Полный текст (14 757 стр.). Показаны 13126–13165 · переход к 13131.
стр. 13126
﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾
стр. 13127
وقد خاطب الحق سبحانه رسوله بقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً﴾ [الكهف: ٦] .
والعنى: مُهلِك نفسَك من الحزن، والبخع كما قلنا: المبالغة في الذبح بحيث توصله إلى البخاع. والحق ﵎ يوضح أن مهمة الرسول البلاغ عن الله فقط، ولا عليه آمن مَنْ آمن، أو كفر مَنْ كفر، إنما حب النبي ﷺ َ لأمته وحِرْصه على نجاتها جعلاه يحزن ويألم إنْ شرد منه واحدٍ من أمته، ألم يقُلْ عنه ربه: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] .
ثم يقول الحق سبحانه عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا﴾
стр. 13128
يقول المكذبون بالبعث ﴿متى هذا الوعد﴾ [النمل: ٧١] أي: بالبعث ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٧١] في أن هناك بَعْثاً.
وسمَّوْا إخبار الله لهم بالبعث وَعْداً، مع أنه في حقهم وعيد، وفَرْق بين وَعَد وأوعد: وَعَد للخير وأوعد للشر، لكن الله تعالى يطمس على ألسنتهم، وهم أهل الفصاحة فيقولون ﴿متى هذا الوعد﴾ [النمل: ٧١] وهو بالنسبة لهم وعيد، لأن إيعاد المخالف لك بشرٍّ وَعْد لك بخير.
وكأن الحق ﵎ يقول: لقد وعدنا بأمرين: وعدنا رسلنا بالتأييد والنصرة، ووعدنا العالم كله بالبعث، فإذا كنا صادقين في الأولى وهي مُشَاهدة لكم ومُحسَّة فخذوها مقدمة ودليلاً على صِدْقنا في الأخرى، وقد عاينتُم أن جميع الرسل انتصروا على
стр. 13129
مُكذِّبيهم، إما بعذاب الاستئصال، وإما بعذاب الهزيمة والانكسار.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قُلْ عسى أَن يَكُونَ﴾
стр. 13130
كلمة ﴿عسى﴾ [النمل: ٧٢] تفيد الرجاء، لكنها من الله تفيد التحقيق، فلو قُلْت مثلاً: عسى أن يعطيك فلان،، لَكَان الرجاء ضعيفاً، وأقوى منه لو قُلْت: عسى أن أعطيك لأني لا أملك فلاناً، لكن أملك نفسي، وأقوى من ذلك أن أقول: عسى أن يُعطيك الله لأن أسبابي أنا قد لا تمكِّني من الوفاء، أما إنْ قال الله تعالى عسى، فهي قمة التأكيد والتحقيق في الرجاء، وهي أعلى مراتبه وأبلغها.
ومعنى ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] أي: تبعكم وجاء بعدكم من أردفه إذا أركبه خلفه على الدابة، فهو خلفه مباشرة، وفعلاً أصابهم ما يستعجلون، فلم يمرّ طويلاً حتى حاقت بهم الهزيمة في بدر، فصدَقْنا في الأولى حين قلنا: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] وقد عاينتُم ذلك، فخذوه دليلاً على الغَيْب الذي أخبرناكم به.
ثم يقول رب العزة سبحانه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ﴾
стр. 13131
فمن فضله تعالى عليكم أنْ يُؤخِّر القيامة لعل الناس يرعوون،
стр. 13132
وإلا لفاجأتهم من أول تكذيب، وهذا يبين أن الله تعالى يُمهل الخَلْق ليزداد فيهم أهل الهدى والإيمان، أَلاَ ترى أن المؤمنين برسول الله لم يأتُوا جميعاً مرة واحدة في وقت واحد، إنما على فترات زمنية واسعة.
لذلك قلنا: إن المسلمين الأوائل كانوا في معاركهم مع الكفر يألمون إنْ فاتهم قَتْل واحد من رؤوس الكفر وقادته مثل عكرمة وعمرو وخالد وغيرهم، ولو أطلعهم الله على الغيب لَعلِموا أن الله تعالى نجَّاهم من أيديهم ليدخرهم فيما بَعْد لنُصْرة الإسلام، وليكونوا قادة من قادته، وسيوفاً من سيوفه المشْهَرة في وجوه الكافرين.
وقوله تعالى: ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] دليل على أن البعض منهم يشكر.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ﴾
стр. 13133
ولك أنْ تقول في هذه الآية: إذا كان الله تعالى يعلم ما تُكنُّ صدورهم وما تخفيه، فمن باب أَوْلَى يعلم ما يُعلنون، فلماذا قال بعدها: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] ؟
نقول: لأن ما في الصدور غَيْب والله غَيْب، وقد يقول قائل: ما دام أن الله غيْب فلا يعلم إلا الغيب. فنردّ عليه بأن الله تعالى يعلم الغيب ويعلم العلن.
стр. 13134
معنى ﴿غَآئِبَةٍ﴾ [النمل: ٧٥] يعني: الشيء الغائب، ولحقتْ به التاء الدالة على المبالغة، كما نقول في المبالغة: راوٍ ورواية، ونسَّاب ونسَّابه، وعالم وعلامة، كذلك غائب وغائبة، مبالغة في خفائها.
و (مِنْ) هنا يرى البعض أنها زائدة، لكن كلمة زائدة لا تليق بأسلوب القرآن الكريم وفصاحته، ونُنزِّه كلام الله عن الحشو واللغو الذي لا معنى له، والبعض تأدب مع القرآن فقال (من) هنا صلة، لكن صلة لأي شيء؟
إذن: لا بد أن لها معنى لكي نوضحه نقول: إذا أردتَ أنْ تنفي وجود مال معك تقول: ما عندي مال، وهذا يعني أنه لا مالَ معك يُعتَدّ به، ولا يمنع أن يكون معك مثلاً عدة قروش لا يقال لها مال، فإن أردتَ نفي المال على سبيل تأصيل العموم في النفس تقول: ما عندي من مال، يعني بداية ممَّا يُقال له مال مهما صَغُر، فمِنْ هنا إذن ليست زائدةً ولا صلةً، إنما هي للغاية وتأصيل العموم في النفي.
فالمعنى ﴿وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي السمآء والأرض إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] أن الله تعالى يحيط علمه أزلاً بكل شيء، مهما كان صغيراً لا يُعتدُّ به، واقرأ قوله تعالى:
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرض وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] .
كما أن قدرته تعالى لا تقف عند حد العلم إنما ويسجله ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] أي في أُمِّ الكتاب الذي سجَّل الله فيه كل أحداث الكون، فإذا ما جاءتْ الأحداث نراها مُوافِقة لما سجّله الله عنها
стр. 13135
أَزَلاً، فمثلاً لما ذكر الحق ﵎ وسائل النقلِ والمواصلات في زمن نزول القرآن قال: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] .
فلولا تذييل الآية بقوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] لكان فيها مأخذ على القرآن، وإلاَّ فأين السيارة والطائرة والصاروخ في وسائل المواصلات؟
إذن: نستطيع الآن أنْ نُدخِل كل الوسائل الحديثة تحت ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] .
وسبق أن قلنا: إن من عظمة الحق ألاَّ يُعلم بشيء لا اختيار للعبد فيه، إنما بما له فيه اختيار ويفضحه باختياره، كما حدث في مسألة تحويل القبلة: ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] .
فيعلنها الله تعالى صراحة، ويُسمِّيهم سفهاء؛ لأنهم يعادون الله ويعادون رسول الله، وبعد هذه الخصومة وهذا التجريح قالوا فعلاً ما حكاه القرآن عنهم.
ولم نَرَ منهم عاقلاً يتأمل هذه الآية، ويقول: ما دام أن القرآن حكى عنا هذا فلن نقوله، وفي هذه الحالة يجوز لهم أنْ يتهموا القرآن وينالوا من صِدْقه ومن مكانة رسول الله، لكن لم يحدث وقالوا فعلاً بعد نزول الآية:
﴿مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] يعني: تركوا التوجه إلى بيت المقدس وتوجهوا إلى مكة، قالوه مع ما لهم من عقل واختيار.
وهذه المسألة حدثتْ أيضاً في شأن أبي لهب لما قال الله عنه:
стр. 13136
﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ١٣] .
لأنه قالها لرسول الله ﷺ َ لما جمعهم ليبلغهم دعوة الله، فقال له: تباً لك ألهذا جمعتنا. وأبو لهب عم رسول الله، كحمزة والعباس ولم يكن رسول الله يدري مستقبل عمه، فلعله يؤمن كما آمن حمزة وصار أسد رسول الله، وكما آمن العباس بن عبد المطلب.
فلما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَآ﴾ [المسد: ١] كان بإمكانه أنْ يُكذِّبها وأن يؤمن فينطق بالشهادتين ولو نفاقاً، فله على ذلك قدرة، وله فيه اختيار، لكنه لم يفعل.
إذن: من عظمة كلام الله ومن وجوه الإعجاز فيه أنْ يحكم حكماً على مختار كافر به، وهو قرآن يُتْلَى علانيةً على رؤوس الأشهاد، ومع ذلك لا يستطيع التصدِّي له، ويبقى القرآن حُجَّة الله على كل كافر ومعاند.
ولما نتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] نرى أن الحق سبحانه أنزل القرآن وتولَّى حفظه بنفسه ولم يُوكله إلى أحد، مع أن في القرآن أشياء وأحداثاً لم توجد بعد، فكأن الله تعالى يحفظها على نفسه ويُسجِّلها
стр. 13137
ويعلنها، لماذا؟ لأنها ستحدث لا محالة.
فالحق سبحانه لا يخشى واقع الأشياء ألاَّ تطاوعه؛ لأنه مالكها، ألاَ ترى أن الإنسان يحفظ (الكمبيالة) التي له، ولا يهتم بالتي عليه؟ أما ربُّنا فيحفظ لنا الأشياء وهي عليه .
واقرأ إن شئت: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] فالله يُسجِّلها على نفسه ويحفظها؛ لأنه القادر على الإنفاذ، وفعلاً هُزِم الجمع وولَّوْا الأدبار وصدق الله.
стр. 13138
فَرْق بين أن تخاطب خاليَ الذهن، وأنْ تخاطب مَنْ لديه فكرة مُسْبقة، فخالي الذهن يقبل منك، أما صاحب الفكرة المسْبقة فيعارضك، كذلك جاء من الكفار ومن أهل الكتاب من يعارض كتاب الله وينكر ما جاء به، ومع أنهم أعداء الإسلام وكارهون له لكْن إنْ سألتَهم عما أخبر به القرآن يقولون: نعم نعرف هذا من كتبنا ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين﴾ [البقرة: ٨٩] .
لذلك سيدنا عبد الله بن سلام عندما نظر إلى رسول الله علم أنه الرسول الحق، فمالتْ نفسه إلى الإسلام وقال: والله إنِّي لأعرف
стр. 13139
محمداً كمعرفتي بابني، ومعرفتي بمحمد أشد، وصدق الله حين قال عنهم: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] .
علم عبد الله أن الإسلام هو الطريق الذي يُوصِّله إلى الله والذي ينبغي لكل عاقل أنْ يتبعه، فلما أراد أنْ يُسلم أحب أنْ يكسب الجولة بإعلان إسلامه وفضيحة المنافقين والكفار وأهل الكتاب، فقال: يا رسول الله لقد اشتشرفَتْ نفسي للإسلام، وأخاف إنْ أسملتُ أن يذمَّني اليهود ويفعلوا بي كذا وكذا، فاسألهم عنِّي قبل أنْ أُسلِم، فسألهم رسول الله فقالوا: هو حَبْرنا وابن حَبْرنا. .
وكالوا له الثناء والمديح، عندها قال عبد الله: أَما وقد قلتم ما قلتم، فأشهد ألا إلا إله الله وأن محمداً رسول الله، فقالوا: بل هو شرُّنا وابن شرِّنا. وكالوا له عبارات السب والشتم.
ثم يصف الحق سبحانه القرآن فيقول: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾
стр. 13140
معنى ﴿لَهُدًى﴾ [النمل: ٧٧] أي: هداية دلالة وإرشاد، وهذه للمؤمن وللكافر ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ [النمل: ٧٧] للمؤمنين فقط، كما قال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وفَرْق بين الشفاء والرحمة؛ لأن العطف هنا يقتضي المغايرة. الشفاء: من الداء الذي جاء القرآن ليعالجه، والرحمة ألاَّ يعاودك هذا الداء مرة أخرى.
стр. 13141
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِن رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم﴾
стр. 13142
قوله تعالى ﴿العزيز﴾ [النمل: ٧٨] أي: الذي يقهر ولا يُقهر، ويغلب ولا يُغْلب، ويجير ولا يُجَار عليه، وهو مع ذلك في عزته ﴿العليم﴾ [النمل: ٧٨] فقد يكون عزيزاً لا يُغلب، لكن لا علم عنده، فالحق سبحانه عزيز عليم يضع العزة في مكانها، ويضع الذلة في مكانها.
كما قال سبحانه: ﴿قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الخير﴾ [آل عمران: ٢٦] .
وقد وقف العلماء عند قوله تعالى عن نفسه: ﴿بِيَدِكَ الخير﴾ [آل عمران: ٢٦] فاجتهد بعضهم فقال: التقدير: بيدك الخير والشر، وهذا التقدير يدل على عدم فهْم لمعنى الآية فما عند الله خير في كل الأحوال؛ لأن إيتاء الملْك لمن ينصف في الرعية خير، ونزع الملْك ممَّنْ يطغى به ويظلم خير أيضا؛ لأن الله سلب منه أداة الطغيان حتى لا يتمادى، ففي كلٍّ خير.
وما دام من صفاته تعالى أنه عزيز عليم حكيم رحيم ذو فضل، فاطمئن أيها المؤمن بالله، وتوكل على الله.
стр. 13143
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾
стр. 13144
والتوكل: أن تستضعف نفسك في شيء تحاول أن تقضيه بقوة فلا تجدها عندك، والتوكل الحق لا يكون إلا على الله الحي الذي لا يموت، أما إن توكلْتَ على بشر مثلك فقد يُفاجِئه الموت قبل أنْ يقضي لك حاجتك.
وقال ﴿إِنَّكَ عَلَى الحق المبين﴾ [النمل: ٧٩] أي: أنك تتوكل على الله وأنت على الحق وعلى الطاعة له ، لا على معصيته، وما دُمْتَ تتوكل على الله وأنت على حال الطاعة فلا بُدَّ أن يكون نصيركَ ومعينَك.
ثم يُسلِّي الحق سبحانه رسوله ﷺ َ ويُعزيه كي لا يألم على مَنْ شردوا منه فلم يؤمنوا: ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى﴾
стр. 13145
والمعنى: لا تحزن يا محمد، ولا تُهلك نفسك على هؤلاء الذين لم يؤمنوا من قومك، فما عليك إلا البلاغ. والبلاغ كلام له أداة
стр. 13146
استقبال في السامع هي الأذن، فإذا تعطلَتْ هذه الأداة لن يسعموا، وهؤلاء القوم تعطلَتْ عندهم أداة السمع، فهم كالموتى والذين أصابهم الصمم، فآيات الله الكونية كثيرة من حولهم، لكن لا يروْن ولا يسمعون.
وليت الأمر يقف بهم عند حَدِّ الصمم، إنما يُولُّون مدبرين من سماع الدعوة، وهذه مبالغة منهم من الانصراف عن دعوة الحق؛ لأنهم إنْ جلسوا فلن يسمعوا، فما بالك إذا ولَّوْا مدبرين يجروُن بعيداً، وكأن الواحد منهم يخاف أن يزول عنه الصمم وتلتقط أذنه نداء الله، فيستميله النداء، وعندها تكون مصيبته كبيرة على حَدِّ زعمهم.
وهذا دليل على أنهم يعلمون أنه حق، وأنهم لو صَغَوْا إليه لا تبعوه، ألم يقولوا: ﴿لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] .
ذلك لأن القرآن جلالاً وجمالاً ياسِرُ الألباب؛ لذلك نَهَوْا عن سماعه، ودَعَوْا إلى التشويش عليه، حتى لا ينفذ إلى القلوب.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِي العمي﴾
стр. 13147
فرْق بين سماع قالة أو قضية الصدق، وانت خالي الذِّهْن، وبين أن تسمعها وأنت مشغل بنقيضها، فلكي يُثمِر السماع ينبغي أنْ تستقبل الدعوة بذهن خَالٍ ثم تبحث بعقلك الدعوة وما يناقضها، فما انجذبتَ إليه واطمأنتْ إليه نفسك فأدخله.
وهذه يُسمُّونها حتى في الماديات نظرية الحيز أي: أن الحيز
стр. 13148
الواحد لا يتسع لشيئين في الوقت نفسه. وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك بالقارورة حين تملؤها بالماء لا بُدَّ أنْ يخرج منها الهواء أولاً على شكل فقاعات؛ لأن الماء أكثفُ من الهواء.
ومعنى: ﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١] ولقائل أن يقول: ما دام تُسمِع مَنْ يؤمن بآياتنا، فما فائدة السماع وهو مؤمن؟ نقول: الآيات ثلاثة؛ مترتبة بعضها على بعض، فأولها: الآيات الكونية العقدية التي تشاهدها في الكون وتستدلّ بها على وجود إله خالق قادر فتسأل: مَنْ هذه الإله الخالق فيأتي دور الرسول الذي يُبيِّن لك ويحلّ لك هذا اللغز، ولا بُدَّ له من آيات تدل على صِدْقه في البلاغ عن الله هي المعجزة، فإنْ غفلنا عن الآيات الكونية ذكرنا بها الرسول، فقال: ومن آياته كذا وكذا.
فإذا آمنتَ بالآيات الكونية وبآيات المعجزات، فعليك أنْ تؤمن بآيات الأحكام التي جاءتْ بها معجزة النبي ﷺ َ.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القول﴾
стр. 13149
كلمة ﴿وَقَعَ القول عَلَيْهِم﴾ [النمل: ٨٢] أي: سقط: كأنه وبطبيعته يسقط لا يحتاج لمَنْ يُجبره على السقوط. والسقوط ﴿عَلَيْهِم﴾ [النمل: ٨٢] كما في قوله تعالى ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] .
والوقوع هنا يدل على أنهم سيتعرّضون لشدائد ومتاعب، وبتتبع هذه المادة (وقع) في القرآن نجد أنها جاءت كلها في الشدائد إلا
стр. 13150
في موضع واحد هو قوله تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله﴾ [النساء: ١٠٠] .
وما داموا لم يسمعوا للآيات، ولم يقبلوها، ولم يلتفتوا إلى منهج الله وصمُّوا عنه آذانهم، فلم يسمعوا كلام أمثالهم من البشر فسوف نُخرج لهم دابة تكلمهم.
﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الأرض تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] وانظر إلى هذه الإهانة وهذا التوبيخ: أنتم لم تسمعوا كلام أمثالكم من البشر، ولم تفهموا مَنْ يخاطبكم بلغتكم، فاسمعوا الآن من الأدنى، وافهموا عنها، وفسِّروا قولها.
لكن ماذا ستقول الدابة لهم؟ وما نوع كلامها؟ : ﴿أَنَّ الناس كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] أي: بآياتنا السابقة لا يؤمنون، وها أنا ذا أُكلِّمهم، وعلى الماهر فيهم أن يقول لي: كيف أكلمه.
وقد اختلف الناس في هذه الدابة، وفي شكلها وأوصافها، وكيف
стр. 13151
يأتي القول من غير مألوف القول وهو الدابة؟ لكن ما دام أن الله تعالى أخبر بها فهي حقٌّ، لا ينبغي معارضته، وعلينا أن نأخذ وقوع ما حدَّث به القرآن قبل أن يكون دليلاً على صِدْقه فيما يحدِّث به فيما يكون.
стр. 13152
الفوج: هم الجماعة والزمرة من الناس. وأول مَنْ يُجمع في هذا الموقف هم العتاة والجبابرة الذين تولَّوْا تكذيب آيات الله، يحشرهم الله أولاً أمام العامة يتقدمونهم ويسبقونهم إلى النار، كما قال سبحانه عن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾ [هود: ٩٨] .
فكما تقدَّمهم من الضلال في الدنيا يتقدمهم إلى النار في الآخرة، وحين يرى الضالون إمامهم في الضلال يقدمهم ينقطع أملهم في النجاة، فربما تعلَّقوا به في هذا الموقف ينتظرونه أنْ يُخلٍّصهم، لكن كيف وهو يسبقهم إلى هذا المصير.
ومعنى ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ٨٣] قلنا في معنى ﴿يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ٨٣] أي: يُمنعون، والمراد يمنعون أن يسبق أولهم آخرهم بحيث يدخلون جميعاً، فالحق ﵎ يجمع أولهم على آخرهم (ليشرفوا) سوياً في النار: التابع والمتبوع كلهم سواء في الذلة والمهانة، فربما حاول أحد العتاة أو الجبابرة أن يسبق حتى لايراه تابعوه، فيفتضح أمره، فيؤخره الله ليفضحه على رؤوس الأشهاد.
стр. 13153
في سورة الأعراف يُورِد الحق ﵎ مذكرة تفصيلية لهذا الموقف، ولهذا الحوار الذي يدور في عَرَصات القيامة، فيقول تعالى:
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أولئك يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب حتى إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ على أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ قَالَ ادخلوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن الجن والإنس فِي النار كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حتى إِذَا اداركوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هؤلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النار قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٧٣٩] .
стр. 13154
قوله ﴿وَوَقَعَ﴾ [النمل: ٨٥] أي: وجب لهم العذاب ﴿بِمَا ظَلَمُواْ﴾ [النمل: ٨٥] وكأنه شيء محسوس يسقط على رؤوسهم ﴿فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥] فقد خرستْ ألسنتهم من هَوْل ما رأوْا، فلا يجدون كلاماً ينطقون به.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا﴾
стр. 13155
ينتقل السياق من الكلام عن الآخرة إلى آية كونية، وهذه سِمَة من سمات أسلوب القرآن الكريم، حيث يراوح بين الدعوة إلى الإيمان وبين بيان الآيات الكونية، فبعد أن حدثنا عن الآخرة ذكر هذه الآية الكونية، وكأنه يقول: لا عُذْر لمن يُكذِّب بآيات الله؛ لأن الآيات موجودة مشاهدة.
لذلك قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ﴾ [النمل: ٨٦] أي: ألم يعلموا ويشاهدوا ﴿أَنَّا جَعَلْنَا اليل لِيَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ [النمل: ٨٦] أي: للنوم وللراحة ﴿والنهار مُبْصِراً﴾ [النمل: ٨٦] أي: بما فيه من الأشعة والضوء الذي يُسبب الرؤيا.
وسبق أنْ بيَّنا دور العالم المسلم ابن الهيثم في تصحيح نظرية رؤية الأشياء، وكانوا يعتقدون أن الشيء يُرى إذا خرج الشعاع من العين إليه، والصحيح أن الشعاع يخرج من الشيء المرئي إلى العين، فكأن الشعاع هو الذي يُبصر، فهو سبب الرؤيا، ولولاه لا نرى الأشياء.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] فربك نظَّم لك حركة حياتك بليل تسكن فيه، وتخلد للراحة ونهار تسعى فيه وتبتغي من فضل الله كما قال تعالى: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣] .
ولن تستقيم لنا حركة الحياة إلا إذا سِرْنا على هذا النظام الذي ارتضاه الله لنا، فإنْ قلبَ الناس هذه الطبيعة فسهروا حتى الفجر، فلا بُدَّ أنْ يلاقوا عاقبة هذه المخالفة في حركة حياتهم: تكاسلاً وتراخياً وقِلة في الإنتاج. . إلخ.
والحق ﵎ يشرح لنا هذه القضية في موضع آخر:
стр. 13156
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧١٧٢] .
ففي الكلام عن الليل قال: ﴿أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١] وعن النهار قال: ﴿أَفلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧٢] لماذا؟ قالوا: لأن حاسة الإدراك في الليل هي السمع، وفي النهار البصر. وفي هذا إشارة إلى طبيعة كل منهما حتى لا نُغيِّرها نحن، فنسهر الليل، وننام النهار.
وفي قوله تعالى ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] ما يسميه العلماء باللف والنشر، اي: لفّ المحكوم عليه وهو الليل والنهار معاً، ثم نشر حكم كل منهم على وجه الترتيب: لتسكنوا فيه وهي تقابل الليل، ولتبتغوا من فضله، وهي تقابل النهار.
إذن: بعد أنْ استدل الحق ﵎ بالموجود فعلاً من آيتي الليل والنهار أراد أنْ يستدل بعدمهما في ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اليل سَرْمَداً﴾ [القصص: ٧١] و ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً﴾ [القصص: ٧٢] .
стр. 13157
ثم يعود السياق مرة أخرى إلى الحديث عن القيامة: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور﴾
стр. 13158
وكأن الله تعالى يقول لي: التفتْ إلى العبرة في الآيات الكونية، حيث ستنفعك في يوم آت هو يوم القيامة ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور﴾ [النمل: ٨٧] وهو البوق ﴿فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ [النمل: ٨٧] والفزع: الخوف الشديد الذي يأخذ كلَّ مَنْ في السموات، وكل مَنْ في الأرض ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ [النمل: ٨٧] قالوا: هم الملائكة: إسرافيل الذي ينفخ في الصور، وجبريل، وميكائيل، وعزرائيل.
لذلك لما تكلم سيدنا رسول الله ﷺ َ عن مسألة الصعق هذه قال: «فأفيق من الصعقة فأجد أخي موسى ماسكاً بالعرش» ذلك لأن موسى ﵇ صعق في الدنيا مرة حين تجلَّى ربه للجبل، كما حكى القرآن: ﴿فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
стр. 13159
وما كان الله تعالى ليجمع على نبيه موسى ﵇ صعقتين، لذلك لم يُصعَق صعقة الآخرة.
وقوله سبحانه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] أي: صاغرين أذلاء، لا يتأبى على الله منهم أحد، حيث لا قدرةَ له على ذلك؛ لأن القيامة أنهتْ الاختيار الذي كان لهم في الدنيا، وبه ملّكهم الله شيئاً من المِلْك: ﴿قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] .
فأعطى الله تعالى طرفاً من الملْك، ووهبه لبعض عباده في دنيا الأسباب والاختيار، أمَّا في الآخرة فالملْك لله تعالى وحده، لا ينازعه فيه أحد: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] .
في القيامة يُنزع منك كلّ شيء تملكه وكلّ قدرة لك على ما تملك حتى جوارحك لا قدرةَ لك عليها، ولا إرادةَ لتنفعل لك، هي تبع إرادتك في الدنيا، وبها ترى وتسمع وتمشي وتبطش، أمَّا في الآخرة فقد سُلِبت منك هذه الإرادة، بدليل أنها ستشهد عليك، وتُحاجّك يوم القيامة.
ثم ينتقل السياق بنا مرة أخرى إلى آية كونية: ﴿وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا﴾
стр. 13160
قوله تعالى ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] اي: تظنها ثابتة، وتحكم عليها بعدم الحركة؛ لذلك نسميها الرواسي والأوتاد ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب﴾ [النمل: ٨٨] أي: ليس الأمر كما تظن؛ لأنها
стр. 13161
تتحرك وتمر كما يمرّ السحاب، لكنك لا تشعر بهذه الحركة ولا تلاحظها لأنك تتحرك معها بنفس حركتها.
وهَبْ أننا في هذا المجلس، أنتم أمامي وأنا أمامكم، وكان هذا المسجد على رحاية أو عجلة تدور بنا، أيتغير وضعنا وموقعنا بالنسبة لبعضنا؟
إذن: لا تستطيع أن تلاحظ هذه الحركة إلا إذا كنتَ أنت خارج الشيء المتحرك، ألاَ ترى أنك تركب القطار مثلاً ترى أن أعمدة التليفون هي التي تجري وأنت ثابت.
ولأن هذه الظاهرة عجيبة سيقف عندها الخَلْق يزيل الله عنهم هذا العجب، فيقول ﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] يعني: لا تتعجب، فالمسألة من صُنع الله وهندسته وبديع خَلْقه، واختار هنا من صفاته تعالى: ﴿الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] يعني: كل خَلْق عنده بحساب دقيق مُتقَن.
البعض فهم الآية على أن مرَّ السحاب سيكون في الآخرة، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] .
وقد جانبه الصواب لأن معنى ﴿كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] أنها ستتفتت وتتناثر، لا أنها تمر، وتسير هذه واحدة، والأخرى أن الكلام هنا مبنيٌّ على الظن ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] وليس في القيامة ظن؛ لأنها إذا قامتْ أحداثها مُتيقنةٌ.
ثم إن السحاب لا يتحرك بذاته، وليس له موتور يُحركِّه، إنما يُحرِّكه الهواء، كذلك الجبال حركتها ليست ذاتيةٌ فيها، فلم نَرَ جبلاَ
стр. 13162
تحرَّك من مكانه، فحركة الجبال تابعة لحركة الأرض؛ لأنها أوتاد عليها، فحركة الوتد تابعة للموتود فيه.
لذلك لما تكلم الحق عن الجبال قال: ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] .
ولو خُلِقتْ الأرض على هيئة السُّكون ما احتاجتْ لما يُثبِّتها، فلا بُدَّ أنها مخلوقة على هيئة الحركة.
في الماضي وقبل تطور العلم كانوا يعتقدون في المنجِّمين وعلماء الفلك الكفرة أنهم يعلمون الغيب، أما الآن وقد توصَّل العلماء إلى قوانين حركة الأرض وحركة الكواكب الأخرى في المجموعة الشمسية واستطاعوا حساب ذلك كله بدقة مكّنتهم من معرفة ظاهرة الخسوف والكسوف مثلاً ونوع كل منهما ووقته وفعلاً تحدث الظاهرة في نفس الوقت الذي حددوه لا تتخلف.
واستطاعوا بحساب هذه الحركة أنْ يصعدوا إلى سطح القمر، وأن يُطلِقوا مركبات الفضاء ويُسيِّروها بدقة حتى إنَّ إحداها تلتحم بالأخرى في الفضاء الخارجي.
كل هذه الظواهر لو لم تكن مبنية على حقائق مُتيقَّنة لأدتْ إلى نتائج خاطئة وتخلفتْ.
ومن الأدلة التي تثبت صحة ما نميل إليه في معنى حركة الجبال، أن قوله تعالى ﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] امتنان من الله تعالى بصنعته، والله لا يمتنُّ بصنعته يوم القيامة، إنما
стр. 13163
الامتنان علينا الآن ونحن في الدنيا.
стр. 13164
لهذه الآية صلة لطيفة بما قبلها: فكما أن الآيات الكونية التي أخبر بها الحق ﵎ حقيقة واقعة، وتأكدتَ أنت من صِدْقها حيث شاهدتها بنفسك وأدركتها بحواسك، فكما أخبرناك بهذه الآيات نُخبرك الآن بحقيقة أخرى ينبغي أن تصدقها، وأن تأخذ من صدْق ما شاهدتَ دليلاً على صِدْق ما غاب عنك، فربُّك يُخبِرك بأنه ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] .
الحسنة: فعل الانفعال فيه يكون لمطلوب الله في العبادة، فإن فعلتَ الفعل على مراد الله تعالى كانت لك حسنة، والحسنة عند الله بعشر أمثالها، وتضاعف إلى سبعمائة ضِعْف على مقدار طاقة الفاعل من الإخلاص والتجرُّد لله في فعله.
والمعنى: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة﴾ [النمل: ٨٩] أي: في الدنيا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] أي: ناشىء عنها في الآخرة.
ونسمع من البعض مَنْ يقول: إذا كان قولنا: لا إله إلا الله
стр. 13165
حسنة فالثواب عليها خَيْر منها. وهذا القول ناتج عن فَهْم غير دقيق لمعنى الآية؛ لأن الله تعالى الذي أُقر به في الشهادة هو الذي يهبني هذا الثواب، فمَنْ جاء بالحسنة له خير ناشىء من هذه الحسنة ومُسبّب عنها. كما لو قلت: مأمور المركز خير من وزير الداخلية: أي خَيْر جاءنا من ناحيته، ووصل إلينا من طرفه، أليس هو صاحب قرار تعيينه؟
ومن ذلك ما يقوله أصحاب الطريق والمجاذيب يقولون: محمد خير من ربه، وفي مثل هذه الأقوال لعب بأفكار الناس وإثارة لمشاعرهم، وربما تعرض للإيذاء، فكيف يقول هذه الكلمة ومحمد مُرْسَل من عند الله؟ وحين تُمعِن النظر في العبارة تجدها صحيحة، فمراد الرجل أن محمداً خير جاءنا من عند الله.
أو: يكون المعنى ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] أن الجزاء على الحسنة خير من الحسنة؛ لأنك تفعل الحسنة فِعْلاً موقوتاً، أمّا خيرها والثواب عليها، فسيظل لك خالداً بلا نهاية.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة﴾
следующие страницы →