← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 13056–13095 · переход к 13061.

стр. 13056

وعندها فهم سليمان أنها على قَدْر كبير من الذكاء والفِطْنة وحصافة الرأي. وكذلك كلام السَّاسَة والدبلوماسيين تجده كلاماً يصلح لكل الاحتمالات ولأيِّ واقع بعده، فإذا جاء الأمر على خلاف ما قال لك يسبقك بالقول: ألم أَقُلْ لك كذا وكذا. ومن ذلك ما قاله معاوية بن أبي سفيان للأحنف بن قيس: يا أحنف لماذا لا تسبّ علياً على المنبر كما يسبّه الناس؟ فقال الأحنف: اعفني يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: عزمتُ عليك إلاَّ فعلْتَ، فقال: أما وقد عزمت عليَّ فسأصعد المنبر، ولكني سأقول للناس: إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أنْ ألعنَ علياً، فقولوا معي: لعنه الله. عندها قال معاوية: لا يا أحنفُ، لا تقل شيئاً. لماذا؟ لأن اللعن في هذه الحالة سيعود على مَنْ؟ على معاوية أو عَلَى عَلِيّ؟ وتُحكَي قصة الخيّاط الأعور الذي خاط لأحد الشعراء جُبَّة فجاءت وأَحَد الكُمَّيْن أطول من الآخر، فلم يستطع لبسها، فلما سألوه عن عدم لُبْس الجبة الجديدة أخبرهم بما حدث من الخياط فقالوا: أُهْجه، فقال: قُلْت شِعْراً لَيْس يُدْرَى ... أَمديحٌ أَمْ هِجَاءُ خَاطَ لِي عَمْروا قُباء ... لَيْتَ عينيه سَوَاءُ فالكلام يحتمل المعنيين: الدعاء له، والدعاء عليه. هذا هو الرد الدبلوماسي الذي يهرب به صاحبه من المواجهة.

стр. 13057

وكذلك قالتْ بلقيس جواباً دبلوماسياً ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] أما ﴿وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢] فيحتمل أنْ يكون امتداداً لقوْل بلقيس، يعني: أوتينا العلم من قبل هذه الحادثة، وعرفنا أنك نبيّ لما رددتَ إلينا الهدية، وقلت ما قلت، فلم نكُنْ في حاجة إلى مثل هذه الحادثة لنعلم نُبوّتك. ويُحتمل أنها من كلام سليمان ﵇.

стр. 13058

المعنى: صدَّها ما فعل سليمان من أحداث، وما أظهر لها من آيات، صدَّها عن الكفر الذي أَلِفَتْه ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣] فصدَّها سليمان بما فعل عما كانت تعبد من دون الله.

стр. 13059

الصَّرْح: إما أن يكون القصر المشيد الفخم، وإما أن يكون البهو الكبير الذي يجلس فيه الملوك مثل: إيوان كسرى مثلاً، فلما دخلتْ ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ [النمل: ٤٤] ظنَّته ماءً، والإنسان إذا رأى أمامه ماءً أو بَلَلاً يرفع ثيابه بعملية آلية قَسْرية حتى لا يصيبه البَلَل؛ لذلك كشفتْ بلقيس عن ساقيها يعني: رفعتْ ذَيْل ثوبها. وهنا نَبهها سليمان ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ﴾ [النمل: ٤٤] يعني: ادخلي لا تخافي بللاً، فهذا ليس لُجةَ ماء، إنما صَرْح ممرد من قوارير يعني: مبنيٌّ من الزجاج والبللور أو الكريستال، بحيث يتموج الماء من تحته بما فيه من أسماك. ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤] بالكفر أولاً، وبظنِّ السوء في سليمان، وأنه يريد أنْ يُغرقني في لجة الماء ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [النمل: ٤٤] ويبدو أنها لم تنطق بكلمة الإسلام صريحة إلا هذه المرة، وأن القول السابق ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢] كان من كلام سليمان ﵇. وقولها ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤] مثل قول سَحَرة فرعون لما رأوا المعجزة: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى﴾ [طه: ٧٠] لأن الإيمان إنما يكون بالله والرسول دال على الله، لذلك قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤] ولم تقُلْ: أسلمتُ لسليمان، نعم لقد دانتْ له، واقتنعتْ بنبوته، لكن كبرياء الملك فيها جعلها لا تخضع له، وتعلن إسلامها لله مع سليمان؛ لأنه السبب في ذلك، وكأنها تقول له: لا تظن أنِّي أسلمتُ لك، إنما أسلمتُ معك، إذن: أنا وأنت سواء، لا يتعالى أحد منا على الآخر، فكلانا عبد لله.

стр. 13060

وقد دخل هذه القصة بعض الإسرائيليات، منها أن سليمان ﵇ جعل الصرح على هذه الصورة لتكشف بلقيس عن ساقيها؛ لأنه بلغه أنها مُشْعِرة الساقين، وإلى غير هذا من الافتراءات التي لا تليق بمقام النبوة. ثم يأتي بنا الحق سبحانه إلى نبي آخر في موكب الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى ثَمُودَ﴾

стр. 13061

مرَّتْ بنا قصة نبي الله صالح ﵇ مع قومه ثمود في سورة الشعراء، وأُعيد ذكرها هنا؛ لأن القرآن يقصُّ على رسول الله من موكب الأنبياء ما يُثبِّت به فؤاده، كلّما تعرض لأحداث تُزلزل الفؤاد، يعطيه الله النَّجْم من القرآن بما يناسب الظروف التي يمرُّ بها، وهذا ليس تكراراً للأحداث، إنما توزيع للقطات، بحيث إذا تجمعتْ تكاملتْ في بناء القصة. وقوله سبحانه ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ [النمل: ٤٥] لا بُدَّ أنه أرسل بشيء ما هو؟ ﴿أَنِ اعبدوا الله﴾ [النمل: ٤٥] لذلك سُمِّيت (أنْ) التفسيرية، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى﴾ [القصص: ٧] ماذا؟ ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] . وقد يأتي التفسير بجملة، كما في: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشيطان﴾ [

стр. 13062

طه: ١٢٠] بأي شيء؟ ﴿قَالَ ياآدم هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى﴾ [طه: ١٢٠] . فشرح الوسوسة وهي شيء عام بقوله: ﴿قَالَ ياآدم﴾ [طه: ١٢٠] فرسالتنا إلى ثمود ملخصها ومؤداها ﴿أَنِ اعبدوا الله﴾ [النمل: ٤٥] . والعبادة كما ذكرنا أن نطيع الله بفعل ما أمر، وبترْك ما نهى عنه وزَجر، أما ما لم يرِدْ فيه أمر ولا نَهْي فهو من المباحات إنْ شئتَ فعلتها، وإنْ شئت تركتها، وإذا ما استعرضنا حركة الأحياء والخلفاء في الأرض وجدنا ٥ ... من حركتهم تدخّل فيها الشارع بافعل ولا تفعل، أما الباقي فهو مُباح. إذن: فالتكليف منُوط بأشياء يجب أنْ تفعلها؛ لأن فيها صلاحَ مجتمعك، أو أشياء يجب أن تتركها؛ لأن فيها فساد مجتمعك. فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: ٤٥] . والاختصام أنْ يقف فريق منهم ضد الآخر، والمراد أن فريقاً منهم عبدوا الله وأطاعوا، والفريق الآخر عارض وكفر بالله. وقد وقف عند هذه الآية بعض الذين يحبون أنْ يتهجَّموا على الإسلام وعلى أسلوب القرآن، وهم يفتقدون الملَكة العربية التي تساعدهم على فَهْم كلام الله، وإنْ تعلَّموها فنفوسهم غير صافية لاستقبال كلام الله، وفيهم خُبْث وسُوء نية. واعتراضهم أن ﴿فَرِيقَانِ﴾ [النمل: ٤٥] مثنى و ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: ٤٥] دالة على الجمع، فلماذا لم يَقُل: يختصمان؟ وهذه لغة القرآن في مواضع عدة.

стр. 13063

ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي حتى تفياء إلى أَمْرِ الله فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] . والقياس يقتضي أن يقول: اقتتلتا. لكن حين نتدبَّر المعنى نجد أن الطائفة جماعة مقابل جماعة أخرى، فإنْ حدث قتالٌ حمل كُلٌّ منهم السلاح، لا أن تتقدم الطائفة بسيف واحد، فهم في حال القتال جماعة. لذلك قال (اقتتلوا) بصيغة الجمع، أما في البداية وعند تقرير القتال فلكُلِّ طائفة منهما رأْي واحد يعبر عنه قائدها، إذن: فهما في هذه الحالة مثنى. كما أن الطائفة وإنْ كانت مفردة لفظاً إلا أنها لا تُطلَق إلا على جماعة، فيقف كل واحد من الجماعة بسيفه في مواجهة آخر من الطائفة الأخرى. وهنا أيضاً ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ﴾ [النمل: ٤٥] أي: مؤمنون وكافرون ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: ٤٥] لأن كل فرد في هذه الجماعة يقف في مواجهة فرد من الجماعة الأخرى. وفي موضع آخر، شرح لنا الحق ﵎ هذه المسألة، فقال سبحانه: ﴿فالذين كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ والجلود وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ

стр. 13064

حَدِيدٍ كُلَّمَآ أرادوا أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ [الحج: ١٩٢٢] . أما الفريق الآخر: ﴿إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وهدوا إِلَى الطيب مِنَ القول وهدوا إلى صِرَاطِ الحميد﴾ [الحج: ٢٣٢٤] . فبيَّن لنا الحق سبحانه كل فريق منهما، وبيَّن مصيره وجزاءه. ونلحظ هنا ﴿فَإِذَا﴾ [النمل: ٤٥] يسمُّونها الفجائية، ويُمثِّلون لها بقولهم: خرجتُ فإذا أَسَدٌ بالباب، والمعنى: أنك فُوجِئْت بشيء لم تكُنْ تتوقعه، كذلك حدث من الكافرين من قوم ثمود حين قال لهم نبيهم ﴿أَنِ اعبدوا الله﴾ [النمل: ٤٥] لكن يفاجئوننا بأنهم فريقان: مؤمنون وكافرون. ومنطق العقل والحق والفطرة السليمة يقتضي أنْ يستقبلوا هذا الأمر بالطاعة والتسليم، ولا يختلفوا فيه هذا الاختلاف: فريق في الجنة وفريق في السعير ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣١٤] . وقالوا: إن الله تعالى لا يرسل الرسل إلا على فساد في المجتمع، الخالق خلق في الإنسان النفس اللوامة التي تردُّه إلى رُشْده وتنهاه، والنفس المطمئنة التي اطمأنتْ بالإيمان، وأَمنت الله على الحكم في افعل ولا تفعل، والنفس الأمَّارة بالسوء، وهَي التي لا تعرف معروفاً، ولا تنكر مُنْكَراً، ولا تدعو صاحبها إلا إلى السوء. والله رب، ومن عادة الرب أنْ يتعهّد المربَّي ليؤدي

стр. 13065

غايته على الوجه الأكمل، أرأيتم أباً يُربِّي أبناءه إلا لغاية؟ وما دام هو سبحانه ربي فلا يأمرني إلا لصالحي، وصالح مجتمعي، فلا شيء من طاعتنا يعود عليه بالنفع ولا شيء من معاصينا يعود عليه بالضرر؛ لأنه سبحانه خلق الكون كله بصفات الكمال المطلق. إذن: كانت الفطرة السليمة تقتضي استقبال أوامر الله بالقبول والتسليم. وهذه الخصومة تجمع المؤمنين في جهة؛ لأنهم اتفقوا على الإيمان. والكافرين في جهة؛ لأنهم اتفقوا على الكفر. لكن يمتاز المؤمنون بأن يظل وفاقهم إلى نهاية العمر، بل وعند لقاء الله تعالى في الجنة؛ لأنهم اتفقوا في الدنيا في خطة العمل وفي الآخرة في غاية الجزاء، كما يقول تعالى: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] . أما الكفار فسوف تقوم بينهم الخصومات يوم القيامة، ويلعن بعضهم بعضاً، ويتبرَّأ بعضهم من بعض، والقرآن حين يُصوِّر تخاصم أهل النار يقول بعد أنْ ذكر نعيم أهل الجنة: ﴿هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المهاد هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ هذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ النار قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ القرار قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَاباً

стр. 13066

ضِعْفاً فِي النار وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الأشرار أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبصار إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار﴾ [ص: ٥٥٦٤] . إذن: فالخصومة في الدنيا بين مؤمن وكافر، أما في الآخرة فبين الكافرين بعضهم البعض، بين الذين أَضَلُّوا والذي أُضِلُّوا، بين الذين اتَّبعُوا، والذي اتُّبِعوا.

стр. 13067

لما ذُكِرت قصة ثمود في الشعراء، لم تذكر شيئاً عن استعجال السيئة، فما هي السيئة التي استعجلوها وربهم يلومهم عليها؟ هي قولهم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ [الأعراف: ٧٠] . وعجيب أمْر هؤلاء القوم، ماذا يفعلون لو نزل بهم؟ قالوا معاً: حينما تأتينا السيئة نستغفر ونتوب يظنون أن الاستغفار والتوبة تُقبل منهم في هذا الوقت. والحق ﵎ يقول: ﴿إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فأولئك يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أولئك أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [النساء: ١٧١٨] .

стр. 13068

فلماذا تستعجلون السيئة والعذاب، وكان عليكم أن تستعجلوا الحسنة، واستعجالكم السيئة يحول بينكم وبين الحسنة؛ لأنها لن تُقبل منكم ﴿لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦] .

стр. 13069

اطيَّر: استعمل الطير، وهذه عملية كانوا يلجئون إليها عند قضاء مصالحهم أو عند سفرهم مثلاً، فكان الواحد منهم يُمسك بالطائر ثم يرسله، فإنْ طار ناحية اليمين تفاءل وأقبل على العمل، وإنْ طار ناحية الشمال تشاءم، وامتنع عما هو قادم عليه، يُسمُّونها السانحات والبارحات. فالمعنى: تشاءمنا منك، وممَّنْ اتبعك. ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ الله﴾ [النمل: ٤٧] يعني: قضاء مقضيٌّ عليكم، وليس للطير دَخْل في أقداركم، وما يجري عليكم من أحكام، فيكف تأخذون من حركته مُنطلقاً لحركتكم؟ إنما طائركم وما يُقدَّر لكم من عند الله قضاء يقضيه. وفي آية يس: ﴿قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾ [يس: ١٩] يعني تشاؤمكم هو كفركم الذي تمسكتم به. لكن، لماذا جاء التشاؤم هنا، ونبيهم يدعوهم إلى الله؟ قالوا: لأنه بمجرد أنْ جاءهم عارضوه، فأصابهم قحْط شديد، وضنَّتْ عليهم السماء بالمطر فقالوا: هو الذي جَرَّ علينا القَحْط والخراب.

стр. 13070

وقوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] الفتنة: إما بمعنى الاختبار والابتلاء، وإما بمعنى فتنة الذهب في النار.

стр. 13071

وهذه المسألة أيضاً لقطة جديدة من القصة لم تُذكَر في الشعراء، وهكذا كل القَصَص القرآني لو تدبَّره الإنسان لوجده لقطاتٍ متفرقة، كلٌّ منها يضيف جديداً، ويعالج أمراً يناسب النجْم القرآني الذي نزل فيه لتثبيت رسول الله ﷺ َ. والرَّهْط: اسم جمع، لا واحدَ له من لفظه، ويدل على العدد من الثلاثة إلى العشرة، فمعنى ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] كأنهم كانوا قبائل أو أسراً أو فصائل، قبيلة فلان وقبيلة فلان. . إلخ. ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأرض﴾ [النمل: ٤٨] فلماذا قال بعدها: ﴿وَلاَ يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨] ؟ قالوا: لأن الإنسان قد يُفسد في شيء، ويُصلح في آخر، كالذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وهؤلاء عسى الله أنْ يتوبَ عليهم. أما هؤلاء القوم، فكانوا أهل فساد مَحْض لا يعرفون الصلاح، فإنْ رأوْه عمدوا إليه فأفسدوه، فكأنهم مُصِرُّون على الإفساد، وللإفساد قوم ينتفعون به، لذلك يدافعون عنه ويعارضون في سبيله أهل الإصلاح والخير؛ لأنهم يُعطِّلون عليهم هذه المنفعة.

стр. 13072

وقلنا: إن صاحب الدين والخلق والمبادىء في أيِّ مصلحة تراه مكروهاً من هذه الفئة التي تنتفع من الفساد، يهاجمونه ويتتبعونه بالهَمْز واللمز، يقولون: حنبلي، وربما يهزأون به. . إلخ؛ لذلك لم يقف في وجه الرسل إلا هذه الطائفة المنتفعة بالفساد.

стр. 13073

﴿قَالُواْ﴾ [النمل: ٤٩] أي: الرهط ﴿تَقَاسَمُواْ بالله لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] انظر إلى هذه البجاحة وقلة العقل وتفاهة التفكير: إنهم يتعاهدون ويُقسمون بالله أنْ يقتلوا رسول الله، وهذا دليل غبائهم، وكأن الحق ﵎ يجعل لهم منافذ يظهر منها حُمْقهم وقِلّة عقولهم. ومعنى ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ [النمل: ٤٩] نُبيِّته: نجعله ينام بالليل، والبيتوتة أن ينقطع الإنسان عن الحركة حالَ نومه، ثم يعاود الحركة بالاستيقاظ في الصباح، لكن هؤلاء يريدون أنْ يُبيِّتوه بيتوتة لا قيامَ منها. والمعنى: نقلته. فإذا ما جاء أولياء الدم يطالبوننا بدمه ﴿لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ [النمل: ٤٩] أي: وليّ الدم من عُصْبته ورحمه ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩] أي: ما شهدنا مقتل أهله، فمن باب أَوْلَى ما شهدنا مقْتله، ولا نعرف عنه شيئاً. هذا ما دبره القوم لنبي الله صالح ﵇ يظنون أن الله يُسْلِم رسوله، أو يُمكِّنهم من قتله، فحاكوا هذه المؤامرة ولم يفتهم تجهيز الدفاع عن أنفسهم حين المساءلة، هذا مكرهم وتدبيرهم.

стр. 13074

معنى ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً﴾ [النمل: ٥٠] أي: ما دبّروه لقتل نبي الله ورسوله إليهم ﴿وَمَكَرْنَا مَكْراً﴾ [النمل: ٥٠] وفَرْق بين مكر الله ﴿والله خَيْرُ الماكرين﴾ [آل عمران: ٥٤] وبين مكْر الكافرين ﴿وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] . إذن: حين تمكر بخير، فلا يُعَدُّ مكْراً، إنما إبطال لمكْر العدو، فلا يجوز لك أنْ تتركه يُدبِّر لك ويمكُر بك، وأنت لا تتحرك؛ لذلك قال تعالى ﴿والله خَيْرُ الماكرين﴾ [الأنفال: ٣٠] لأنهم يمكرون بشرٍّ، ونحن نمكر لدفع هذا الشر لِنُصْرة رسولنا، ونجاته من تدبيركم. والمكْر: مأخوذ من قولهم: شجرة ممكورة، وهذا في الشجر رفيع السَّاق المتسلق حين تلتفُّ سيقانه وأغصانه، بعضها على بعض، فلا تستطيع أن تُميِّزها من بعضها، فكُلٌّ منها ممكور في الآخر مستتر فيه، وكذلك المكر أن تصنع شيئاً تداريه عن الخصم. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] أي: أنه مكْر محبوك ومحكم، بحيث لا يدري به الممكور به، وإلا لا يكون مَكْراً. وحين نتأمل: ﴿وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] و ﴿والله خَيْرُ الماكرين﴾ [آل عمران: ٥٤] نعلم أن المكر لا يُمدح ولا يُذَمُّ لذاته، إنما بالغاية من ورائه، كما في قوله تعالى عن الظن: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اجتنبوا كَثِيراً مِّنَ الظن﴾ [الحجرات: ١٢] فالظن منه الخيِّر ومنه السيىء.

стр. 13075

ونسمع الآن تعبيراً جديداً يعبر عما يدور في المجتمع من انتشار المكر وسوء الظن، يقولون: الصراحة مكر القرن العشرين، فالذي يمكر بالناس يظن أنهم جميعاً ماكرون فلا يصدق كلامهم، ويحتاط له حتى إنْ كان صدقاً، فأصبح المكر وسوء الظن هو القاعدة، فإنْ صارحتَ الماكر لا يُصدقك ويقول في نفسه: إنه يُعمى عليَّ أو يُضلِّلني.

стр. 13076

أي: تأمل ما حاق بهم لما مكروا بنبي الله، واتفقوا على التبييت له وقَتْله، يُرْوى أنهم لما دخلوا عليه أُلْقي على كل واحد منهم حجر لا يدري من أين أتاه، فهلكوا جميعاً، فقد سخَّر الله له ملائكة تولَّتْ حمايته والدفاع عنه. أو: أن الله تعالى صنع له حيلة خرج بها وذهب إلى حضرموت، وهناك مات ﵇، فَسُمِّيت حضرموت. وآخرون قالوا: بل ذهبوا ينتظرونه في سفح جبل، واستتروا خلف صخرة ليُوقِعوا به فسقطت عليهم الصخرة فماتوا جميعاً. المهم، أن الله دمرهم بأيِّ وسيلة من هذه ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] لقد أرادوا أنْ يقتلوه وأهلَه، فأهلكهم الله.

стр. 13077

قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] دليل على أن الله أهلكهم فلم يُبْقِ منهم أحداً، وتُركَتْ بيوتهم خاوية بسبب ظلمهم ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً﴾ [النمل: ٥٢] عبرة وعظة ﴿لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢] . وفي مقابل إهلاك الكافرين: ﴿وَأَنجَيْنَا الذين آمَنُواْ﴾

стр. 13078

فمن آمن واتقى من قوم صالح نجّاه الله من العذاب الذي نزل بقومهم قوم ثمود. انتهى الكلام هنا عن قصة ثمود، وحين نقارن الأحداث هنا بما ورد في سورة الشعراء نجد أحداثاً جديدة لم تُذكَر هناك، كما لم يذكر هنا شيئاً عن قصة الناقة التي وردتْ هناك، مما يدلُّ على تكامل لقطات القصة في السور المختلفة. ثم يقصُّ علينا طرفاً من قصة نبي آخر، وهو لوط ﵇: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾

стр. 13079

(لُوطاً) جاءت منصوبة على أنها مفعول به، والتقدير: أرسلنا لوطاً، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعبدوا الله﴾ [النمل: ٤٥] . وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفاحشة وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] فذكر الداء الذي استشرى فيهم. وفي سورة الشعراء قال سبحانه ﴿أَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن العالمين﴾ [الأعراف: ٨٠] وهنا قال: ﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] أي: تتعالمون بها وتتجاهرون بها، فدلَّ على أنهم أجعوا عليها وارتضوْهَا، وأنه لم يَعُدْ عندهم حياء من ممارستها. أو: يكون المعنى: وأنتم تبصرون ما حَلَّ بأصحاب الفساد قبلكم من أقضية الله عليهم.

стр. 13080

هذا بيان وتفصيل للداء وللفاحشة التي انتشرت بينهم، ومعنى: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] الآية في ظاهرها أنها تتعارض مع ﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] لكن المعنى ﴿تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] الجهل هنا ليس هو ضد العلم، إنما الجهل بمعنى السَّفه. والبعض يظن أن الجهل أَلاَّ تعلم، لا إنما الأمية هي الاَّ تعلم، أمَّا الجهل فأنْ تعلم قضية مخالفة للواقع؛ لذلك الأميُّ أسهل في الإقناع؛ لأنه خالي الذِّهْن، أمّا الجاهل فلديه قضية خاطئة، فيستدعي الأمر أن تنزع منه قضية الباطل، ثم تُدخِل قضية الحق، فالجهل إذن أشقُّ على الدعاة من الأمية.

стр. 13081

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾

стр. 13082

عجيبٌ أمر هؤلاء، فعِلَّة الإخراج عندهم وحيثيته ﴿إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] سبحان الله، ومتى كان الطُّهْر ذنباً وجريمة تستوجب أنْ يخرج صاحبها من بلدة؟ إنها نغمة نسمعها دائماً من أهل الباطل في كل زمان ومكان حينما يهاجمون أهل الحق، ويَسْعَوْن لإبعادهم من الساحة لتخلو لباطلهم. ومن عَدْل الله تعالى أن يظهر في منطقهم دليل إدانتهم وخُبْث طباعهم، فكلمة ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] التي نطقوا بها تعني: أنهم أنفسهم أنجاسٌ تزعجهم الطهارة، وما أحلَّ الله من الطيبات، وكأن الله تعالى يجعل في كلامهم منافذ لإدانتهم، وليحكموا بها على أنفسهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته﴾

стр. 13083

أي: من المُهْلَكين مع قومها، فقد كانت تدل قومها على ضيفان لوط؛ ليأتوا إليهم ليفعلوا معهم الفاحشة، لذلك أصابها من العذاب مثلما أصاب قومها.

стр. 13084

أي: قَبُح هذا المطر، وإنْ أبهم المطر هنا فقد وضَّحه الحق ﵎ في آيات أخرى فقال: من طين، ومن سِجِّيل، وهو الطين إذا حُرِق، فصار فخَّاراً، وهذه الحجارة منظمة مُسوَّمة صنعها الله لهم بحساب دقيق، فلكُلِّ واحد منهم حَجَره المسمَّى باسمه، والذي لا يُخطِئه إلى غيره.

стр. 13085

نعرف أن الله تعالى يُحمد على النعمة، لكن هناك ﴿الحمد لِلَّهِ﴾ [النمل: ٥٩] جاءت بعد نقمة وعذاب وأَخْذ للمكذِّبين. قالوا: الخطاب هنا مُوجَّه لرسول الله ﷺ َ، وفيه إشارة إلى أن جُنْد الله هم الغالبون، وأن العاقبة لهم ليطمئن رسول الله، كما أن تطهير الكون من المفسدين فيه، وحين تستريح منهم البلاد والعباد، هذه نعمة تستوجب ﴿الحمد لِلَّهِ﴾ [النمل: ٥٩] . وفي أهلاك الكافرين والمكذِّبين عبرة ودرسٌ لغيرهم، حتى لا يتورطوا في أسباب الهلاك، وهذه نعمة أخرى تستحق الحمد. لذلك أمرنا ربنا ﵎ أن نحمده إنْ رأينا خيراً نزل

стр. 13086

بالأخيار، أو شراً حَلَّ بالأشرار. فالمعنى ﴿قُلِ الحمد لِلَّهِ﴾ [النمل: ٥٩] أن الرسل انتصروا وغلبوا، وأن المفسدين انهزموا واندحروا. ألاَ ترى قَوْلَ أهل الجنة: ﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خَالِدِينَ وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ﴾ [الزمر: ٧٣٧٤] . كذلك حين نرى الشرير الذي شاع شرُّه وكثُرَ فساده حين ينزل به ما يستحق من عقاب الله نقول جميعاً ساعةَ نسمع خبره: الحمد لله، هكذا بعملية لا شعورية عند الجميع أنْ تلهج ألسنتُهم بالحمد عند نزول النعمة على أصحابها، والنقمة على مَنْ يستحقها. ويقول تعالى عن أهل الشر والفساد: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بالبأسآء والضرآء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فلولا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [الأنعام: ٤٢٤٥] . فبعد أنْ قطع الله دابر الظالمين قال: الحمد لله رب العالمين، ونلحظ هنا الفرق بين فتح لك، وفتح عليك؛ فتح لك يعني: فتح في صالحك، ومنه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ [الفتح: ١] . أما فتح عليهم يعني: بالسوء نكايةَ فيهم، فمعنى ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] . أعطاهم الخير ليهلكهم به، وهم في حال نعمة ومكانة، حتى إذا أخذهم الله كان أَخْذه أليماً شديداً.

стр. 13087

وفي قصة نوح ﵇: ﴿فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفلك فَقُلِ الحمد للَّهِ الذي نَجَّانَا مِنَ القوم الظالمين﴾ [المؤمنين: ٢٨] . فحَمْد الله هنا على أمرين: الحمد لله لأنه أغرق الكافرين الظالمين وخلًّصنا منهم، والحمد لله لأنه نجَّى المؤمنين. ثم يقول سبحانه: ﴿وَسَلاَمٌ على عِبَادِهِ الذين اصطفى﴾ [النمل: ٥٩] وهم المؤمنون الذين نصرهم الله، وجعل العاقبة لهم، والسلام عليهم بعدها لاقوه من عَنَتِ الكفار وعنادهم، فالحمد لله الذي أهلك المفسدين، وأتى بالسلام على المهتدين. ثم يطرح الحق سبحانه قضية، ويأتي بها في صورة سؤال واستفهام؛ لتكون أبلغ في النفس من مجرد الإخبار بها: ﴿ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] . ولو أن الآية قالت: قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى لأن الله خير وما يشركون به شرٌّ لكان الكلامُ خبراً، والخبر في ذاته وبصرف النظر عن قائله يحتمل الصدق أو الكذب. أمَّا حين تُعرض هذه القضية في صورة الاستفهام، فقد جعلتَ مخاطبك هو الذي ينطق بها، كما لو أنكر أحد الأصدقاء جميلَك وأياديك عليه، فبدل أن تخبر أنت: فعلتُ لك كذا وكذا تدَعْه هو الذي يُخبر فتقول: ألم أفعل لك كذا وكذا؟ ولا يقول هذا إلا واثقٌ ومعتقدٌ أن الإجابة ستكون في صالحه. فالمعنى: ﴿ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] قولوا لنا أنتم ونحن نرتضي حكمكم بعدما رأيتُم وسمعتم من هذه القصة: آالله خير أم الذين أشركوا به خير؟ ولا بد أن تأتي الإجابة: الله خير؛ لذلك

стр. 13088

لما نزلت هذه الآية انفعل لها رسول الله ﷺ َ وأسرع بالجواب: «بل الله خير وأبقى وأجلُّ وأكرم» . مما يدل على أن الانفعال بالقرآن واجب ونقصد الانفعال بمعانيه، لا الانفعال بالصوت والنغمات كالذي نسمعه من هؤلاء (الذكِّيرة) الذي يُشجِّعون المقرئين بالصياح والضجيج الذي لا يتناسب وجلال الآيات، وهم مع ذلك لا يفهمون المعاني ولا يتأثرون بها، لدرجة أن منهم مَنْ يسمع آيات العذاب فيقول بأعلى صوته: اللهم زِدْنا. وقد كان الكتبة من الصحابة ينفعلون بالآيات معنىً، حتى إن أحدهم ليكمل الآية ويختمها بما يناسبها قبل أن تُملَي عليه، لماذا؟ لأنهم فهموا عن الله وتأثروا بالمعنى، مما يدل على أن القرآن جاء موافقاً للفطرة السليمة، ومن هذا التوافق قول أحد الصحابة ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنين: ١٤] فنزل بها القرآن كما قالها. والنبي ﷺ َ يقول عن سورة الرحمن «لقد قرأتُ سورة الرحمن على إخوانكم الجن، فكانوا أحسن استجابة منكم، فكانوا كلما قلت ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] . قالوا: لا بشيء من نعمائك ربنا نكذب فلكَ الحمد» . إذن: حين نسمع كلام الله علينا أن ننفعل به، وأنْ نتجاوبَ معه

стр. 13089

تجاوباً واعياً، فعند آية التسبيح نُسبِّح، وعند آية الحمد نحمد الله، وعند آية الدعاء نقول: آمين، هذه مواجيد انفعالية لسماع القرآن والتجاوب معه، لا أنْ نسمعه أو نهذه كهذ الشِّعْر. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض﴾

стр. 13090

﴿أَمَّنْ﴾ [النمل: ٦٠] هذا استفهام آخر، وكأن الحق ﵎ بعد أن كتب الهزيمة على الكافرين والنصر للمؤمنين أراد أنْ يُربِّب في النفس الإيمان بالله، وأن تأخذ من نصر الله تعالى للمؤمنين خميرة إيمانية، ومواجيد جديدة تظل شحنة قوية تدفعهم بحيث يكونون هم أنفسهم على استعداد للتصدي لأعداء الدعوة والمناهضين لها. يقول سبحانه: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ السمآء مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أإله مَّعَ الله﴾ [النمل: ٦٠] . إذن: المسألة لا تقف عند معركة انتصر فيها المؤمنين على الكافرين، فهناك في خلق الله ما هو أعظم من ذلك، فلو سألتَهم: مَنْ خلق السموات والأرض يقولون: الله ولئن سألتهم: مَنْ خلقهم يقولون: الله، فهذه مسائل لا يستطيعون إنكارها، فكأن الحق

стр. 13091

تبارك وتعالى يقول لهم: آلله خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء. . أم ما تشركون؟ وما دام أن الله تعالى ادَّعى مسألة الخَلْق لنفسه سبحانه، ولم يَقُمْ لهذه الدعوى منازع، فقد ثبتتْ له سبحانه إلى أنْ يدَّعيها غيره ﴿أإله مَّعَ الله﴾ [النمل: ٦٠] فإنْ كان هناك إله آخر خلق الخَلْق فأين هو: إما أنه لم يَدْر بهذه الدعوى، أو دَرَى بها وجَبُن عن المواجهة، وفي كلتا الحالتين لا يصلح إلهاً، وإلا فليأت هو الآخر بخَلْق ومعجزات أعظم مما رأينا. فإذا قال الله تعالى أنا الله، ولا إله غيري، والخَلْق كله بسمائه وأرضه صنعتي، ولم يوجد معارض، فقد ثبتت له القضية؛ لذلك يقول سبحانه: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم﴾ [آل عمران: ١٨] . فقضية الوحداينة شهد الله أولاً بها لنفسه، ثم شهد بها الملائكة أولو العلم من الخَلْق. ويقول سبحانه في تأكيد هذا المعنى: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٤٢] . أي: لاجتمع هؤلاء الآلهة، وثاروا على الإله الذي أخذ منهم مُلْكهم، وادعاه لنفسه، أو لذهبوا إليه ليتقرَّبوا منه ويتودّدوا إليه. وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ السمآء مَآءً﴾ [النمل: ٦٠] السماء: كلُّ ما علاك فأظلَّك، والماء معروف أنه ينزل من السحاب وهو مما علانا، أو أن الإنزال يعني إرادة الكون، وإرادة الكون في كل كائن تكون من السماء، ألاَ ترى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط﴾ [الحديد: ٢٥] . وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥] ومعلوم أن الحديد يأتي من الأرض، لكن إرادة كونه تأتي من السماء.

стр. 13092

ثم يقول سبحانه: ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] للماء فوائد كثيرة في حياتنا، بل هو قِوَام الحياة؛ لذلك اقتصرتْ الآية على ذكْر الحدائق؛ لأنها قوام حياة الإنسان في الأكل والشرب. فإنْ قُلْتَ: نحن نعتبر الآن الحدائق الجميلة من باب الكماليات، وليس بها مُقوِّمات حياتنا. نقول: نعم هي كذلك الآن، لكن في الماضي كانوا يسمون كل أرض زراعية محوطة بسور: حديقة، أو حائط. وقال ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] مع أنك لو نظرتَ إلى القمح مثلاً وهو عَصَب القوت لوجدته أقل جمالاً من الورد والياسمين والفُل مثلاً، وكأن ربك يقول لك: لقد تكفلتُ لك بالكماليات وبالجماليات، فمن باب أَوْلَى أوفر لك الضروريات. والحق ﵎ يريد أن يرتقي بِذوْق عباده وبمشاعرهم، واقرأ مثلاً قوله تعالى: ﴿انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩] يعني: قبل أن تأكل من هذه الثمار تأمل في جمالها ومنظرها البديع، وكأنها دعوة للرقي بالذوق العام والتأمل في بديع صُنْع الله. أَلاَ ترى أن الله تعالى أباح لك النظر إلى كل الثمار لتشاهد جمالها، ولم يُبح لك الأكل إلاّ مما تملك؟ لذلك قال: ﴿انظروا إلى ثَمَرِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩] فإنْ لم تكونوا تملكونه، فكفاكم التمتُّع بالنظر إليه. ومن هذا الارتقاء الجمالي قوله تعالى بعد أنْ حدَّثنا عن الضروريات في الأنعام: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] .

стр. 13093

وقال: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] . فأعطانا ربنا ضروريات الحياة، وأعطانا كمالياتها وجمالياتها. وتأمل دقة الأسلوب في ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض﴾ [النمل: ٦٠] فالضمير في ﴿خَلَقَ﴾ ضمير الغائب (هو) يعود على الله ، وكذلك في (وَأَنزَلَ) أما في (فَأَنْبَتْنَا) فقد عدل عن ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم (نحن) الدال على التعظيم، فلماذا؟ قالوا: لأن نِعَم الله فيها أشياء لا دخْل للإنسان فيها كالخَلْق وإنزال المطر، ومثل هذه المسائل لا شبهةَ لا شتراك الإنسان فيها، وهناك أشياء للإنسان دَخْلٌ فيها كالزرع والإنبات، فهو الذي يحرث ويزرع ويسقي. . الخ مما يُوحِي بأن الإنسان هو الذي يُنبت النبات، فأراد سبحانه أنْ يُزيل هذا التوهم، فنسب الإنبات صراحة إليه ليزيل هذه الشبهة. وربك يحترم فعْلَك، ويذكر لك سَعْيك، فيقول: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون﴾ [الواقعة: ٦٣٦٤] نعم لك عمل وسعي في هذه المسألة، لكنك استخدمتَ الأرض المخلوقة لله، وآلة الحديد المخلوقة لله، والبذور المخلوقة لله، والماء المخلوق لله، أما مسألة الإنبات نفسها فلا دَخْلَ لك بها، فلا تَقُلْ زرعت؛ لأننها نحن الزارعون حقيقة، لكن قُلْ: حرثتُ وسقيتُ. لذلك تجد الرد في آخر الآية نافياً لأيِّ شبهة في أن لك دَخْلاً في مسألة الزرع: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ [الواقعة: ٦٥] وأكّد الفعل بلام التوكيد لينفي هذه الشبهة. على خلاف الكلام عن الماء، حيث لا شبهة لك فيه، فيأتي نفس الفعل، لكن بدون لام التوكيد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ

стр. 13094

أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨٧٠] . ومعنى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] العدل معلوم أنه صفة مدح فساعةَ تسمع ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] قد تظن أنها صفة طيبة فيهم، لكن لا بُدَّ في مثل هذا اللفظ من تدقيق؛ لأنه يحمل معاني كثيرة. نقول: عدلَ في كذا يعني: أنصف، وعدل إلى كذا يعني: مال إليه، وعدل عن كذا: يعني: تركه وانصرف عنه، وعدل بكذا، يعني: سوَّى. فالمعنى هنا ﴿يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] عنه، ويا ليتهم يعدلون عنه فحسب، إنما يعدلون عنه إلى غيره، ويسوّون به غيره، كما قال سبحانه في موضع آخر: ﴿الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] . أي: يسوُّونه سبحانه بغيره. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرض﴾

стр. 13095

لما تكلم الحق سبحانه في الآية السابقة عن السموات والأرض أتى بأشياء مشتركة بينهما، فالسماء ينزل منها الماء، والأرض تستقبل الماء، وتنبت لنا الحدائق ذات البهجة.
следующие страницы →