← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 13231–13270 · переход к 13236.

стр. 13231

الدول (باكستان) أعلنت عن وفرة عندهم في محصول القمح، وأنها ستكفيهم وتفيض عنهم للتصدير، وقبل أنْ ينضج المحصول أصابته جائحة فأهلكته، فاختلفت كل حساباتهم، حتى استوردوا القمح في هذا العام. هذا معنى ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] فالخير منك يا رب، وإنْ سُقْته إليَّ على يد عبد من عبيدك، وفقري لا يكون إلا إليك، وسؤالي لا يكون إلا لك. ولم يكَدْ موسى ﵇ ينتهي من مناجاته لربه حتى جاءه الفرج: ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي﴾

стр. 13232

قوله: ﴿إِحْدَاهُمَا﴾ [القصص: ٢٥] أي: أحدى المرأتين ﴿تَمْشِي عَلَى استحيآء﴾ [القصص: ٢٥] يعني: مُستحية في مجيئها، مُستحية في مِشْيتها ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥] . لما جاءتْه هذه الدعوة لم يتردد في قبولها، وانتهز هذه الفرصة،

стр. 13233

فهو يعلم أنها استجابة سريعة من ربه حين دعاه ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] وهي سبب من الأسباب يَمدُّه الله له، وما كان له أنْ يردَّ أسباب الله، فلم يتأبَّ، ولم يرفض دعوة الأب. ولم يذكر لنا السياق هنا كيف سار موسى والفتاة أبيها، لكن يُرْوَى أنهما سارا في وقت تهبُّ فيه الرياح من خلفها، وكانت الفتاة في الأمام لتدلّه على الطريق، فلما ضمَّ الهواء ملابسها، فوصفت عجيزتها، قال لها: يا هذه، سيري خلفي ودُلِّيني على الطريق. وهذا أدب آخر من آدام النبوة. ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ﴾ [القصص: ٢٥] أي: سيدنا شعيب ﵇ ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص﴾ [القصص: ٢٥] أي: ما كان بينه وبين القبطي ﴿قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين﴾ [القصص: ٢٥] يعني: طمأنه وهدَّأ من رَوْعه.

стр. 13234

وهذا حكم رابع نستفيده من هذه الآيات، نأخذه من قول الفتاة ﴿ياأبت استأجره﴾ [القصص: ٢٦] . وفي قولها دليل على أنها لم تعشق الخروج للعمل، إنما تطلب مَنْ يقوم به بدلاً عنها؛ لِتقَّر في بيتها. ثم تذكر البنت حيثيات هذا العرض الذي عرضته على أبيها ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص: ٢٦] وهذان شرطان لا بُدَّ

стр. 13235

منهما في الأجير: قوة على العمل، وأمانة في الاداء. وقد تسأل: ومن أين عرفتْ البنت أنه قوي أمين؟ قالوا: لأنه لما ذهب ليسقي لهما لم يزاحم الناس، وإنما مال إلى ناحية أخرى وجد بها عُشْباً عرف أنه لا ينبت إلا عند ماء، وفي هذا المكان أزاح حجراً كبيراً لا يقدر على إزاحته إلا عدة رجال، ثم سقى لهما من تحت هذا الحجر، وعرفتْ أنه أمين حينما رفض أن تسير أمامه، حتى لا تظهر له مفاتن جسمها. ويأتي دور الأب، وما ينبغي له من الحزم في مثل هذه المواقف، فالرجل سيكون أجيراً عنده، وفي بيته بنتان، سيتردد عليهما ذهاباً وإياباً، ليلَ نهار، والحكمة تقتضي إيجاد علاقة شرعية لوجوده في بيته؛ لذلك رأى أن يُزوِّجه إحداهما ليخلقَ وَضْعاً، يستريح فيه الجميع: ﴿قَالَ إني أُرِيدُ﴾

стр. 13236

في الأمثال نقول: (اخطب لبنتك ولا تخطب لابنك) ذلك لأن

стр. 13237

كبرياء الأب يمنعه أنْ يعرض ابنته على شاب فيه كلُّ صفات الزوج الصالح وإنْ كان القلة يفعلون ذلك وهذه الحكمة من الأب في أمر زواج ابنته تحلُّ لنا إشكالات كثيرة، فكثيراً ما نجد الشاب سويَّ الدين، سويَّ الأخلاق، لكن مركزه الاجتماعي كما نقول دون مستوى البنت وأهلها، فيتهيب أنْ يتقدّم لها فيُرفض. وفي هذه الحالة على الأب أنْ يُجَرِّىء الشاب على التقدم، وأن يُلمح له بالقبول إن تقدَّم لابنته، كأن يقول له: لماذا لم تتزوج يا ولد حتى الآن، وألف بنت تتمناك؟ أو غير ذلك من عبارات التشجيع. أما أن نرتقي إلى مستوى التصريح كسيدنا شعيب ﴿إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] فهذا شيء آخر، وأدب عَالٍ من العارض، ومن المعروض عليه، وفي مجتمعاتنا كثير من الشباب والفتيات ينتظرون هذه الجرأة وهذا التشجيع من أولياء أمور النبات. ألاَ ترى أن الله تعالى أباح لنا أن نُعرِّض بالزواج لمن تُوفِّى عنها زوجها، قال تعالى: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النسآء﴾ [البقرة: ٢٣٥] ولا تخفي علينا عبارات التلميح التي تلفت نظر المرأة للزواج. وقوله: ﴿على أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] أي: تكون أجيراً عندي ثماني سنوات، وهذا مَهْر الفتاة، أراد به أن يُغلِي من قيمة ابنته، حتى لا يقول زوجها: إنها رخيصة، أو أن أباها رماها عليه. ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن

стр. 13238

شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] يعني: حينما تعايشني ستجدني طيبَ المعاملة، وستعلم أنك مُوفّق في هذا النسب، بل وستزيد هذه المدة محبة في البقاء معنا. فأجاب موسى ﵇: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾

стр. 13239

أي: أنا بالخيار، أقضي ثمانية، أم عشرة ﴿فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] . وقد أخذ العلماء حُكْماً جديداً من هذه الآية، وهو أن المطلوب عند عقد الزواج تسمية المهر، ولا يشترط قبضه عند العقد، فلَك أنْ تُؤجله كله وتجعله مُؤخّراً، او تُؤجل بعضه، وتدفع بعضه. والمهر ثمن بُضْع المرأة، بحيث إذا ماتت ذهب إلى تركتها، وإذا مات الزوج يُؤخَذ من تركته، بدليل أن شعيباً ﵇ استأجر موسى ثماني أو عشر سنين، وجعلها مهراً لابنته. ونلحظ أن السياق هنا لم يذكر شيئاً عن الطعام، مع أن موسى ﵇ كان جائعاً ودعا ربه: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] . لكن يروي أهل السير أن شعيباً ﵇ قدّم لموسى طعاماً، وطلب منه أن يأكل، فقال: أستغفر الله، يعني: أنْ آكل من طعام. كأنه مقابل ما سقى للبنتين الغنم؛ لذلك قال: إنَّا أهل بيت لا نبيع عمل الآخرة بملء الأرض ذهباً، فقال شعيب: كُلْ، فإنَّا أهل بيت

стр. 13240

نطعم الطعام ونقري الضيف، قال: الآن نأكل. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل﴾

стр. 13241

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل﴾ [القصص: ٢٩] أي: الذي اتفق عليه مع شعيب ﵇ ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩] قلنا: إن الأهل تُطلق على الزوجة، وفي لغتنا العامية نقول: معي أهلي أو الجماعة ونقصد الزوجة؛ لذلك لأن الزوجة تقضي لزوجها من المصالح ما لا يقدر عليه إلا جماعة، بل وتزيد على الجماعة بشيء خاص لا يؤديه عنها غيرها، وهو مسألة المعاشرة؛ لذلك حَلَّتْ محلَّ جماعة. ومعنى ﴿آنَسَ﴾ [القصص: ٢٩] يعني: أبصر ورأى أو أحسَّ بشيء من الأُنْس، ﴿الطور﴾ [القصص: ٢٩] اسم الجبل ﴿قَالَ لأَهْلِهِ امكثوا﴾ [القصص: ٢٩] انتظروا ﴿إني آنَسْتُ نَاراً﴾ [القصص: ٢٩] يخبرها بوجود النار، وهذا يعني أنها لم تَرَها كما رآها هو. وهذا دليل على أنها ليست ناراً مادية يُوقِدها بشر، وإلا لاستوى أهله معه في رؤيتها، فهذا إذن أمر خاص به ﴿لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ [القصص: ٢٩] يعني: رجاءَ أنْ أجد مَنْ يخبرنا عن الطريق، ويهدينا إلى أين نتوجه ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النار لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩] .

стр. 13242

الجذوة: قطعة من نار متوهجة ليس لها لَهَب، ومعنى تصطلون أي: تستدفئون بها، وفي موضع آخر قال: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ ... ﴾ [النمل: ٧] يعني: شعلة لها لسان ولهب، فمأربهم - إذن - على هذه الحال أمران: مَنْ يخبرهم بالطريق حيث تاهَتْ بهم الخُطَى في مكان لا يعرفونه، ثم جذوة نار يستدفئون بها من البرد. وفي موضع آخر لهذه القصة لم يذكر قوله تعالى: ﴿قَالَ لأَهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩] وهذا من المآخذ التي يأخذها السطحيون على أسلوب القرآن، لكن بتأمل الموقف نرى أنه أخذ صورة المحاورة بين موسى وأهله. فزوجة وزوجها ضَمَّهما الظلام في مكان موحش، لا يعرفون به شيئاً، ولا يهتدون إلى طريق، والجو شديد البرودة، فمن الطبيعي حين يقول لها: إني رأيت ناراً سأذهب لأقتبس منها أن تقول له: كيف تتركني وحدي في هذا المكان؟ فربما تضلّ أنت أو أضلّ أنا، فيقول لها ﴿امكثوا ... ﴾ [القصص: ٢٩] إذن: لا بُدَّ أن هذه العبارة تكررتْ على صيغتين كما حكاها القرآن الكريم. كذلك في: ﴿سَآتِيكُمْ ... ﴾ [النمل: ٧] وفي مرة أخرى ﴿لعلي آتِيكُمْ ... ﴾ [القصص: ٢٩] قالوا: لأنه لما رأى النار قال: ﴿سَآتِيكُمْ ... .﴾ [النمل: ٧] على وجه اليقين، لكن لما راجع نفسه، فربما طفئت قبل أن يصل إليها استدراك، فقال ﴿لعلي آتِيكُمْ. .﴾ [القصص: ٢٩] على سبيل رجاء غير المتيقن.

стр. 13243

﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ الوادي ... ﴾ .

стр. 13244

وكأن الحق ﵎ يريد أنْ يعطينا خريطة تفصيلية للمكان، فهناك مَنْ قال: من جانب الطور، والجانب الأيمن من الطور. وهنا: ﴿مِن شَاطِىءِ الوادي الأيمن فِي البقعة المباركة مِنَ الشجرة ... ﴾ [القصص: ٣٠] . ومضمون النداء: ﴿ياموسى إني أَنَا الله رَبُّ العالمين﴾ [القصص: ٣٠] سمع موسى هذا النداء يأتيه من كل نواحيه، وينساب في كل اتجاه؛ لأن الله تعالى لا تحيزه جهة؛ لذلك لا تقُلْ: من أين يأتي الصوت؟ وليس له إِلْفٌ بأن يخاطبه الرب ﵎. ومع النداء يرى النار تشتعل في فرع من الشجرة، النار تزداد اشتعالاً، والشجرة تزداد خضرة، فلا النار تحرق الشجرة بحرارتها، ولا الشجرة تُطفيء النار برطوبتها. فهي - إذن - مسألة عجيبة يحَارُ فيها الفكر، فهل يستقبل كُلَّ هذه العجائب بسهولة أم لا بُدَّ له من مراجعة؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ... ﴾ .

стр. 13245

وفي موضع آخر يسأله ربه ليُؤنسه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى﴾ [طه: ١٧] وقلْنا: إن موسى ﵇ أطال في هذا الموقف ليطيل مُدَّة الأُنْس بربه، فلما أحسَّ أنه أسرف وأطال قال: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى﴾ [طه: ١٨] فأطنب أولاً ليزداد أُنْسه بربه، ثم أوجز ليظل أدبه مع ربه. أما هنا فيأتي الأمر مباشرة ليُوظِّف العصا: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ. .﴾ [القصص: ٣١] . وقوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ ... ﴾ [القصص: ٣١] لأنه رأى عجيبة أخرى أعجب مما سبق فلو سلَّمنا باشتعال النار في خُضْرة الشجرة، فكيف نُسلِّم بانقلاب العصا جاناً يسعى ويتحرك؟ وكان من الممكن أنْ تنقلبَ العصا الجافة إلى شجرة خضراء من جنس العصا، وتكون أيضاً معجزة، أما أنْ تتحول إلى جنس آخر، وتتعدَّى النباتية إلى الحيوانية والحيوانية المتحركة المخيفة، فهذا شيء عجيب غير مألوف. وهنا كلام محذوف؛ لأن القرآن الكريم مبنيٌّ على الإيجاز، فالتقدير: فألقى موسى عصاه ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ولى مُدْبِراً ... ﴾ [القصص: ٣١] ذلك ليترك للعقل فرصة الاستنباط، ويُحرِّك الذِّهْن لمتابعة الأحداث. والجانُّ، قُلْنا هو فرخ الحية، وقد صُوِّرَتْ العصا في هذه القصة بأنها: جانٌّ، وثعبان، وحية. وهي صورة ثلاثة للشيء الواحد، فهي في خفَّتِها جانٌّ، وفي طولها ثعبان، وفي غِلَظها حية. ومعنى ﴿ولى مُدْبِراً. .﴾ [القصص: ٣١] يعني: انصرف خائفاً،

стр. 13246

﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ. .﴾ [القصص: ٣١] لم يلتفت إلى الوراء، فناداه ربه: ﴿ياموسى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ ... ﴾ [القصص: ٣١] يعني: ارجع ولا تخَفْ من شيء، ثم يعطيه القضية التي يجب أن تصاحبه في كل تحركاته في دعوته ﴿إِنَّكَ مِنَ الآمنين﴾ [القصص: ٣١] فلم يقل ارجع فسوف أؤمنك في هذا الموقف إنما ﴿إِنَّكَ مِنَ الآمنين﴾ [القصص: ٣١] . يعني: هي قضية مستمرة ملازمة لك؛ لأنك في مَعيّة الله، ومَنْ كان في معية الله لا يخاف، وإلا لو خِفْتَ الآن، فماذا ستفعل أمام فرعون. وهكذا يعطي الحق لموسى ﵇ دُرْبة معه سبحانه، ودُرْبة حتى يواجه فرعون وسَحرته والملأ جميعاً دُرْبة مع سبحانه، ودُرْبة حتى يواجه فرعون وسَحرته والملأ جميعاً دون خوف ولا وَجَل، وليكون على ثقة من نصر الله وتأييده في جولته الأخيرة أمام فرعون. وقد انتفع موسى ﵇ بكل هذه المواقف، وتعلَّم من هذه العجائب التي رآها فزادتْه ثقةً وثباتاً؛ لذلك لما كاد فرعون أنْ يلحقَ بجنوده موسى وقومه، وقالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] استعاد موسى ﵇ قضية ﴿إِنَّكَ مِنَ الآمنين﴾ [القصص: ٣١] فقال بملء فيه: ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] . فحيثية الثقة عند موسى ﵇ هي معيّة الله له، قالها موسى، ويمكن أنْ تكذب في وقتها حالاً، فهاجم البحر من أمامهم، وفرعون من خلفهم، لكنها ثقة مَنْ أمَّنه الله، وجعله في معيَّته وحِفْظه. وهذا الأمن قد كفله الله تعالى لجميع أنبيائه ورسله، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] .

стр. 13247

وقال: ﴿ياموسى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون﴾ [النمل: ١٠] . وقد قُصَّ هذا كله على نبينا محمد ﷺ َ، فانتفع به ووثق في نصر الله، فلما قال له الصِّديق وهما في الغار: يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميْه لرآنَا، قال ﷺ َ: «يا أبا بكر، ما ظنُّك باثنين، الله ثالثهما» . وحكى القرآن قوله ﷺ َ لصاحبه: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا ... ﴾ [التوبة: ٤٠] وما دُمْنا في معيَّة مَنْ لا تدركه الأبصار، فلن تدركنا الأبصار. ثم ينقل الحق - تبارك - وتعالى - موسى ﵇ إلى آية أخرى تضاف إلى معجزاته: ﴿اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ... ﴾ .

стр. 13248

معنى ﴿اسلك يَدَكَ ... ﴾ [القصص: ٣٢] يعني: أدخلها ﴿فِي جَيْبِكَ. .﴾ [القصص: ٣٢] الجيب: فتحة الثوب من أعلى، وسَمَّوْها جَيْباً؛ لأنهم كانوا يجعلون الجيوب مكان حِفْظ الأموال في داخل الثياب حتى لا تُسرق، فكان الواحد يُدخِل يده في قبَّة الثوب لتصل إلى جيبه.

стр. 13249

ونلحظ هنا دقة الأداء القرآني ﴿تَخْرُجْ بَيْضَآءَ ... ﴾ [القصص: ٣٢] ولم يقُلْ بصيغة الأمر: وأخرجها كما قال ﴿اسلك يَدَكَ ... ﴾ [القصص: ٣٢] وكأن العملية عملية آلية منضبطة بدقة، فبمجرد أن يُدخِلها تخرج هي بيضاء، فكأن إرادته على جوارحه كانت في الإدخال، أما في الإخراج فهي لقدرة الله. وكلمة ﴿بَيْضَآءَ ... ﴾ [القصص: ٣٢] أي: مُنوّرة دون مرض، والبياض لا بُدَّ أن يكون عجيباً في موسى ﵇ لأنه كان أسمر اللون؛ لذلك قال ﴿مِنْ غَيْرِ سواء ... ﴾ [القصص: ٣٢] حتى لا يظنوا به بَرصاً مثلاً، فهو بياض طبيعي مُعْجِز. وقوله تعالى: ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب ... ﴾ [القصص: ٣٢] الجناحان في الطائر كاليدين في الإنسان، وإذا أراد الإنسان أن يعوم مثلاً يفعل كما يفعل الطائر حين يطير، فالمعنى: اضمُمْ إليك يديك يذهب عنك الخوف. وهذه العملية يُصدِّقها الواقع، فنرى المرأة حين ترى ولدها مثلاً يسئ التصرف تضرب صَدْرها وتولول، وسيدنا ابن عباس يقول: كل من خاف يجب عليه أن يضرب صدره بيديه ليذهب عنه ما يلاقي، ولك أن تُجرِّبها لتعلم صِدْق هذا الكلام. ومعنى ﴿فَذَانِكَ ... ﴾ [القصص: ٣٢] ذا: اسم إشارة للمفرد ونقول: ذان اسم إشارةت للمثنى، والكاف للخطاب، والمراد: الإشارة لمعجزتي العصا واليد ﴿بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ ... ﴾ [القصص: ٣٢] أي ربك الحق ﴿إلى فِرْعَوْنَ ... ﴾ [القصص: ٣٢] الرب الباطل، ولا يمكن

стр. 13250

أنْ يجتمع الحق والباطل، لا بد للباطل أنْ يزهق؛ لأنه ضعيف لا يصمد أمام قوة الحق ﴿بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨] . والبرهان: هو الحجة والدليل على صِدْق المبرهَن عليه ﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ... ﴾ [القصص: ٣٢] لأن فرعون ادَّعى الألوهية، وملؤه استخفهم فأطاعوه ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [القصص: ٣٢] أي: جميعاً فرعون والملأ ﴿فَاسِقِينَ﴾ [القصص: ٣٢] أي: خارجين عن الطاعة من قولنا فسقتِ الرُّطَبة يعني: خرجتْ من قشرتها. والمراد هنا الحجاب الديني الذي يُغلِّف الإنسان، ويحميه ويعصمه أنْ يتأثر بعوامل المعصية، فإذا انسلخ من هذا الثوب، ونزع هذا الحجاب، وتمرَّد على المنهج تكشفتْ عورته، وبانتْ سَوْءَته.

стр. 13251

فما زال موسى ﵇ خائفاً من مسألة قتْل القبطيِّ؛ لذلك يطلب من ربه أنْ يؤيده، ويعينه بأخيه.

стр. 13252

معنى الرِّدْء: المعين، وعرفنا من قصة موسى ﵇ وهو صغير في بيت فرعون أنه أصابته لَثْغة في لسانه، فكان ثقيل النطق لا ينطلق لسانه؛ لذلك أراد أنْ يستعين بفصاحة أخيه هارون ليؤيده، ويُظهر حجته، ويُزيل عنه الشبهات.

стр. 13253

وكان بإمكان موسى أن يطلب من ربه أن يستعين بأخيه هارون، فيكون هارون من باطن موسى، لكنه أحب لأخيه أن يشاركه في رسالته، وأن ينال هذا الفضل وهذه الرِّفْعة، فقال: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي ... ﴾ [القصص: ٣٤] يعني: معيناً لي حتى لا يُكذِّبني الناس، فيكون رسولاً مِثْلِي بتكليف من الله. لذلك نرى الآيات تتحدث عن هارون على أنه رسول شريك لموسى في رسالته، يقول تعالى في شأنهما: ﴿اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤] . فإذا نظرنا إلى وحدة الرسالة فَهُما رسول واحد، وهذا واضح في قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: ١٦] . وجاء في قول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] بصيغة المفرد. كما لو بعث رئيس الجمهورية رسالة مع اثنين أو ثلاثة إلى نظيره في دولة أخرى، نُسمِّي هؤلاء جميعاً (رسول) ؛ لأن رسالتهم واحدة، فإذا نظرتَ إلى وحدة الرسالة من المرسل إلى المرسَل إليه فهما واحد، وإذا نظرتَ إلى كلٍّ على حِدَة فهما رسولان. وقد ورد أيضاً: ﴿إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ ... ﴾ [طه: ٤٧] فخاطبهم مرة بالمفرد، ومرة بالمثنى. لذلك لما دعا موسى ﵇ على قوم فرعون لما غرَّتهم الأموال، وفتنتهم زينة الحياة الدنيا قال ﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [يونس: ٨٨] .

стр. 13254

المتكلِّم هنا موسى وحده، ومع ذلك قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ... ﴾ [يونس: ٨٩] فنظر إلى أنهما رسول واحد، فموسى يدعو وهارون يُؤمِّن على دعائه، والمؤمِّن أحد الدَّاعِيَيْن.

стр. 13255

أجابه ربه: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ... ﴾ [القصص: ٣٥] لأن موسى قال في موضع آخر: ﴿اشدد بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي﴾ [طه: ٣١ - ٣٢] وقوله تعالى ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ... ﴾ [القصص: ٣٥] تعبير بليغ يناسب المطلوب من موسى؛ لأن الإنسان يزاول أغلب أعماله أو كلها تقريباً بيديه، والعضلة الفاعلة في الحمل والحركة هي العَضْد. لذلك حين نمدح شخصاً بالقوة نقول: فلان هذا (عضل) ، وحين يصاب الإنسان والعياذ بالله بمرض ضمور العضلات تجده هزيلاً لا يقدر على فعْل شيء، فالمعنى: سنُقوِّيك بقوة مادية. ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً ... ﴾ [القصص: ٣٥] هذه هي القوة المعنوية، وهي قوة الحجة والمنطق والدليل، فجمع لهما: القوة المادية، والقوة المعنوية. لذلك قال بعدها ﴿فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ... ﴾ [القصص: ٣٥] أي:

стр. 13256

نُنجيكم منهم، لكن معركة الحق والباطل لا تنتهي بنجاة أهل الحق، إنما لا بُدَّ من نُصرْتهم على أهل الباطل، وفَرْق بين رجل يهاجمه عدوه فيغلق دونه الباب، وتنتهي المسألة عند هذا الحد، وبين مَنْ يجرؤ على عدوه ويغالبه حتى ينتصر عليه، فيكون قد منع الضرر عن نفسه، وألحق الضرر بعدوه. وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون﴾ [القصص: ٣٥] وهكذا أزال الله عنهم سلبية الضرر، ومنحهم إيجابية الغلبة. ونلحظ توسط كلمة ﴿بِآيَاتِنَآ ... ﴾ [القصص: ٣٥] بين العبارتين: ﴿فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ... ﴾ [القصص: ٣٥] و ﴿أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون﴾ [القصص: ٣٥] فهي إذن سبب فيهما: فبآياتنا ومعجزاتنا الباهرات ننجيكم، وبآياتنا ومعجزاتنا ننصركم، فهي كلمة واحدة تخدم المعنيين، وهذا من وجوه بلاغة القرآن الكريم. ومن عجائب ألفاظ القرآن كلمة (النجم) في قوله تعالى: ﴿الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٥ - ٦] فجاءت النجم بين الشمس والقمر، وهما آيتان سماويتان، والشجر وهو من نبات الأرض؛ لذلك صلحت النجم بمعنى نجم السماء، أو النجم بمعنى النبات الصغير الذي لا ساقَ له، مثل العُشْب الذي ترعاه الماشية في الصحراء. لذلك قال الشاعر: أُرَاعِي النَّجْم في سَيْرى إليكُمْ ... وَيرْعَاهُ مِنَ البَيْدا جَوَادِيَ

стр. 13257

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم موسى بِآيَاتِنَا ... ﴾ .

стр. 13258

قوله تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ ... ﴾ [القصص: ٣٦] أي: بمعجزاتنا واضحات باهرات، فلما بُهِتوا أمام آيات الله، وحاروا كيف يخرجون من هذا المأزق، فقد جاءهم موسى ليهدم عرش الألوهية الباطلة عند فرعون، ولم يملكوا إلا أنْ قالوا ﴿مَا هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بهذا في آبَآئِنَا الأولين﴾ [القصص: ٣٦] . لذلك يُعلِّم الحق ﵎ موسى ﵇ مُحَاجَّة هؤلاء، فكأنه قال له: أنت مُقبل على أُنَاس متمسكين بالباطل، حريصين عليه، منتفعين من ورائه، ولا بُدَّ أنْ يغضبوا إنْ قضيتَ على باطلهم، وصرفتهم عنه إلى الحق، فقد أَلِفُوا الباطل، فإنْ أخرجتَهم مما أَلِفوا إلى ما لا يألفون فلا بُدَّ لك من اللين وألاَّ تُهيِّجهم حين تجمع عليهم قسوة تَرْك ما ألِفوه مع قسوة الدعوة إلى ما لم يألفوه. ويكفي أنك ستسلبهم سلطان الألوهية الذي عاشوا في ظله، فإنْ زِدْتَ في القسوة عليهم ولّدْتَ عندهم لدداً وعناداً في الخصومة. لذلك قال تعالى: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً ... ﴾ [طه: ٤٤] يعني: اعذروه فيما يلاقي حين تُسلَب منه ألوهيته، ويصير واحداً من الرعية.

стр. 13259

وإنْ قابلوك هم بالقسوة حين قالوا: ﴿مَا هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بهذا في آبَآئِنَا الأولين﴾ [القصص: ٣٦] فقابلهم أنت باللين.

стр. 13260

وتأمل هنا اللين وأدب الجدل عند موسى ﵇ فلم يرد عليهم بالقسوة التي سمعها منهم ولم يتهمهم كما اتهموه، إنما ردّ بهذا الأسلوب اللَّبِق، وبهذا الإيحاء: ﴿ربي أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بالهدى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدار ... ﴾ [القصص: ٣٧] ولم يقُلْ: إني جئت بالهدى. ثم قال: ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ [القصص: ٣٧] سواء كنا نحن أم أنتم، ولم يقُلْ: أنتم الظالمون، لقد أطلق القضية، وترك للعقول أنْ تميز. ومعنى ﴿عَاقِبَةُ الدار. .﴾ [القصص: ٣٧] الدار يعني: الدنيا وعاقبتها تعني: الآخرة. وهذا الأدب النبوي في الجدل والحوار رأيناه في سيرة سيدنا رسول الله ﷺ َ مع كفار مكة والمعاندين له، وقد خاطبه ربه: ﴿وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ ... ﴾ [العنكبوت: ٤٦] . والعلَّة أنك ستُخرجهم من الباطل الذي أحبوه وأَلفوه إلى الحق الذي يكرهون، فلا تجمع عليهم شدتين، لذلك في أشد ما كان إيذاء الكفار لرسول الله ﷺ َ كان يقول: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» .

стр. 13261

ورحم الله شوقي الذي صاغ هذه المسألة في عبارة موجزة فقال: (النُّصْح ثقيل فلا ترسله جبلاً، ولا تجعله جدلاً) فنُصْحك معناه أنك تقول لمن أمامك: أنت على خطأ وأنا على صواب. فلكي يسمع لك لا بُدَّ أنْ تستميله أولاً إليك ليقبل منك، ولا تجرح مشاعره فيزداد عناداً ومكابرة، وما أشبه صاحب الخطأ بالمريض الذي يحتاج لمن يأخذ بيده، ويأسو مرضه. وقد مثَّلوا لذلك بشخص يغرق، وصاحبه على الشاطيء يلومه على نزوله البحر، وهو لا يجيد السباحة، فقال له: (آسِ ثم انصح) انقذني أولاً وأدركني، ثم قُلْ ما شئتَ. وقال آخر: الحقائق مُرَّة، فاستعيروا لها خِفَّة البيان. أما إنْ يئس الناصح من استجابة المنصوح كما في قصة نبي الله نوح ﵇، والذي ظل يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، فالأمر يختلف. فالنبي صبر على قومه علَّهم يثوبون إلى رشدهم، أو لعلهم ينجبون الذرية الصالحة التي تقبل ما رفضه الآباء. فما أطولَ صبر نوح على قومه، وما أعظمَ أدبه في الحوار معهم وهو يقول لهم وقد اتهموه بالكذب والافتراء: ﴿قُلْ إِنِ افتريته فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود: ٣٥] . فنسب الإجرام إلى نفسه ليُسوِّي نفسه بهم لعلَّه يستميل قلوبهم، لكن، لما كان في علم الله تعالى أنهم لن يؤمنوا، ولا فائدة منهم، ولا من أجيالهم المتعاقبة، وبعد أنْ قضى نوح في دعوتهم هذا العمر المديد أمره الله أن يدعو عليهم، حيث لا أملَ في هدايتهم، فقال:

стр. 13262

﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧] . ومحمد ﷺ َ يقول في محاورته مع كفار مكة: ﴿قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٢٥] . سبحان الله ما هذا التواضع، وهذا الأدب الجم في استمالة القوم، ينسب الإجرام إلى نفسه وهو رسول الله، وحينما يتكلم عنهم يقول ﴿تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٢٥] فيُسمِّي إجرامهم وإيذاءهم وكفرهم عملاً، ولو قال كما قال أخوه لكان تواضعاً منه ﷺ َ. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ياأيها الملأ ... ﴾ .

стр. 13263

خشي فرعون من كلام موسى على قومه، وتصوَّر أنه سيحدث لهم كما نقول (غسيل مخ) فأراد أن يُذكِّرهم بألوهيته، وأنه لم يتأثر بما سمع من موسى ﴿ياأيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي ... ﴾ [القصص: ٣٨] يعني: إياكم أنْ تصدّقوا كلام موسى، فأنا إلهكم، وليس لكم إله غيري.

стр. 13264

ثم يؤكد هذه الألوهية فيقول لهامان وزيره: ﴿فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين فاجعل لِّي صَرْحاً لعلي أَطَّلِعُ إلى إله موسى ... ﴾ [القصص: ٣٨] وفي موضع آخر قال: ﴿ياهامان ابن لِي صَرْحاً لعلي أَبْلُغُ الأسباب أَسْبَابَ السماوات فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى ... ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] . وكأنه يريد أن يُرضي قومه، فها هو يريد أنْ يبحث عن الإله الذي يدَّعيه موسى، وكأنه إنْ بنى صرحا واعتلاه سيرى رب موسى، لكن هل بنى له هامان هذا الصرح؟ لم يَبْن له شيئاً، مما يدل على أن المسألة هَزْل في هَزْل، وضحك على القوم الذين استخفّهم ولعِب بعقولهم. وإلا، فما حاجتهم لحرق الطين ليصير هذه القوالب الحمراء التي نراها ونبني بها الآن وعندهم الحجارة والجرانيت التي بنَوْا بها الأهرامات وصنعوا منها التماثيل؟ وعملية حَرْق الطين تحتاج إلى كثير من الوقت والجهد، إذن: المسألة كسب الوقت من الخَصْم، وتخدير الملأ من قومه. وقوله: ﴿لعلي أَطَّلِعُ إلى إله موسى ... ﴾ [القصص: ٣٨] وقبل أنْ يصل إلى حكم فيرى إله موسى أو لا يراه، يبادر بالحكم على موسى ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكاذبين﴾ [القصص: ٣٨] ؛ ليصرف ملأه عن كلام موسى.

стр. 13265

أي: تكبروا دون حق، وبغير مبررات للكِبْر، فليس لديهم هذه المبررات؛ لأن الإنسان يتكبَّر حين تكون عظمَته ذاتية فيه، أمّا العظمة المخلوقة لك من الغير فلا تتكبر بها، مَنْ يتكبر يتكبَّر بشيء ذاتي فيه، كما يقولون (اللي يخرز يخرز على وركه) . وكذلك في دواعي الكِبْر الأخرى: الغِنَى، القوة، الجاه، والسلطان ... إلخ. لذلك يكره الله تعالى المتكبرين، ويقول في الحديث القدسي: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما أدخلته جهنم» . والكبرياء والعظمة صفة جلال وجمال لله تعالى تجعل الجميع أمام كبرياء الله سواء، فلا يتكبَّر أحد على أحد (ونرعى جميعاً مساوي) في ظل كبرياء الله الذي يحمي تواضعنا، فلو تكبَّر أحدنا على الآخر لتكبَّر بشيء موهوب له، ليس ذاتياً فيه؛ لذلك ينتصر الله لمن تكبَّرت عليه، ويجعله أعلى منك، وعندنا في الأرياف يقولون: (اللي يرمي أخاه بعيب لن يموت حتى يراه في نفسه) . والمتكبّر في الحقيقة ناقصُ الإيمان؛ لأنه لا يتكبَّر إلا حين يرى الناس جميعاً دونه، ولو أنه استحضر كبرياء خالقه لاستحيا أنْ يتكبَّر أمامه، وهكذا كان استكبار فرعون وجنوده في الأرض بغير حق. أما إنْ كان الاستكبار من أجل حماية الضعيف ليعيش في ظلاله

стр. 13266

فهو استكبار بحق؛ لذلك نقول حين يصف الحق ﵎ نفسه بأنه العظيم المتكبّر نقول: هذا حق. لأنه حماية لنا جميعا من أنْ يتكبَّر بعضنا على بعض. وقوله تعالى: ﴿وظنوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٣٩] فاستكبارهم في الأرض جاء نتيجة ظنهم بأنهم لن يرجعوا إلى الله، وأنه تعالى خلقهم ورزقهم، ثم تفلَّتوا منه، ولن يعودوا إليه، لكن هيهات، لا بُدَّ - كما نقول - لهم رَجْعة.

стр. 13267

﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين﴾ كأن الحق سبحانه لم يُمهلهم إلى أن يعودوا إليه يوم القيامة، إنما عاجلهم بالعذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ. .﴾ [القصص: ٤٠] أي: جميعاً في قبضة واحدة، التابع والمتبوع ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم﴾ [القصص: ٤٠] ألقينا بهم في البحر، وهذا الأخذ الذي يشمل الجميع في قبضة واحدة يدلُّ على قدرة الآخذ، وهذه مسألة لا يقدر عليها إلا الله القوي العزيز. كما قال سبحانه: ﴿وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] .

стр. 13268

ولم يُوصَف أخْذ الإنسان بالقوة إلا في قوله تعالى يحثُّنا على أنْ نأخذ مناهج الخير بقوة: ﴿خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ ... ﴾ [البقرة: ٩٣] . ثم يقول سبحانه: ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين﴾ [القصص: ٤٠] أي: نهايتهم وقد جاءت عجيبة من عجائب الزمن وآية من آيات الله، فالبحر والماء جُنْد من جنود الله، تنصر الحق وتهزم الباطل، وقد ذكرنا كيف أنجى الله موسى ﵇ وأهلك فرعون بالشيء الواحد حين أمر الله موسى أنْ يضرب بعصاه البحر، فصار كل فِرْق كالطود العظيم. فلما أنْ جازه موسى وقومه إلى الناحية الأخرى أراد أنْ يضرب البحر مرة أخرى؛ ليعود الماء إلى سيولته واستطراقه فيصُحِّح الله له ويأمره أنْ يدَعَهُ على حاله، فالحق - تبارك - وتعالى - يتابع نبيه موسى خُطْوة بخطوة كما قال له: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] . وحاشا لله أن يُكلِّفه بأمر ثم يتركه، ولما رأى فرعون الطريق اليابس أمامه عبر بجنوده، فأطبقه الله عليهم، فصاروا آية وعبرة، كما قال سبحانه: ﴿فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ... ﴾ [يونس: ٩٢] . وتأمَّلْ قدرة الله التي أنجَتْ موسى من الغرق، وقد ألقتْه أمه بيديها في الماء، وأغرقتْ فرعون.

стр. 13269

أئمة: جمع إمام، وهو مَنْ يُؤتَم به، والمأموم أسيرُ إمامه، فلو كنا في الصلاة لا نركع حتى يركع، ولا نرفع حتى يرفع، فمتابعتنا له واجبة، فإنْ أخطأ وجب على المأموم أنْ يُنبِّهه وأن يُذكِّره يقول له: سبحان الله، تنبه لخطأ عندك، إذن: نحن مأمومون له في الحق فقط، فإنْ أخطأ عدَّلْنا له. والإمام أُسْوة وقدوة للمأمومين في الخير ومنهج الحق، كما قال تعالى في حَقِّ نبيه إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ... ﴾ [البقرة: ١٢٤] . وعندها أراد إبراهيم ﵇ أنْ تظلَّ الإمامة في ذريته من بعده، فقال ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ... ﴾ [البقرة: ١٢٤] فصحَّح الله له وأعلمه أن الإمامة لا تكون إلا في أهل الخير ﴿قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤] . لذلك لما دعا نوح ﵇ ربه: ﴿رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي ... ﴾ [هود: ٤٥] صحح الله له ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ... ﴾ [هود: ٤٦] . إذن: أهلية النبوة وأهلية الإمامة عمل وسلوك لا قرابة ولا نَسَب. وقد تكون الإمامة في الشر، كهذه التي نتحدث عنها: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار ... ﴾ [القصص: ٤١] فهم أُسْوة سيئة وقدوة للشر، وقد جاء في الحديث الشريف: «من سَنَّ سُنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومَنْ سنَّ سُنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة» .

стр. 13270

ويقول تعالى في أصحاب القدوة السيئة: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... ﴾ [النحل: ٢٥] . فكان فرعون وملؤه أسوة في الشر، وأسوة في الضلال والإرهاب والجبروت، وكذلك سيكونون في الآخرة أئمة وقادة، لكن إلى النار ﴿وَيَوْمَ القيامة لاَ يُنصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] .
следующие страницы →