← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 12881–12920 · переход к 12886.

стр. 12881

فإياك أن تظن أن الله تعالى خلقنا عبثاً، أو يتركنا هملاً، إنما خلقنا لمهمة في الكون، وجعلنا جميعاً عبيداً بالنسبة له سواء، فلم يُحَابِ من أحداً على أحد، وليس عنده سبحانه مراكز قوى؛ لذلك لم يتخذ صاحبه ولا ولداً. ولأننا جميعاً أمامه سبحانه سواء وهو خالقنا، فقد تكفّل لنا بالرزق ورعاية المصالح، فَمنِ ابتلاه الله بالعجز عن الحركة فتحركْتَ أنت لقضاء مصالحه، لا بُدَّ ان ينظر الله إليك بعين البركة والمضاعفة. فالمعوَّق والفقير بحقٍّ لا الذي يتخذها مهنة وحرفة يرتزق بها هذا الفقير وهذا المعوَّق هم خَلْق الله وأهل بلائه، فحين تعطيه من

стр. 12882

ثمرة حركتك أنت، وتذهب إليه وهو مطمئن في بيته، أنت بهذا العمل إنما تستر على الله بلاءه، وتكون يد الله التي يرزق بها هؤلاء، وعندها لا بُدَّ أن يحبك الفقير، وأنْ يدعو لك بالخير والبركة والزيادة والأَجْر والعافية والثواب، ويعلم أن الله خلقه ولم يُسلمه. أمّا إنْ ضَنَّ الغنيُّ الواجد على الفقير المعدَم، وتخلى عن أهل البلاء، فلا بُدَّ أنْ يسخط الفقير على الغني، بل يسخط على الله والعياذ بالله لأنه ما ذنبه أن يكون فقيراً، وغيره غنيٌّ في مجتمع لا يرحم. وعجيب أن نرى مُبتليً يُظهر بلواه للناس، بل ويستغلها في ابتزازهم، فيُظهِر لهم إعاقته، كأنه يشكو الخالق للخَلْق، ولو أنه ستر على الله بلاءه وعَلِم أنه نعمة أنعم الله بها عليه لَسخَّر الله له عافية غير المبتلى، ولجاءه رزقه على باب بيته، فلو رَضِي أهل البلاء لأعطاهم الله على قَدْر ما ابتلاهم. فمعنى: ﴿واتقوا الذي خَلَقَكُمْ﴾ [الشعراء: ١٨٤] أي: احذروا جبروته؛ لأنه خلقكم، وضمن لكم الأرزاق، وضمن لكم قضاء الحاجات، حتى العاجز عن الحركة سخَّر له القادر، وجعل للغنى شرطاً في إيمانه أنْ يُعطى جزءاً من سَعْيه للفقير، ويُوصِّله إليه وهو مطمئن. ومعنى: ﴿والجبلة الأولين﴾ [الشعراء: ١٨٤] الجبلة من الجبَل، وكان له دور في حياة العربي، وعليه تدور الكثير من تعبيراتهم، ففيه صفات الفخامة والعظمة والرسوخ والثبات، فاشتقوا من الجبل (الجبلّة) وتعني الملازمة والثبات على الشيء. ومن ذلك نقول: فلان مجبول على الخير يعني: ملازم له لا يفارقه، وفلان كالجبل لا تزحزحه الأحداث، والعامة تقول: فلان

стр. 12883

جِبلَّة يعني: ثقيل على النفس، وقد يزيد فيقول: (مال جبلّتك وارمة) مبالغة في الوصف. حتى أن بعض الشعراء يمدح ممدوحه بأنه ثابت كالجبل، حتى بعد موته، فيقول عن ممدوحه وقد حملوه في نعشه: مَا كنتُ أَحْسَبُ قَبْل نَعْشِكَ أنْ أَرَى ... رَضْوى عَلَى أيدي الرجَالِ يَسِير ورَضْوى جبل اشْتُهر بين العرب بضخامته. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ [يس: ٦٢] . ومعنى: ﴿والجبلة الأولين﴾ [الشعراء: ١٨٤] أي: الناس السابقين الذين جُبِلوا على العناد وتكذيب الرسُل، فالله خالقكم وخلقهم، وقد رأيتُم ما فعل الله بهم لما كذَّبوا رسُله، لقد كتب الله النصر لرسله والهزيمة لمن كذّبهم، فهؤلاء الذين سبقوكم من الأمم جُبِلوا على التكذيب، وكانوا ثابتين عليه لم يُزحزحهم عن التكذيب شيء، فاحذروا أن تكونوا مثلهم فينزل بكم ما نزل بهم. فماذا كان ردّهم؟

стр. 12884

قلنا: إن مُسحَّر: أي سحَره غيره، وهي صغية مبالغة للدلاَلة على حدوث السحر ووقوعه عليه أكثر من مرة، فلو سُحِر مرة واحدة لَقُلْنا: مسحور والمعنى: أنك مخْتَلٌّ العقل والتفكير، مجنون، لن نسمع لك.

стр. 12885

وما دُمْت أنت بشراً مثلنا، ولم تتميز عنَّا بشيء، فكيف تكون رسولاً؟ ثم ﴿وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبين﴾ [الشعراء: ١٨٦] أي: وما ظنك إلا كذاباً، كالذين سبقوك.

стр. 12886

أي: إنْ كنتَ صادقاً ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ السمآء﴾ [الشعراء: ١٨٧] يطلبون العذاب ويستعجلونه، كما قال سبحانه في آية أخرى: ﴿قالوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ [الأحقاف: ٢٢] . ومن العجيب حين ينزل بهم العذاب يقولون انظرنا، كيف وأنتم الذين استعجلتم العذاب؟ ومعنى ﴿كِسَفاً﴾ [الشعراء: ١٨٧] مفردها كِسْفة، مثل قِطَع وقطعة، وقد وردتْ هذه الكلمة على ألسنة كثير من المكذِّبين، وقالها الكفار للنبي محمد ﷺ َ: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنهار خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٠٩٢] .

стр. 12887

وقالوا ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] . وكان عليهم أن يقولوا: اللهم إنْ كان هذا هو الحقّ من عندك فاهْدِنا إليه، وهذا يدلُّك على حُمْقهم وعنادهم.

стр. 12888

فهو سبحانه العليم بكم: إنْ كنتم أهلاً للتوبة والندم والأمل، أنْ تتوبوا فلن يصيبكم العذاب، أو كنتم مُصرِّين على العصيان والتكذيب، فسوف يصيبكم عذاب الهلاك والاستئصال، فأنا لن أحكمَ عليكم بشيء؛ لأنني بشر مثلكم لا أعرف ما في نياتكم؛ لذلك سأكلُ أمركم إلى ربكم الذي يعلم أمري وأمركم، وسِرِّي وسرَّكم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ﴾

стр. 12889

فكيف يُكذّبونه، وهو لم ينسب الأمر لنفسه، ووكلهم إلى ربهم إذن: فهم لا يُكذِّبونه إنما يُكذِّبون الله؛ لذلك يأتي الجزاء: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظلة﴾ [الشعراء: ١٨٩] . وهو عذاب يوم مشهود، حيث سلط الله عليهم الحرارة الشديدة سبعة أيام، عاشوها في قيظ شديد، وقد حجز الله عنهم الريح إلا بمقدار ما يُبقي رَمَق الحياة فيهم، حتى اشتد عليهم الأمر وحميَتْ من تحتهم الرمال، فراحوا يلتمسون شيئاً يُروِّح عنهم، فرأوا غمامة

стр. 12890

قادمة في جو السماء فاستشرفوا لها وظنوها تخفف عنهم حرارة الشمس، وتُروِّح عن نفوسهم، فلما استظلُّوا بها ينتظرون الراحة والطمأنينة عاجلتهم بالنار تسقط عليهم كالمطر. على حَدِّ قوْل الشاعر: كَمَا أمطَرتْ يَوْماً ظماءً غمامةٌ ... فلمَّا رَأؤْهَا أقشعَتْ وتجلَّتِ ويا ليت هذه السحابة أقشعت وتركتهم على حالهم، إنما قذفتهم بالنار والحُمَم من فوقهم، فزادتهم عذاباً على عذابهم. كما قال سبحانه في آية أخرى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤٢٥] . لذلك وصف الله عذاب هذا اليوم بأنه ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] فما وَجْه عظمته وهو عذاب؟ قالوا: لأنه جاء بعد استبشار واسترواح وأمل في الراحة، ففاجأهم ما زادهم عذاباً، وهذا ما نسميه «يأس بعد إطماع» وهو أنكَى في التعذيب وأشقّ على النفوس.

стр. 12891

قوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٠] أي: فما حدثتكم به ﴿لآيَةً﴾ [الشعراء: ١٩٠] يعني: عبرة، وسُمِّيَتْ كذلك لأنها تعبر بصاحبها من حال إلى حال، فإنْ كان مُكذباً آمن وصدق، وإن كان معانداً لاَنَ للحق وأطاع. وما قصصتُه عليكم من مواكب الرسل وأقوامهم، وهذا الموكب يضم سبعة من رسل الله مع أممهم: موسى، وإبراهيم، ونوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب عليهم جميعاً وعلى نبينا السلام، وقد مضى هذا الموكب على سنة لله ثابتة لا تتخلف، هي: أن ينصر الله رسله والمؤمنين معهم، ويخذل الكافرين المكذِّبين. فلتأخذوا يا آل محمد من هذا الموكب عبرة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ [الشعراء: ١٩٠] يعني عبرةً لكم، وسُمِّيتْ عبرة؛ لأنها تعبر

стр. 12892

بصاحبها من حال إلى حال، فإن كان مُكذِّباً آمن وصدَّق، وإنْ كان معانداً لاَنَ للحق وأطاع، وقد رأيتم أننا لم نُسْلِم رسولاً من رسلنا للمكذبين به، وكانت سنتنا من الرسل أن ننصرهم. ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون﴾ [الصافات: ١٧١١٧٢] . وقال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ [الصافات: ١٧٣] . ومن العبرة نقول: عبر الطريق يعني: انتقل من جانب إلى جانب، والعبرة هنا أن ننتقل من التكذيب واللدَد والجحود والكبرياء إلى الإيمان والتصديق والطاعة، حتى العَبرة (الدَّمْعة) مأخوذة من هذا المعنى. وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٠] حماية واحتراس حتى لا نهضم حق القِلَّة التي آمنت.

стр. 12893

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ﴾

стр. 12894

ربك: الرب هو المتولِّي الرعاية والتربية. وبهذه الخاتمة خُتمتْ جميع القصص السابقة، ومع ما حدث منهم من تكذيب تُختم بهذه الخاتمة الدَّالة على العزة والرحمة. ثم ينتقل السياق إلى خاتم المرسلين سيدنا محمد ﷺ َ بعد أنْ قدَّم لنا العبرة والعِظة في موكب الرسل السابقين، فيقول الحق سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ﴾

стр. 12895

﴿وَإِنَّهُ﴾ [الشعراء: ١٩٢] على أيِّ شيء يعود هذا الضمير؟ المفروض أن يسبقه مرجع يرجع إليه هذا الضمير وهو لم يُسبَق بشيء. تقول: جاءني رجل فأكرمتُه فيعود ضمير الغائب في أكرمته على (رجل) . وكما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فالضمير هنا يعود على لفظ الجلالة، مع أنه متأخر عنه، ذلك لاستحضار عظمته تعالى في النفس فلا تغيب. كذلك ﴿وَإِنَّهُ﴾ [الشعراء: ١٩٢] أي: القرآن الكريم وعرفناه من قوله سبحانه ﴿لَتَنزِيلُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: ١٩٢] وقُدِّم الضمير على مرجعه لشهرته وعدم انصراف الذِّهْن إلا إليه، فحين تقول: ﴿هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] لا ينصرف إلا إلى الله، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: ١٩٢] لا ينصرف إلا إلى القرآن الكريم.

стр. 12896

وقال: ﴿لَتَنزِيلُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: ١٩٢] . أي: أنه كلام الله لم أقلْهُ من عندي، خاصة وأن رسول الله ﷺ َ لم يسبق له أنْ وقف خطيباً في قومه، ولم يُعرف عنه قبل الرسالة أنه خطيب أو صاحب قَوْل. إذن: فهو بمقاييس الدنيا دونكم في هذه المسألة، فإذا كان ما جاء به من عنده فلماذا لم تأتُوا بمثله؟ وأنتم أصحاب تجربة في القول والخطابة في عكاظ وذي المجاز وذي المجنة، فإن كان محمد قد افترى القرآن فأنتم أقدر على الافتراء؛ لأنكم أهل دُرْبة في هذه المسألة. و ﴿العالمين﴾ [الشعراء: ١٩٠] : كل ما سوى الله ؛ لذلك كان ﷺ َ رحمة للعالمين للإنس وللجن وللملائكة وغيرها من العوالم. لذلك لما نزلت: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] «سأل سيدنا رسول الله جبريل ﵇:» أما لك من هذه الرحمة شيء يا أخي جبريل؟ «فقال: نعم، كنت أخشى سوء العاقبة كإبليس، فلما أنزل الله عليك قوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العرش مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] أمنْتُ العاقبة، فتلك هي الرحمة التي نالتني» . وليس القرآن وحده تنزيلَ رب العالمين، إما كل الكتب السابقة السماوية كانت تنزيلَ رب العالمين، لكن الفرق بين القرآن والكتب السابقة أنها كانت تأتي بمنهج الرسول فقط، ثم تكون له معجزة في أمر آخر تثبت صِدْقه في البلاغ عن الله.

стр. 12897

فموسى ﵇ كان كتابه التوراة، ومعجزته العصا، وعيسى ﵇ كان كتابه الإنجيل، ومعجزته إبراء الأكمة والأبرص بإذن الله، أما محمد ﷺ َ فكان كتابه ومنهجه القرآن ومعجزته أيضاً، فالمعجزة هي عَيْن المنهج. فلماذا؟ قالوا: لأن القرآن جاء منهجاً للناس كافّةً في الزمان وفي المكان فلا بد إذن أن يكون المنهج هو عَيْن المعجزة، والمعجزة هي عَيْن المنهج، وما دام الأمر كذلك فلا يصنع هذه المعجزة إلا الله، فهو تنزيل رب العالمين. أما الكتب السابقة فقد كانت لأمة بعينها في فترة محددة من الزمن، وقد نزلتْ هذه الكتب بمعناها لا بنصِّها؛ لذلك عيسى ﵇ يقول: «سأجعل كلامي في فمه» أي: أن كلام الله سكيون في فم الرسول بنصِّه ومعناه من عند الله، ما دام بنصِّه من عند الله فهو تنزيل رب العالمين. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح﴾

стр. 12898

كان من الممكن أن يكون الوحي من عند الله إلهاماً أو نَفْثاً في الرَّوْع؛ لذلك قال تعالى بعدها: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] إذن: الأمر ليس نَفْثاً في رَوْع رسول الله بحكم ما، إنما يأتيه روح القُدُس وأمين الوحي يقول له: قال الله كذا وكذا.

стр. 12899

لذلك لم يثبت القرآن إلا بطريق الوحي، بواسطة جبريل ﵇، فيأتيه الملَك؛ ولذلك علامات يعرفها ويحسّها، ويتفصّد جبينه منه عرقاً، ثم يُسرِّي عنه، وهذه كلها علامات حضور الملَك ومباشرته لرسول الله، هذا هو الوحي، أمَّا مجرد الإلهام أو النَّفْث في الرَّوْع فلا يثبت به وَحْي. لذلك كان جلساء رسول الله يعرفونه ساعة يأتيه الوحي، وكانوا يسمعون فوق رأسه ﷺ َ كدويّ النحل أثناء نزول القرآن عليه، وكان الأمر يثقل على رسول الله، حتى إنه إنْ أسند فَخِذه على أحد الصحابة أثناء الوحي يشعر الصحابي بثقلها كأنها جبل، وإذا نزل الوحي ورسول الله على دابته يثقل عليها حتى تنخّ به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ٥] . ولم تهدأ مشقَّة الوحي على رسول الله إلا بعد أنْ فتَر عنه الوحي، وانقطع فترة حتى تشوَّق له رسول الله ﷺ َ وانتظره، وبعدها نزل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ١٤] .

стр. 12900

ونزلت عليه: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى﴾ [الضحى: ١٤] . يعني: سيعاودك الوحي في سهولة ودون مشقَّة، ولن تتعب في تلقيه، كما كنتَ تعاني من قبل. وقوله: ﴿نَزَلَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] تفيد العلو، وأن القرآن نزل من أعلى من عند الله، ليس من وضع بشر يخطىء ويصيب ويجهل المصحلة، كما نرى في القوانين الوضعية التي تُعدِّل كل يوم، ولا تتناسب ومقتضيات التطور، والتي يظهر عُوَارها يوماً بعد يوم. ولأن القرآن نزل من أعلى فيجب علينا أن نستقبله استقبالَ الواثقِ فيه المطمئن به، لا نعانده، ولا نتكبر عليه؛ لأنك تتكبر على مساوٍ لك، أمّا ما جاءك من أعلى فيلزمك الانقياد له، عن اقتناع. وفي الريف نسمعهم يقولون (اللي الشرع يقطع صباعه ميخرش دم) لماذا؟ لأنه قُطِع بأمر الأعلى منك، بأمر الله لا بأمر واحد مثلك. وحين نتأمل قوله تعالى في التشريع لحكم من الأحكام: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] . كلمة (تعالوا) تعني: اتركوا حضيض تشريع الأرض، وأَقْبلوا على رِفْعة تشريع السماء، فتعالوا أيْ: تعلَّوا وارتفعوا، لا تهبطوا إلى مستوى الأرض، وإلا تعبتُم وعضَّتكم الأحداث؛ لأن الذي يُشرِّع لكم بشر أمثالكم وإنْ كانوا حتى حَسَنِي النية، فهم لا يعلمون حقائق الأمور، فإنْ أصابوا في شيء أخطأوا في أشياء، وسوف تُضطرون

стр. 12901

لتغيير هذه التشريعات وتعديلها. إذن: فالأسلم لكم أنْ تأخذوا من الأعلى؛ لأنه سبحانه العليم بما يُصلحكم. إذنك ﴿نَزَلَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] تفيد أنه من الأعلى من مصدر الخير حتى الحديد وهو من نِعَم الله، لما تكلم عنه قال سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بالغيب﴾ [الحديد: ٢٥] . ولم يَقُلْ مثلاً: أنزلناه الألماظ أو الألماس، أو غيره من المعادن النفيسة، لماذا؟ لأن الحديد أداة من أدوات نُصْرة الدعوة وإعلاء كلمة الله. وسُمِّي جبريل ﵇ الروح؛ لأن الروح بها الحياة، والملائكة أحياء لكن ليس لهم مادة، فكأنهم أرواح مطلقة، أما البشر فمادة فيها روح. كما أن كلمة الروح استُعملَتْ عدة استعمالات منها ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] والمراد الروح التي نحيا بها. وسُمِّي القرآن روحاً: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] إذن: فالقرآن روح، والملَك الذي نزل به روح، فإنْ قلتَ: فما حاجتي إلى الروح وفيَّ روح؟ نقول لك: هذه الروح التي تحيا بها مادتك، والتي تفارقك حين تموت وتنتهي المسألة، أمّا الروح التي تأتيك في القرآن فهي روح باقية خالدة، إنها منهج الله الذي يعطيك الحياة الأبدية التي لا تنتهي. لذلك، فالروح التي تحيا بها المادة للمؤمن وللكافر على حَدٍّ

стр. 12902

سواء، أمّا الروح التي تأتيك من كتاب الله وفي منهجه، فهي للمؤمن خاصة، وهي باقية، وبها تستأنف حياة جديدة خالدة بعد حياة المادة الفانية. واقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] . كيف وها نحن أحياء؟ نعم، نحن أحياء بالروح الأولى روح المادة الفانية، أمَّا رسول الله فهو يدعونا للحياة الباقية، وكأنه يشير إلى أن هذه الحياة التي نحياها ليست هي الحياة الحقيقية؛ لأنها ستنتهي، وهناك حياة أخرى باقية دائمة. حتى مجرد قولنا نحن أحياء فيه تجاوز؛ لأن الأحياء هم الذين لا يموتون، وهذه الحياة لا تأتي إلا بمنهج الله، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] فالحيوان مبالغة في الحياة، أي: الحياة الحقيقية، أما حياة المادة فأيّ حياة هذه التي يموت فيها المرء يوم مولده، أو حتى بعد مائة عام؟! ثم يَصِف الحق الروح بأنه ﴿الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] أي: على الوحي، القرآن إذن مَصُون عند الله، مصون عند الروح الأمين الذي نزل به، مَصُون عند النبي الأمين الذي نزل عليه. لذلك يقول سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤٤٧] .

стр. 12903

وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الغيب بِضَنِينٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٤٢٥] . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿على قَلْبِكَ لِتَكُونَ﴾

стр. 12904

نزل القرآن على أذن رسول الله، أم على قبله؟ الأذن هي: أداة السمع، لكن قال تعالى ﴿على قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] لأن الأذن وسيلة عبور للقلب، لأنه محلُّ التلقِّي، وهو (دينامو) الحركة في جسم الإنسان، فبالدم الذي يضخُه في أعضاء الجسم وأجهزته تتولَّد الطاقات والقدرة على الحركة وأداء الوظائف. لذلك نرى المريض مثلاً يأخذ الدواء عن طريق الفم، فيدور الدواء دروة الطعام، ويُمتصُّ ببطء، فإنْ أردتَ سرعة وصول الدواء للجسم تعطيه حقنة في العضل، لكن الأسرع من هذا أن تعطيه حقنة في الوريد، فتختلط بالدم مباشرة، وتُحدِث أثرها في الجسم بسرعة، فالدم هو وسيلة الحياة في النفس البشرية. إذن: قالقلب هو محلُّ الاعتبار والتأمل، وليس لسماع الأذن قيمة إذا لم يَع القلب ما تسمع الأذن؛ لذلك يقول سبحانه في موضع آخر: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧] . فالمعنى: نزَّله على قلبك مباشرة، كأنه لم يمرّ بالأذن؛ لأن الله الله تعالى اصطفى لذلك رسولاً صنعه على عينه، وأزال عنه العقبات البشرية التي تعوق هذه المباشرة، فكأن قلبه ﷺ َ منتبهاً لتلقّي

стр. 12905

كلام الله؛ لأنه مصنوع على عَيْن الله، أما الذين سمعوا كلام الله بآذانهم فلم يتجاوبوا معه، فكانت قلوبهم قاسية فلم تفهم. والقلب محل التكاليف، ومُستقرّ العقائد، وإليه تنتهي مُحِصِّلة وسائل الإدراك كلها، فالعيْن ترى، والأذن تسمع، والأنف يشمّ، والأيدي تلمس. . ثم يُعرض هذا كله على العقل ليختار بين البدائل، فإذا اختار العقل واطمأن إلى قضية ينقلها إلى القلب لتستقر به؛ لذلك نسميها عقيدة يعني: أمْر عقد القلب عليه، فلم يَعُدْ يطفو إلى العقل ليبحث من جديد، لقد ترسَّخ في القلب، وأصبح عقيدة ثابتة. وفي آيات كثيرة نجد المعوّل والنظر إلى القلب، يقول تعالى: ﴿لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] . وفي آية أخرى يُبيِّن أن التقوى محلُّها القلب: ﴿ذلك وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب﴾ [الحج: ٣٢] . وفي الشهادة يقول تعالى: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] من أن الشهادة باللسان، لا بالقلب. لذلك يقول النبي ﷺ َ في الحديث الذي رواه النعمان بن بشير: «ألا إن في الجسد مُضْغة، إذا صَلُحتْ صَلُحَ الجسد كله، وإذا فسدتْ فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» . ويُحدِّثنا صحابة النبي ﷺ َ أنه كان ينزل عليه الوحي بآيات كثيرة بما يوازي رُبْعين أو ثلاثة أرباع مرة واحدة، فإذا ما سُرِّى عنه ﷺ َ قال: اكتبوا، ثم يقرؤها عليهم مع وَضْع كل آية في مكانها من

стр. 12906

سورتها، ثم يقرؤها ﷺ َ في الصلاة، فتكون هي هي كما أملاها عليهم؛ ذلك لأن القرآن باشر قلبه لا أذنه. وكان ﷺ َ لحِرْصه على حفظ القرآن يُردِّده خلف جبريل ويكرره حتى لا ينساه، فأنزل الله عليه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى﴾ [الأعلى: ٦] . وقال في موضع آخر: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: ١١٤] . وقال تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦١٩] . ومن عجيب أمر القرآن أنك لا تجد شخصاً يُلقي كلمة لمدة خمس دقائق مثلاً، ثم يعيدها عليك كما قالها نَصّاً، أمّا النبي ﷺ َ فكانت تُلْقَى عليه السورة، فيعيدها كما هي، ذلك من قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى﴾ [الأعلى: ٦] . وقوله سبحانه: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المنذرين﴾ [الشعراء: ١٩٤] المنذر: الذي يُحذِّر من الشر قبل وقوعه ليحتاط السامع فلا يقع في دواعي الشر، ولا يكون الإنذار ساعةَ وقوع الشر، لأنه في هذه الحالة لا يُجْدي، وكذلك البشارة بالخير تكون قبل حدوثه لتحثَّ السامع على الخير، وتحفزه إليه. ويقول سبحانه في آية أخرى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] .

стр. 12907

فكما أنذر الرسلُ السابقون أقوامهم، أنْذِر أنت قومك، وانضمّ إلى موكب الرسالات. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾

стр. 12908

وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] فإنْ كان القرآن قد نزل على قلبك، فكيف يسمعونه؟ وكيف يكتبونه؟ ويحفظونه؟ يأتي هنا دَوْر اللسان العربي الذي يُخرِج القرآن إلى الناس. إذن: فمنطق رسول الله بعد نزوله على القلب، ويُؤخِّر اللسان؛ لأنه وسيلة الحفظ والصيانة والقراءة. ومعنى ﴿مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] أي: واضح ظاهر، محيط بكل أقضية الحياة، لكن يأتي مَنْ يقول: إنْ كان القرآن نزل بلسان عربي، فما بال الكلمات غير العربية التي نطق بها؟ فكلمة قسطاس رومية، وآمين حبشية، وسجيل فارسية. ونقول: معنى اللسان العربي ما نطق به العرب، ودار على ألسنتهم؛ لأنه أصبح من لغتهم وصار عربياً، وإنْ كان من لغات أخرى، والمراد أنه لم يَأْتِ بكلام جديد لم تعرفه العرب، فقبل أنْ ينزل القرآن كانت هذه الكلمات شائعة في اللسان العربي. ونزل القرآن باللسان العربي خاصةً؛ لأن العرب هم أمة استقبال

стр. 12909

الدعوة وحاملوها إلى باقي الأمم، فلا بُدَّ أنْ يفهموا عن القرآن. فإنْ قُلْتَ: فالأمم الأخرى غير العربية مخاطبةٌ أيضاً بهذا القرآن العربي، فكيف يستقبلونه ويفهمون عنه؟ نقول: مَنْ سمعه من العرب عليه أن يُبلغه بلسان القوم الذين يدعوهم، وهذه مهمتنا نحن العرب تجاه كتاب الله.

стр. 12910

الضمير في ﴿وَإِنَّهُ﴾ [الشعراء: ١٩٦] يصح أنْ يعود على القرآن كسابقه، ويصح أنْ يعود على رسول الله، ومعنى ﴿زُبُرِ﴾ [الشعراء: ١٩٦] جمع زبور يعني: مكتوب مسطور، ولو أن العقول التي عارضتْ رسول الله، وأنكرتْ عليه رسالته، وأنكرتْ عليه معجزته فَطنوا إلى الرسالات السابقة عليه مباشرة، وهي: اليهودية والنَصرانية في التوراة والإنجيل لوجبَ عليهم أنْ يُصدِّقوه؛ لأنه مذكور في كتب الأولين. كما قال سبحانه في موضع آخر: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصحف الأولى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى﴾ [الأعلى: ١٨١٩] . فالمبادىء العامة من العقائد والأخلاق والعدل الإلهي وقصص الانبياء كلها أمور ثابتة في كل الكتب وعند جميع الأنبياء، ولا يتغير إلا الأحكام من كتاب لآخر، لتناسب العصر والأوان الذي جاءتْ فيه. وحين تقرأ قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] . تقول: ولماذا إذن نزل القرآن؟ ولماذا لم يَقُل وصَّينا به محمداً؟ قالوا: لأن الأحكام ستتغير؛ لتناسب كل العصور التي نزل

стр. 12911

القرآن لهدايتها، ولكل الأماكن، ولتناسب عمومية الإسلام. لذلك رُوي عن عبد الله بن سلام وآخر اسمه ابن يامين، وكانوا من أهل الكتاب، وشهد كلاهما أنه رأى ذكر محمد ﷺ َ في التوراة، وفي الإنجيل. والقرآن يقول عنهم: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] . ولما سمعها ابن سلام قال: ربنا تساهل معنا في هذه المسألة، فوالله إني لأعرفه كمعرفتي لولدي، ومعرفتي لمحمد أشد. ويقول تعالى في هذا المعنى: ﴿الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل﴾ [الأعراف: ١٥٧] . ويقول سبحانه على لسان عيسى ﵇ حين يقف خطيباً في قومه: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] . إذن: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأولين﴾ [الشعراء: ١٩٦] أي: محمد ﷺ َ أو هو القرآن الكريم، فكلاهما صحيح؛ لأن صفة رسول الله ﷺ َ موجودة في هذه الكتب، أو القرآن في عموم مبادئه في العقائد والأخلاق والبعث وسير الأنبياء. فكان الواجب على الذين جاءهم القرآن أنْ يؤمنوا به، خاصة وأن رسول الله كان أمياً لم يجلس إلى معلم، وتاريخه في ذلك معروف لهم، حيث لم يسبق له أن قرأ أو كتب شيئاً.

стр. 12912

والقرآن يؤكد هذه المسألة، فيقول تعالى مخاطباً نبيه محمداً ﷺ َ: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ المبطلون﴾ [العنكبوت: ٤٨] . ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِياً في أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥] . ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي إِذْ قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر﴾ [القصص: ٤٤] . ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] . فكل هذه الآيات وغيرها دليل على أنه ﷺ َ لا عِِْلمَ له بها إلا بواسطة الوَحْي المباشر في القرآن الكريم، وكان على القوم أن يؤمنوا به أول ما سمعوه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ﴾

стр. 12913

آية: أي دليلاً وعلامةً على أن القرآن من عند الله؛ لأن علماء بني إسرائيل كانوا يستفتحون به على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، أو لم يقولوا للأوْس والخزرج في المدينة: لقد أَطلَّ زمان نبيٍّ يأتي سنتبعه ونقتلكم به أيها المشركون قَتْل عاد وإرم، ومع ذلك لما بُعِث النبي ﷺ َ أنكروه وكفروا به، وهم يعرفون أنه حق، لماذا؟

стр. 12914

قالوا: لأنهم تنبَّهوا إلى أنه سيسلبهم القيادة، وكانوا في المدينة أهل علم، وأهل كتاب، وأهل بصر، وأهل حروب. . ألخ. وليلةَ هاجر النبي ﷺ َ إلى المدينة كانوا يستعدون لتتويج عبد الله بن أُبيٍّ ملِكاً عليها، فلما جاءها النبي ﷺ َ أفسد عليهم هذه المسألة؛ لذلك حسدوه على هذه المكانة، فقد أخذ منهم السُّلْطة الزمنية والتي كانت لهم. وقال ﴿عُلَمَاءُ بني إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] لأنهم كانوا يعرفون صِدْق رسول الله، ولأنه ﷺ َ جاء بأشياء لا يعرفها إلا هم، وقد اشتهر منهم خمسة، هم: عبد الله بن سلام، وأسد، وأسيد، وثعلبة، وابن يامين. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ على بَعْضِ﴾

стр. 12915

لقد أنزلنا القرآن بلسان عربي على أمة عربية، ولو أنزلناه على الأعاجم ما فهموه. وقال الحق وسبحانه وتعالى في موضع آخر: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُءَاْعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] .

стр. 12916

لماذا؟ لأن المستقبل مقفول، فإنْ أردتَ استقبال أيِّ قضية فعليك أنْ تُخرِج من قبلك أيّ قضية أخرى معارضة لها، ثم بعد ذلك لك أنْ تدرس القضيتين، فما وافق الحق فأدخِلْه. لذلك يقول تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] فهو قلب واحد، لذلك أخرج منه كل قضية سابقة، وها هو القرآن واحد، وقائله واحد، ومُبلِّغه واحد، ولسانه عربي. يقول تعالى في وصفهم حالَ سماع القرآن: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصرفوا صَرَفَ الله قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧] أي: يريدون التسلُّل والخروج. ويقول تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً﴾ [التوبة: ١٢٤] أي: ماذا أفادتكم؟ وماذا زادتْ في إيمانكم. ويقول سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] يعني: ما الجديد الذي جاء به؟ ويقول عن الذين آمنوا: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] .

стр. 12917

و ﴿الأعجمين﴾ [الشعراء: ١٩٨] جمع: أعجمي، والأعجم هو الذي لا يُحسِن الكلام العربي، وإنْ كان ينطق به، والعجميّ ضد العربيّ والعجم غير العرب. فالمعنى ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ﴾ [الشعراء: ١٩٨] أي: القرآن العربي على بعض الأعجمين ما فهمه، وقال ﴿بَعْضِ﴾ [الشعراء: ١٩٨] لمراعاة الاحتمال، فمن العجم مَنْ تعلَّم العربية وأجادها ويستطيع فَهْم القرآن. وقوله تعالى: ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] لأنهم لم يفهموا منه شيئاً، فكذلك أنتم مثل هؤلاء العجم في تلقِّي واستقبال كلام الله، لم تفهموا منه شيئاً. ذلك لأنهم أحبوا الكفر والعناد وأصرُّوا عليه، واستراحتْ إليه قلوبهم حتى عَشقوه، فأعانهم الله عليه، وختم على قلوبهم، فلا يدخلها إيمانٌ، ولاَ يخرج منها كفر.

стр. 12918

معنى ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] أدخلناه في قلوب المجرمين، كأنهم عجم لا يفهمون منه شيئاً، لذلك ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [الشعراء: ٢٠١] وما داموا لن يؤمنوا به حتى يروا العذاب الأليم فلن يُقبلَ منهم إيمان. ومعنى ﴿بَغْتَةً﴾ [الشعراء: ٢٠٢] أي: فجأة، ومن حيث لا يشعرون.

стр. 12919

لذلك لما نزل القرآن وآمن برسول الله بعض الصحابة اضْطهد رسول الله وصحابته، وأوذوا حتى صاروا لا يأمنون على أنفسهم من بَطْش الكفار، حتى كانوا يبيتون في السلاح، ويستيقظون في السلاح، لا يجدون مَنْ يحميه. وفي هذه الحالة نزل قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] فتعجب عمر ﵁: أيُّ جمع هذا الذي سيُهزم، والمسلمون على هذه الحال؟ فلما شهد بدراً وما كان فيها من قتْل المشركين ونُصْرة دين الله، قال: نعم صدق الله، سيُهزم الجمع ويُولُّون الدبر. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ﴾

стр. 12920

أي: انظرونا وتمهَّلوا علينا، وأخِّروا عَنَّا العذاب، سبحان الله ألم تستعجلوه؟ وهذه طبيعة أهل العناد والكفر إنْ تركناهم طلبوا أنْ ينزل عليهم، وإنْ نزل بهم العذاب قالوا: انظرونا وتمهَّلوا علينا.
следующие страницы →