العلاقة بينهما، قال يهجوه: أُريك الرضا لو أخْفت النفسُ خافيَا ... ومَا أَنَا عَنْ نفسي وَلاَ عَنْكَ رَاضيا أَمَيْنا وإخْلاَفَاً وغَدْراً وخِسَّةً وجُبْنا ... أشخصاً لُحْتَ لي أَمْ مَخَازِيا وتُعجِبُني رِجْلاَكَ في النَّعْلِ إنني ... رأيتُكَ ذَا نَعْلٍ وإنْ كُنْتَ حَافِيا

стр. 12949

ومِثْلُكَ يُؤتَى مِنْ بِلاَدٍ بَعِيدَة ... لِيُضحِكَ ربَّاتِ الحِدَادِ البَوَاكِيَا ولَوْلاَ فُضُول الناسِ جِئْتُك مَادِحاً ... بما كنتَ في نَفْسِي به لَكَ هَاجِيَا وقد يكون الشاعر بخيلاً، ولكنه يمدح الكرم والكريم، ويرفعه إلى عنان السماء: متَّى تَأْتِهِ تَعشُو إلى ضَوْء نَارِه ... تَجِدْ خَيْر نَارٍ عِنْدهَا خَيْرُ موقِدِ والحطيئة مع ما عُرف عنه من البخل يمدح أحدهم، ويصفه بالكرم النادر، لدرجة أنْ جعله يهِمُّ بذبح ولده لضيفه؛ لأنه لم يدد ما يذبحه، وينظِم الحطيئة في الكرم هذه القصيدة أو القصة الشعرية التي تُعَدُّ من عيون الشعر العربي، ومع ذلك لم يأخذ مما يقول عبرةً، وظلَّ على إمساكه وبُخْله؟ يقول الحطيئة في وصف الكريم: وَطَاوٍ ثَلاثاً عَاصٍب البَطْنِ مُرْمل ... بِبَيْداءَ لمَ يَعرِف بها ساكِن رَسْما أخِي جَفْوة فيه مِنَ الأُنْس وَحْشةٌ ... يرى البُؤْسَ فِيها مِنْ شراسَتِه نُعْما وأَفْردَ في شِعْبٍ عَجُوزاً إزَاءَهَا ... ثلاثَة أشْباح تَخَالهوا بُهْما

стр. 12950

حُفاةً عُراةً ما اغتذَوْا خُبْز مَلَّة ... ولاَ عَرِفُوا للبُرِّ مُذْ خُلِقُوا طَعْما رَأى شَبَحاً وَسْط الظَّلام فَرَاعَه ... فلمَّا رأى ضَيْفا تَشمَّر واهْتَما فَقالَ ابنُه لما رَآهُ بحيْرةٍ ... أيَا أبَتِ أذْبحْني ويَسِّر لَهُ طُعْما وَلاَ تعتذر بالعُدْم على الذي طَرا ... يظنُّ لَنَا مالاً فَيُوسِعُنا ذَمّا فَبَيْنَا هُما عَنَّتْ على البُعْد عَانَةٌ ... قَدِ انتظمتْ من خَلْفِ مِسْحلها نَظْما عِطَاشاً تريد الماءَ فانسابَ نحوها ... عَلى أنَّه مِنْها إلى دَمِها أظْمَا فَأمْهلَها حتَّى تروَّتْ عِطَاشُها ... وأرسلَ فِيهَا مِنْ كِنَانتِه سَهْما فخرَّتْ نَحْوصٌ ذَات جحش سمينةً ... قَد اكتنزتْ لَحْماً وقد طبّقَتْ شَحْما فَيَا بشْرَهُ إذْ جرَّهَا نحو قَومِه ... ويَا بشْرهُمْ لما رأوْا كَلْمها يَدْمَا وَبَاَتُوا كِراماً قَدْ قَضَوْا حَقَّ ضَيْفهِمْ ... ومَا غَرمُوا غُرْماً وقَدْ غَنموا غُنْما وَباتَ أبُوهم من بَشَاشتِه أباً ... لِضَيْفهِمُ والأم مِنْ بِشرها أُمَّا وصدق الله العظيم: ﴿أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥٢٢٦] يصفون الكرم وهم بخلاء، والشجاعة وهو جبناء ... إلخ. وفي مرة، اجتمع عند النبي ﷺ َ اثنان من الشعراء: الزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعمرو بن الأهتم فقال أحدهم عبارتين في مدح أحد الحاضرين بأنه سيد القبيلة. فغضب الممدوح ورأى أن هذا

стр. 12951

قليل في حقَّه، فقال: والله يا رسول الله، إنه ليعلم مني فوق الذي قال يعني: لم يُوفِّني حقي فقال الشاعر: أما والله وقد قال ما قال، فإنه لضيق العطية، أحمق الأب، لئيم العم والخال. سبحان الله في أول المجلس كان سيد قبيلته، والآن هو ضيق العطية، أحمق الأب، لئيم العم والخال!! ثم قال: والله يا رسول الله ما كذبتُ في الأولى، ولقد صدقتُ في الثانية يعني: أنا مصيب في القولين لكني رضيت فقلت أحسنَ ما علمت، وغضبت فقلت أسوأ ما علمتُ. عندها قال سيدنا رسول الله «إن من البيان لسحراً» . ثم يستثني الحق سبحانه من هؤلاء الغاوين: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ﴾

стр. 12952

كان بعض شعراء المشركين أمثال عبد الله بن الزبعري، ومسافح

стр. 12953

الجمحي يهجون رسول الله ﷺ َ ويذمونه، فيلتف الضالون الغاوون من حولهم، يشجعونهم ويستزيدونهم من هجاء رسول الله، وفي هؤلاء نزل قوله تعالى: ﴿والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون﴾ الشعراء: ٢٢٤] فأسرع إلى سيدنا رسول الله شعراءُ الإسلام: عبد الله بن رواحة وكعب بن زهير، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، فقالوا: أنحن من هؤلاء يا رسول الله؟ فقرأ عليهم رسول الله هذه الآية: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ [الشعراء: ٢٢٧] . فاستثنى الحق ﵎ من الشعرءا مَنْ توفَّرت فيه هذه الخصال الأربع ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] أي: ذكروا الله في أشعارهم؛ لينبهوا الناس إلى مواجيد الدين ومواعظ الإيمان، فيلتفتون إليها، ثم ينتصرون لرسول الله من الذين هَجَوْه. وكان هؤلاء الثلاثة ينتصرون للإسلام ولرسول الله، فكلما هجاه الكفار ردُّوا عليهم، وأبطلوا حُججهم، ودافعوا عن رسول الله، حتى «أنه ﷺ َ نَصَب منبراً لحسان بن ثابت، كان يقول له:» قل وروح القدس معك، اهجهم وجبريل معك « وقال لكعب بن مالك:» اهجهم، فإن كلامك أشدُّ عليهم من

стр. 12954

رَشْق النِّبال «كما سمح لهم بإلقاء الشعر في المسجد؛ لأنهم دخلوا في هذا الاستثناء، فهم من الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيراً، وهم الذين ينتصرون للإسلام ويُمجِّدون رسول الله، ويدافعون عنه، ويردُّون عنه ألسنة الكفار. ومعنى: ﴿وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] أنهم لم يكونوا سفهاء، لم يبدأوا الكفار بالهجاء، إنما ينتصرون لأنفسهم، ويدفعون ما وقع على الإسلام من ظلم الكافرين؛ لذلك لما هجا أبو سفيان رسول الله ﷺ َ، قال أحدهم رداً عليهم: أتهْجُوهُ وَلسْتَ لَهُ بكُفْءٍ ... فَشرُّكما لخيركما الفِدَاءُ فَإنَّ أَبِي وَوَالِدهِ وعِرْضِي ... لِعْرضِ مُحمدٍ منكمُ وِقَاءُ وقوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ظُلِموا مِمَّنْ؟ من الذين وقفوا من الدين ومن الرسول موقفَ العداء، وتعرَّضوا لرسول الله وللمؤمنين به بالإيذاء والكيد، ظُلِموا من الذين عزلوا رسول الله، وآله في الشِّعْب حتى أكلوا أوراق الشجر، من الذين تآمروا على قتله ﷺ َ إلى أنْ هاجر. ومن رحمته تعالى وحكمته أنْ أباح للمظلوم أنْ ينتصر لنفسه، وأنْ يُنفِّس عنها ما يعانيه من وطأة الظلم، حتى لا تُكبتَ بداخله هذه المشاعر، ولا بُدَّ لها أن تنفجر، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ [النحل: ١٢٦] .

стр. 12955

وقال تعالى: ﴿لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسواء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] . أباح للمظلوم أن يُعبِّر عن نفسه، وأن يرفض الظلم، ولا عليه إنْ جهر بكلمة تُخفِّف عنه ما يشعر به من ظلم. ثم تختم السورة بقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] يعني: غداً سيعلمون مرجعهم ونهايتهم كيف تكون؟ والمنقلب هو المرجع والمآب، والمصير الذي ينتظرهم. فالحق ﵎ يتوعدهم بما يؤذيهم، وبما يسوؤهم فلن تنتهي المسألة بانتصار المسلمين عليهم، إنما ينتظرهم جزاء آخر في الآخرة. كما قال سبحانه في موضع آخر: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] . لذلك أبهم الله تعالى هذا المنقلب، وإبهامه للتعظيم والتهويل، وقد بلغ من العِظَم أنه لا يُوصف ولا تؤدي العبارة مؤداه، كما أبهم العذاب في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] . يعني: شيء عظيم لا يُقَال، والإبهام هنا أبلغ؛ لأن العقل يذهب في تصوّره كل مذهب، وعلى كل كيفية. والمنقلب أو المرجع لا يُمدح في ذاته، ولا يُذمُّ في ذاته، فإن انتهى إلى السوء فهو مُنقلب سيء، وإنِ انتهى إلى خير فهو مُنقلَب حسن، فالذي نحن بصدده من مُنقلَب الكافرين المعاندين لرسول الله منقلب سيء يُذَم. أما مُنْقلَب سحرة فرعون مثلاً حين قال لهم: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ
следующие страницы →