Полный текст (14 757 стр.). Показаны 13021–13060 · переход к 13026.
стр. 13021
أو المحافظ. . إلخ لكل منهم كرسيٌّ يجلس عليه يناسب مكانته، إذن: العرش هو جِلْسة المتمكّن الذي يتولّى تَدبير الأمور.
ووصْف العرش بأنه عظيم مع أن هذا الوصف لعرش الله تعالى، فكيف؟ قالوا: عظيم بالنسبة لأمثالها من الملوك، أمّا عرْش الله فعظيم بالنسبة لكل الخَلْق عظمةً مُطْلقة.
هكذا حدَّث الهدهُد سليمانَ فيما يخصُّ ملكة سبأ من حيث الملك الذي تشبه فيه سليمان كملك، ثم يُحدِّثه بعد ذلك عن مسألة تتعلق بالنبوة والإيمان بالله، وهذه المسألة التي غار عليها سليمان، وثار من أجلها: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ﴾
стр. 13022
ذلك لأنه لما طاف حول قصر بلقيس وجد فيه كُوَّة تدخل منها الشمس، كما نرى في معابد الفراعنة، ففي أحد هذه المعابد طاقات بعدد أيام السنة، بحيث تدخل الشمس في كل يوم من واحدة بعينها لا تدخل من الأخرى. وكذلك كان عند بلقيس مثل هذه الكُوَّة تدخل منها الشمس فتتنبه لها وتستقبلها.
لذلك لما ذهب إليها بكتاب سليمان وقف على هذه الكُوَّة وسدَّها بجناحه، فلم تدخل الشمس في موعدها كما اعتادت الملكة، فقامت حتى وصلتْ إلى هذه الكُوَّة فرمى عندها الكتاب.
стр. 13023
فالهدهد إذن مؤمن عارف بقضية العقيدة والإيمان بالله يَغَار عليها ويستنكر مخالفتها ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله﴾ [النمل: ٢٤] فهو يعرف أن الله هو المعبود بحقٍّ، بل ويعلم أيضاً قضية الشيطان، وأنه سبب الانصراف عن عبادة الله.
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] فالقضية عنده كاملة بكل تفاصيلها، ولا تتعجب من مقالة الهدهد واقرأ: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] .
إنها موعظة بليغة من واعظ مُتمكِّن يفهم عن الله، ويعلم منهجه ويدعو إليه، بل ويعزّ عليه ويحزّ في نفسه أن ينصرف العباد عن الله المنْعِم: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ﴾
стр. 13024
﴿أَلاَّ﴾ [النمل: ٢٥] مكوَّنة من أنْ، لا، وعند إدغامهما تُقلَبُ النون لاَماً فتصير: ألاَّ، فالمعنى: وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم، لماذا؟ لألاَّ يسجدوا، فهنا حرف جر محذوف كما تقول: عجبتُ من أن يَقْدم علينا فلان، أو عجبت أن يقدم علينا فلان.
وفي قراءة أخرى: (أَلاَ) للحثِّ والحضِّ.
стр. 13025
وقلنا: إنه اختار هذه الصفة بالذات ﴿الذي يُخْرِجُ الخبء فِي السماوات والأرض﴾ [النمل: ٢٥] لأنه خبير في هذه المسألة، حيث يرى الماء في باطن الأرض، كما يرى أحدكم الزيت في إنائه.
والمراد بالخبْء في السموات: المطر، والخبْء في الأرض. النبات، ومنهما تأتي مُقوِّمات الحياة، فمن ماء المطر وخصوبة الأرض يأتي النبات، وعلى النبات يتغذَّى الحيوان، ويتغذّى الإنسان.
بل إن الحق سبحانه ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥] ، كما قال في آية أخرى: ﴿وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَيْءٍ فَي الأرض وَلاَ فِي السمآء﴾ [إبراهيم: ٣٨] ، وفي آية أخرى يقول سبحانه: ﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله﴾ [آل عمران: ٢٩] .
стр. 13026
لما تكلّم عن عرش بلقيس قال ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] يعني: بالنسبة لأمثالها من الملوك ولأهل زمانها. فإذا عُرِّف ﴿العرش العظيم﴾ [النمل: ٢٦] فإنه لا ينصرف إلا إلى عرشه تعالى، فله العظمة المطلقة عند كل الخَلْق.
стр. 13027
﴿قَالَ سَنَنظُرُ﴾ [النمل: ٢٧] والنظر محلُّه العين، لكن هل يُعرف الصدق والكذب بالعين؟ لا، فالكلمة انتقلت من النظر بالعين إلى العلم بالحجة، فهي بمعنى نعلم، ونقول: هذا الأمر فيه نظر يعني: يحتاج إلى دراسة وتمحيص.
стр. 13028
وفي الآية مظهر من مظاهر أدب سليمان ﵇ وتلطُّفه مع رعيته، فهو السيد المطاع، ومع ذلك يقول للهدهد: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكاذبين﴾ [النمل: ٢٧] والصِّدْق يقابله الكذب، لكن سليمان ﵇ يأبى عليه أدب النبوة أن يتهم أحد جنوده بالكذب فقال: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الكاذبين﴾ [النمل: ٢٧] .
يعني: حتى لو وقع منك الكذب فلست فذَّاً فيه، فكثير من الخَلْق يكذبون، أو: من الكاذبين مَيْلاً لهم وقُرْباً منهم، مما يدلُّ على أنه بإلهاماته كنبي يعرف أنه صادق، إنما ما دام الأمر محلَّ نظر فلا بُدَّ أن نتأكد، ولن أجامل جندياً من جنودي.
стр. 13029
هذا هو النظر الذي ارتآه سليمان ليتأكد من صِدْق الهدهد: أنْ يرسله بكتاب منه إلى هؤلاء القوم، وهنا مظهر من مظاهر الإيجاز البليغ في القرآن الكريم، فبعد أن قال سليمان ﴿سَنَنظُرُ﴾ [النمل: ٢٧] قال ﴿اذهب بِّكِتَابِي هذا﴾ [النمل: ٢٨] .
فهل كان الكتاب مُعَدَّاً وجاهزاً؟ لا، إنما التقدير: قال سننظر
стр. 13030
أصدقتَ أم كنت من الكاذبين، فكتب إليها كتاباً فيه كذا وكذا ثم قال للهدهد: ﴿اذهب بِّكِتَابِي هذا﴾ [النمل: ٢٨] وقد حُذِف هذا للعلم به من سياق القصة.
وقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [النمل: ٢٨] يعني: ابتعِدْ قليلاً، وحاول أنْ تعرف ﴿مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] يعني: يراجع بعضهم بعضاً، ويتناقشون فيما في الكتاب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾ [طه: ٨٩] .
والسياق يقتضي أن نقول: فذهب الهدهد بالكتاب، وألقاه عند بلقيس فقرأتْه واستشارتْ فيه أتباعها وخاصتها، ثم قالت: ﴿قَالَتْ ياأيها الملأ﴾
стр. 13031
نلحظ هنا سرعة جواب الأمر ﴿اذهب﴾ [النمل: ٢٨] فبعده مباشرة قالت ملكة سبأ: ﴿قَالَتْ ياأيها الملأ إني أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] وهذا يدل على أن أوامر سليمان كانت محوطة بالتنفيذ العاجل؛ لذلك حذف السياق كل التفاصيل بين الأمر ﴿اذهب﴾ [النمل: ٢٨] والجواب ﴿قَالَتْ﴾ [النمل: ٢٩] هكذا على وجه السرعة.
ومعنى ﴿الملأ﴾ [النمل: ٢٩] هم أعيان القوم وأشرافهم والمستشارون والخاصة ﴿إني أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] فوصفتْ الكتاب بأنه كريم إما لأنها سمعتْ عن سليمان عليه
стр. 13032
السلام وعظمة مُلْكه، أو: لأن الكتاب سُطِّر على ورق رَاقٍ وبخط جميل، وبعد ذلك هو ممهور بخاتمه الرسمي، مما يدل على أنه كتاب هام ينبغي دراسته وأَخذْ الرأي فيه.
стр. 13033
إذن: فهي تعرف سليمان، وتعرف نُبوّته وصفاته، وأنه يكاتبهم باسْم الله ويَصْدُر في دعوتهم عن أوامر الله، وكان مجمل الكتاب بعد بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي﴾
стр. 13034
إنها برقية موجزة في أبلغ ما يكون الإيجاز ﴿أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ﴾ [النمل: ٣١] العلو هنا بمعنى الغطرسة والزَّهو الذي يعتاده الملوك خاصة، وهي مِثْله، ملكة لها عَرْش عظيم، وأُوتيتْ من كل شيء وكونه يخاطبها بهذه اللهجة المختصرة البعيدة عن النقاش والجدال، هذا أمر يحتاج منها إلى نظر وإلى أَنَاةٍ.
لذلك بعد أن اخبرتْ مستشاريها بأمر الكتاب، وما ورد فيه طلبتْ منهم الرأي والمشورة: ﴿قَالَتْ ياأيها الملأ﴾
стр. 13035
سبق أن تكلمنا في معنى الفتوى، وأنها من الفُتوة أي: القوة، وهي مثل: غَنِيَ فلان أي: صار غنياً بذاته، وأغناه غيره أمدَّه بالغنى، كذلك أفتاه يعني: أعطاه قوة في الحكم والحجة.
وقالت: ﴿في أَمْرِي﴾ [النمل: ٣٢] مع أن الأمر خاصٌّ بالدولة كلها، لا بها وحدها؛ لأنها رمز للدولة وللملْك، وإنْ تعرض لها سليمان فسوف يُخدش مُلْكها أولاً، ويُنال من هيبتها قبل رعيتها.
﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حتى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢] يعني: لا أَبُتُّ في أمر إلا في حضوركم، وبعد استشارتكم. وهذا يدل على أنها كانت تأخذ بمبدأ الشورى رغم ما كان لها من الملْك والسيطرة والهيمنة.
فردّ عليها الملأ من قومها: ﴿قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ﴾
стр. 13036
يعني: نحن أصحاب قوة في أجسامنا، وأصحاب شجاعة وبأس أي جيوش فيها عَدَد وعُدة ﴿والأمر إِلَيْكِ﴾ [النمل: ٣٣] أي: إنْ رأيتِ الحرب، فنحن علىأُهْبة الاستعداد، فهم يعرضون عليها رأيهم دون أنْ يُلزموها به، فهو رَأْي سياسي لا رأي حربي، فهي صاحبة قرار الحرب إنْ أرادتْ ﴿فانظري مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣] يعني: نحن على استعداد للسِّلْم وللحرب، وننتظر أمرك.
стр. 13037
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالَتْ إِنَّ الملوك﴾
стр. 13038
وتعرض بلقيس رأيها ﴿إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤] ، ذلك لأنهم يريدون مُلْكاً، فينهبون كل ما يمرُّون به بل ويُخربون ويفسدون لماذا؟ لأنهم ساعةَ يصل الملِك المغير لا يضمن النصر؛ لذلك يُخرِّب كل شيء، حتى إذا ما عرف أنه انتصر، وأن الأمور قد استقرتْ له يحافظ على الأشياء ولا يُخربها.
﴿وجعلوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] لأن الملْك يقوم على أنقاض مُلْك قديم، فيكون أصحاب العزة والسيادة هم أول مَنْ يُبدأ بهم؛ لأن الأمر أُخِذ من أيديهم، وسوف يسعَوْن لاستعادته، ولا بُدَّ أنْ يكون عندهم غَيْظ ولَدَد في الخصومة.
أما قوله تعالى: ﴿وكذلك يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] فللعلماء فيه كلام: قالوا إنه من كلام بلقيس، وكأنه تذييل لكلامها السابق، لكن ماذا يضيف ﴿وكذلك يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] بعد أن قالت ﴿إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وجعلوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] .
فالرأي الصواب أن هذه العبارة من الحق ليُصدِّق على كلامها، وأنها أصابت في رأيها، فكذلك يفعل الملوك إذا
стр. 13039
دخلوا قرية، مما يدل على أن الحق سبحانه رب الخلْق أجمعين، إذا سمع من عبد من عبيده كلمة حق يؤيده فيها، لا يتعصب ضده، ولا يهضمه حقه.
стр. 13040
بعد أنْ ترك لها المستشارون الأمر والتدبير أخذتْ تُعمِل عقلها، وتستخدم فطنتها وخبرتها بحياة الملوك، فقالت: إنْ كان سليمان مَلِكاً فسوف يطمع في خيرنا، وإنْ كان نبياً فلن يهتم بشيء منه، فقررتْ أنْ تُرسل له هدية تناسب مكانته كملك ومكانتها هي أيضاً، لتثبت له أنها على جانب كبير من الثراء والغنى.
ولا بد أنها كانت ثمينة لتستميل الملك، أو كما نقول (تلوحه أو تلويه) .
﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون﴾ [النمل: ٣٥] فإنْ كان ملكاً قَبِلها، وعرفنا أن علاجه في بعض الخراج والأموال تُسَاق إليه كل عام، وإنْ كان نبياً فلن يقبل منها شيئاً، وهذا رَأْي جميل من بلقيس يدل على فِطْنتها وذكائها وحصافتها، حيث جنَّبتْ قومها ويلات الحرب والمواجهة.
стр. 13041
أي: فلما جاء رسول بلقيس إلى سليمان بالهدية ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ﴾ [النمل: ٣٦] فأيُّ هدية هذه، وأنا أملك مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعدي؟ ﴿بَلْ﴾ [النمل: ٣٦] يعني: اضرب عن الكلام السابق ﴿أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦] .
أضاف الهدية إليهم، لا إليه هو، والإضافة تأتي إما بمعنى اللام مثل: قلم زيد يعني لزيد، أو: بمعنى من مثل: إردب قمح يعني: من قمح، أو: بمعنى في مثل: مكر الليلَ يعني: في الليل.
فقوله ﴿بِهَدِيَّتِكُمْ﴾ [النمل: ٣٦] إما أن يكون المراد: هدية لكم. أي: فأنتم تفرحون إنْ جاءتكم هدية من أحد، أو لأنني سأردُّها إليكم فتفرحوا بردِّها كمَنْ يقول (بركة يا جامع) أو: هدية منكم. أي: أنكم تفرحون إنْ أهديتم لي هدية فقبلتُها منكم.
فهذه معَانٍ ثلاثة لقوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦] .
стр. 13042
نذكر أن الملكة قالت ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون﴾ [النمل: ٣٥] فكأنه يستشعر نصَّ ما قالت، وينطق عن إشراقات النبوة فيه،
стр. 13043
فيقول: ﴿ارجع إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل: ٣٧] .
وهكذا دخلتْ المسألة في طَوْر المواجهة؛ لأن كلامنا كلامُ النبوة التي لا تقبل المساومة، لا كلام الملك الذي يسعى لحطام الدنيا.
﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] وكأنه يكشف لهم عن قَوْل ملكتهم: ﴿إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وجعلوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] وهذه أيضاً من إشراقات النبوة.
ومعنى ﴿لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل: ٣٧] تقول: لا قِبَل لي بكذا. يعني: لا أستطيع مقابلته، وأنا أضعف من أنْ أقابله، أَوْ لا طاقة لي به ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٧] لأنه سيسلب مُلْكهم، فبعد أنْ كانوا ملوكاً صاروا عبيداً، ثم يزيد في حِدّته عليهم ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] لأنهم قد يقبلون حالة العبودية وعيشة الرعية، فزاد ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] لأن الصَّغَار لا يكون إلا بالقَتْل والأَسْر.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالَ ياأيها الملأ﴾
стр. 13044
الملأ: أشراف القوم وسادتهم وأصحاب الرأي فيهم ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] هنا أيضاً مظهر من إشراقات النبوة عند سليمان، فهو يعلم ما سيحدث عندهم حينما تعود إليهم هديتهم، وأنهم سيسارعون إلى الإسلام، فردُّ الهدية يعني أننا أصحاب كلمة ورسالة ومبدأ ندافع عنه لا أصحاب مصلحة.
стр. 13045
ولما علم أنهم سيأتون مسلمين طلب من جنوده أنْ يأتوه بعرشها، وحدَّد زمن الإتيان بهذا العرش ﴿قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] .
إذن: لا بُدَّ من الذهاب إلى مملكة سبأ وفكِّ العرش، وحَمْله إلى مملكة سليمان، ثم إعادة تركيبه عنده، وهذه مهمة بالطبع فوق قدرة البشر؛ لذلك لم يتكلم منهم أحد، حتى الجن العادي لم يعرض على سليمان استعداده للقيام بهذه المهمة: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الجن﴾
стр. 13046
والجن في القدرة والمهارة مثل الإنس، منهم القوى الماهر، ومنهم العَييّ الذي لا يجيد شيئاً. نقول (لبخة) وكلمة عفريت من تعفير التراب، وكانوا حينما يتسابقون في العَدُو بالخيل أو غيرها، فمَنْ يسبق منهم يُثير الغبار في وجه الآخر فيُعطلّه عن السَّبْق. فقالوا: عفريت يعني عفَّر من وراءه. أو: المعنى أنه يُعفِّر وجه مَنْ عارضه بالتراب فسُمِّي عفريتاً.
إذن: فالعفريت هو الخبيث الماكر من الجنّ، وصاحب القوة الخارقة فيهم، وهو الذي تعرَّض لهذه المهمة، وقال ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩] .
وهذا كلام مُجْمل؛ لأن مقام سليمان بين رعيته للحكم أو
стр. 13047
للمدارسة سوف يستغرق وقتاً: ساعة أو ساعتين مثلاً، وقد تعهَّد العفريت أنْ يأتي بالعرش في هذا الوقت يعني: لن يُؤخِّره إلى جلسة أخرى.
وقوله: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] يدل على أن هذا العفريت يعلم فخامة هذا العرش وضخامته، وأنه شيء نفيس يستحق الاعتناء به، خاصة في عملية نقله؛ لذلك قال من ناحية كبره وضخامته «فأنا عليه قوي» قادر على حَمْله، ومن ناحية نفاسته وفخامته، فأنا عليه أمين لن أُبدِّد منه شيئاً.
ثم تكلَّم آخر لم يُحدِّده القرآن إلا بالوصف: ﴿قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ﴾
стр. 13048
الطرف: الجِفْن الأعلى للعين.
تكلم العلماء في هذه الآية: أولاً: قالوا ﴿الكتاب﴾ [النمل: ٤٠] يُراد به اللوح المحفوظ، يُعلم الله تعالى بعض خَلْقه أسراراً من اللوح
стр. 13049
المحفوظ، أما الذي عنده علم من الكتاب فقالوا: هو آصف بن برخيا، وكان رجلاً صالحاً أطلعه الله على أسرار الكون.
وقال آخرون: بل هو سليمان ﵇، لما قال له العفريت ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩] قال هو: ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] لأنه لو كان شخصاً آخر لكان له تفوُّق على سليمان في معرفة الكتاب.
لكن رَدُّوا عليهم بأن من عظمة سليمان أنْ يعلمَ أحد رعيته هذا العلم، فمَنْ عنده علم من الكتاب بحيث يأتي بالعرش قبل طَرْفة عين هو خادم في مملكة سليمان ومُسخر له، كما أن المزايا لا تقتضي الأفضلية، وليس شَرْطاً في المِلك أنْ يعرف كل شيء، وإلا لَقُلْنا للمِلك: تَعَال أصلح لنا دورة المياه.
أما نحن فنميل إلى أنه سليمان ﵇.
وفَرْق كبير في القدرات بين مَنْ يأتي بالعرش قبل أن يقوم الملك من مجلسه، وبين مَنْ يأتي به في طَرْفة عين، ونَقْل العرش من مملكة بلقيس إلى مملكة سليمان يحتاج إلى وقت وإلى قوة.
والزمن يتناسب مع القوة تناسباً عكسياً: فكلما زادت القوة قَلَّ الزمن، فمثلاً حين تُكلِّف الطفل الصغير بنقل شيء من مكانه إلى مكان ما، فإنه يذهب إليه ببُطْء ويحمله ببُطء حتى يضعه في مكانه، أما الرجل فبيده وفي سرعة ينقله، وهذه المسألة نلاحظها في وسائل
стр. 13050
المواصلات، ففرْق بين السفر بالسيارة، والسفر بالطائرة، والسفر بالصاروخ مثلاً.
وهذه تكلّمنا عنها في قصة «الإسراء والمعراج» فقد أُسْرِي برسول الله ﷺ َ بهذه السرعة؛ لأن الله تعالى أَسْرى به، ونقله من مكان إلى مكان؛ لذلك جاءت الرحلة في سرعة فوق تصوُّر البشر.
وما دام الزمن يتناسب مع القوة، فلا تنسب الحدث إلى رسول الله، إنما إلى الله، إلى قوة القوى التي لا تحتاج إلى زمن أصلاً، فإنْ قلتَ: فلماذا استغرقتْ الرحلة ليلةَ وأخذت وقتاً؟ نقول: لأنه ﷺ َ مرَّ بأشياء، ورأى أشياء، وقال، وسأل، وسمع، فهو الذي شغل هذا الوقت، أمّا الإسراء نفسه فلا زمنَ له.
لذلك قبل أن يخبرنا الحق ﵎ بهذه الحادثة العجيبة قال: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] أي: نزِّهه عن مشابهة غيره، كذلك مسألة نَقْل العرش في طرْفة عين لا بُدَّ أن مَنْ فعلها فعلها بعون من الله وبعلم أطلعه الله عليه، فنقله بكُنْ التي لا تحتاج وقتاً ولا قوة، وما دام الأمر بإرادة الله وقوته وإلهامه فلا نقول إلا: آمين.
وفي قوله للجن: ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] تحدٍّ لعفريت الجن، حتى لا يظن أنه أقوى من الإنسان، فإنْ أراد الله منحني من القوة ما أتفوّق عليك به، بل وأُسخِّرك بها لخدمتي.
ومن ذلك قوله سبحانه عن تسخير الجن: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كالجواب وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣] .
стр. 13051
وليعلموا أنهم جهلاء، ظلُّوا يعملون لسليمان وهو ميت ومُتكىء على عصاه أمامهم، وهم مرعوبون خائفون منه.
والتحدي قد يكون بالعُلُوِّ، وقد يكون بالدُّنُو، كالذي قال لصاحبه: أنا دارس باريس دراسة دقيقة، وأستطيع أنْ أركب معك السيارة وأقول لك: أين نحن منها، وأمام أيّ محل، وأنا مُغْمض العينين، فقال الآخر: وأنا أستطيع أن أخبرك بذلك بدون أن أُغمِض عَيْنيّ.
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾ [النمل: ٤٠] أي: العرش ﴿مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هذا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: ٤٠] إما لأنه أقدره على الإتيان به بنفسه، أو سخّر له مَنْ عنده علم من الكتاب، فأتاه به، فهذه أو ذلك فضل من الله.
﴿ليبلوني﴾ [النمل: ٤٠] يختبرني ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] يعني: أشكر الله فأُوفَّق في هذا الاختبار؟ أم أكفر بنعمة الله فأخفق فيه؟ لأن الاختبار إنما يكون بنتيجته.
والشكر بأن ينسب النعمة إلى المنعم وألاَّ يلهيه جمال النعمة عن جلال واهبها ومُسْديها، فيقول مثلاً: إنما أوتيته على علم عندي.
وقوله: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٤٠] أي: أن الله تعالى لا يزيده شُكْرنا شيئاً، فله صفات الكمال المطلق قبل أنْ يشكره أحد، فمَنْ يشكر فإنما يعود عليه، وهو ثمرة شُكْره.
﴿وَمَن كَفَرَ﴾ [النمل: ٤٠] يعني: جحد النعمة ولم يشكر المنعم ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ [النمل: ٤٠] أي: عن شكره ﴿كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]
стр. 13052
أي يعطي عبده رغم ما كان منه من جحود وكفر بالنعمة؛ لأن نعمه تعالى كثيرة لا تُعَدُّ، وهذا من حِلمه تعالى ورأفته بخَلْقه.
لذلك لما نتأمل قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقد تكررت هذه العبارة بنصِّها في آيتين من كتاب الله، مما جعل البعض يرى فيها تكراراً لا فائدة منه، لكن لو نظرنا إلى عَجُز كل منهما لوجدناه مختلفاً.
فالأولى تُختتم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] والأخرى: ﴿إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] .
إذن: فهما متكاملتان، لكلٍّ منهما معناها الخاص، فالأولى تبين ظلم الإنسان حين يكفر بنعمة الله عليه ويجحدها، وتضيف الأخرى أن الله تعالى مع ذلك غفور لعبده رحيم به.
كما نلحظ في الآية: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ﴾ [إبراهيم: ٣٤] استخدم (إنْ) الدالة على الشك؛ لأن أحداً لا يجرؤ على عَدِّ نِعَم الله في الكون، فهي فوق الحصر؛ لذلك لم يُقْدِم على هذه المسألة أحد، مع أنهم بوسائلهم الحديثة أحصُوا كل شيء إلا نعم الله لم يتصَدَّ لأحصائها أحد في معهد أو جامعة ممن تخصصت في الإحصاء.
وهذا دليل على أنها مقطوع بالعجز عنها، كما لم نجد مثلاً مَنْ تصدّى لإحصاء عدد الرمل في الصحراء. كما نقف عند قوله سبحانه: ﴿نِعْمَتَ الله﴾ [إبراهيم: ٣٤] ولم يقُلْ: نِعَم الله، فالعجز عن الإحصاء أمام نعمة واحدة؛ لأن تحتها نِعَم كثيرة لو تتبعتها لوجدتها فوق الحصر.
ثم لما جاءته بلقيس أراد أن يُجري لها اختبارَ عقلٍ، واختبارَ إيمان:
стр. 13053
﴿قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا﴾
стр. 13054
قوله: ﴿نَكِّرُواْ﴾ [النمل: ٤١] ضده عرِّفوا؛ لأنه جاء بالعرش على هيئته كما كان عندها في سبأ، ولو رأتْه على حالته الأولى لقالتْ هو هو، ولم يظهر له ذكاؤها؛ لذلك قال ﴿نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل: ٤١] يعني: غيّروا بعض معالمه، ومنه شخص متنكر حين يُغيِّر ملامحه وزيّه حتى لا يعرف مَنْ حوله.
﴿نَنظُرْ أتهتدي أَمْ تَكُونُ مِنَ الذين لاَ يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٤١] تهتدي إيماناً إلى الإسلام، أو تهتدي عقلياً إلى الجواب في مسألة العرش.
стр. 13055
جاء السؤال بهذه الصيغة ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ [النمل: ٤٢] ليُعمِّي عليها أمر العرش، وليختبر دقة ملاحظتها، فلو قال لها: أهذا عرشك؟ لكان إيحاءً لها بالجواب إنما ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ [النمل: ٤٢] كأنه يقول: ليس هذا عرشك، فلما نظرتْ إليه اجمالاً عرفتْ أنه عرشها، فلما رأتْ ما فيه من تغيير وتنكير ظنتْ أنه غيره؛ لذلك اختارتْ جواباً دبلوماسياً يحتمل هذه وهذه، فقالت ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢]
стр. 13056
وعندها فهم سليمان أنها على قَدْر كبير من الذكاء والفِطْنة وحصافة الرأي.
وكذلك كلام السَّاسَة والدبلوماسيين تجده كلاماً يصلح لكل الاحتمالات ولأيِّ واقع بعده، فإذا جاء الأمر على خلاف ما قال لك يسبقك بالقول: ألم أَقُلْ لك كذا وكذا.
ومن ذلك ما قاله معاوية بن أبي سفيان للأحنف بن قيس: يا أحنف لماذا لا تسبّ علياً على المنبر كما يسبّه الناس؟ فقال الأحنف: اعفني يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: عزمتُ عليك إلاَّ فعلْتَ، فقال: أما وقد عزمت عليَّ فسأصعد المنبر، ولكني سأقول للناس: إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أنْ ألعنَ علياً، فقولوا معي: لعنه الله. عندها قال معاوية: لا يا أحنفُ، لا تقل شيئاً.
لماذا؟ لأن اللعن في هذه الحالة سيعود على مَنْ؟ على معاوية أو عَلَى عَلِيّ؟
وتُحكَي قصة الخيّاط الأعور الذي خاط لأحد الشعراء جُبَّة فجاءت وأَحَد الكُمَّيْن أطول من الآخر، فلم يستطع لبسها، فلما سألوه عن عدم لُبْس الجبة الجديدة أخبرهم بما حدث من الخياط فقالوا: أُهْجه، فقال:
قُلْت شِعْراً لَيْس يُدْرَى ... أَمديحٌ أَمْ هِجَاءُ
خَاطَ لِي عَمْروا قُباء ... لَيْتَ عينيه سَوَاءُ
فالكلام يحتمل المعنيين: الدعاء له، والدعاء عليه. هذا هو الرد الدبلوماسي الذي يهرب به صاحبه من المواجهة.
стр. 13057
وكذلك قالتْ بلقيس جواباً دبلوماسياً ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] أما ﴿وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢] فيحتمل أنْ يكون امتداداً لقوْل بلقيس، يعني: أوتينا العلم من قبل هذه الحادثة، وعرفنا أنك نبيّ لما رددتَ إلينا الهدية، وقلت ما قلت، فلم نكُنْ في حاجة إلى مثل هذه الحادثة لنعلم نُبوّتك.
ويُحتمل أنها من كلام سليمان ﵇.
стр. 13058
المعنى: صدَّها ما فعل سليمان من أحداث، وما أظهر لها من آيات، صدَّها عن الكفر الذي أَلِفَتْه ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣] فصدَّها سليمان بما فعل عما كانت تعبد من دون الله.
стр. 13059
الصَّرْح: إما أن يكون القصر المشيد الفخم، وإما أن يكون البهو الكبير الذي يجلس فيه الملوك مثل: إيوان كسرى مثلاً، فلما دخلتْ ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ [النمل: ٤٤] ظنَّته ماءً، والإنسان إذا رأى أمامه ماءً أو بَلَلاً يرفع ثيابه بعملية آلية قَسْرية حتى لا يصيبه البَلَل؛ لذلك كشفتْ بلقيس عن ساقيها يعني: رفعتْ ذَيْل ثوبها.
وهنا نَبهها سليمان ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ﴾ [النمل: ٤٤] يعني: ادخلي لا تخافي بللاً، فهذا ليس لُجةَ ماء، إنما صَرْح ممرد من قوارير يعني: مبنيٌّ من الزجاج والبللور أو الكريستال، بحيث يتموج الماء من تحته بما فيه من أسماك.
﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤] بالكفر أولاً، وبظنِّ السوء في سليمان، وأنه يريد أنْ يُغرقني في لجة الماء ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [النمل: ٤٤] ويبدو أنها لم تنطق بكلمة الإسلام صريحة إلا هذه المرة، وأن القول السابق ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢] كان من كلام سليمان ﵇.
وقولها ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤] مثل قول سَحَرة فرعون لما رأوا المعجزة: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى﴾ [طه: ٧٠] لأن الإيمان إنما يكون بالله والرسول دال على الله، لذلك قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤] ولم تقُلْ: أسلمتُ لسليمان، نعم لقد دانتْ له، واقتنعتْ بنبوته، لكن كبرياء الملك فيها جعلها لا تخضع له، وتعلن إسلامها لله مع سليمان؛ لأنه السبب في ذلك، وكأنها تقول له: لا تظن أنِّي أسلمتُ لك، إنما أسلمتُ معك، إذن: أنا وأنت سواء، لا يتعالى أحد منا على الآخر، فكلانا عبد لله.
стр. 13060
وقد دخل هذه القصة بعض الإسرائيليات، منها أن سليمان ﵇ جعل الصرح على هذه الصورة لتكشف بلقيس عن ساقيها؛ لأنه بلغه أنها مُشْعِرة الساقين، وإلى غير هذا من الافتراءات التي لا تليق بمقام النبوة.
ثم يأتي بنا الحق سبحانه إلى نبي آخر في موكب الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى ثَمُودَ﴾
следующие страницы →