Полный текст (14 757 стр.). Показаны 13966–14005 · переход к 13971.
стр. 13966
للإنسان فيها عمل نسبها إليه، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخالقون نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٦١] .
فأعطانا نعمة الحياة، ثم ذكر ما ينقضها، حتى لا نستقبل الحياة بغرور، ولما كانت آية الحياة وآية الموت لا دخلَ للإنسان فيها اكتفى بهذا الاستفهام ﴿أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخالقون﴾ [الواقعة: ٥٩] ولا أحدَ يستطيع أنْ يقول أنا خلقتُ.
أما في آية الحَرْث، فنسب الحرث إلى الإنسان؛ لأن عمله كثير في هذه الآية، حيث يحرث ويبذر ويروي. . إلخ لذلك قال في نَقْض هذه النعمة ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً ... ﴾ [الواقعة: ٦٥] وأكدَ الفعل باللام حتى لا تغترّ بعملك في الزرع.
أما في الماء، فلم يذكر هذا التوكيد؛ لأن الماء نعمة لا يدَ للإنسان فيها؛ لذلك قال في نقضها ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً ... ﴾ [الواقعة: ٧٠] بدون توكيد.
النعمة الخامسة: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم: ٤٦] وهذه النعمة هي كنز النعم كلها وعقالها، فإنْ شكرتَ لله نعمة عليك زادك منها: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ... ﴾ [إبراهيم: ٧] .
وبعد ذلك يُسلِّي الحق سبحانه رسوله ﷺ َ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ ... ﴾ .
стр. 13967
يعني: يا محمد، إنْ كنتَ تعبت في الدعوة، ولقيت من صناديد قريش عنتاً وعناداً وإيذاءً ومكراً وتبييتاً، فنحن مع ذلك نصرناك، وخُذْ لك أسوة في إخوانك من الرسل السابقين، فقد تعرَّضوا لمثل ما تعرضتَ له، فهل أسلمنا رسولنا لأعدائه؟ إذن: اطمئن، فلن ينال هؤلاء منك شيئاً.
ومعنى ﴿فَجَآءُوهُم بالبينات ... ﴾ [الروم: ٤٧] أي: الآيات الواضحات التي تثبت صدقهم في البلاغ عن الله، ومع ذلك لم يؤمنوا وكذَّبوا ﴿فانتقمنا مِنَ الذين أَجْرَمُواْ ... ﴾ [الروم: ٤٧] وهنا إيجاز لأمر يُفهم من السياق، فلم يقُل القرآن أنهم كذبوا، إنما جاء بعاقبة التكذيب ﴿فانتقمنا ... ﴾ [الروم: ٤٧] .
وهذا الإيجاز واضح في قصة هدهد سليمان، في قوله تعالى: ﴿اذهب بِّكِتَابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فانظر مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] وحذف ما بين العبارتين من أحداث تُفهَم من السياق، وهذا مظهر من مظاهر بلاغة القرآن الكريم.
وتكذيب الأمم السابقة للآيات التي جاءتهم على أيدي الرسل دليل على أنهم أهل فساد، ويريدون أن ينتفعوا بهذا الفساد، فشيء طبيعي أنْ يعاندوا الرسل الذين جاءوا للقضاء على هذا الفساد، وأنْ يضطهدوهم، فيغار الله تعالى على رسله ﴿فانتقمنا مِنَ الذين أَجْرَمُواْ ... ﴾ [الروم: ٤٧] .
ثم يقرر هذه القضية: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين﴾ [الروم: ٤٧] وما كان الله تعالى ليرسل رسولاً، ثم يُسلِمه لأعدائه، أو يتخلى عنه؛ لذلك قال سبحانه في موضع آخر: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ
стр. 13968
كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] .
وسبق أنْ قُلْنا: لا ينبغي أن تبحث في هذه الجندية: أصادق هذا الجندي في الدفاع عن الإسلام أم غير صادق؟ إنما انظر في النتائج، إنْ كانت له الغلبة فاعلم أن طاقة الإيمان فيه كانت مخلصة، وإنْ كانت الأخرى فعليه هو أن يراجع نفسه ويبحث عن معنى الانهزام الذي كان ضد الإسلام في نفسه، لأنه لو كان من جٌنْد الله بحق لتحقق فيه ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ [الصافات: ١٧٣] ولا يُغلب جند الله إلا حين تنحلّ عنهم صفة من صفات الجندية.
وتأمل مثلاً ما حدث في غزوة أحد، حيث انهزم المسلمون - وإنْ كانت كلمة الهزيمة هنا ليست على سبيل التحقيق لأن المعركة كانت سجالاً، وقد انتصروا في أولها، لكن النهاية لم تكُنْ في صالحهم؛ لأن الرماة خالفوا أمر رسول الله، والهزيمة بعد هذه المخالفة أمر طبيعي.
وهل كان يسرُّك أيها المسلم أنْ ينتصر المسلمون بعد مخالفتهم أمر رسولهم؟ والله لو انتصروا مع مخالفتهم لأمر رسولهم لهانَ كل
стр. 13969
أمر لرسول الله بعدها، ولقالوا: لقد خالفنا أمره وانتصرنا. إذاً فمعنى ذلك أن المسلمين لم ينهزموا، إنما انهزمت الانهزامية فيهم، وانتصر الإسلام بصِدْق مبادئه.
كذلك في يوم حنين الذي يقول الله فيه ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ... ﴾ [التوبة: ٢٥] حتى أن الصِّديق نفسه يقول: لن نُغلَب اليوم عن قلة، فبدأت المسألة بالهزيمة، لكن الأمر كما تقول (صعبوا على ربنا) فأنزل السكينة عليهم، وشاء سبحانه أن يسامحهم في هذه الزلَّة مراعاة لخاطر أبي بكر.
فقوله تعالى ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين﴾ [الروم: ٤٧] نعم، نصر المؤمنين حَقٌّ على الله، أوجبه سبحانه على نفسه، فهو تفضُّل منه سبحانه، كما يتفضل الموصِي بماله على الموصى له.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿الله الذي يُرْسِلُ ... ﴾ .
стр. 13970
الحق سبحانه يعطينا هنا مذكرة تفصيلية لعملية حركة الرياح، وسَوْق السحاب، وإنزال المطر، وكلمة الرياح إذا جُمعَتْ دلَّتْ على الخير كما في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ ... ﴾ [الحجر: ٢٢] .
стр. 13971
أي: تُلقِّح النباتات فتأخذ من الذكَر، وتضع في الأنثى، فيحدث الإثمار، ومن عجيب هذه العملية أن ترى الذكر والأنثى في العود الواحد كما في نبات الذرة مثلاً، ففي (الشُّوشة) أعلى العود حبات اللقاح الذكر، وفي الشعيرات التي تخرج من الكوز متصلة بالحبات توجد أعضاء الأنوثة، ومع حركة الرياح تتناثر حبات اللقاح من أعلى وتنزل على هذه الشعيرات، فتجد الشعيرة التي لُقحت تنمو الحبة المتصلة بها، أما الأخرى التي لا يصلها اللقاح فتموت.
ولذلك نلحظ أن العيدان التي في مهبِّ الريح أو ناحية بحري أقلّ محصولاً من التي تليها، لماذا؟ لأن الرياح تحمل حبَّات لقاحها إلى العيدان الأخرى التي تليها، فيزداد محصولها.
فإذا كانت بعض النباتات نعرف فيها الذكر من الأنثى كالنخيل، والجميز مثلاً، فأين الذكر والأنثى في القمح، أو في الجوافة، أو في الموز.
ولما درسوا حبوب اللقاح هذه وجدوا أن كل حبة مهما صَغُرت فيها أهداب دقيقة مثل القطيفة تتناثر مع الرياح، ويحملها الهواء إلى أماكن بعيدة؛ لذلك ترى الجبال والصحراء تخضرّ بعد نزول المطر، فمَنْ بذر فيها هذه البذور؟ إنها الرياح اللواقح بقدرة الخالق .
ولنا وَقْفة عند قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الريح فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ على ظَهْرِهِ ... ﴾ [الشورى: ٣٣] أي: السفن التي تسير بقوة الرياح تظل راكدة على صفحة الماء لا يحركها شيء، فإنْ قُلْت: كيف نفهم هذا المعنى الآن مع تقدم العلم الذي سيَّر السفن بقوة البخار والديزل أو الكهرباء، واستغنى عن الرياح؟
стр. 13972
ونقول: الرياح من معانيها الهواء، وهي أيضاً تعني القوة مطلقاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ... ﴾ [الأنفال: ٤٦] أي: قوتكم، فالريح تعني القوة على أيِّ وضع، سواء أسارتْ بالرياح أو بالآلة، فهو سبحانه قادر على أنْ يُسكنها.
لذلك تجد أن الرياح بمعنى القوة لها قوة آنية، وقوة آتية، آنية يعني الآن، وآتية تأتي فيما بعد، وكذلك كل إنسان وكل شيء في الكون له نَفَس وريح وكيماوية خاصة به تميزه عن غيره وهذه مهمة كلاب البوليس التي تشم رائحة المتهمين والمجرمين في قضايا المخدرات مثلاً، فالشخص له رائحة الآن وهو موجود، وله رائحة تظلّ في المكان حتى بعد أنْ يفارقه.
لذلك يُعلِّمنا القرآن أن الريح هو أثبت الآثار في الإنسان، واقرأ في ذلك قوله تعالى عن يوسف ويعقوب ﵉: ﴿اذهبوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً ... ﴾ [يوسف: ٩٣] .
وكان يوسف في مصر، ويعقوب في أرض فلسطين، فلما فصلت العير بقميص يوسف، وخرج من نطاق المباني التي ربما حجزتْ الرياح، قال يعقوب
﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ... ﴾ [يوسف: ٩٤] على بُعْد ما بينهما من المسافات.
стр. 13973
وإذا أفردت الرياح دلَّتْ على الشر، ومعنى الرياح أن تأتي ريح من هنا وريح من هنا. . فتأتيك بالأكسوجين أينما كان، وتحمل إليك عبير العطور في الكون، فهي إذن تأتيك بالفائدة.
وإذا أُفردت الرياح دلَّتْ على الشر، ومعنى الرياح أن تأتي ريح من هنا وريح من هنا. . فتأتيك بالأكسوجين أينما كان، وتحمل إليك عبير العطور في الكون، فهي إذن تأتيك بالفائدة.
وقلنا: إن الأشياء الثابتة اكتسبتْ الثبات من وجود الهواء في كُلِّ نواحيها وجهاتها، ولو فرَّغْتَ الهواء من ناحية من نواحي إحدى العمارات لانهارتْ في الحال، كذلك الريح إنْ جاءت مفردة فهي مدمرة، وفيها العطب كما في قوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم﴾ [الذاريات: ٤١] .
وقال: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] .
فقوله تعالى: ﴿الله الذي يُرْسِلُ الرياح ... ﴾ [الروم: ٤٨] فإرسال الرياح في ذاته نعمة ﴿فَتُثِيرُ سَحَاباً ... ﴾ [الروم: ٤٨] إثارة السحاب أي: تهيجه وتحركه، وهذه نعمة أخرى.
والسحاب عبارة عن الماء المتبخِّر من الأرض، وتجمُّع بعضه على بعض في طبقات الجو، وماء المطر ماء مُقطر بقدرة الله، كما نُجِري نحن عملية التقطير في المعامل مثلاً، فيأتينا المطر بالماء العَذْب النقي الزلال الذي قطرته لنا عناية الخالق سبحانه دون أنْ ندري.
وإذا كان تقطير كوب واحد يحتاج إلى كل هذه العمليات، وكل هذه التكلفة، فما بالك بماء المطر؟
وسبق أنْ قُلْنا: إن من حكمة الخالق سبحانه أنْ جعل ثلاثة أرباع اليابسة ماء لتتسع رقعة البَخْر ليكفي الربع الباقي، وضربنا لتوضيح ذلك مثلاً بكوب الماء حين تتركه على المنضدة مثلاً، وحين تسكبه
стр. 13974
في أرض الغرفة، ففي الحالة الأولى يظل الماء فترة طويلة؛ لأن البَخْر قليل، أما في الأخرى فإنه سرعان ما يتبخر.
ثم يقول سبحانه: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السمآء كَيْفَ يَشَآءُ ... ﴾ [الروم: ٤٨] وانظر إلى طلاقة المشيئة، فالمطر يصرفه الله كيف يشاء إلى الأماكن التي تحتاج إلى مطر، ومن العجيب أن الله تعالى حين يريد أن يرزق إنساناً ربما يرزقه من سحاب لا يمر على بلده، وانظر مثلاً إلى النيل، من أين يأتي ماؤه؟ وأين سقط المطر الذي يروي أرض النيل من أوله إلى آخره؟
ومعنى ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً ... ﴾ [الروم: ٤٨] كسفا: جمع كِسْفة، وهي القطعة ﴿فَتَرَى الودق ... ﴾ [الروم: ٤٨] المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ... ﴾ [الروم: ٤٨] أي: من بين هذه السحب.
﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: ٤٨] والإصابة قد تكون مباشرة، فيهطل المطر عليهم مباشرة، وقد تكون غير مباشرة بأنْ تكون الأرض منحدرة، فينزل المطر في مكان ويسقي مكاناً آخر، بل ويحمل إليه الخِصْب والنماء، كما كان النيل في الماضي يحمل الطمي من الحبشة إلى السودان ومصر.
وكان هذا الطمي يستمر مع الماء طوال مجرى النيل وإلى دمياط، فلماذا لم يترسب طول هذه المسافات؟
لم يترسب بسبب قوة دفع الماء وشدة انحداره، بحيث لا يستقر هذا الطمي ولا يترسب.
وقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: ٤٨] لأن الرياح حين تمر عليهم تُبشِّرهم بالمطر، وحين ينزل المطر يُبشِّرهم بالزرع والنماء والخِصْب والخير، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا
стр. 13975
عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] .
وأذكر وأنا صغير وبلدنا على النيل، والنيل من أمامها متسع، وبه عدة جزر يزرعها الناس، فأذكر أننا كنا نزرع الذرة، وجاء الفيضان فأغرقه وهو ما يزال أخضر لم ينضج بَعْد، وكان الناس يذهبون إليه ويجمعونه بالقوارب، ورأيت النساء تزغرد والفرحة على الوجوه، فكنت أسأل أبي ﵀: النيل أغرق الزرع. فلماذا تزغرد النساء؟
فكان والدي يضحك ويقول: تزغرد النساء لأن النيل أغرق الزرع، وهذا هو مصدر الخير، وسبب خصوبة الأرض، فلما كبرتُ وقرأت قصيدة أحمد شوقي ﵀ في النيل:
مِنْ أيِّ عَهْدٍ في القُرَى تتدفَّقُ ... وبأيِّ كَفٍّ في المدائن تُغدِق
الماءُ تُرسِلُه فيصبح عَسْجداً ... والأرض تُغرقُها فيحيَا المغرَق
لما قرأتُ هذه القصيدة عرفت لماذا كانت النساء تزغرد حين يُغرق النيلُ الزرعَ.
والاستبشار لنزول المطر يأتي على حسب الأحوال، فإن جاء بعد يأس وقحط وجفاف كانت الفرحة أكبر، والاستبشار أبلغ حيث يأتي المطر مفاجئاً ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: ٤٨] أما إنْ جاء المطر في
стр. 13976
الأحوال العادية فإن الاستبشار به يكون أقلَّ.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ ... ﴾ .
стр. 13977
معنى ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] آيسين من نزول المطر، فإنْ جاءهم المطر بعد هذا اليأس كانت فرحتهم به مزودجة ومضاعفة.
وللعلماء وقفة حول هذه الآية؛ لأنها كررتْ كلمة من قبل، وبالتأمل نجد المعنى: من قبل أنْ ينزل عليهم، وإنْ كانوا من قبل هذا القبل يائسين، فهنا إذن قبلان.
ولا بُدَّ أن نفهم أن هناك إرسالاً للرياح التي تبشر بالمطر، وهناك إنزال المطر، فلما ينزل المطر يكون هناك قبلية له هي الإرسال، فقبل الإرسال كان عندهم يأس، وبعد الإرسال قالوا ربما لا تمطر.
إذن: هنا كم قبل؟ قبل الإنزال وقبل الإرسال. فالمعنى: فهُمْ من قبله - أي من قبل أن ينزل المطر - من قبل هذا عندهم يأس.
стр. 13978
كأن الحق سبحانه أراد أنْ يستدلَّ بالمحَسِّ المنظور في الكون على ما يريد أنْ يخبرنا به من الغيب من أمور البعث والآخرة؛ لذلك يعلل بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الموتى وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠] فذكر مع الأرض الفعل المضارع يحيي، والفعل المضارع يدل على التجدد والاستمرار وهذه عملية مُحسَّة لنا.
أما في إحياء الموتى فجاء بالاسم محيي، والاسم يفيد ثبوت الصفة؛ ليؤكد إحياء الموتى، ومعلوم أن الموت لا يشك فيه أحد؛ لأنه مُشَاهد لنا، أما البعث فهو محلُّ شكٍّ لدى البعض لأنه غيب.
ومع ذلك يقول تعالى عن الموت: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] ، فيؤكد هذه القضية مرة بإنْ، ومرة باللام، والموت شيء واقع لا ننكره، فلماذا كل هذا التأكيد؟
قالوا: نعم هو واقع لا نشك فيه، لكنه واقع مغفول عنه، فكأن الغفلة عنه كالإنكار، ولو كنتم متأكدين منه ما غفلتم عنه.
فلما ذكر البعث قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] فأكدها بمؤكد واحد، مع أنه محلُّ شكٍّ، فكأنه لما قامت الأدلة عليه كان ينبغي ألاَّ يشك فيه؛ لذلك لم يؤكده كما أكَّد الموت، ولما غفلنا عن الأدلة كان واجباً أنْ يُؤكِّد الموت، فأكَّد الموت، ولم يؤكد البعث.
ومعنى ﴿فانظر ... ﴾ [الروم: ٥٠] الأمر بالنظر هنا ليس (فنطزية) ولا (للفرجة) أو التسلية، لأننا نقول: هذا الأمر فيه نظر يعني: محلاً للبحث والتقصي لنصل إلى وجه الحق فيه، بترجيح بعض الأدلة على بعض.
стр. 13979
إذن: (فانظر) أي: نظر اعتبار وتأمل؛ لأننا نريد أن نقيس الغائب عنا والذي نريد أن نخبر به من أمور الآخرة بالمنظور لنا من إحياء الأرض بعد موتها.
ففي الآية دليل جديد من أدلة قدرة الحق ووحدانيته، وهو دليل كوني نراه جميعاً، والحق سبحانه يُلوِّن الأدلة ليلفت المخلوق إلى عظمة الخالق ليؤمن به إلهاً واحداً قاهراً قيوماً مقتدراً، وهذه الأدلة حجة تضيء العقل، وآيات في الكون تبرهن على الصِّدق، وأمثال يضربها للناس في الكون وفي أنفسهم، ووعد لمن آمن، ووعيد لمن خالف.
وهنا أيضاً دليل كوني مشهود في الكون، فالذي أحيا الأرض الميتة كما تشاهدون (لمحي الموتى) في الآخرة كما يخبركم، وجاء بصيغة اسم الفاعل الدال على ثبوت صفة الإحياء قبل أنْ يُحيي، كما نقول: فلان شاعر فلم يكتسب هذه الصفة لأنه قال شعراً، إنما هو إنما هو شاعر قبل أن يقول، كذلك الخالق سبحانه (محي) قبل أن يوجد منه الفعل، وقادر قبل أنْ يخلق مقدوراً له، وخالق قبل أنْ يخلق خَلْقاً، فبالصفة فيه سبحانه خلق.
ولكي نُقرِّب الشبة بين إحياء الأرض بالنبات وإحياء الموتى يوم القيامة نقول: لو نظرنا إلى الإنسان لوجدنا هذا الهيكل الضخم الذي يزن إلى مائة كيلو أو يزيد، أصل تكوينه ميكروب لا يُرَى بالعين المجردة، حتى قالوا: إن أنسال العالم كله من الحيوان المنوي يمكن أنْ توضع في حجم كستبان الخياطة، إذا مليء نصفه من المني، ثم يأخذ هذا الحيوان المنوي من الغذاء من الرزق فينمو ويكبر في الحجم فقط، لكن تظل الشخصية كما هي.
стр. 13980
فإذا مات الإنسان يبْلَى هذا الجسد، ويتحلل إلا عظمة الذنب، فتبقى لا تتحلل ولا تأكلها الأرض لتكون هي البذرة التي تنبت الإنسان بقدرة الله يوم القيامة؛ لذلك جاء في حديث إحياء الموتى يوم القيامة؛ «فينبتون كما ينبت البقل» .
ففي هذه العظمة الصغيرة كل صفات الإنسان وخصائصه، ومنها يعود كما كان قبل الموت، كما نرى حبة السمسم مثلاً، فهي رغم صِغَرها إلا أنها تحمل كل خصائص هذا النبات كلها، إذن: صِغَر الحجم دليل على القدرة، فإذا ما وضعت هذه الحبة الصغيرة في البيئة المناسبة تأخذ الغذاء من التربة ومن الهواء وتنمو وتكبر، وهذا النمو وهذا الكبر لا يعطي شخصية جديدة إنما الشخصية ثابتة، إنما يعطي تكبيراً لها فحسب.
لذلك لما شرَّحوا الأرنب وجدوه صورة طبق الأصل من تشريح الإنسان، بمعنى أن فيه كل جوارح الإنسان وكل أجهزته، حتى البعوضة في حجمها الضئيل فيها كل الأجهزة، لكن أين جهازها الهضمي وجهازها الدموي وجهازها العصبي والسمبتاوي والبولي. . الخ، فدقَّة هذه المخلوقات دليل على القدرة.
وفي حضارتنا الحالية نجد أن من علامات التقدم العلمي أنْ نُصغِّر الكبير إلى أقصى درجة ممكنة، وانظر مثلاً إلى الراديو أول ما
стр. 13981
اخترعوه كان في حجم النورج، أما الآن فهو في حجم علبة الكبريت.
إذن: فالعظمة أن تضع كل الأجهزة في هذا الحجم الصغير، أو تجعلها كبيرة فوق العادة وفوق القدرة، كما في ساعة «بج بن» مثلاً.
لذلك نرى الخالق سبحانه خلق الشيء الدقيق المتناهي في الصِّغَر، بحيث لا يُدرك بالعين المجردة، ومع ذلك يحتوي على كل خصائص الشيء الكبير، وخلق من المخلوقات الضخم الذي لا تستطيع أن تحدَّه.
إذن: حينما ينمو الشيء لا يزداد خصائص جديدة، إنما تكبُر عنده نفس الخصائص ونفس المشخَّصات الأصلية فيه.
وسبق أنْ قُلْنا: لو أن إنساناً يزن مثلاً مائة كيلو أصابه مرض والعياذ بالله أفقده نصف وزنه، نقول: أين ذهب هذا النقص؟ ذهب إلى فضلات نزلتْ منه؛ لأن الإنسان ينمو حينما يكون الداخل إليه من الغذاء أكثر من الخارج منه من الفضلات، فإنْ تساوى يقف عند حَدٍّ معين لا يزيد ولا ينقص.
فإذا سخر الله لهذا المريض طبيباً يداويه، فإنه يستعيد عافيته إلى أنْ يعود إلى وزنه الطبيعي مائة كيلو كما كان، فهل عاد إليه ما فقده في نقص الوزن، أم عاد إليه مثله من عناصر الغذاء والتكوين؟ عاد إليه مثل الذي فقده.
إذن: فالشخصية هي هي باقية لا تتغير مع النقص أو الزيادة.
كذلك فالشخصية أو الخصائص موجودة في هذا الميكروب الدقيق أو في هذه الحبة الصغيرة، إلى أنْ تُوضع في بيئتها المناسبة،
стр. 13982
فتعطي نفس الشخصية أو نفس الخصائص لنوعها، حتى قالوا: إن قدماء المصريين وضعوا مع الموتى بعض الحبوب، وحفظوها طوال آلاف السنين، بحيث إذا وُضِعت الحبة منها في التربة المناسبة فإنها تنبت.
فإذا كان الإنسان يستطيع أن يستنبت الحبة بعد بضعة آلاف من السنين، أيكون عزيزاً على الله أنْ يستنبت بذرة الإنسان، ويُحيي الذرة الباقية منه في الأرض حين ينزل عليها المطر بأمره تعالى يوم القيامة؟
ثم إن الحبة الواحدة التي يستنبتها الإنسان تعطيه آلافاً من نوعها، أما بذرة الإنسان والذرة الباقية منه فتعطي شخصاً واحداً لا غير، أيصعب هذا على القدرة الإلهية.
لذلك يحثُّنا الحق سبحانه على التأمل في قوله ﴿فانظر ... ﴾ [الروم: ٥٠] لا نظر عين، ولكن نظر تأمُّل وتعقُّل واستنباط، وربنا ينعى علينا الغفلة في التأمل، فيقول سبحانه: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] .
ونسمي الجدل لإظهار الحقائق (مناظرة) ، يناظر كل مِنَّا الآخر، لا نظرَ عين، ولكن نظر عَقْل واستنباط.
﴿فانظر إلى آثَارِ رَحْمَتِ الله كَيْفَ يُحْيِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الموتى ... ﴾ [الروم: ٥٠] أي: الذي أحياها ﴿لَمُحْيِ الموتى ... ﴾ [الروم: ٥٠] وما دام قد ثبتتْ له صفة الإحياء، فإذا أخبرك بأنه يُحيي الموتى، فصدِّق وخُذْ مما شاهدته دليلاً على ما غاب عنك.
ثم يختم الحق سبحانه هذه الآية بصفة أخرى تؤكد صفة الخَلْق
стр. 13983
والإحياء ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠] فغير أنه سبحانه حيٌّ ومحيي له سبحانه صفات الكمال، والقدرة على كل شيء علماً وقدرةً وحكمة وبَسْطاً وقبضاً ونفعاً وضراً. . إلخ.
فبعد أنْ ذكر الحدث في الفعل المضارع الدال على الاستمرار ﴿يُحْيِ ... ﴾ [الروم: ٥٠] ذكر الاسم الدال على ثبوت الصفة ﴿لَمُحْيِ ... ﴾ [الروم: ٥٠] ثم جاء بكل صفات الكمال في ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠] .
يريد الله أن يبين أن الإنسان كنود، وأنه خُلِق جزوعاً، إنْ مسَّه الشر يجزع، وإنْ مسه الخير يمنع، فلما كان يائساً من الهواء يهبُّ عليه أرسل الله إليه الرياح، وبعد أنْ كان يائساً من قطرة الماء أنزل الله عليه المطر مدراراً، فهل أخذ في باله هذا العطاء، بحيث إذا أصابه يأس من شيء طلب فرجه من الله، وأزاح اليأس عن نفسه وقال: إن لي رباً ألجأ إليه، ولا ينبغي لي أن أقنط وهو موجود؟
فالذي فرج عليك من يأس الرياح ومن يأس المطر قادر أنْ يُفرِّج عنك كل كَرْب؛ لذلك ينبغي أن يكون شعار كل مؤمن: لا كرْبَ وأنت ربٌّ، ما دام لك ربٌّ فلا تهتم ولا تيأس، فليستْ مع الله مشكلة المشكلة ألاَّ يكون لك ربٌّ تلجأ إليه.
وهذا هو الفرق بين المؤمن والكافر المؤمن له رَبٌّ يلجأ إليه إنْ عزَّتْ عليه الأسباب، أما الكافر فما أشقاه، فإنْ ضاقت به الأسباب لا يحد صدراً حنوناً يحتويه، فيلجأ في كثير من الأحوال إلى الانتحار.
لذلك كان سيدنا رسول الله ﷺ َ إذا حَزَبه أمر يقوم إلى الصلاة،
стр. 13984
وكان يقول: «ارحنا بها يا بلال» ففي الصلاة تختلي بربك وخالقك، وتعرض عليه حاجتك، وتستمد منه العون والقوة.
كذلك يُعلِّمنا هذا الدرس نبي الله موسى ﵇ فحينما خرج ببني إسرائيل وأدركه فرعون وقومه، فوجدوا أنفسهم محاصرين، البحر من أمامهم والعدو من خلفهم، قالوا لموسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] وهذا منطق البشر وواقع الأشياء، لكن كان لموسى منطق آخر ينطلق فيه من وجود رَبٍّ قادر يلجأ إليه في وقت الشدة فيفرجها عنه.
فقال موسى بملء فيه (كلا) قالها على سبيل اليقين قَوْلة الواثق من أن ربه لن يتخلى عنه، لم يقُلْها برصيد من عنده، إنما برصيد إيمانه في الله ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] وهذا هو المَفْزَع لكل مؤمن.
لِمَ لا، وأنت إنْ كانت لديك قضية ترتاح إنْ وكَّلْتَ فيها محامياً يدافعَ عنك، فما بالك إنْ وكَّلت رب الأرض والسماء، فكان هو سبحانه المحامي والقاضي والشاهد والمنفِّذ للحكم؟
وأنت ترى القاضي في الدنيا يحكم ببينة قد يُدلِّس فيها ويحكم، ويحكم بإقرار لا يستطيع أنْ يتنزعه من صاحبه، أو بشهادة الشهود، وقد يكونون شهودَ زور، ثم هو بعد ذلك لا يملك تنفيذ حكمه، فهناك سلطة قضائية تحكم وسلطة تنفيذية تنفذ، حتى السلطة التنفيذية يستطيع المجرم أن يفلت منها.
أما في محكمة العدل الإلهي، فقاضيها هو الحق - سبحانه
стр. 13985
وتعالى - فلا يحتاج إلى بينة أو إقرار أو شهود، ولا يستطيع أحد أنْ يُدلِّس عليه سبحانه، أو أنْ يُفِلت من حكمة؛ لذلك قال تعالى عن نفسه: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين﴾ [الأعراف: ٨٧] .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً ... ﴾ .
стр. 13986
لك أن تلحظ الفرق بين أسلوب هذه الآية ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً ... ﴾ [الروم: ٥١] والآية السابقة ﴿الله الذي يُرْسِلُ الرياح ... ﴾ [الروم: ٤٨] فيرسل: مضارع دالٌّ على الاستمرار، والرياح كما قلنا لا تُستعمل إلا في الخير، فكأن إرسال الرياح أمر متوافر، وكثيراً ما يحدث فضلاً من الله وتكرُّماً.
أما هنا، وفي الحديث عن الريح، وسبق أن قُلْنا: إنها لا تستعمل إلا في الشر، فلم يقُلْ يرسل، بل اختار (إن) الدالة على الشك، والفعل الماضي الدال على الانتهاء لماذا؟ لأن ريح الشر نادراً ما تحدث، ونادراً ما يُسلِّطها الله على عباده، فمثلاً ريح السَّمُوم تأتي مرة في السنة، كذلك الريح العقيم جاءتْ في الماضي مرة واحدة، كذلك الريح الصرصر العاتية.
إذن: فهي قليلة نادرة، ومع ذلك إنْ أصابتهم يجزعون وييأسون، وهذا لا ينبغي منهم، أليست لهم سابقة في عدم اليأس حين يئسوا من إرسال الرياح، فأرسلها الله عليهم ومن إنزال المطر فأنزله الله لهم، فلماذا القنوط والرب موجود؟
ومعنى ﴿فَرَأَوْهُ ... ﴾ [الروم: ٥١] أي: رأوا الزرع الذي كان
стр. 13987
أخضر نضراً ﴿مُصْفَرّاً ... ﴾ [الروم: ٥١] أي: متغيراً ذابلاً ﴿لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم: ٥١] يكفرون باليأس الذي يعزل الحق سبحانه عن الأحداث، مع أن لهم سابقة، وقد يئسوا وفرَّج الله عليهم.
ذلك لأن الإنسان لا صبرَ له على البلاء، فإنْ أصابه سرعان ما يجزع، ولو قال أنا لي رب أفزع إليه فيرفع عني البلاء، وأن له حكمة سأعرفها لاستراحَ ولهانَ عليه الأمر.
ولك أنْ تسأل: لماذا قال القرآن ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا ... ﴾ [الروم: ٥١] ولم يقُلْ وإن؟ قالوا: هذه اللام الزائدة يُسمُّونها اللام واو القسم واللام مُوطِّئة له، وللحق سبحانه أن يقسم بما يشاء على ما يشاء، وكل قسم يحتاج إلى جواب، تقول: والله لأضربنَّك.
كذلك الشرط في (إن) يحتاج إلى جواب للشرط، والحق سبحانه هنا مزج بين القسمَ والشرط في جملة واحدة، فإنْ قلت فالجواب هنا للقسمَ أم للشرط؟
قالوا: فطنة العرب تأبى أنْ يوجد جوابان في جملة واحدة، فيأتي السياق بجواب واحد نستغني به عن الجواب الآخر، والجواب يكون لما تقدَّم، فإنْ تقدم القسَم فالجواب للقسم، وإنْ تقدَّم الشرط فالجواب للشرط. وهنا ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً ... ﴾ [الروم: ٥١] قدم القسم؛ لأن التقدير: والله لئن أرسلنا ريحاً. .
وكلمة ﴿لَّظَلُّواْ ... ﴾ [الروم: ٥١] مأخوذة من الظل وظلَّ فعل مَاضٍ ناقص مثل بات يعني في البيتوتة، وأضحى يعني: استمر في وقت الضحى، وأمسى في وقت المساء، كذلك ظلَّ أي: استمر في الوقت الذي فيه ظِلٌّ يعني: طوال النهار، إذن: نأخذ الزمن من المشتق منه.
стр. 13988
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى ... ﴾ .
стр. 13989
يريد الحق سبحانه أن يُسلِّي رسوله ﷺ َ حتى لا يألم لما يلاقيه من قومه، يقول له: يا محمد لا تُتعب نفسك؛ لأن هؤلاء لا يؤمنوا، وما عليك إلا البلاغ، فلا تيأس لإعراض هؤلاء، ولا تتراجع عن تبليغ دعوتك والجهاد في سبيلها والجهر بها؛ لأنني أرسلتك لمهمة، ولن أتخلى عنك، وما كان الله ليرسل رسولاً ثم يخذله أو يُسْلمه.
وقد قال تعالى لنبيه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً﴾ [الكهف: ٦] ولو أردتُ لجعلتُهم مؤمنين قَسراً لا يملكون أنْ يكفروا: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] .
إنما أريد أنْ يأتوني طواعية عن محبة، لا عن قهر؛ لأنني لا أريد قوالبَ تخضع، إنما قلوباً تخشع، ويستطيع أيُّ بشر بجبروته أنْ يجعلَ الناس تخضع له أو تسجد، لكنه لا يستطيع مهما أُوتِي من قوة أنْ تُخْضِع قلوبهم، أو يحملهم على حُبِّه.
وهنا يقول تعالى لنبيه: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى ... ﴾ [الروم: ٥٢] فجعلهم في حكم الأموات، وهم أحياء يُرْزَقون، لماذا؟ لأن الذي لا ينفعل لما يسمع ولا يتأثر به، هو والميت سواء.
أو نقول: إن للإنسان حياتين: حياة الروح التي يستوي فيها المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، وحياة المنهج والقيم، وهذه
стр. 13990
للمؤمن خاصة، والتي يقول الله فيها: ﴿ياأيها الذين آمَنُفواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ... ﴾ [الأنفال: ٢٤] .
فهو سبحانه يخاطبهم هذا الخطاب وهم أحياء، لكن المراد هنا حياة المنهج والقيم، وهي الحياة التي تُورِثك نعيماً دائماً باقياً لا يزول، خالداً لا تتركه ولا يتركك.
لذلك يقول سبحانه عن هذه الحياة: ﴿وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] .
لذلك سمَّى الله المنهج الذي أنزله على رسوله روحاً: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ... ﴾ [الشورى: ٥٢] لأن المنهج يعطيك حياة باقية لا تنزوي ولا تزول.
وسمَّى الملَك الذي نزل به روحاً: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] فالمنهج روح من الله، نزل به روح من الملائكة هو جبريل ﵇ على قلب سيدنا رسول الله ليحمله رسول مصطفى فيبثُّه في الناس جميعاً، فَيحيَوْن الحياة الآخرة.
فالكفار بهذا المعنى يحيَوْن حياة روح القالب التي يستوي فيها جميع البشر، لكن هم أموات بالنسبة للروح الثانية، روح القيم والمنهج.
لذلك، إذا كان عندنا شخص شقي أو بلطجي يفسد في المجتمع أكثر مما يصلح نقول له: أنت وجودك مثل عدمه، لماذا؟ لأن الحياة إذا لم تُستغل في النافع الدائم، فلا معنى لها.
وهنا يقول تعالى لنبيه: لا تحزن، ولا تذهب نفسك على هؤلاء
стр. 13991
القوم الحسرات، فهم موتى لم يقبلوا روح المنهج وروح القيم، وما داموا لم تدخلهم هذه الروح، فلا أملَ في إصلاحهم، ولن يستجيبوا لك، فالاستجابة تأتي من أصغى سمعه، وأعمل عقله في الكون من حوله ليصل إلى حقيقة الحياة ولغز الوجود.
وسبق أنْ قُلْنا: إنك إذا سقطتْ بك طائرة مثلاً في صحراء، وانقطعت عن الناس، فلا أنيس ولا شيء من حولك، ثم فجأة رأيتَ أمامك مائدة عليها أطايب الطعام والشراب، فطبيعي قبل أنْ تمتد يدك إليها لا بُدَّ أنْ تسأل نفسك: مَنْ أتى بها؟
كذلك أنت أيها الإنسان طرأتَ على كون مُعَدٍّ لاستقبالك، مليء بكل هذا الخير، بالله ألاَ يستدعي هذا أنْ تسأل مَنْ أعد لي هذا الكون؟
ثم لم يدَّع أحد هذا الكون لنفسه، ثم جاءك رسول من عند الله يخبرك بحقائق الكون، ويحل لك لغز الحياة والوجود، لكن هؤلاء القوم لما جاءهم رسول الله أبَوْا أن يستمعوا إليه، ولم يقبلوا الروح الذي جاءهم به.
والحق سبحانه يعرض لنا هذه المسألة في آية أخرى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً ... ﴾ [محمد: ١٦] وهذا يعني أن روح المنهج لم تباشر قلوبهم.
ويردُّ الحق عليهم: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] .
فالقرآن واحد، لكن المستقبل للقرآن مختلف، فواحد يسمعه بأذن
стр. 13992
مُرْهفة وقلب واعٍ فيستفيد، ويصل إلى حَلِّ اللغز في الكون وفي الخَلْق؛ لأنه استجاب للروح الجديدة التي أرسلها الله له، وآخر أعرض.
وهؤلاء الذين أعرضوا عن القرآن إنما يخافون على مكانتهم وسيادتهم، فهم أهل فساد وطغيان، ويعلمون أن هذا المنهج جاء ليقيد حرياتهم، ويقضي على فسادهم وطغيانهم؛ لذلك رفضوه.
لذلك تجد أن الذين تصدَّوْا لدعوات الرسل وعارضوهم هم السادة والكبراء، أَلاَ تقرأ قول الحق سبحانه عن مقالتهم: ﴿إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] .
إذن: لا تتعجب من أنَّ القرآن يسمعه إنسان فيقول مُستلذاً به: الله، أعِدْ، وآخر ينصرف عنه لا يدري ما يقول، والمنصرف عن القرآن نوعان: إما ينصرف عنه تكبُّراً يعني: وعي القرآن وفهمه لكن تكبَّر على الانصياع لأوامره، وآخر سمعه لكن لم يفهمه؛ لأن الله ختم على قلبه.
ومهمة الداعي أنْ يتعهد المدعو، وألاَّ ييأس لعدم استجابته، وعليه بتكرار الدعوة له، لعله يصادف عنده فترة صفاء وفطرة، وخلو نفس، فتثمر فيه الدعوة ويستجيب.
وإلا فقد رأينا من أهل الجاهلية مَنْ أسلم بعد فترة طويلة من عمر الدعوة أمثال: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة، وغيرهم.
ونعلم كم كان عمر بن الخطاب كارهاً للإسلام معادياً لأهله، وقصة ضَرْبه لأخته بعد أنْ أسلمتْ قصة مشهورة لأنها كانت سبب إسلامه، فلما ضربها وشجَّها حتى سال الدم منها رقَّ قلبه لأخته،
стр. 13993
فلما قرأت عليه القرآن صادف منه قلبه صافياً، وفطرة نقية نفضت عنه عصبية الجاهلية الكاذبة فانفعل للآيات وباشرتْ بشاشتها قلبه فأسلم.
لذلك أمر الحق سبحانه رسوله ﷺ َ أنْ يجهر بالدعوة، وأنْ يصدع بما يُؤمر، لعلَّ السامع تصادفه فترة تنبه لفطرته، كما حدث مع عمر.
وحين نلحظ الفاء في بداية هذه الآية ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى ... ﴾ [الروم: ٥٢] نجد أن التقدير: فلا تحزن، ولا يهولنك إعراضهم؛ لأنك ما قصرْتَ في البلاغ، إنما التقصير من المستقبل؛ لأنهم لم يقبلوا الروح السامية التي جاءتهم، بل نفروا من السماع، وتناهوا عنه، كما حكى القرآن عنهم: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] .
стр. 13994
ونَهْى بعضهم بعضاً عن سماع القرآن دليل على أنهم يعلمون أن مَنْ يسمع القرآن بأذن واعية لا بُدَّ أنْ يؤمن به وأنْ يقتنع.
ثم يقول سبحانه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ ... ﴾ [البقرة: ١٨] .
وقد علمنا من وظائف الأعضاء أن البكَم يأتي نتيجة الصمم؛ لأن اللسان يحكي ما سمعته الأذن، فإذا كانت الأذن صماء فلا بُدَّ أن يكون اللسان أبكمَ، ليس لديه شيء يحكيه.
لذلك نجد الطفل العربي مثلاً حين ينشأ في بيئة إنجليزية يتكلم الإنجليزية لأنه سمعها وتعلمها، بل نجد صاحب اللغة نفسه تُعرض عليه الكلمات الغربية من لغته فلا يعرفها لماذا؟ لأنه لم يسمعها، فحين يقول العربي عن العجوز: إنها الحَيْزبون والدَّردبيس. . الخ تقول: ما هذا الكلام، مع أنه عربي لكن لم تسمعه أذنك.
والأذن هي أداة الالتقاط الأولى لبلاغ الرسالة، وما دام الله تعالى قد حكم عليهم بأنهم في حكم الأموات، فالإحساس لديهم ممتنع، فالأذن لا تسمع آيات القرآن، والعين لا ترى آيات الكون ولا تتأملها.
لذلك قال تعالى عنهم: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾ [الحج: ٤٦] .
وكلمة أعمى نقولها للمبصر صحيح العينين حينما يخطيء في
стр. 13995
شيء، فتقول له: أنت أعمى؟ لماذا، لأنه وإنْ كان صحيح العينين، إلا أنه لم يستعملها في مهمتهما، فهو والأعمى سواء.
وهؤلاء القوم وصفهم الله بأنهم أولاً في حكم الأموات، ثم هم مصابون بالصمم، فلا يسمعون البلاغ، وتكتمل الصورة بأنهم عُمْى لا يروْنَ آيات الإعجاز في الكون، وليتهم صُمٌّ فحسب، فالأصم يمكن أن تتفاهم معه بالإشارة فينتفع بعينيه إنْ كان مقبلاً عليك، لكن ما الحال إذا كان مدبراً، كما قال تعالى: ﴿إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ﴾ [الروم: ٥٢] يعني: أعطوْكَ ظهورهم، إذن: لم يَعُدْ لهم منفذ للتلقي ولا للإدراك، فهم صُم بُكْم، وبالإدبار تعطلت أيضاً حاسة البصر، فلا أملَ في مثل هؤلاء، ولا سبيل إلى هدايتهم.
стр. 13996
والدلالة على الطريق والهداية إليه لا تتأتَّى مع العمى، خصوصاً إذا أصرَّ الأعمى على عماه، ونقول لمن يكابر في العمى (فلان لا يعطي العمى حَقّه) يعني: يأنف أنْ يستعين بالمبصر، ولو استعان بالناس من حوله لوجدهم خدماً له ولصار هو مُبصراً ببصرهم.
وقوله سبحانه: ﴿إِن تُسْمِعُ ... ﴾ [الروم: ٥٣] أي: ما تُسمِع ﴿إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣] وهؤلاء هم أصفياء القلوب والفطرة، الذين يلتفتون إلى كون الله، يتأملون أسراره وما فيه من وجوه الإعجاز والقدرة، فيستدلون بالخَلْق على الخالق، وبالكون على المكوِّن سبحانه، ولِمَ لا، ونحن نعرف مَنِ اخترع أبسط الأشياء في
стр. 13997
حياتنا ونُؤرِّخ له، ونُخلِّد ذكراه، ألسنا نعرف أديسون الذي اخترع المصباح الكهربائي، والله الذي خلق الشمس لَهُوَ أوْلَى بالمعرفة.
فإذا جاءك رسول من عند الله يخبرك بوجوده تعالى، ويحل لك لغز هذا الوجود الذي تحتار فيه، فعليك أنْ تُصدِّقه، وأن تؤمن بما جاءك به؛ لذلك الحق سبحانه يُعلِّم الرسل أنْ يقولوا للناس في أعقاب البلاغ ﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ... ﴾ [الشعراء: ١٠٩] .
وفي هذا إشارة إلى أن العمل الذي يُؤدِّيه الرسل لأقوامهم عمل يستحقون عليه أجراً بحكم العقل، لكنهم يترفعون عن أجوركم؛ لأن عملهم غالٍ لا يُقدِّره إلا مَنْ أرسلهم، وهو وحده القادر على أنْ يُوفِّيهم أجورهم.
ومعنى ﴿يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ... ﴾ [الروم: ٥٣] يعني: ينظر فيها ويتأملها، ويقف على ما في الكون من عجائب الخَلْق الدالة على قدرة الخالق، فإذا ما جاءه رسول من عند الله أقبل عليه وآمن به؛ لذلك قال بعدها: ﴿فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣] .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ... ﴾ .
стр. 13998
الحق ﵎ بعد أنْ عرض علينا بعض الأدلة في الكون من حولنا يقول لنا: ولماذا نذهب بعيداً إذا لم تكْفِ الآيات في الكون من حولك، فانظر في آيات نفسك، كما قال سبحانه: ﴿وفي
стр. 13999
أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وجمع بين النوعين في قوله سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق ... ﴾ [فصلت: ٥٣] .
فهنا يقول: تأمل في نفسك أنت: ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ... ﴾ [الروم: ٥٤] ، فإنْ قال الإنسان المكلف الآن: أنا لم أشاهد مرحلة الضعف التي خُلِقْتُ منها.
نقول: نعم لم تشاهدها في نفسك، فلم تكُنْ لك ساعتها مشاهدة، لكن شاهدتها في غيرك، شاهدتها في الماء المهين الذي يتكوَّن منه الجنين، وفي الأم الحامل، وفي المرأة حين تضع وليدها صغيراً ضعيفاً، ليس له قَدَم تسعى، ولا يَدٌ تبطش، ولا سِنٌّ تقطع، ومع ذلك رُبي بعناية الله حتى صار إلى مرحلة القوة التي أنت فيها الآن.
إذن: فدليل الضعف مشهود لكل إنسان، لا في ذاته، لكن في غيره، وفي مشاهداته كل يوم، وكل منا شاهد مئات الأطفال في مراحل النمو المختلفة، فالطفل يُولَد لا حولَ له ولا قوة، ثم يأخذ في النمو والكَِبَر فيستطيع الجلوس، ثم الحَبْو، ثم المشي، إلى أنْ تكتمل أجهزته ويبلغ مرحلة الرشْد والفتوة.
وعندها يُكلِّفه الحق وينبغي أنْ نكلفه نحن أيضاً، وأنْ نستغل فترة الشباب هذه في العمل المثمر، فنحن نرى الثمرة الناضجة إذا لم يقطفها صاحبها تسقط هي بين يديه، وكأنها تريد أنْ تؤدي مهمتها التي خلقها الله من أجلها.
لذلك، فإن آفتنا نحن ومن أسباب تأخُّر مجتمعاتنا أننا نطيل عمر طفولة أبنائنا، فنعامل الشاب حتى سِنِّ الخامسة والعشرين على أنه
стр. 14000
طفل، ينبغي علينا أن نلبي كل رغباته لا ينقصنا إلا أنْ نرضعه.
آفتنا أن لدينا حناناً (مرق) لا معنى له، أما في خارج بلادنا، فمبجرد أن يبلغ الشاب رُشَدْه لم يَعُدْ له حق على أبيه، بل ينتقل الحق لأبيه عليه، ويتحمل هو المسئولية.
والحق سبحانه يُعلِّمنا في تربية الأبناء أنْ نُعوِّدهم تحمُّل المسئولية في هذه السِّنِّ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ ... ﴾ [النور: ٥٩] .
فانظر أنت أيها الإنسان الذي جعلتَ كل الأجناس الأقوى منك في خدمتك، انظر في نفسك وما فيها من آيات وما بين جنبيك من مظاهر قدرة الله، فقد نشأتَ ضعيفاً لا تقدر على شيء يخدمك غيرك.
ومن حكمته تعالى في الطفل ألاَّ تظهر أسنانه طوال فترة الرضاعة حتى لا يؤذي أمه، ثم تخرج له أسنان مؤقتة يسمونها الأسنان اللبنية؛ لأنه ما يزال صغيراً لا يستطيع تنظيفها، فيجعلها الله مؤقتة إلى أن يكبر ويتمكَّن من تنظيفها، فتسقط ويخرج مكانها الأسنان الدائمة، ولو تأملتَ في نفسك لوجدتَ ما لا يُحصى من الآيات.
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ... ﴾ [الروم: ٥٤] أي: قوة الشباب وفتوته: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ... ﴾ [الروم: ٥٤] أي: ضعف الشيخوخة، وهذا الضعف يسري في كل الأعضاء، حتى في العلم، وفي الذاكرة ﴿لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ... ﴾ [الحج: ٥] .
ويظل بك هذا الضعف حتى تصير إلى مثل الطفل في كل شيء تحتاج إلى مَنْ يحملك ويخدمك إذن: لا تأخذ هذه المسألة بطبع تكوينك، ولكن بإرادة مُكوِّنك سبحانه، فبعد أنْ كنتَ ضعيفاً يُقوِيك، وهو سبحانه القادر على أنْ يعيدك إلى الضعف، بحيث لا تستطيع
стр. 14001
عقاقير الدنيا أنْ تعيدك إلى القوة؛ لذلك يسخر أحد العقلاء ممن يتناولون (الفيتامينات) في سِنِّ الشيخوخة، ويقول: يا ويل مَنْ لم تكُنْ (فيتاميناته) من ظهره.
لذلك تلحظ الدقة في الأداء في قول سيدنا زكريا: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي ... ﴾ [مريم: ٤] ؛ لأن العظم آخر مخزن لقُوت الإنسان، حيث يختزن فيه ما زاد عن حاجة الجسم من الطاقة، فإذا لم يتغذَّ الجسم بالطعام يمتصّ من هذا المخزون من الشحوم والدهون، ثم من العضل، ثم من نخاع العظم، وهو آخر مخزن للقوت في جسمك.
فمعنى قول سيدنا زكريا: ﴿إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي ... ﴾ [مريم: ٤] يعني: وصلتُ إلى مرحلة الحرض التي لا أملَ معها في قوة، ويؤكد هذا المعنى بقوله ﴿واشتعل الرأس شَيْباً ... ﴾ [مريم: ٤] .
وقلنا: إن بياض الشعر ليس لوناً، إنما البياض انعدام اللون؛ لذلك فاللون الأبيض ليس من ألوان الطيف، ومع الشيخوخة تضعف أجهزة الإنسان، وتضعف الغدد المسئولة عن لون الشعر عن إفراز اللون الأسود، فيظهر الشعر بلا لون.
ونلحظ أن أغلب ما يشيب الناس يشيبون مما يُعرف ب «السوالف» من هنا ومن هنا، لماذا؟ قالوا: لأن الشعرة عبارة عن أنبوب دقيق، فإذا قُصَّتْ أثناء الحلق ينفتح هذا الأنبوب، وتدخله بعض المواد الكيمياوية مثل الصابون والكولونيا، فتؤثر على الحويصلات الملوّنة وتقضي عليها؛ لذلك نلاحظ هذه الظاهرة كثيراً في المترفين خاصة؛ لذلك تجد بعض الشباب يظهر عندهم الشيب في هذه المناطق من الرأس.
стр. 14002
وقد رتب سيدنا زكريا مظاهر الضعف بحسب الأهمية، فقال أولاً ﴿وَهَنَ العظم مِنِّي ... ﴾ [مريم: ٤] ثم ﴿واشتعل الرأس شَيْباً ... ﴾ [مريم: ٤] ومع كِبَر سيدنا زكريا وضعفه، ومع أن امرأته كانت عاقراً إلا أن الله تعالى استجاب له في طلبه للولد الذي يرث عنه النبوة، فبشَّره بولد وسمَّاه يحيى، وكأن الحق ﵎ يقول لنا: إياكم، ألا أستطيع أنْ أخلق مع الشيب والكبر والضعف؟ لذلك قال بعدها: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ... ﴾ [الروم: ٥٤] .
وقال في شأن زكريا ﵇: ﴿قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾
[مريم: ٩] .
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ العليم القدير﴾ [الروم: ٥٤] أي: أن هذا الخَلْق ناشيء عن علم ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤] لكن العلم وحده لا يكفي، فقد تكون عالماً لكنك غير قادر على تنفيذ ما تعلم، كمهندس الكهرباء، لديه علم واسع عنها، لكنه لا يستطيع تنفيذ شبكة أو معمل كهرباء، فيذهب إلى أحد الممولين ليعينه على التنفيذ؛ لذلك وصف الحق سبحانه نفسه بالعلم والقدرة.
إذن: هذا هو الدليل النفسي على الموجد الحق الفاعل المختار الذي يفعل الأشياء بعلم وقدرة، ولا يكلفه العمل شيئاً ولا يستغرق وقتاً؛ لأنه سبحانه يقول للشيء: كن فيكون، ولا تتعجب أن ربك يقول للشيء كُنْ فيكون؛ لأنك أيها المخلوق الضعيف تفعل هذا مع أعضائك وجوارحك.
وإلاَّ فقُلْ لي: ماذا تفعل إنْ أردتَ أنْ تقوم مثلاً أو تحمل شيئاً مجرد أن تريد الحركة تجد أعضاءك طوع إرادتك، ودون أنْ تدري بما يحدث بداخلك من انفعالات وحركات، وإنْ قُلت فأنا كبير وأستطيع أداء هذه الحركات كما أريد، فما بالك بالطفل الصغير؟
стр. 14003
وسبق أن ضربنا مثلاً لتوضيح هذه المسألة بالبلدوزر، فلكل حركة منه ذراع خاص بها يُحرِّكه السائق، وأزرار يضرب عليها، وربما احتاج السائق لأكثر من أداة التحريك هذه الآلة حركة واحدة.
أما أنت فمجرد أن تريد تحريك العضو تجده يتحرك معك كما تريد دون أن تعرف العضلات والأعصاب التي شاركت في حركته، فإذا كنتَ أنت على هذه الصورة، أتعجب من أن الله تعالى يقول للشيء كن فيكون؟
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة ... ﴾ .
стр. 14004
بعد أنْ عرض الحق الدليل ليهتدي به مَنْ يشاء، ومَنْ لم يهتَد يُلوِّح له بهذا التهديد: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون ... ﴾ [الروم: ٥٥] معنى كلمة ﴿تَقُومُ الساعة ... ﴾ [الروم: ٥٥] تدل على أنها موجودة، لكن نائمة تنتظر الإذن لها، فتقوم تنتظر أنْ نقول لها: كُنْ فتكون.
فالقيام هنا له دلالته؛ لأن الساعة أمر لا يتأتَّى به القيام، إنما يقيمها الحق سبحانه، فقوله ﴿تَقُومُ ... ﴾ [الروم: ٥٥] كأنها منضبطة كما تضبط المنبه مثلاً، ولها وقت تنتظره، وهي من تلقاء نفسها إنْ جاء وقتُها قامتْ.
وحين تتأمل كلمة ﴿تَقُومُ ... ﴾ [الروم: ٥٥] تجد أن القيام آخر مرحلة للإنسان ليؤدي مهمته، فيقابلها ما قبلها، فقبل القيام القعود،
стр. 14005
ثم الاضطجاع، ثم النوم، فمعنى قيام الساعة يعني: أنها جاءت لتؤدي مهمتها أداءً كاملاً.
وسُمِّيَتْ الساعة؛ لأنها دالة على الوقت الذي يأذن الله فيه بإنهاء العالم، وإنْ كانت الساعة عندنا كوحدة الحساب الزمن نقول: صباحاً أو مساءً وَفْق حساب الحكومة أو الأهالي، توقيت كذا أو كذا.
هذه الآلة التي في أيدينا بما تضبطه لنا من وقت أمرها هيِّن، ليست مشكلة أنْ تُقدِّم أو تُؤخِّر عدة ثوانٍ أو عدة دقائق، تعمل (أتوماتيكياً) أو بالحجارة، صُنِعتْ في سويسرا، أو في الصين، هذه الساعة لا تهم، المهم الساعة الأخرى، الساعة التي لا ساعة بعدها، واعلم أنها منضبطةٌ سبحانه، وما عليك إلا أنْ تضبط نفسك عليها، وتعمل لها ألف حساب.
وعجيب أنْ يقسم الكفار يوم القيامة ﴿مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ... ﴾ [الروم: ٥٥] فإنْ كذبوا في الدنيا، فهل يَكذْبون أيضاً في الآخرة؟ قالوا: بل يقولون ذلك على ظنهم، وإلا فالكلام منهم في هذا الوقت ليس اختيارياً، فقد مضى وقت الاختيار، ولم يَعُدْ الآن قادراً على الكذب.
لذلك سيقول الحق سبحانه في آخر الآية: ﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] فقد كانوا يقلبون الحقائق في الدنيا، أما في الآخرة فلن يقلبوا الحقائق، إنما يقولون على حَسْب نظرهم.
والمجرمون: المجرم هو الذي خرج عن المطلوب منه بذنب يخالفه، فنقول: فلان أجرم، والقانون يُسمِّى الفعل جريمة.
ومعنى ﴿مَا لَبِثُواْ ... ﴾ [الروم: ٥٥] اللبث: المكْث طويلاً أي في الدنيا، أو: ما لبثوا في قبورهم بعد الموت إلى قيام الساعة، أو: ما لبثوا بعد النفخة التي تميت إلى النفخة التي تُحيي.
следующие страницы →