Полный текст (14 757 стр.). Показаны 13266–13305 · переход к 13271.
стр. 13266
فهو استكبار بحق؛ لذلك نقول حين يصف الحق ﵎ نفسه بأنه العظيم المتكبّر نقول: هذا حق. لأنه حماية لنا جميعا من أنْ يتكبَّر بعضنا على بعض.
وقوله تعالى: ﴿وظنوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٣٩] فاستكبارهم في الأرض جاء نتيجة ظنهم بأنهم لن يرجعوا إلى الله، وأنه تعالى خلقهم ورزقهم، ثم تفلَّتوا منه، ولن يعودوا إليه، لكن هيهات، لا بُدَّ - كما نقول - لهم رَجْعة.
стр. 13267
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين﴾
كأن الحق سبحانه لم يُمهلهم إلى أن يعودوا إليه يوم القيامة، إنما عاجلهم بالعذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ. .﴾ [القصص: ٤٠] أي: جميعاً في قبضة واحدة، التابع والمتبوع ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم﴾ [القصص: ٤٠] ألقينا بهم في البحر، وهذا الأخذ الذي يشمل الجميع في قبضة واحدة يدلُّ على قدرة الآخذ، وهذه مسألة لا يقدر عليها إلا الله القوي العزيز.
كما قال سبحانه: ﴿وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] .
стр. 13268
ولم يُوصَف أخْذ الإنسان بالقوة إلا في قوله تعالى يحثُّنا على أنْ نأخذ مناهج الخير بقوة: ﴿خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ ... ﴾ [البقرة: ٩٣] .
ثم يقول سبحانه: ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين﴾ [القصص: ٤٠] أي: نهايتهم وقد جاءت عجيبة من عجائب الزمن وآية من آيات الله، فالبحر والماء جُنْد من جنود الله، تنصر الحق وتهزم الباطل، وقد ذكرنا كيف أنجى الله موسى ﵇ وأهلك فرعون بالشيء الواحد حين أمر الله موسى أنْ يضرب بعصاه البحر، فصار كل فِرْق كالطود العظيم.
فلما أنْ جازه موسى وقومه إلى الناحية الأخرى أراد أنْ يضرب البحر مرة أخرى؛ ليعود الماء إلى سيولته واستطراقه فيصُحِّح الله له ويأمره أنْ يدَعَهُ على حاله، فالحق - تبارك - وتعالى - يتابع نبيه موسى خُطْوة بخطوة كما قال له: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] .
وحاشا لله أن يُكلِّفه بأمر ثم يتركه، ولما رأى فرعون الطريق اليابس أمامه عبر بجنوده، فأطبقه الله عليهم، فصاروا آية وعبرة، كما قال سبحانه: ﴿فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ... ﴾ [يونس: ٩٢] .
وتأمَّلْ قدرة الله التي أنجَتْ موسى من الغرق، وقد ألقتْه أمه بيديها في الماء، وأغرقتْ فرعون.
стр. 13269
أئمة: جمع إمام، وهو مَنْ يُؤتَم به، والمأموم أسيرُ إمامه، فلو كنا في الصلاة لا نركع حتى يركع، ولا نرفع حتى يرفع، فمتابعتنا له واجبة، فإنْ أخطأ وجب على المأموم أنْ يُنبِّهه وأن يُذكِّره يقول له: سبحان الله، تنبه لخطأ عندك، إذن: نحن مأمومون له في الحق فقط، فإنْ أخطأ عدَّلْنا له.
والإمام أُسْوة وقدوة للمأمومين في الخير ومنهج الحق، كما قال تعالى في حَقِّ نبيه إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ... ﴾ [البقرة: ١٢٤] .
وعندها أراد إبراهيم ﵇ أنْ تظلَّ الإمامة في ذريته من بعده، فقال ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ... ﴾ [البقرة: ١٢٤] فصحَّح الله له وأعلمه أن الإمامة لا تكون إلا في أهل الخير ﴿قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤] .
لذلك لما دعا نوح ﵇ ربه: ﴿رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي ... ﴾ [هود: ٤٥] صحح الله له ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ... ﴾ [هود: ٤٦] .
إذن: أهلية النبوة وأهلية الإمامة عمل وسلوك لا قرابة ولا نَسَب.
وقد تكون الإمامة في الشر، كهذه التي نتحدث عنها: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار ... ﴾ [القصص: ٤١] فهم أُسْوة سيئة وقدوة للشر، وقد جاء في الحديث الشريف: «من سَنَّ سُنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومَنْ سنَّ سُنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة» .
стр. 13270
ويقول تعالى في أصحاب القدوة السيئة: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... ﴾ [النحل: ٢٥] .
فكان فرعون وملؤه أسوة في الشر، وأسوة في الضلال والإرهاب والجبروت، وكذلك سيكونون في الآخرة أئمة وقادة، لكن إلى النار ﴿وَيَوْمَ القيامة لاَ يُنصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] .
стр. 13271
قوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُم ... ﴾ [القصص: ٤٢] يعني: جعلنا من خلفهم: ﴿فِي هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً ... ﴾ [القصص: ٤٢] فكل مَنْ ذكرهم في الدنيا يقول: لعنهم الله، فعليهم لعنة دائمة باقية ما بقيتْ الدنيا، وهذا اللعْن والطرد من رحمة الله ليس جزاء أعمالهم، إنما هو مقدمة لعذاب بَاقٍ وخالد في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ ... ﴾ [الطور: ٤٧] .
﴿وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مِّنَ المقبوحين﴾ [القصص: ٤٢] مادة: قبح، تقول للشرير: قبَّحك الله، أي: طردك وأبعدك عن الخير. ولها استعمال آخر: تقول: قَبَحْتُ الدُّمل أي: فتحته ونكأته قبل نُضْجه فيخرج منه الدم مع الصديد ويشوه مكانه.
وسبق أنْ قُلْنا: إن الدُّمَّل إذا تركته للصيدلية الربانية في جسمك حتى يندمل بمناعة الجسم ومقاومته تجده لا يترك أثراً، أما إنْ تدخلت فيه بالأدوية والجراحة، فلا بُدَّ أنْ يترك أثراً، ويُشوِّه المكان.
стр. 13272
ويكون المعنى إذن: ﴿هُمْ مِّنَ المقبوحين﴾ [القصص: ٤٢] أي: الذين تشوَّهَتْ وجوههم بعد نعومة الجلد ونضارته، وقد عبَّر القرآن عن هذا التشويه بصور مختلفة.
يقول تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١] .
ويقول سبحانه ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ... ﴾ [آل عمران: ١٠٦] .
ويقول: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: ١٠٢] .
ومعلوم أن زُرْقة الجسم لا تأتي إلا نتيجة ضربات شديدة وكدَمات تُحدِث تفاعلات ضارة تحت الجلد، فتُسبِّب زُرْقته، وكذلك زُرْقة العين، ومن أمراض العيون المياه الزرقاء، وهي أخطر من البيضاء.
لذلك يقول الشاعر:
وَللْبخيلِ عَلَى أَمْواله عِلَلٌ ... زُرْق العُيونِ عَليْها أَوْجُه سُودُ
لأنه حريص على أمواله ولا يريد إنفاقها.
ويُستخدم اللون الأزرق للتبشيع والتخويف، وقد كانوا في العصور الوسطى يَطْلُون وجوه الجنود باللون الأزرق لإخافة الأعداء وإرهابهم، وتعارف الناس أنه لَوْن الشيطان؛ لذلك نقول في لغتنا العامية (العفاريت الزرق) ونقول في الذم: (فلان نابه أزرق) .
ويقول الشاعر:
أَيَقْتلُنِي والمْشرَفيُّ مُضاجِعي ... ومَسْنُونَة زُرْقٌ كأنْيابِ أغْوالِ
стр. 13273
أما السواد فيقُصد به الوجه المشوّه المنفِّر، وإلا فالسواد لا يُذَم في ذاته كلون، وكثيرا ما نرى صاحب البشرة السوداء يُشع جاذبية وبشاشة، بحيث لا تزهد في النظر إليه، ومعلوم أن الحُسْن لا لونَ له.
والله تعالى يَهبُ الحُسْن والبشاشة ويُشِعّهما في جميع الصور. وقد ترى للون الأسود في بعض الوجوه أَسْراً وإشراقاً، وترى صاحب اللون الأبيض كالحاً، لا حيوية فيه.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب ... ﴾ .
стр. 13274
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى ... ﴾ [القصص: ٤٣] قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، يعني: أن موسى ﵇ جاء بَرْزخاً وواسطة بين رسل كذَّبتهم أممهم، فأخذهم الله بالعذاب، ولم يقاتل الرسل قبل موسى، إنما كان الرسول منهم يُبلِّغ الرسالة ويُظهر الحجة، وكانوا هم يقترحون الآيات، فإنْ أجابهم الله وكذَّبوا أوقع الله بهم العذاب.
كما قال سبحانه:
﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ
стр. 13275
الصيحة وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠] .
وهذا كله عذاب استئصال، لا يُبقي من المكذبين أحداً.
ثم جاء موسى ﵇ برزخاً بين عذاب الاستئصال من الله تعالى للمكذِّبين دون تدخُّل من الرسل في مسألة العذاب، وبين رسالة محمد ﷺ َ، حيث أمره الله بقتال الكفار والمكذّبين دون أن ينزل بهم عذاب الاستئصال، ذلك لأن رسالته عامة في الزمان وفي المكان إلى أن تقوم الساعة، وهو ﷺ َ مأمون على حياة الخَلْق أجمعين.
لذلك يقول تعالى في مسألة القتال في عهد موسى ﵇: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ مِن بني إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ موسى ... ﴾ [البقرة: ٢٤٦] إنما في عهده وعصره ﴿إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعث لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦] .
стр. 13276
وقد ورد أن سيدنا رسول الله ﷺ َ قال «ما عذَّب الله قوماً ولا قرناً، ولا أمة، ولا أهلَ قرية منذ أنزل الله التوراة على موسى» .
كأن عذاب الاستئصال انتهى بنزول التوراة، ولم يستثْن من ذلك إلا قرية واحدة هي (أيلة) التي بين مدين والأردن.
والحق ﵎ يعطينا أول تجربة لمهمة، وتدخّل الرسل في قصة موسى ﵇.
وروُى عن أبي أمامة أنه قال: وإني لتحت رَحْل رسول الله - يعني: ممسكاً برحْل ناقة الرسول - يوم الفتح، فسمعته يقول كلاماً حسناً جميلاً، وقال فيما قال: «أيُّما رجل من أهل الكتاب يؤمن بي فَلَهُ أجران - أي: أجر إيمانه بموسى، أو بعيسى، وأجر إيمانه بي - له ما لنا وعليه ما علينا» .
وهذا يعني أن القتال لم يكُنْ قد كُتِب عليهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب ... ﴾ [القصص: ٤٣] أي التوراة: ﴿مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى. .﴾ [القصص: ٤٣] أي: بدون تدخُّل الأنبياء ﴿بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ.
. .﴾ [القصص: ٤٣] أي: آتيناه الكتاب ليكون نوراً يهديهم، وبصيرة ترشدهم، وتُنير قلوبهم ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً ... ﴾ [القصص: ٤٣] هدى إلى طريق الخير ورحمة تعصم
стр. 13277
المجتمع من فساد المناهج الباطلة، وتعصمهم أن يكونوا من أهل النار ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] .
والتذكر يعني: أنه كان لديك قضية، ثم نسيتها فاحتجْتَ لمن يُذكرك بها، فهي ليست جديدة عليك، هذه القضية هي الفطرة:
﴿فِطْرَتَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا ... ﴾ [الروم: ٣٠] .
لكن هذه الفطرة السليمة تنتابها شهوات النفس ورغباتها، وتطرأ عليها الغفلة والنسيان؛ لذلك يذكِّر الحق سبحانه الناس بما غفلوا عنه من منهج الحق، إذن: في الفطرة السليمة المركوزة في كل نفس مُقوِّمات الإيمان والهداية، لولا غفلة الإنسان.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي ... ﴾ .
стр. 13278
قوله: ﴿بِجَانِبِ الغربي ... ﴾ [القصص: ٤٤] أي: الجانب الغربي من البقعة المباركة من الشجرة، وهو المكان الذي كلَّم الله فيه موسى وأرسله ﴿إِذْ قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر ... ﴾ [القصص: ٤٤] يعني: أمرناه به أمراً مقطوعاً به، وهو الرسالة.
﴿وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين﴾ [القصص: ٤٤] .
ولك أنْ تسأل: إذا لم يكُنْ رسول الله ﷺ َ شاهداً لهذه الأحداث، فمَنْ أخبره بها؟ نقول: أخبره الله تعالى، فإنْ قُلْت فربما أخبره بها شخص آخر، أو قرأها في كتب السابقين.
стр. 13279
نقول: لقد شهد له قومه بأنه أُميٌّ، لا يقرأ ولا يكتب، ولم يُعْلَم عنه أنه جلس في يوم من الأيام إلى مُعلِّم، كذلك كانوا يعرفون سيرته في حياته وسفرياته ورحلاته، ولم يكُنْ فيها شيء من هذه الأحداث.
لذلك لما اتهموا رسول الله أنه جلس إلى معلم، وقالوا: كما حكى القرآن: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ... ﴾ [النحل: ١٠٣] ردَّ القرآن عليهم في بساطة: ﴿لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] .
وكانوا يقصدون بذلك حدادين روميين تردد عليهما رسول الله. وكذلك كانت الأمة التي بُعِث فيها رسول الله أمة أمية، فمَّمن تعلَّم إذن؟
وإذا كانت الأمية صفة مذمومة ننفر منها، حتى أن أحد سطحيي الفهم يقول: لا تقولوا لرسول الله أميٌّ ونقول: إن كانت الأمية مَذمَّة، فهي ميزة في حق رسول الله ﷺ َ؛ لأن الأمي يعني المنسوب إلى الأم وما يزال على طبيعته لا يعرف شيئاً.
واقرأ قوله تعالى: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ... ﴾ [النحل: ٧٨] ونقول في المثل (فلان زي ما ولدتْه أمه) يعني: لا يعرف شيئاً، وهذه مذمة في عامة البشر؛ لأنه لم يتعلم ممَّنْ حوله، ولم يستفِدْ من خبرات الحياة.
стр. 13280
أما الأمية عند رسول الله فشرف؛ لأن قصارى المتعلِّم في أيِّ أمة من الأمم أنْ يأخذ بطرفٍ من العلم من أمثاله من البشر، فيكون مديناً له بهذا العلم، أمَّا رسول الله فقد تعلم من العليم الأعلى، فلم يتأثر في علمه بأحد، وليس لأحد فضل عليه ولا منة.
لذلك تعجب الدنيا كلها من أمة العرب، هذه الأمة الأمية المتبدية التي لا يجمعها قانون، إنما لكل قبيلة فيها قانونها الخاص، يعجبون: كيف سادتْ هذه الأمةُ العالمَ، وغزتْ حضارتهم الدنيا في نصف قرن من الزمان.
ولو أن العرب أمة حضارة لقالوا عن الإسلام قفزة حضارية، كما قالوا بعد انتصارنا في أكتوبر، وبعد أن رأى رجالنا أشياء غير عادية تقاتل معهم، حتى أنهم لم يشكُّوا في أنها تأييد من الله تعالى لجيش بدأ المعركة بصيحة الله أكبر، لكن ثالث أيام المعركة طلع علينا في جرائدنا من يقول: إنه نصر حضاري، وفي نفس اليوم فُتحت الثغرة في (الدفرسوار) .
وعجيب أمر هؤلاء من أبناء جلدتنا؛ لماذا تردُّون فضل الله وتنكرون تأييده لكم؟ وماذا يضايقكم في نصر جاء بمدد من عند الله؟ ألم تقرأوا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ... ﴾ [المدثر: ٣١] وبعد أن فُتحت الثغرة ماذا قدمتم لسدِّها، تعالوا بفكركم الحضاري وأخرجونامن هذا المأزق.
وإذا ثَقُلَ على هؤلاء الاعتراف بجنود الله بين صفوفهم، أليس المهندس الذي اهتدى إلى فكرة استخدام ضغط الماء في فتح الطريق في (بارليف) لينفذ منه الجنود، أليس من جنود الله؟
стр. 13281
لقد أخذتْ منَّا هذه الفكرة كثيراً من الوقت والجهد دون فائدة، إلى أن جاء هذا الرجل الذي نوَّر الله بصيرته وهداه إلى هذه العملية التي لم تَأْتِ اعتباطاً، إنما نتيجة إيمان بالله وقُرْب منه سبحانه وتضرُّع إليه، فجزاه الله عن مصر وعن الإسلام خيراً.
ومن العجيب، بعد نهاية الحرب أنْ يُجروا للحرب بروفة تمثيلية، فلم يستطيعوا اجتياز خط بارليف، وهم في حال أمْن وسلام.
نعود إلى قضية الأمية ونقول لمن ينادي بمحو الأمية عند الناس بأن يعلمهم من علم البشر؛ ليتكم قُلْتُم نمحو الأمية عندهم لنعلمهم عن الله.
إذن: فقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي إِذْ قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين﴾ [القصص: ٤٤] يعني: ما رأى محمد هذه الأحداث ولا حضرها، ومنه قوله تعالى عن شهر رمضان: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ... ﴾ [البقرة: ١٨٥] يعني: حضره.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ ... ﴾ .
стр. 13282
أهل مدين هم قوم شعيب ﵇، وكان لهم شُغُل بالقراءة، لذلك قال تعالى لنبيه محمد ﷺ َ: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِياً ... ﴾ [القصص: ٤٥] أي: مقيماً ﴿في أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ... ﴾ [القصص: ٤٥] أي: تلاوة المتعلم كما يتلو التلميذ على أستاذه ليُصحِّح له
стр. 13283
﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥] أي: أن الرسالات كلها منا: مَنْ كان يقرأ، ومن كان أمياً.
стр. 13284
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا ... ﴾ [القصص: ٤٦] أي: موسى ﵇ ﴿ولكن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ... ﴾ [القصص: ٤٦] أي: أنك يا محمد ما شهدت هذه الأحداث، إنما جاءتْك بالفضل من الله ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦] يتذكَّرون ما غفلوا عنه من الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.
وكلمة (وما كنت) في مواضع عدة في القرآن تدل على أن رسول الله جاء بأخبار لم يقرأها في كتاب، ولم يسمعها من مُعلِّم؛ لأنه لا يقرأ، ولم يُعرف عنه أنه جلس إلى مُعلِّم، وأهل الكتاب هم الذين يعرفون صدْق هذه الأخبار؛ لأنها ذُكِرت في كتبهم، لذلك قال القرآن عنهم: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ. .﴾ [الأنعام: ٢٠] .
ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصحف الأولى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩] .
ومن علامات النبوة أن يخرق الحق سبحانه لنبيه ﷺ َ حُجُب الغيب، والشيء يغيب عنك إما لأنه ماضٍ، ولا وسيلةَ لك إليه، وهذا هو حجاب الزمن الماضي، وهو لا يُعرف إلا بواسطة القراءة في
стр. 13285
كتاب أو التعلم من مُعلِّم، وقد نفى الله تعالى هذا بالنسبة لرسوله ﷺ َ، وإما أن يكون الحجابُ الزمن المستقبل والأحداث التي لم تأْتِ بعْد، ولا يستطيع أن يخبرك بها إلا الذي يعلمها أزَلاً.
لذلك يقول تعالى لنبيه ﷺ َ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى﴾ [الأعلى: ٦] فكان النجم من القرآن ينزل على رسول الله فلما يُسرى عنه يُمليه على أصحابه، كل آية في مكانها وترتيبها من السورة، ثم يقرؤها بعد ذلك كما أُنزلت، وكما أملاها.
وسبق أنْ قُلْنا: تستطيع أن تتحدَّى أيَّ شخص بأن يتكلم مثلاً لمدة ثُلث الساعة، ثم يعيد ما قال، ولن يستطيع، أما المسألة مع سيدنا رسول الله فتختلف؛ لأنها من الله تعالى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى﴾ [الأعلى: ٦] .
وقلنا: إن سيدنا رسول الله ﷺ َ في أول نزول القرآن عليه كان يُردد الآية خلف جبريل ﵇ مخافة أن ينساها، فإنْ قال جبريل: ﴿والضحى﴾ [الضحى: ١] قال رسول الله ﴿والضحى﴾ [الضحى: ١] وهكذا، فأنزل الله عليه: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٨] .
وقال سبحانه: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ... ﴾ [طه: ١١٤] .
أي: أرح نفسك يا محمد، ولا تخْشَ النسيان، وانتظر حتى تنتهي الآيات، وسوف تعيدها كما هي، لا تَنْسى منها حرفاً واحداً.
стр. 13286
ومن كشف حُجُب الغيب المستقبل قوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ... ﴾ [النحل: ٨] ولو انتهتْ الآية إلى هذا الحدِّ لقالوا: ذكر القرآن البدائيات، ولم يذكر شيئاً عن السيارة والصاروخ. . إلخ.
لكن الحق ﵎ يكمل الآية
﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] ليجعل في القرآن رصيداً لكل ما يستجد من وسائل المواصلات والانتقال إلى يوم القيامة.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦] فكلُّ شيء في الوجود قائم على الزوجين ذكورةً وأنوثة حتى الجمادات التي لا نرى فيها حياة.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الم غُلِبَتِ الروم في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ... ﴾ [الروم: ١ - ٤]
فمَنْ يستطيع أن يحكم على نتيجة معركة بعد سبع سنين؟ وبعد ذلك يُصدِّقه الله، وتنتصر الروم، وكانوا أهل كتاب على الفرس، وكانوا يعبدون النار؛ لذلك قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله ... ﴾ [الروم: ٤ - ٥] .
ولما تشوَّق الصحابة لأداء العمرة ونزل على رسول الله قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَآءَ الله آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الفتح: ٢٧] .
стр. 13287
«فخرج بهم رسول الله حتى بلغوا الحديبية على بُعْد ٢٢ كيلو من مكة تعرَّضَتْ لهم قريش، ومنعتهم من العمرة، واشترطوا عليهم العودة في العام المقبل، وقد كتبوا وثيقة تعاهدوا فيها، فلما أملى رسول الله على الكاتب: هذا ما تعاهد عليه محمد رسول الله، قام عمرو بن سهيل فقال: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما حاربناك ولا رددناك، إنما اكتب: هذا ما تعاهد عليه محمد بن عبد الله.
وعندها ثار صحابة رسول الله وغضبوا حتى راجعوا رسول الله فقال عمر: يا رسول الله ألسْنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى قال: فَلِمَ نعطى الدَّنية في ديننا، فقال الصِّديق: الزم غَرْزَهُ يا عمر، يعني قف عند حدَّك - إنه رسول الله.
ولما أصر علي بن أبي طالب أن يكتب محمد رسول الله نظر إليه رسول الله، وقال:» يا علي ستُسام مثلها فتقبل «ومرَّتْ الأيام والسنون، وقُبض رسول الله، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فلما تولّى عليٌّ الخلافة وحدثت الفتنة بينه وبين معاوية، وقامت بينهما حرب الجمل ثم صفِّين حتى اضطر عليّ لأنْ يكتب مع معاوية وثيقة لإنهاء القتال أملى عليّ: هذا ما تعاهد عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، فقالوا له: لو أنك أمير المؤمنين ما حاربناك، فاسترجع عليٌّ قول رسول الله:» سَتُسام مثلها فتقبل «.
стр. 13288
إذن: خرق الله لرسوله حجاب الزمن الماضي، والزمن المستقبل، فماذا عن الزمن الحاضر؟ وكيف يكون خرق الحجاب فيه؟ هذا في مثل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ ... ﴾ [المجادلة: ٨] فأطلعه الله على ما في نفوس القوم.
وفي غزوة مؤتة، وهي الغزوة الوحيدة التي لم يحضرها رسول الله ﷺ َ، ومع ذلك سُمِّيت غزوة - لأن الغزوة لا تُقَال إلا للمعركة التي حضرها رسول الله، أما في مؤتة فقد حضرها وشاهدها وهو في المدينة، حيث كشف الله له حجاب الحاضر، فصار يخبر أصحابه في المدينة بما يجري في مؤتة وكأنها رَأْيُ العين.
ويومها تولى القيادة جماعة من كبار الصحابة: زيد بن حارثة، وابن رواحة، وجعفر بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، فكان ﷺ َ يقول: قُتِل فلان وسقطت الراية، فأخذها فلان وقُتِل وحملها فلان. . إلخ فلما عادوا من الغزوة أخبروا بنفس ما أخبر به رسول الله ﷺ َ.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ولولا أَن تُصِيبَهُم ... ﴾ .
стр. 13289
المعنى: لولا أن تصيبهم مصيبة بما قدَّمَتْ أيديهم لَعذَّبناهم فاحتجوا قائلين: ﴿رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ
стр. 13290
المؤمنين﴾ [القصص: ٤٧] فلو عذَّبهم الله دون أن يرسل إليهم رسولاً لكانت حجة لهم.
وسبق أنْ قُلْنا: إنه لا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنصٍّ ولا نصَّ إلا بإعلام، لذلك تُنشر الأحكام في الوقائع الرسمية ليعرفها الجميع، فتلزمهم الحجة، ولا يُعْذَر أحد بالجهل بالقانون، ولا يُعفى من العقاب.
إذن: قطع الله عليهم الحجة، حين بعث إليهم رسول الله بمنهج الحق الذي يدلهم على الخير والثواب عليه في الجنة، ويحذرهم من الشر والعقاب عليه في النار ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ... ﴾ [النساء: ١٦٥] .
إذن: الحكمة من إرسال الرسول إقامة الحجة على المرسَل إليهم مجرد إقامة الحجة؛ لأن قضايا الدين قضايا حقٍّ فطري يهتدي إليها العقل السليم بفطرته؛ لذلك وقف المستشرقون طويلاً عند شخصية عمر ﵁.
يقولون: تذكرون عمر في كل شيء: في العدل تقولون عمر، وفي القوة تقولون عمر، وفي وجود رسول الله تقولون نزل القرآن موافقاً لكلام عمر، أليس عندكم إلا عمر؟
وكأن الحق ﵎ يدلُّنا بشخصية عمر إلى أنه سبحانه لم يُكلِّفنا بقضايا تنفر منها الفطرة، إنما بقضايا تقبلها فطرتنا السليمة، وتهتدي إليها بطبيعتها السوية الخالية من الهوى، وهذا عمر لم يكُنْ نبياً ولا رسولاً، لكن كان يصل إلى الحق بما فيه من فطرة إيمانية وعقلية سالمة من الأهواء، حتى وصلت به الفطرة السليمة إلى أنْ ينطق القرآن بنفس ما نطق به.
стр. 13291
وكلمة ﴿ولولا ... ﴾ [القصص: ٤٧] تأتي بأحد معنيين: إنْ دخلتْ على الجملة الاسمية فهي حرف امتناع لوجود، كما لو قلت: لولا زيد عندك لَزرتُكَ، فامتنعتْ الزيارة لوجود زيد، ومن هذه قوله تعالى: ﴿ولولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ ... ﴾ [القصص: ٤٧] والتقدير: لولا إصابتهم.
فإنْ دخلتْ (لولا) على الجملة الفعلية أفادتْ الحثَّ والحضَّ، كما تقول لولدك: لولا ذاكرتَ دروسك، وكذلك لولا الثانية في الآية ﴿فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ [القصص: ٤٧] .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا ... ﴾ .
стр. 13292
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا ... ﴾ [القصص: ٤٨] أي: الرسول الذي طلبوه ﴿قَالُواْ لولا أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ موسى ... ﴾ [القصص: ٤٨] سبحان الله، إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذَكُوراً، لقد طلبتم مجرد
стр. 13293
الرسول ولم تطلبوا معه معجزة معينة فقلتم: ﴿رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ... ﴾ [القصص: ٤٧] والآن تطلبون آيات حِسيِّة كالتي أرسل بها موسى من قبل.
والمتأمل يجد أن الآيات قبل محمد ﷺ َ كانت آيات حِسيِّة كونية، مثل سفينة نوح ﵇، وناقة صالح ﵇، وعصا موسى ﵇، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله بالنسبة لسيدنا عيسى ﵇. وهذه كلها معجزات حسية تنتهي بانتهاء وقتها، فهي مناسبة للرسل المحدودي الزمن، والمحدودي المكان.
أما الرسول الذي أُرسِلَ للناس كافَّة في الزمان وفي المكان، فلا تناسبه الآية الحسيِّة الوقتَية؛ لأنها ستكون معجزة لزمانها، وتظل العصور فيما بعد بلا معجزة، لذلك جاء الحق ﵎ على يد محمد ﷺ َ بمعجزة باقية خالدة محفوظة بحِفْظ الله إلى يوم القيامة.
وقلنا: إن الرسل قبل محمد ﷺ َ كان الرسول يأتي بمعجزة تثبت صِدْق بلاغه عن الله، ومعه كتاب يحمل منهجه، فالكتاب غير المعجزة، أما محمد ﷺ َ فجاءت معجزته هي عَيْن الكتاب والمنهج الذي أُرسِل به ليظل الدليل على صِدْقه باقياً مع المنهج الذي يطالب الناس به، وإلى أن تقوم الساعة نظل نقول: محمد رسول الله معجزته هي عَيْن الكتاب والمنهج الذي أُرسل به ليظل الدليل على صِدقْه باقياً مع المنهج الذي يطالب الناس به، وإلى أن تقوم الساعة نظل نقول: محمد رسول الله وهذه معجزته.
أمَّا إخوانه من الرسل السابقين فنقول فلان، وكانت معجزته كذا على سبيل الإخبار، والخبر يحتمل الصِّدْق ويحتمل الكذب.
стр. 13294
وقد صدَّقنا بهذه المعجزات كلها؛ لأن الله أخبرنا بها في القرآن الكريم، فللقرآن الذي جاء معجزة ومنهجاً الفضل في إبقاء هذه المعجزات؛ لأنه أخبر بها وخلَّد ذكرها.
ثم يرد الله عليهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ ... ﴾ [القصص: ٤٨] ثم يحكي ما قالوا عن معجزة موسى، وعن معجزة محمد ﴿قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ... ﴾ [القصص: ٤٨] أي: أن موسى جاء بسحر، ومحمد جاء بسحر آخر، وقد ﴿تَظَاهَرَا. .﴾ [القصص: ٤٨] علينا يعني: تعاونا، وهي مأخوذة من الظهر كأنك قُلْت: أعطني ظهرك مع ظهري لنحمل الحِمْل معاً، والظهْر محلُّ الحمل.
والرد على هذا الاتهام يسير، فمعجزة موسى وإنْ كانت من جنس السحر إلا أنها ليست سحْراً، فالسحر يُخيِّل لك أن الحبال حية تسعى، أمّا ما فعله موسى فكان قلب العصا إلى حية حقيقية تسعى وتبتلع سحرهم، لذلك أُلقي السحرة ساجدين؛ لأنهم رأوا معجزة ليستْ من جنس ما نبغوا فيه فآمنوا من فورهم.
أما الذين قالوا عن محمد ﷺ َ: إنه ساحر فالردُّ عليهم بسيط: فلماذا لم يسحركم أنتم أيضاً كما سحر المؤمنين به؟
ثم يؤكدون كفرهم بكل من الرسولين: موسى ومحمد: ﴿وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨] .
стр. 13295
معنى ﴿قُلْ ... ﴾ [القصص: ٤٩] أي: في الردّ عليهم ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابٍ
стр. 13296
مِّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَآ ... ﴾ [القصص: ٤٩] أي: أهدى من التوراة التي جاء بها موسى، وأهدى من القرآن الذي جاء به محمد ما دام أنهما لم يُعجباكم ﴿أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩] يعني: لو جئتمُ به لاتبعته.
وهذا يعني منهجين: منهج حقٍّ جاء به محمد، ومنهج باطل يُصرون هم عليه، وهذا التحدي من سيدنا رسول الله للكفار يعني أنه لا يوجد كتاب أهدى مما جاء به، لا عند القوم، ولا عند مَنْ سيأتي من بعدهم، وحين يُقر لهم رسول الله بإمكانية وجود كتاب أَهْدى من كتابه يطمعهم في طلبه، فإذا طلبوه لم يجدوا كتاباً أهدى منه، فيعرفوا هم الحقيقة التي لم ينطق بها رسول الله، وهل يستطيع بشر أن يضع للناس منهجاً أهدى من منهج الله؟
إذن: يقول لهم: ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩] وهو يعلم أنهم غير صادقين، لأن الله تعالى جعل محمداً ﷺ َ خاتَم الرسل، فلن يأتي رُسُل بعده، بحيث يأتي الرسول فتستدركوا عليه فيأتي آخر بكتاب جديد، وأنتم لن تستطيعوا أنْ تأتوا بكتاب من عند أنفسكم؛ لأن كل مُقنّن سيأتي الذي يخدم مذهبه، ويُرضي هواه.
لذلك نقول: ينبغي في المقنِّن ويُشترط فيه:
أولاً: أن يكون على علم واسع، بحيث لا يُسْتدرك عليه فيما بعد، وهذه لا تتوفر في أحد من البشر، بدليل أن القوانين التي وُضِعت في الماضي لم تَعُدْ صالحة الآن ينادي الناس كثيراً بتعديلها، حيث طرأتْ عليهم مسائل جديدة غابتْ عن ذِهْن المشرِّع الأول، فلما جدَّتْ هذه المسائل أتعبت البشر بالتجربة، فَطالبوا بتعديلها.
ثانياً: يشترط في المشرِّع ألاَّ يكون له هوى فيما يُشرِّع للناس،
стр. 13297
ونحن نرى الرأسماليين والشيوعيين، وغيرهم كُلٌّ يشرع بما يخدم مذهبه وطريقته في الحياة؛ لذلك يجب ألاّ يُسند التشريع للناس لأحد منهم؛ لأنه لا يخلو من هوى.
ثالثاً: يُشتَرط فيه ألاَّ يكون منتفعاً بشيء مما يشرع.
وإذا اقتضت مسائل الحياة وتنظيماتها أنْ نُقنّن لها، فلا يُقنِّن لنا من البشر إلا أصحاب العقل الناضج والفكر المستقيم، بحيث يتوفر لهم نُضْج التقنين، لكن إلى أنْ يوجد عندهم نضج التقنين أيّ منهج يسيرون عليه؟
فإنْ حدثتْ فجوة في التشريع عاش الناس بلا قانون، وإلاَّ فما الذي قنَّنَ لأول مُقنِّن؟ الذي قنّن لأول مُقنِّن هو الذي خلق أول مَن خُلق.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فاعلم أَنَّمَا ... ﴾ .
стр. 13298
وهذا يعني أن الله تعالى لم يطاوعهم إلى ما أرادوا، فلم يَأْتِهم بكتاب آخر، لكن كيف كان سيأتيهم هذا الكتاب؟ يجيب الحق ﵎ على هذا السؤال بقوله تعالى: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] .
إذن: الكلام عندهم ليس في الكتاب، إنما فيمن أُنزِل عليه
стр. 13299
الكتاب، وهذا معنى: ﴿فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ ... ﴾ [القصص: ٥٠] .
ثم يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ ... ﴾ [القصص: ٥٠] يعني لا أضل ﴿مِمَّنِ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ الله ... ﴾ [القصص: ٥٠] أي: أتبع هوى نفسه، أما إنْ وافق هواه هوى المشرِّع، فهذا أمر محمود أوضحه رسول الله في الحديث الشريف: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» .
فنحن في هذه الحالة لا نتبع الهوى إنما نتبع الشرع؛ لذلك يقول أحد الصالحين الذين أفنوا عمرهم في الطاعة والعبادة: اللهم إنِّي أخشى ألاَّ تثيبني على طاعتي؛ لأنك أمرتنا أنْ نحارب شهوات أنفسنا، وقد أصبحت أحب الطاعة حتى صارت شهوة عندي.
وأضلُّ الضلال أن يتبع الإنسان هواه؛ لأن الأهواء متضاربة في الخَلْق تضارب الغايات، لذلك المتقابلات في الأحداث موجودة في الكون.
وقد عبَّر المتنبي عن هذا التضارب، فقال:
أَرَى كُلَّنَا يَبْغي الحياةَ لنفسهِ ... حَرِيصاً عَليها مُسْتهاماً بها صبَّا
فحبُّ الجبانِ النفس أوردَهُ التقى ... وحُبُّ الشجاع النفسَ أَوردَهُ الحَربَا
فنحن جميعاً نحب الحياة ونحرص عليها، لكن تختلف وسائلنا، فالجبان لحبه الحياة يهرب من الحرب، والشجاع يُلقي بنفسه في معمعتها مع أنه مُحِبٌّ للحياة، لكنه محب لحياة أخرى أبقى، هي حياة الشهيد.
стр. 13300
وآخر يقول:
كُلُّ مَنْ في الوُجودِ يطلبُ صَيْداً ... غير أنَّ الشباك مُختلِفَات
فالرجل الذي يتصدق بما معه رغم حاجته إليه، لكنه رأى مَنْ هو أحوج منه، وفيه قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ... ﴾ [الحشر: ٩] .
نقول: هذا آثر الفقير على نفسه، لكنه من ناحية أخرى يبغي الأجر ويطمع في عَشْرة أمثال ما أنفق، بل يطمع في الجنة، إذن: المسألة فيها نفعية، فالدين عند المحققين أنانية، لكنها أنانية رفيعة راقية، ليست أنانية حمقاء، الدين يرتقي بصاحبه، ويجعله إيجابياً نافعاً للآخرين، ولا عليه بعد ذلك أن يطلب النفع لنفسه.
فالشرع حين يقول لك: لا تسرق. وحين يأمرك بغضِّ بصرك، وغير ذلك من أوامر الشرع، فإنما يُقيِّد حريتك وأنت واحد، لكن يُقيِّد من أجلك حريات الآخرين جميعاً، فقد أعطاك أكثر مما أخذ منك، فإذا نظرت إلى ما أخذ منك باتباعك للمنهج الإلهي فلا تَنْسَ ما أعطاك.
لذلك حين «نتأمل النبي ﷺ َ وهو يعالج داءات النفوس حينما أتاه شاب من الأعراب الذين آمنوا، يشتكي إليه ضَعْفه أمام النساء، وقلة صبره على هذه الشهوة، حتى قال له: يا رسول الله ائذن لي في الزنا، ومع ذلك لم ينهره رسول الله ﷺ َ، بل علم أنه أمام مريض يحتاج إلى مَنْ يعالجه، ويستل من نفسه هذه الثورة الجامحة، خاصة وقد صارح رسول الله بما يعاني فكان صادقاً مع نفسه لم يدلس عليها.
لذلك أدناه رسول الله، وقال له: يا أخا العرب، أتحب ذلك
стр. 13301
لأمك؟ أتحب ذلك لزوجتك؟ أتحب ذلك لأختك؟ أتحب ذلك لابنتك؟ والشاب في كل هذا يقول: لا يا رسول الله جُعِلْتُ فِداك.
عندها قال ﷺ َ:» كذلك الناس يا أخا العرب لا يحبون ذلك لأمهاتهم ولا لزوجاتهم ولا لأخواتهم ولا لبناتهم «.
فانصرف الشاب وهو يقول: والله ما شيء أبغض إليَّ من الزنا بعدما سمعتُ من رسول الله، وكلما هَمَّتْ بي شهوة ذكرتُ قول رسول الله في أمي، وزوجتي، وأختي، وابنتي.
فالذي يُجرِّيء الناس على المعصية والولوع بها عدم استحضار العقوبة وعدم النظر في العواقب، وكذلك يزهدون في الطاعة لعدم استحضار الثواب عليها.
وسبق أن قلنا لطلاب الجامعة: هَبُوا أن فتى عنده شَرَه جنسي، فهو شرهٌ منطلق يريد أنْ يقضي شهوته في الحرام، ونريد له أن يتوب فقلنا له: سنوفر لك كل ما تريد على أنْ تُلقي بنفسك في هذا (الفرن) بعد أن تُنهي ليلتك كما تحب، ماذا يصنع؟
ثم يقول تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [القصص: ٥٠] وفي مواضع أخرى: ﴿لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ [المائدة: ١٠٨] ، ﴿لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ [البقرة: ٢٦٤] ، وكلها دلَّتْ على أن الله لا يصنع عدم الهداية والتقوى - وإلاَّ فقد هدى الله الجميع هداية الدلالة والإرشاد فلم يأخذ بها هؤلاء فحُرِموا هداية الإيمان.
стр. 13302
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ... ﴾ .
стр. 13303
كلمة ﴿وَصَّلْنَا. .﴾ [القصص: ٥١] تُشعر بأشياء، انفصل بعضها عن بعض، ونريد أنْ نُوصِّلها، فقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] أي: وصَّلنا لهم الرسالات، فكلما انقضى عهد رسول وكفر الناس أتاهم الله برسالة أخرى ليظلَّ الخَلْق مُتصلِين بهدي الخالق وبمنهجه، أو: أن الأمر خاصٌّ برسول الله ﷺ َ، والمعنى وصَّلنا له الآيات، فكلما نزل عليه نجم من القرآن وصَّلنا بنجم آخر حسب الأحداث.
لذلك كانت هذه المسألة من الشبهات التي أثارها خصوم رسول الله، حين قالوا كما حكى عنهم القرآن ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن جُمْلَةً وَاحِدَةً ... ﴾ [الفرقان: ٣٢] فردَّ عليهم القرآن ليبين لهم حكمة نزوله مُنجَّماً: ﴿كَذَلِكَ ... ﴾ [الفرقان: ٣٢] أي: أنزلناه كذلك مُنجَّماً ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان: ٣٢] .
فلو نزل القرآن جملة واحدة لكان التثبيت لرسول الله مرة واحدة، وهو محتاج إلى تثبيت مستمر مع الأحداث التي سيتعرَّض لها، فيوصل الله له الآيات ليظل على ذَكْر من سماع كلام ربه كلما اشتدتْ به الأحداث، فيأتيه النجم من القرآن لَيُسلِّيه، ويُسرِّي عنه ما يلاقي من خصومه.
وحكمة أخرى في قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان: ٣٢] فكلما نزل قِسْط من القرآن سَهُلَ عليهم حفظه وترتيبه والعمل به، كما أن المؤمنين المأمورين بهذا المنهج ستستجد عليهم قضايا، وسوف يسألون فيها رسول الله، فكيف سيكون الجواب عليها إنْ نزل القرآن جملة واحدة.
стр. 13304
لا بُدَّ أن يتأخر الجواب إلى أنْ يطرأ السؤال؛ لذلك يقول تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بالحق وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان: ٣٣] .
وقد ورد الفعل يسألونك في القرآن عدة مرات في سور شتى، فكيف تتأتى لنا الإجابة لو جاء القرآن كما تقولون جملة واحدة، ثم سبحان الله هل اطقتموه مُنجمَّاً حتى تطلبوه جملة واحدة؟
ثم تختم الآية بحكمة أخرى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] فكلما نزل نجم من القرآن ذكَّرهم بما غفلوا عنه من منهج الله.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ ... ﴾ .
стр. 13305
كأن الحق ﵎ يقول لنبيه محمد ﷺ َ: سأجعل خصومك من أهل الكتاب هم الذين يشهدون بصِدْقك؛ لأنهم يعرفونك كما يعرفون أبناءهم، وما جاء في كتابك ذُكرَ في كتبهم وذكِرت صورتك وأوصافك عندهم.
لذلك تجد آيات كثيرة من كتاب الله تُعوِّل على أهل الكتاب في معرفة الحق الذي جاء به القرآن، يقول تعالى: ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾ [الرعد: ٤٣] .
فهم أيضاً شهداء على صدق رسول الله بما عندهم من الكتب السابقة فاسألوهم.
ويقول تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياة الدنيا والآخرة خَيْرٌ وأبقى إِنَّ هذا لَفِي الصحف الأولى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٩] .
следующие страницы →