← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 13161–13200 · переход к 13166.

стр. 13161

تتحرك وتمر كما يمرّ السحاب، لكنك لا تشعر بهذه الحركة ولا تلاحظها لأنك تتحرك معها بنفس حركتها. وهَبْ أننا في هذا المجلس، أنتم أمامي وأنا أمامكم، وكان هذا المسجد على رحاية أو عجلة تدور بنا، أيتغير وضعنا وموقعنا بالنسبة لبعضنا؟ إذن: لا تستطيع أن تلاحظ هذه الحركة إلا إذا كنتَ أنت خارج الشيء المتحرك، ألاَ ترى أنك تركب القطار مثلاً ترى أن أعمدة التليفون هي التي تجري وأنت ثابت. ولأن هذه الظاهرة عجيبة سيقف عندها الخَلْق يزيل الله عنهم هذا العجب، فيقول ﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] يعني: لا تتعجب، فالمسألة من صُنع الله وهندسته وبديع خَلْقه، واختار هنا من صفاته تعالى: ﴿الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] يعني: كل خَلْق عنده بحساب دقيق مُتقَن. البعض فهم الآية على أن مرَّ السحاب سيكون في الآخرة، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] . وقد جانبه الصواب لأن معنى ﴿كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] أنها ستتفتت وتتناثر، لا أنها تمر، وتسير هذه واحدة، والأخرى أن الكلام هنا مبنيٌّ على الظن ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] وليس في القيامة ظن؛ لأنها إذا قامتْ أحداثها مُتيقنةٌ. ثم إن السحاب لا يتحرك بذاته، وليس له موتور يُحركِّه، إنما يُحرِّكه الهواء، كذلك الجبال حركتها ليست ذاتيةٌ فيها، فلم نَرَ جبلاَ

стр. 13162

تحرَّك من مكانه، فحركة الجبال تابعة لحركة الأرض؛ لأنها أوتاد عليها، فحركة الوتد تابعة للموتود فيه. لذلك لما تكلم الحق عن الجبال قال: ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] . ولو خُلِقتْ الأرض على هيئة السُّكون ما احتاجتْ لما يُثبِّتها، فلا بُدَّ أنها مخلوقة على هيئة الحركة. في الماضي وقبل تطور العلم كانوا يعتقدون في المنجِّمين وعلماء الفلك الكفرة أنهم يعلمون الغيب، أما الآن وقد توصَّل العلماء إلى قوانين حركة الأرض وحركة الكواكب الأخرى في المجموعة الشمسية واستطاعوا حساب ذلك كله بدقة مكّنتهم من معرفة ظاهرة الخسوف والكسوف مثلاً ونوع كل منهما ووقته وفعلاً تحدث الظاهرة في نفس الوقت الذي حددوه لا تتخلف. واستطاعوا بحساب هذه الحركة أنْ يصعدوا إلى سطح القمر، وأن يُطلِقوا مركبات الفضاء ويُسيِّروها بدقة حتى إنَّ إحداها تلتحم بالأخرى في الفضاء الخارجي. كل هذه الظواهر لو لم تكن مبنية على حقائق مُتيقَّنة لأدتْ إلى نتائج خاطئة وتخلفتْ. ومن الأدلة التي تثبت صحة ما نميل إليه في معنى حركة الجبال، أن قوله تعالى ﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] امتنان من الله تعالى بصنعته، والله لا يمتنُّ بصنعته يوم القيامة، إنما

стр. 13163

الامتنان علينا الآن ونحن في الدنيا.

стр. 13164

لهذه الآية صلة لطيفة بما قبلها: فكما أن الآيات الكونية التي أخبر بها الحق ﵎ حقيقة واقعة، وتأكدتَ أنت من صِدْقها حيث شاهدتها بنفسك وأدركتها بحواسك، فكما أخبرناك بهذه الآيات نُخبرك الآن بحقيقة أخرى ينبغي أن تصدقها، وأن تأخذ من صدْق ما شاهدتَ دليلاً على صِدْق ما غاب عنك، فربُّك يُخبِرك بأنه ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] . الحسنة: فعل الانفعال فيه يكون لمطلوب الله في العبادة، فإن فعلتَ الفعل على مراد الله تعالى كانت لك حسنة، والحسنة عند الله بعشر أمثالها، وتضاعف إلى سبعمائة ضِعْف على مقدار طاقة الفاعل من الإخلاص والتجرُّد لله في فعله. والمعنى: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة﴾ [النمل: ٨٩] أي: في الدنيا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] أي: ناشىء عنها في الآخرة. ونسمع من البعض مَنْ يقول: إذا كان قولنا: لا إله إلا الله

стр. 13165

حسنة فالثواب عليها خَيْر منها. وهذا القول ناتج عن فَهْم غير دقيق لمعنى الآية؛ لأن الله تعالى الذي أُقر به في الشهادة هو الذي يهبني هذا الثواب، فمَنْ جاء بالحسنة له خير ناشىء من هذه الحسنة ومُسبّب عنها. كما لو قلت: مأمور المركز خير من وزير الداخلية: أي خَيْر جاءنا من ناحيته، ووصل إلينا من طرفه، أليس هو صاحب قرار تعيينه؟ ومن ذلك ما يقوله أصحاب الطريق والمجاذيب يقولون: محمد خير من ربه، وفي مثل هذه الأقوال لعب بأفكار الناس وإثارة لمشاعرهم، وربما تعرض للإيذاء، فكيف يقول هذه الكلمة ومحمد مُرْسَل من عند الله؟ وحين تُمعِن النظر في العبارة تجدها صحيحة، فمراد الرجل أن محمداً خير جاءنا من عند الله. أو: يكون المعنى ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] أن الجزاء على الحسنة خير من الحسنة؛ لأنك تفعل الحسنة فِعْلاً موقوتاً، أمّا خيرها والثواب عليها، فسيظل لك خالداً بلا نهاية. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة﴾

стр. 13166

معنى: ﴿فَكُبَّتْ﴾ [النمل: ٩٠] ألقيت بعنف، وخصّ الوجوه مع أن الأعضاء كلها ستكبُّ؛ لأنه أشرفها وأكرمها عند صاحبها، والوجه

стр. 13167

موضع العزة والشموخ، فالحق ﵎ يريد لهم الذلَّة والمهانة، وفي موضع آخر يُبيِّن أن كل الأعضاء ستكبُّ في النار، فيقول تعالى: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ والغاوون﴾ [الشعراء: ٩٤] . وليس هذا المصير ظلماً لهم، ولا افتراءً عليهم ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] وكما يقول سبحانه: ﴿لاَ ظُلْمَ اليوم﴾ [غافر: ١٧] فلم نجامل صاحب الحسنة، ولم نظلم صاحب السيئة.

стр. 13168

فما دام أن الله تعالى أعطانا هذه المعلومات التي تلفتنا إلى قدرته في آياته الكونية، وذكَّرنا بالآخرة، وما فيها من الثواب والعقاب، فما عليك إلا أنْ تلتزم (عرفت فالزم) واعلم أن مَنْ أبلغك منهج الله سيسبقك إلى الالتزام به، فالشرع كما أمرك أمرني. ﴿إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البلدة﴾ [النمل: ٩١] فإنْ طلبتُ منكم شيئاً من التكاليف فقد طالبتُ نفسي به أولاً؛ لأنني واثق بصدق تبليغي عن الله؛ لذلك ألزمتُ نفسي به. والعبادة كما قلنا: طاعة العابد للمعبود فيما أمر وفيما نهى؛ لأن ربك خلقك من عَدَم، وأمدك من عُدْم، ونظّم لك حركة حياتك، فإنْ كلَّفك فاعلم أن التكليف من أجلك ولصالحك؛ لأنه رب مُتولٍّ لتربيتك، فإنْ تركك بلا منهج، وبلا افعل ولا تفعل، كانت التربية ناقصة. إذن: من تمام الربوبية أن يوجهني ربي كما نُوجِّه نحن أولادنا الصغار ونُربِّيهم، ومن تمام الربوبية أن توجد هذه الأوامر وهذه

стр. 13169

النواهي لمصلحة المربِّي، وما دام أن ربك قد وضعها لك فلا بُدَّ أن تطيعه. لذلك نلحظ في هذه الآية ﴿إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البلدة﴾ [النمل: ٩١] ولم يقُلْ: أُمِرت أن أطيع الله؛ لأن الألوهية تكليف، أمّا الربوبية فعطاء وتربية، فالآية تُبيِّن حيثية سماعك للحكم من الله، وهي أنه تعالى يُربِّيك بهذه الأوامر وبهذه النواهي، وسوف تعود عليك ثمرة هذه التربية. لذلك، الصِّديق أبو بكر حينما حدثوه عن الإسراء والمعراج لم يُمرِّر المسألة على عقله، ولم يفكر في مدى صِدْقها، إنما قال عن رسول الله: «إن كان قال فقد صدق» فالميزان عنده أن يقول رسول الله، ثم يُعلِّل لذلك فيقول: إني لأُصدِّقه في الخبر يأتي من السماء، فكيف لا أُصدِّقه في هذه. وقال تعالى: ﴿رَبَّ هَذِهِ البلدة﴾ [النمل: ٩١] أي: مكة وخصّها بالذكْر؛ لأن فيها بيته ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً﴾ [آل عمران: ٩٦] ثم يذكر من صفات مكة ﴿الذي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١] فهي مُحرَّمة يحرم فيها القتال، وهذه وسيلة لحماية العالم من فساد الحروب وفساد الخلاف الذي يُفضي بكل فريق لأنْ تأخذه العزة، فلا يجد حلاً إلا في السيف.

стр. 13170

وكأن الحق ﵎ يعطي لخَلْقه فرصة للمداراة وعُذْراً يستترون خلفه، فلا ينساقون خلف غرورهم، فحين تمنعهم من الحروب حُرْمة المكان في الحرم، وحُرْمة الزمان في الأشهر الحرم لأن كل فعل لا بُدَّ له من زمان ومكان حين يمنعهم الشرع عن القتال فإن لأحدهم أن يقول: لم أمتنع عن ضعف. ولولا أن الله منعني لفعلْتُ وفعلْتُ، ويستتر خلف ما شرَّع الله من منع القتال، إلى أنْ يذوق حلاوة السلام فتلين نفسه، وتتوق للمراجعة. ولحرمة مكة كان الرجل يلاقي فيها قاتل أبيه، فلا يتعرَّض له احتراماً لحرمة البيت، وقد اتسعتْ هذه الحرمة لتشمل أجناساً أخرى، فلا يُعضد شجرها، ولا يُصاد صَيْدها. ثم يقول تعالى: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ﴾ [النمل: ٩١] لأن الله تعالى حين يصطفي من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسلاً، ويصطفي من الأرض أمكنة، ومن الزمان، يريد أن يشيع الاصطفاء في كل شيء. فالحق ﵎ لا يُحَابي أحداً، فحين يرسل رسولاً يُبلِّغ رسالته للناس كافة، فيعود نفعه على الجميع، وكذلك في تحريم المكان أو الزمان يعود نفعه على الجميع؛ لذلك عطف على ﴿الذي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١] فقال ﴿كُلُّ شَيءٍ﴾ [النمل: ٩١] فالتحريم جُعل من أجل هؤلاء. ثم يقول سبحانه: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين﴾ [النمل: ٩١] أي: المنفذين لمنهج الله يعني: لا أعتقد عقائد أخبر بها ولا أُنفِّذها، وقد قرن الله تعالى بين الإيمان والعمل الصالح؛ لأن فائدة الإيمان أنْ

стр. 13171

تعملَ به، كما قال تعالى: ﴿والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ [العصر: ١٣] . فالله تعالى يريد أن يُعدِّي الإيمان والأحكام إلى أن تكون سلوكاً عملياً في حركة الحياة.

стр. 13172

أنت حين تقرأ القرآن في الحقيقة لا تقرأ إنما تسمع ربنا يتكلم، ومعنى ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ القرآن﴾ [النمل: ٩٢] يعني: استدم أُنْسك بالكتاب الذي كُلِّفت به، ليدل على أنك من عِشْقك للتكليف، عشقتَ المكلّف، فأحببتَ سماعه، وتلاوة القرآن في ذاتها لذة ومتعة؟ . فأنا سآخذ من تلاوته لذةَ، وأستديم البلاغ بالقرآن للناس، وبعد ذلك أنا نموذج أمام أمتي، كما قال سبحانه: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] . يعني: شيء يُقتدى به، وما دام أن الرسول قدوة، فكل مقام للرسول غير الرسالة مَنْ سار على قدم الرسول يأخذ منه، وكذلك مكان كل إنسان في التقوى، على قَدْر اعتباره واقتدائه بالأُسْوة، أما الرسالة فدَعْك منها؛ لأنك لن تأخذها. ومعنى ﴿اهتدى﴾ [النمل: ٩٢] أي: وصلتْه الدلالة واقتنع بها ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٩٢] لأن الله سيعطيه المعونة، ويزيده هدايةً وتوفيقاً ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] . إذن: فالهداية والتقوى لا تنفع المشرِّع، إنما تنفع العبد الذي اهتدى.

стр. 13173

ثم يذكر المقابل ﴿وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ المنذرين﴾ [النمل: ٩٢] أنا لا يعنيني إلا أنني من المنذرين، وأنت إنما تضلّ على نفسك، وتتحمل عاقبة ضلالك. وبعد أنْ أتممتَ ما خاطبك ربك به بأنْ تعبدَ ربَّ هذه البلدة وكنتَ من المسلمين، وبعد أنْ تلوتَ القرآن، واستدمت الأُنس واللذَّة بسماع الله يتكلم، ثم بلَّغته للناس، فإذا فعلتَ كل هذا أحمد الله الذي وفَّقك إليه: ﴿وَقُلِ الحمد للَّهِ﴾

стр. 13174

أي: الحمد لله على نعمه وعلى ما هدانا، والحمد لله الذي لا يُعذِّب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، والإنذار إليه. والله سيريكم آياته في أنفسكم وفي غيركم، فتعرفون دلائل قدرته سبحانه ووحدانيته في أنفسكم، وفي السماوات والأرض. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣] . بل هو شهيد على كل شيء.

стр. 13175

الحروف المقطعة في بدايات سور القرآن مرة يأتي حرف واحد مثل (ق، ن) أو حرفان مثل (طس، حم) أو ثلاثة أحرف مثل (الم، طسم) أو أربعة مثل (المر) أو خمسة مثل (حمعسق، كهيعص) وكل منها له مفتاح وأسرار لم يفتح علينا بعد لمعرفته وما قلنا في معنى هذه الحروف مجرد محاولات على الطريق.

стр. 13176

يعني: ما يأتي في هذه السورة آيات الكتاب المبين.

стр. 13177

أي: نقص عليك ﴿مِن نَّبَإِ موسى وَفِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٣] والنبأ: الخبر الهام الذي يجب الالتفات إليه، وهل هناك أهم من إرسال موسى ﵇ إلى مَن ادعى الألوهية؟ لذلك أفرد لهما هذه السورة، فلم يَرِدْ فيها ذِكْر آخر إلا لقارون؛ لأنها تعالج مسألة القمة، مسألة التوحيد، وتردّ علىَ مَنِ ادّعى الألوهية، ونازع الله تعالى في صفاته. قوله ﴿بالحق﴾ [القصص: ٣] لأن تلاوته وقصصه حق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق﴾ [آل عمران: ٦٢] . والقصص مأخوذ من قصِّ الأثر وتتبّعه، وقد اشتُهِر به بعض العرب قديماً، ومهروا فيه حتى إنهم ليعرفون أثر الرجل من أثر المرأة. . ألخ، وقد اشتُهِرت عندهم قصة الرجل الذي فقد جمله، وقابل أحد القصاصين، وسأله عنه فقال: جملك أبتر الذَّنَب؟ قال: نعم، قال: أعور؟ قال: نعم، قال: أعرج؟ عندها لم يشكّ صاحب الجمل أن هذا الرجل هو الذي أخذ جمله، فأمسك به وقاضاه. وفي مجلس القضاء، قال الرجل: والله ما أخذتُ جملك، كلني رأيتُ الجمل يبعثر بَعْره خلفه، أما هذا فيضع بَعْره مرة واحدة،

стр. 13178

فعرفتُ أنه مقطوع الذنب، ورأيت أحد أخفافه لا يؤثر في الرمل فعرفتُ أنه أعرج، ورأيته يأكل من ناحية ويترك الأخرى فعرفتُ أنه أعور. والحق ﵎ حين يقصُّ علينا يقصُّ الواقع، فقَصص القرآن لا يعرف الخيال كقصص البشر؛ لذلك يسميه القصص الحق، وأحسن القصص، لأنه يروي الواقع طِبْق الأصل.

стр. 13179

معنى ﴿عَلاَ﴾ [القصص: ٤] من العلو أي: استعلى، والمستعلَى عليه هم رعيته، بل علا على وزرائه والخاصة من رعيته، وعلا حتى على الله فادَّعى الألوهية، وهذا منتهى الاستعلاء، ومنتهى الطغيان والتكبُّر، وما دامت عنده هذه الصفات وهو بشر وله هوىً فلا بُدَّ أنْ يستخدمها في إذلال رعيته. ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾ [القصص: ٤] جمع شيعة، وهي الطائفة التي لها استقلالها الخاص، والمفروض في المُمَلَّك أنْ يُسوِّي بين رعيته، فلا تأخذ طبقة أو جماعة حظوه عن الأخرى، أما فرعون فقد جعل الناس طوائف، ثم يسلِّط بعضها على بعض، ويُسخِّر بعضها لبعض.

стр. 13180

ولا شكَّ أن جَعْل الأمة الواحدة عدة طوائف له مَلْحظ عند الفاعل، فمن مصلحته أن يزرع الخلاف بين هذه الطوائف ويشغل بعضها ببعض، فلا تستقر بينهم الأمور، ولا يتفرغون للتفكير فيما يقلقه ويهزّ عرشه من تحته، فيظل هو مطلوباً من الجميع. والقبط كانوا هم سكان مصر والجنس الأساسي بها، ثم لما جاءها يوسف ﵇ واستقرَّ به الأمر حتى صار على خزائنها، ثم جاء إخوته لأخْذ أقواتهم من مصر، ثم استقروا بها وتناسلوا إلا أنهم احتفظوا بهويتهم فلم يذوبوا في المجتمع القبطي. وبالمناسبة يخطىء الكثيرون فيظنون أن القبطيَّ يعني النصراني وهذا خطأ، فالقطبي يعني المصري كجنس أساسي في مصر، لكن لما استعمرت الدولةُ الرومانية مصرَ كان مع قدوم المسيحية فأطلقوا على القبطي (مسيحي) . لكن، ما السبب في أن فرعون جعل الناس طوائف، تستعبد كلٌّ منها الأخرى؟ قالوا: لأن بني إسرائيل كانوا في خدمة المستعمر الذي أزاح حكم الفراعنة، وهم ملوك الرعاة، فلما طُرِد ملوك الرعاة من مصر كان طبيعياً فيمَنْ يحكم مصر أن يضطهد بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا موالين لأعدائه، ويسيرون في ركابهم، ومن هنا جاء اضطهاد فرعون لبني إسرائيل. والقرآن الكريم حينما يتحدث عن ملوك مصر في القديم وفي الحديث يُسمِّيهم فراعنة، كما في قوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد﴾ [الفجر: ١٠] .

стр. 13181

وهنا في قصة موسى ﵇ قال أيضاً: فرعون: أما في قصة يوسف ﵇ فلم يأْتِ ذكْر للفراعنة، إنما قال ﴿الملك﴾ [يوسف: ٤٣] وهذه من مظاهر الإعجاز في القرآن الكريم؛ لأن الحكم في مصر أيام يوسف كان لملوك الرعاة، ولم يكُنْ للفراعنة، حيث كانوا يحكمون مصر قبله وبعده لما استردوا مُلْكهم من ملوك الرُّعاة؛ لذلك في عهد يوسف بالذات قال ﴿الملك﴾ [يوسف: ٥٠] فلم يكُنْ للفرعون وجود في عصر يوسف. فمعنى ﴿سْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ﴾ [القصص: ٤] يعني: تستبد طائفة الأقباط، وهم سكان مصر الأصليون بطائفة بني إسرائيل لينتقموا منهم جزاءَ موالاتهم لأعدائهم. وأول دليل على بطلان ألوهية فرعون أن يجعل أمته شِيَعاً، لأن المألوهين ينبغي أن يكونوا جميعاً عند الإله سواء؛ لذلك يقول تعالى في الحديث عن موكب النبوات: ﴿إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] . ذلك لأن دين الله واحد، وأوامره واحدة للجميع، فلو كنتم مُتمسِّكين بالدين الحق لجعلتُم الناس جميعاً شيعة واحدة، لا يكون لبعضهم سلطة زمنية على الآخرين، فإذا رأيت في الأمة هذه التفرقة وهذا التحزُّب فاعلم أنهم جميعاً مدينون؛ لأن الإسلام كما قُلْنا في صفائه كالماء الذي لا طعمَ له، ولا لون، ولا رائحة. وهذا الماء يحبه الجميع ولا بُدَّ لهم منه لاستبقاء حياتهم، أما أن نُلوِّن هذا الماء بما نحب، فأنت تحب البرتقال، وأنا أحب المانجو. وهذا يحب الليمون. . إلخ إذن: تدخلتْ الأهواء، وتفرَّق الدين الذي أراده الله مجتمعاً.

стр. 13182

لذلك يقول رسول الله ﷺ َ: «ستفترق أمتي بِضْع وستون، أو بضع وسبعون فرقة، كلُّهم في النار إلا ما أنا عليه وأصحابي» . فشيعة الإسلام إذن واحدة، أما أن نرى على الساحة عشرات الفِرَق والشِّيَع والجماعات، فأيّها يتبع المسلم؟ إذن: ما داموا قد فرَّقوا دينهم، وكانوا شِيعاً فلسْتَ منهم في شيء. ثم يُفسِّر الحق سبحانه هذا الاستضعاف ﴿يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ﴾ [القصص: ٤] فيقول ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] وقلنا: إن الإفساد أن تأتي على الصالح بذاته فتفسده، فمن الفساد إذن قتْل الذُّكْران واستحياء النساء؛ لأن حياة الناس لا تقوم إلا باستبقاء النوع، فقتل الذّكْران يمنع استبقاء النوع، واختار قَتْل الذكْران: لأنهم مصدر الشر بالنسبة له، أمّا النساء فلا شوكة لهُنَّ، ولا خوفَ منهن؛ لذلك اتسبقاهُنَّ للخدمة وللاستذلال. وحين نتتبع هذه الآية نجد أنها جاءت في مواضع ثلاثة من كتاب الله، لكل منها أسلوب خاص، ففي الآية الأولى يقول تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] . وفي موضع آخر: ﴿يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٤١] وهاتان الآيتان على لسان الحق ﵎. أما الأخرى فحكاية من الله على لسان موسى ﵇ حين يُعدِّد نِعَم الله تعالى على بني إسرائيل، فيقول:

стр. 13183

﴿اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٦] . فالواو في ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ [إبراهيم: ٦] لم ترد في الكلام على لسان الله تعالى، إنما وردتْ في كلام موسى؛ لأنه في موقف تَعداد نِعَم الله على قومه وقصده؛ لأن يُضخِّم نعم الله عليهم ويُذكِّرهم بكل النعم، فعطف على ﴿يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب﴾ [إبراهيم: ٦] قوله ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ [إبراهيم: ٦] . لكن حين يتكَلَّم الله تعالى فلا يمتنُّ إلا بالشيء الأصيل، وهو قتْل الأولاد واستحياء النساء؛ لأن الحق ﵎ لا يمتنّ بالصغيرة، إنما يمتنُّ بالشيء العظيم، فتذبيح الأبناء واستحياء النساء هو نفسه سوء العذاب. وقوله مرة ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ [البقرة: ٤٩] ومرة ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ [الأعراف: ١٤١] لأن قتل الذّكْران أخذ أكثر من صورة، فمرَّة يُذبِّحونهم ومرة يخنقونهم. ومعنى: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٤١] من السَّوْم، وهو أنْ تطلب الماشية المرعى، فنتركها تطلبه في الخلاء، وتلتقط رزقها بنفسها لا نقدمه نحن لها، وتسمى هذه سائمة، أما التي نربطها ونُقدِّم لها غذاءها فلا تُسمَّى سائمة. فالمعنى ﴿يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب﴾ [الاعراف: ١٤١] يعني: يطلبون لكم سوء العذاب، وما داموا كذلك فلا بُدَّ أنْ يتفنَّنوا لكم فيه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ﴾

стр. 13184

فلن يدوم لفرعون هذا الظلم؛ لأن الله تعالى كتب ألاّ يفلح ظَلُوم، وألاَّ يموت ظلوم، حتى ينتقم للمظلوم منه، ويُريه فيه عاقبة ظلمه، حتى إن المظلوم ربما رحم الظالم، وحَسْبك من حادث بامرىء ترى حاسديه بالأمس، راحمين له اليوم. وهنا تُطالعنا غضبة الحق ﵎ للمؤمنين ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِي الأرض﴾ [القصص: ٥] والمنة: عطاء مُعوّض، وبدون مجهود من معطي المنة، كأنها هِبَة من الحق سبحانه، وغضبة لأوليائه وأهل طاعته؛ لأن الحق ﵎ كما قال الإمام علي: إن الله لا يُسلِم الحق، ولكن يتركه ليبلو غَيْرة الناس عليه، فإذا لم يغاروا عليه غَارَ هو عليه. والحق ﵎ حينما يغَارُ على الذين استُضعِفوا لا يرفع عنهم الظلم فحسب، وإنما أيضاً ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص: ٥] أئمة في الدين وفي القيم، وأئمة في سياسة الأمور والملك ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين﴾ [القصص: ٥] أي: يرثون مَنْ ظلمهم، ويكونون سادةً عليهم وأئمةً لهم، فانظر على كم مرحلة تأتي غيرة الله لأهل الحق. ولولا أن فرعون الذي قوي على المستضعفين وأذلَّهم تأبَّى على الله ورفض الانقياد لشملته رحمة الله، ولعاشَ هو ورعيته سواء؟ لذلك أهل الثورات الذين جاءوا للقضاء على أصحاب الفساد وإنصاف شعوبهم ممَّنْ ظلمهم، كان عليهم بعد أنْ يقضوا على الفساد، وبعد أن يمنعوا المفسد أن يُفسِد، ويحققوا العدالة في المجتمع، كان عليهم أنْ يضموا الجميع إلى أحضانهم ورعايتهم، ويعيش الجميع بعد تعديل الأوضاع سواسية في مجتمعهم، وبذلك نأمن الثورة المضادة.

стр. 13185

ثم يقول تعالى استكمالاً لمِنَّته: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرض﴾

стр. 13186

قوله تعالى ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرض﴾ [القصص: ٦] نعرف أن الأرض مكان يحدث فيه الحدَث، لأن كل حَدَث يحتاج إلى زمان وإلى مكان، فالمعنى: نجعل الأرض مكاناً لممكَّن فيها، والتمكين يعني: يتصرف فيها تسلطاً، ويأخذ خيرها. وقد شرح الحق سبحانه لنا التمكين في عدة مواضع من القرآن، ففي قصة يوسف ﵇: ﴿إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] مكين يعني: لك عندنا مكانة ومركز ثابت لا ينالُك أحد بشيء، ومنها قوله تعالى: ﴿وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض﴾ [يوسف: ٢١] يعني: أعطيناه سلطة يأخذ بها خير المكان، ثم يُصرِّف هذا الخير للآخرين. وقوله تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] وهامان هو وزير فرعون، ولا بد أنه كان لكل منهما جنود خاصة غير جنود الدولة عامة، كما نقول الآن: الحرس الجمهوري، والحرس الملكي، والجيش. أو: أن هامان يصنع من باطن فرعون، فالملِك لا يزاول أموره إلا بواسطة وزرائه، وفي هذه الحالة يأخذ الجنود الأوامر من هامان. أو: أن هامان كان له سلطة ومركز قوة لا تقل أهمية عن سلطة فرعون، وربما رفع رأسه وتطاول على فرعون في قوت من الأوقات.

стр. 13187

وقد رأينا هذا عندنا في مصر لذلك يقولون في المثل الريفي المعروف: تقول لمن يحاول خداعك (على هامان) ؟ يعني: أنا لا تنطلي عليَّ هذه الحيل. والضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ [القصص: ٦] يعود على المستضعفين ﴿مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] أي: سنريهم الشيء الذي يخافون منه، والمراد النبوءة التي جاءتهم، إما عن طريق الكهنة، أوعن طريق الرُّؤْيا، حيث رأى فرعون ناراً تأتي من بيت المقدس، وتتسلط على القِبْط في مصر، لكنها لا تؤذي بني إسرائيل، فلما عبَّروا له هذه الرؤيا قال: لا بد أنه سيأتي من هذه البلد من يسلب مني مُلْكي. ويُرْوى أنه الكهنة أخبروه أنه سيُولد في هذه السنة مولود يكون ذهاب مُلْكك على يديه. فسوف يرى فرعون وقومه هذه المسألة بأعينهم ويباشرونها بأنفسهم، وسيقع هذا الذي يخافون منه؛ لذلك أمر فرعون بقتْل الذكْران من بني إسرائيل ليحتاط لأمره، ويُبقِي على مُلْكه، لكن هذا الاحتياط لم يُغنِ عنه شيئاً. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى﴾

стр. 13188

عجيب أمر فرعون، فبعد أن أمر بقتل الأولاد من بني إسرائيل يأتيه في البحر تابوت به طفل رضيع، فلا يخطر على باله أن أهله ألقوه في البحر لينجو من فرعون، فكيف فاتتْه هذه المسألة وهو إله؟ لم يعرفها بألوهيته، ولا عرفها حتى بذكائه وفِطْنته. وإذا كان الكهنة أخبروه بأن ذهاب مُلْكه على يد وليد من هؤلاء الأولاد، وإذا كانت هذه النبوءة صحيحة فلا بُدَّ أن الولد سينجو من القتل ويكبر، ويقضي على مُلْك فرعون، وما دام الأمر كذلك فسوف يقتل فرعون الأولاد غير الذي سيكون ذهاب مُلْكه على يديه. وتشاء إرادة الله أنْ يتربَّى موسى في قصر فرعون، وأنْ تأتي إليه أمه السيدة الفقيرة لتعيش معه عيشة الترف والثراء، ويصير موسى بقدرة الله قُرَّة عَيْن للملكة، فانظر إلى هذا التغفيل، تغفيل عقل وطمس على بصيرة فرعون الذي ادَّعى الألوهية. وبذلك نفهم قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] فقلبه يُغطِّي على بصيرته ويُعمِّيها. قوله تعالى لأم موسى: ﴿أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم﴾ [القصص: ٧] فمَنْ مِنَ النساء تقبل إنْ خافت على ولدها أنْ تُلقيه في اليم؟ مَنْ ترضى أَنْ تُنجيه من موت مظنون إلى موت محقق؟ وقد جعل الحق سبحانه عاطفة الأمومة تتلاشى أمام وارد الرحمن الذي أتاها، والذي لا يؤثر فيه وارد الشيطان.

стр. 13189

ثم يهيىء الحق سبحانه كذلك امرأة فرعون ليتم هذا التدبير الإلهي لموسى فتقول ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] . فيرد عليها فرعون: بل لك أنت وحدك، وكأنه يستشعر ما سيحدث، ولكن إرادة الله لا بُدَّ نافذة ولا بُدَّ أن يأخذ القدر مجراه لا يمنعه شيء؛ لأن الله تعالى إذا أراد شيئاً فلا رادّ لإرادته. فمع ما علمه فرعون من أمر الرؤيا أو النبوءة رُبّي الوليد في بيته، ولا يخلو الأمر أيضاً من سيطرة المرأة على الرجل في مثل هذا الموقف. لذلك النبي ﷺ َ حينما قُرِئت هذه الآية قال: «والذي يُحلف به، لو قال فرعون كما قالت امرأته قرة عين لي ولك لهداه الله كما هداها» إنما ردَّ الخير الذي ساقه الله إليه؛ لذلك أسلمتْ زوجته وماتت على الإيمان. وهي التي قالت: ﴿رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجنة وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين﴾ [التحريم: ١١] أما هو فمات على كفره شَرَّ ميتة. وسبق أنْ تكلّمنا في وحي الله لأم موسى ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] وقلنا: إن الوحي في عموم اللغة: إعلام بطريق خفي دون أن تبحث عن الموحِي، أو الموحَى إليه، أو الموحَى به. أما الوَحْي الشرعي فإعلام من الله تعالى لرسوله بمنهج لخَلْقه.

стр. 13190

فالله تعالى يوحي للملائكة: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ﴾ [الأنفال: ١٢] . ويُوحى إلى الرسل: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [النساء: ١٦٣] . ويُوحي للمؤمنين الصادقين في خدمة رسول: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١] . يوحي إلى النحل، بل وإلى الجماد: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: ١٥] . وقد يكون الإعلام والوحي من الشيطان: ﴿وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] . ويكون من الضالين: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً﴾ [الأنعام: ١١٢] . فالوَحْي إلى أم موسى كان وَحْياً من المرتبة الرابعة بطريق النَّفْث في الروع، أو الإلهام، أو برؤيا، أو بملَك يُكلِّمها، هذا كله يصح. وهذا الوحي من الله، وموضوعه ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم﴾ [القصص: ٧] وهذا أمر ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني﴾ [القصص: ٧] نهى ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ [القصص: ٧] وهذه بشارة في خبرين. فهذه الآية إذن جمعتْ لأم موسى أمرين، ونهيين، وبشارتين في إيجاز بليغ مُعْجز.

стр. 13191

ومعنى ﴿أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] يعني: مدة أمانك عليه ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ [القصص: ٧] ولم يقل من أيِّ شيء ليدلّ على أيِّ مخوف تخشاه على وليدها ﴿فَأَلْقِيهِ فِي اليم﴾ [القصص: ٧] ويراعي الحق سبحانه مشاعر الأم وقَلقها على ولدها، خاصة إذا ألقتْه في البحر فيطمئنها ﴿وَلاَ تَخَافِي﴾ [القصص: ٧] لأن الله سيُيسِّر له تربية خيراً من تربيتك في ظل بيت الغِنَى والملْك. ﴿وَلاَ تحزني﴾ [القصص: ٧] أي: لفراقه؛ لأن هذا الفراق سيُعوِّضك، ويُعوِّض الدنيا كلها خيراً، حين يقضي على هذا الطاغية، ويأتي بمنهج الله الذي يحكم خَلْق الله في الأرض. ثم اعلمي بعد هذا أن الله رادُّه إليك، بل وجاعله من المرسلين، إذن: أنا الذي أحفظه، وليس من أجلك فحسب، إنما أيضاً لأن له مهمة عندي. يقولون: ظلت أم موسى تُرضِعه في بيتها طالما كانت آمنة عليه من أعين فرعون، إلى أنْ جاءها أحَد العسس يفتش البيت فخافت على الولد فلفته في خرقة ودسته في فجوة بجوارها، كانت هذه الفجوة هي الفُرْن، ألقتْه فيه وهو مسجور دون أن تشعر يعني من شدة خوفها عليه حتى إذا ما انصرف العَسَس ذهبت إليه، فإذا به سالماً لم يُصِبْه سوء. وكأن الله تعالى يريد لها أنْ تطمئن على حِفْظ الله له، وأن وعده الحق. وقد وردت مسألة وحي الله لأم موسى في كتاب الله مرتين مما دعا السطحيين من المستشرقين إلى اتهام القرآن بالتكرار الذي

стр. 13192

لا فائدةَ منه، وذكروا قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إلى أُمِّكَ مَا يوحى أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ [طه: ٣٨٣٩] . لكن فَرْق بين الوحي الأول والوحي الآخر: الوحي الأول خاص بالرضاعة في مدة الأمان، أما الآخر فبعد أنْ خافت عليه أوحى إليها لتقذفه في اليم. وتأمل ﴿أَنِ اقذفيه﴾ [طه: ٣٩] والقذف إلقاء بقوة، لا أنْ تضعه بحنان ورفق؛ لأن عناية الله ستحفظه على أي حال ﴿فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل﴾ [طه: ٣٩] وهذا أمر من الله تعالى لليمِّ أن يخرج الوليد سالماً إلى الساحل؛ لذلك لم يأت في هذا الوحي ذِكْر لعملية الرضاعة. فكأن الوحي الأول جاء تمهيداً لما سيحدث؛ لتستعد الأم نفسياً لهذا العمل، ثم جاء الوحي الثاني للممارسة والتنفيذ، كما تُحدِّث جارك، وتُحذِّره من اللصوص وتنصحه أنْ يحتاط لهذا الأمر، فإذا ما دخل الليل حدث فعلاً ما حذّرتَه منه فَرُحْت تنادي عليه ليسرع إليهم ويضربهم. لذلك يختلف أسلوب الكلام في الوحي الأول، فيأتي رتيباً مطمئناً: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ [القصص: ٧] هكذا في نبرة هادئة لأن المقام مقام نصح وتمهيد، لا مقام أحداث وتنفيذ. أما الوحي الثاني فيأتي في سرعة، وبنبرة حادة: ﴿أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل﴾ [طه: ٣٩] فالعَجلة في اللفظ تدلُّ على أن المقام مقام مباشرة للحدث فعلاً.

стр. 13193

وفي الأولى قال ﴿فَأَلْقِيهِ﴾ [القصص: ٧] ، أما في الثانية فقال ﴿فاقذفيه﴾ [طه: ٣٩] والأم لا تقذف وليدها، بل تضعه بحنان وشفقة، لكن الوقت هنا ضيِّق لا يتسع لممارسة الحنان والشفقة. والأمر لليمِّ بأن يلقي التابوت بالساحل له حكمة؛ لأن العمق موضع الحيوانات البحرية المتوحشة التي يُخاف منها، أمَّا بالقُرْب من الساحل فلا يوجد إلا صغار الأسماك التي لا خطورة منها، وكذلك ليكون على مَرْأى العين، فيطمئن عليه أهله، ويراه مَنْ ينقذه ليصل إلى البيت الذي قُدِّر له أنْ يتربّى فيه. وفعلاً، وصل التابوت إلى الساحل، وكان فرعون وزوجته آسية وابنته على الشاطىء، فلما أُخرِج لهم التابوت وجدوا فيه الطفل الرضيع، وكان موسى ﵇ أسمر اللون، مُجعَّد الشعر، كبير الأنف، يعني لم يكُنْ ﵇ جميلاً تنجذب إليه الإنظار ويفرح به مَنْ يراه. لذلك يمتنُّ الله عليه بقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ [طه: ٣٩] أي: ليس بذاتك أن يحبك مَنْ يراك إنما بمحبة الله، لذلك ساعة رأته آسية أحبَّته وانشرح صدرها برؤيته، فتمسكَّت به رغم معارضة فرعون لذلك. كما أن ابنة فرعون، وكانت فتاة مبروصة أصابها البرص،

стр. 13194

ورأت في الرؤيا أن شفاءها سيكون بشيء يخرج من البحر، فتأخذ من ريقه، وتدهن موضع البرص فيشفى، فلما رأتْ موسى تذكرتْ رؤياها، فأخذت من ريقه ودهنتْ جلدها، فشُفِيت في الحال فتشبثتْ به هي أيضاً. فاجتمع لموسى محبة الزوجة، ومحبة البنت، وهما بالذات أصحاب الكلمة المسموعة لدى فرعون، بحيث لا يرد لهما طلباً. وفي انصياع فرعون لرغبة زوجته وابنته وضعفه أمامهما رغم ما يعلم من أمر الطفل دليلٌ على أن الزوجة والأولاد هما نقطة الضعف عند الرجل، ووسيلة السيطرة على شهامته وحزمه، والضغط على مراداته. لذلك يطمئننا الحق ﵎ على نفسه، فيقول ﴿مَا اتخذ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً﴾ [الجن: ٣] . ذلك لأن الصاحبة غالباً ما تستميل زوجها بوسيلة أو بأخرى، أما الولد فيدعو الأب إلى الجبْن والخضوع، والحق ﵎ لا يوجد لديه مراكز قوى، تضغط عليه في أي شيء، فهو سبحانه مُنزَّه عن كل نقص. وحكوا في دعابات أبي نواس أن أحدهم وسَّطه ليشفع له عند الخليفة هارون الرشيد، فشفع له أبو نواس، لكن الخليفة لم يُجِبْه إلى طلبه، وانتظر الرجل دون جدوى، ففكر في وساطة أخرى، واستشفع بآخر عند زبيدة زوجة الرشيد، فلما كلَّمته أسرع إلى إجابة الرجل، وهنا غضب أبو نواس وعاتب صاحبه الرشيد، لكنه لم يهتم به، فقال له اسمع إذن: ليسَ الشَّفِيعُ الذِي يأتِيكَ مُؤتزراً ... مثْلَ الشَّفِيع الذِي يأتِيكَ عُرْيانا

стр. 13195

ولهذه العناية الإلهية بموسى ﵇ نلحظ أنه لما قال له ربه ﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾ [طه: ٢٤] خاف موسى من هذه المهمة، وكان اسم فرعون في هذا الوقت يُلقي الرعب في النفوس، حتى أن موسى وهارون قالا ﴿رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يطغى﴾ [طه: ٤٥] . لذلك طلب موسى من ربه ما يُعينه على القيام بمهمته: ﴿قَالَ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لي أَمْرِي واحلل عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشدد بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى﴾ [طه: ٢٥٣٧] . أي: أوتيت كل مسئولك ومطلوبك. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ﴾

стр. 13196

اللَّقطُ واللُّقطة: أن تجد شيئاً بدون طلب له، ومنه اللقيط، وهو الطفل الرضيع تجده في الطريق دون قَصْد منك، أو بحث. وكذلك كان الأمر مع التابوت، فقد جاء آل فرعون وهم جلوس لم يَسْمعَوْا

стр. 13197

إليه، ولم يطلبوه، فما أنْ رأوه أخذوه، لكن ما علة التقاطه؟ الزوجة قالت ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] وقالت في حيثية أخرى: ﴿عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ [القصص: ٩] فلم يكن لهم بنون، فأرادوا أخاً للبنت، وأرادته البنت صيدلية علاج، لكن هل ظلتْ هذه العلة قائمة ووجدت فعلاً؟ لا، إنما التقطوه لتقدير آخر ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] لا ليكون قرة عين، فاللام هنا في ﴿لِيَكُونَ﴾ [القصص: ٨] لام العاقبة يعني: كان يفكر لشيء، فجاءت العاقبة بشيء آخر. وفي هذا إشارة وبيان لغباء فرعون والطمس على بصيرته وهو الإله!! فبعد أنْ حذَّره الكهنة، وبعد الرُّؤْيا الي رآها وعِلْمه بخطورة هذا المولود على مُلْكه وعلى حياته يرضى أنْ يُربِّيه في بيته، وهذا دليل صِدْق قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] . ومعنى ﴿وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] يعني حُزْن مثل: عَدَم وعُدْم، وسَقَم وسُقْم، وبَخَل وبُخْل، فالمعنى يأتي بالصيغتين. وقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨] . هم خاطئون؛ لأن تصرفاتهم لا تتناسب مع ما عرفوه من أمر الوليد، فلم يُقدِّروا المسائل، ولم يستنبطوا العواقب، وكان عليهم أن يشكُّوا في أمر طفل جاء على هذه الحالة، فلا بُدَّ أن أهله قصدوا نجاته من يد فرعون.

стр. 13198

معنى ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ﴾ [القصص: ٩] مادة قرَّ تقول: قرَّ بالمكان يعني: أقام وثبت به، ومنه قرور يعني: ثبات، وتأتي قرَّ بمعنى البرد الشديد، ومنه قول الشاعر: أَوْقِدْ فإنَّ الليْلَ لَيْلٌ قُرٌّ ... والرِّيحُ يَا غُلاَمُ رِيحٌ صرّ إنْ جلبْتَ ضَيْفاً فأنتَ حُرّ ... إذن: قرة العين إما بمعنى ثباتها وعدم حركتها، وثبات العين واستقرارها إما يكون ثباتاً حسياً، أو معنوياً، والثبات المعنوي: أنْ تستقر العين على منظر أو شيء بحيث تكتفي وتقنع به، ويغنيها عن التطلُّع لغيره. ومنه قولهم: فلان ليس له تطلعات أخرى، يعني اكتفى بما عنده، ومنه ما قال تعالى مخاطباً نبيه محمداً ﷺ َ: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ﴾ [طه: ١٣١] . لذلك يُسمُّون الشيء الجميل الذي يجذب النظر، فلا ينظر إلى غيره (قيد النظر) يقول الشاعر: سَمَّرْتُ عَيْني في القَمَرِ ... فَنَالَ مِنِّي مَنْ نَظَر يَا ليْتَ لائمي عذر ... فحُسْنه قَيْد النَّظرْ أما الثبات الحسي فيعني: ثبات العين في ذاتها بحيث لا ترى، ومنه قول المرأة للخليفة: أقرَّ الله عينك، وأتم عليك نعمتك. تُوهِم

стр. 13199

أنها تدعو له، وهي في الحقيقة تدعو عليه تقصد: أقرَّ الله عينك. يعني: سكَّنها وجمدها بالعمى، وأتمَّ عليك نعمتك. وتمام الشيء بداية نقصه على حَدِّ قول الشاعر: إذَا تَمَّ شَيء بَدَا نَقْصُه ... ترقَّبْ زَوَالاً إذاَ قِيلَ تَمّ أما القرُّ بمعنى البرد، فمن المعلوم عن الحرارة أن من طبيعتها الاستطراق والانتشار في المكان، لكن حكمة الله خرقتْ هذه القاعدة في حرارة جسم الإنسان، حيث جعل لكل عضو فيه حرارته الخاصة، فالجلد الخارجي تقف حرارته الطبيعية عند ٣٧ْ، في حين أن الكبد مثلاً لا يؤدي مهمته إلا عند ٤٠ْ. أما العين فإذا زادتْ حرارتها عن ٩ْ تنصهر، ويفقد الإنسان البصر، والعجيب أنهما عضوان في جسم واحد، فهي آية من آيات الله في الخلق، لذلك حين ندعو لشخص نقول له: أقرَّ الله عينك يعني: جعلها باردة سالمة، ألاَ ترى أن الإنسان إذا غَضِب تسخنُ عينه ويحمّر وجهه؟ فالمعنى هنا ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] يعني يكون نعمة ومتعة لنا، نفرح به ونقنع، فلا ننظر إلى غيره. وفي موضع آخر يشرح لنا الحق سبحانه قُرَّة العين: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلاً أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ [الأحزاب: ١٨١٩] . فهؤلاء تدور أعينهم هنا وهناك كما نقول نحن: (فلان عينه لا يجة) يعني: لا تهدأ، إما من خوف، أو من قلق، أو من اضطراب، وهذا كله ينافي قُرَّة العين.

стр. 13200

وقولها بعد ذلك ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص: ٩] تعني: أنهم فعلاً هَمُّوا بقتله، ففي بالهم إذن أن هلاك فرعون على يدي هذا الطفل، وهم على يقين من ذلك. ﴿عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩] يعني: لا يشعرون بنفعه لهم أو عدم نفعه، وهل سيكون لهم ولداً أم عدواً؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى﴾
следующие страницы →