← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 14001–14040 · переход к 14006.

стр. 14001

عقاقير الدنيا أنْ تعيدك إلى القوة؛ لذلك يسخر أحد العقلاء ممن يتناولون (الفيتامينات) في سِنِّ الشيخوخة، ويقول: يا ويل مَنْ لم تكُنْ (فيتاميناته) من ظهره. لذلك تلحظ الدقة في الأداء في قول سيدنا زكريا: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي ... ﴾ [مريم: ٤] ؛ لأن العظم آخر مخزن لقُوت الإنسان، حيث يختزن فيه ما زاد عن حاجة الجسم من الطاقة، فإذا لم يتغذَّ الجسم بالطعام يمتصّ من هذا المخزون من الشحوم والدهون، ثم من العضل، ثم من نخاع العظم، وهو آخر مخزن للقوت في جسمك. فمعنى قول سيدنا زكريا: ﴿إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي ... ﴾ [مريم: ٤] يعني: وصلتُ إلى مرحلة الحرض التي لا أملَ معها في قوة، ويؤكد هذا المعنى بقوله ﴿واشتعل الرأس شَيْباً ... ﴾ [مريم: ٤] . وقلنا: إن بياض الشعر ليس لوناً، إنما البياض انعدام اللون؛ لذلك فاللون الأبيض ليس من ألوان الطيف، ومع الشيخوخة تضعف أجهزة الإنسان، وتضعف الغدد المسئولة عن لون الشعر عن إفراز اللون الأسود، فيظهر الشعر بلا لون. ونلحظ أن أغلب ما يشيب الناس يشيبون مما يُعرف ب «السوالف» من هنا ومن هنا، لماذا؟ قالوا: لأن الشعرة عبارة عن أنبوب دقيق، فإذا قُصَّتْ أثناء الحلق ينفتح هذا الأنبوب، وتدخله بعض المواد الكيمياوية مثل الصابون والكولونيا، فتؤثر على الحويصلات الملوّنة وتقضي عليها؛ لذلك نلاحظ هذه الظاهرة كثيراً في المترفين خاصة؛ لذلك تجد بعض الشباب يظهر عندهم الشيب في هذه المناطق من الرأس.

стр. 14002

وقد رتب سيدنا زكريا مظاهر الضعف بحسب الأهمية، فقال أولاً ﴿وَهَنَ العظم مِنِّي ... ﴾ [مريم: ٤] ثم ﴿واشتعل الرأس شَيْباً ... ﴾ [مريم: ٤] ومع كِبَر سيدنا زكريا وضعفه، ومع أن امرأته كانت عاقراً إلا أن الله تعالى استجاب له في طلبه للولد الذي يرث عنه النبوة، فبشَّره بولد وسمَّاه يحيى، وكأن الحق ﵎ يقول لنا: إياكم، ألا أستطيع أنْ أخلق مع الشيب والكبر والضعف؟ لذلك قال بعدها: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ... ﴾ [الروم: ٥٤] . وقال في شأن زكريا ﵇: ﴿قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ [مريم: ٩] . وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ العليم القدير﴾ [الروم: ٥٤] أي: أن هذا الخَلْق ناشيء عن علم ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤] لكن العلم وحده لا يكفي، فقد تكون عالماً لكنك غير قادر على تنفيذ ما تعلم، كمهندس الكهرباء، لديه علم واسع عنها، لكنه لا يستطيع تنفيذ شبكة أو معمل كهرباء، فيذهب إلى أحد الممولين ليعينه على التنفيذ؛ لذلك وصف الحق سبحانه نفسه بالعلم والقدرة. إذن: هذا هو الدليل النفسي على الموجد الحق الفاعل المختار الذي يفعل الأشياء بعلم وقدرة، ولا يكلفه العمل شيئاً ولا يستغرق وقتاً؛ لأنه سبحانه يقول للشيء: كن فيكون، ولا تتعجب أن ربك يقول للشيء كُنْ فيكون؛ لأنك أيها المخلوق الضعيف تفعل هذا مع أعضائك وجوارحك. وإلاَّ فقُلْ لي: ماذا تفعل إنْ أردتَ أنْ تقوم مثلاً أو تحمل شيئاً مجرد أن تريد الحركة تجد أعضاءك طوع إرادتك، ودون أنْ تدري بما يحدث بداخلك من انفعالات وحركات، وإنْ قُلت فأنا كبير وأستطيع أداء هذه الحركات كما أريد، فما بالك بالطفل الصغير؟

стр. 14003

وسبق أن ضربنا مثلاً لتوضيح هذه المسألة بالبلدوزر، فلكل حركة منه ذراع خاص بها يُحرِّكه السائق، وأزرار يضرب عليها، وربما احتاج السائق لأكثر من أداة التحريك هذه الآلة حركة واحدة. أما أنت فمجرد أن تريد تحريك العضو تجده يتحرك معك كما تريد دون أن تعرف العضلات والأعصاب التي شاركت في حركته، فإذا كنتَ أنت على هذه الصورة، أتعجب من أن الله تعالى يقول للشيء كن فيكون؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة ... ﴾ .

стр. 14004

بعد أنْ عرض الحق الدليل ليهتدي به مَنْ يشاء، ومَنْ لم يهتَد يُلوِّح له بهذا التهديد: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون ... ﴾ [الروم: ٥٥] معنى كلمة ﴿تَقُومُ الساعة ... ﴾ [الروم: ٥٥] تدل على أنها موجودة، لكن نائمة تنتظر الإذن لها، فتقوم تنتظر أنْ نقول لها: كُنْ فتكون. فالقيام هنا له دلالته؛ لأن الساعة أمر لا يتأتَّى به القيام، إنما يقيمها الحق سبحانه، فقوله ﴿تَقُومُ ... ﴾ [الروم: ٥٥] كأنها منضبطة كما تضبط المنبه مثلاً، ولها وقت تنتظره، وهي من تلقاء نفسها إنْ جاء وقتُها قامتْ. وحين تتأمل كلمة ﴿تَقُومُ ... ﴾ [الروم: ٥٥] تجد أن القيام آخر مرحلة للإنسان ليؤدي مهمته، فيقابلها ما قبلها، فقبل القيام القعود،

стр. 14005

ثم الاضطجاع، ثم النوم، فمعنى قيام الساعة يعني: أنها جاءت لتؤدي مهمتها أداءً كاملاً. وسُمِّيَتْ الساعة؛ لأنها دالة على الوقت الذي يأذن الله فيه بإنهاء العالم، وإنْ كانت الساعة عندنا كوحدة الحساب الزمن نقول: صباحاً أو مساءً وَفْق حساب الحكومة أو الأهالي، توقيت كذا أو كذا. هذه الآلة التي في أيدينا بما تضبطه لنا من وقت أمرها هيِّن، ليست مشكلة أنْ تُقدِّم أو تُؤخِّر عدة ثوانٍ أو عدة دقائق، تعمل (أتوماتيكياً) أو بالحجارة، صُنِعتْ في سويسرا، أو في الصين، هذه الساعة لا تهم، المهم الساعة الأخرى، الساعة التي لا ساعة بعدها، واعلم أنها منضبطةٌ سبحانه، وما عليك إلا أنْ تضبط نفسك عليها، وتعمل لها ألف حساب. وعجيب أنْ يقسم الكفار يوم القيامة ﴿مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ... ﴾ [الروم: ٥٥] فإنْ كذبوا في الدنيا، فهل يَكذْبون أيضاً في الآخرة؟ قالوا: بل يقولون ذلك على ظنهم، وإلا فالكلام منهم في هذا الوقت ليس اختيارياً، فقد مضى وقت الاختيار، ولم يَعُدْ الآن قادراً على الكذب. لذلك سيقول الحق سبحانه في آخر الآية: ﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] فقد كانوا يقلبون الحقائق في الدنيا، أما في الآخرة فلن يقلبوا الحقائق، إنما يقولون على حَسْب نظرهم. والمجرمون: المجرم هو الذي خرج عن المطلوب منه بذنب يخالفه، فنقول: فلان أجرم، والقانون يُسمِّى الفعل جريمة. ومعنى ﴿مَا لَبِثُواْ ... ﴾ [الروم: ٥٥] اللبث: المكْث طويلاً أي في الدنيا، أو: ما لبثوا في قبورهم بعد الموت إلى قيام الساعة، أو: ما لبثوا بعد النفخة التي تميت إلى النفخة التي تُحيي.

стр. 14006

فهذه فترات ثلاث للبثهم في القبور، أطولها للذين ماتوا منذ آدم ﵇، ثم أوسطهم الذين جاءوا بعد ذلك أمثالنا، ثم أقلّهم لُبْثاً وهم الذين يموتون بين النفختين، وفي كل هذه الفترات يوجد كفار، وعلى عهد آدم كان هناك كفار، وعلى مَرِّ العصور بعده يُوجَد كفار، حتى بين النفختين يوجد كفار، إذن: فكلمة لبثوا هنا على عمومها: أطول، وطويل، وقصيرة، وأقصر. وهؤلاء يقولون يوم القيامة «ما لبثنا غير ساعة» مع أن الآخرة لا كذب فيها، لكنهم يقولون ذلك على حسب ظنهم؛ لأن الغائب عن الزمن لا يدري به، والزمن ظرف لوقت الأحداث، كما أن المكان ظرف لمكانها، فالنائم مثلاً لا يشعر بالزمن؛ لأن الزمن يُحسب بتوالي الأحداث فيه، فإذا كنتَ لا تشعر بالحدث فبالتالي لا تشعر بالوقت، سواء أكان بنوم كأهل الكهف، أو بموت كالذي أماته الله مائة عام ثم بعثه. ولما قاموا من النوم أو الموت لم يُوقِّتوا إلا على عادة الناس في النوم، فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ... ﴾ [الكهف: ١٩] ؛ لأنه في هذه الحالة لا يدري بالزمن، إنما يدري بالزمن الذي يتتبع الأحداث، وما دام الإنسان في هذه الحالة لا يدرك الزمن، فهو صادق فيما يخبر به على ظنه. لذلك يقول تعالى في آية أخرى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ العآدين﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٣]

стр. 14007

أي: اسأل الذين يعدُّون الزمن ويحصونه علينا، والمقصود والملائكة، فهم الذين يعرفون الأحداث، ويسجلونها من خَلْق آدم ﵇ وإلى الآن، وإلى قيام الساعة. فلا يسأل عن عدد إلا مَنْ عدَّ بالفعل، أو مَنْ يمكن أنْ يعُدّ، أما الشيء الذي لا يكون مظنة العدِّ والإحصاء فلا يُعَدُّ، وهل عَدَّ أحد في الدنيا رمال الصحراء مثلاً؟ لذلك نسمع في الفكاهات: أن واحداً سأل الآخر: تعرف في السماء كم نجم؟ قال: تسعة آلاف مليون وخمسمائة ألف وثلاثة وتسعون نجماً، فقال الأول: أنت كذاب، فقال الآخر: اطلع عِدّهم. لكن، لماذا يستقلّ الكفار الزمن فيُقسمون يوم تقوم الساعة ما لبثوا غير ساعة؟ وفي موضع آخر يقول عنهم: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦] . قالوا: لأن الزمن يختلف بحسْب أحوال الناس فيه، فواحد يتمنى لو طال به الزمن، وآخر يتمنى لو قصر، فالوقت الذي يجمعك ومَنْ تحب يمضي سريعاً وتتمنى لو طال، على خلاف الوقت الذي تقضيه على مَضض مع مَنْ تكره، فيمر بطيئاً متثاقلاً. على حدِّ قول الشاعر: حَادِثَاتُ السُّرورِ تُوزَنُ وَزْناً ... والبَلاَيَا تُكَالُ بالقُفزان ويقول آخر: وَدَّع الصَّبر محبٌّ ودَّعكَ ... ذائعٌ مِن سِرِّهِ مَا اسْتوْدعَكْ

стр. 14008

يَقْرعُ السَّنَّ على أنْ لم يكُنْ ... زَادَ في تِلْكَ الخُطَى إذْ شيَّعَكْ إلى أنْ يقولَ: إنْ يَطُلْ بعدكَ لَيْلى فلكَمْ ... بِتُّ أشكُو قِصَر الليْلِ معكْ ففي أوقات السرور، الزمن قصير، وفي أوقات الغَمِّ الزمن طويل ثقيل، ألم تسمع للذي يقول - لما جمع الليل شمله بمَنْ يحب: يَا لَيْلُ طُلْ يا نَوْمُ زُلْ ... يَا صُبْحُ قِفْ لا تطْلُعٍ كذلك الذي ينتظر سروراً يستبطيء الزمن، ويود لو مرَّ سريعاً ليعاين السرور الذي ينتظره، أما الذي يتوقع شراً أو ينتظره فيودُّ لو طالَ الزمن ليبعده عن الشر الذي يخافه. لذلك نجد المؤمنين يودُّون لو قصر الزمن؛ لأنهم واثقون من الخير الذي ينتظرهم والنعيم الذي وُعدوا به، أما المجرمون فعلى خلاف ذلك، يودُّون لو طال الزمن ليبعَدهم عما ينتظرهم من العذاب؛ لذلك يقولون ما لبثنا في الدنيا إلا قليلاً ويا ليتها طالتْ بنا. إما لأنهم لا يدرون بالزمن ويقولون حَسْب ظنهم، أو لأنهم يريدون شيئاً يُبعد عنهم العذاب. إذن: أقسموا ما لبثوا غير ساعة، إما على سبيل الظن، أو لأن الغافل عن الأحداث لا يدري بالزمن، ولا يستطيع أنْ يُحِصيه، كالعُزير الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٩] فأخبره ربه أنه لبث مائة عام ﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٩] . والذي لا شكَّ فيه أن الله تعالى صادق فيما أخبر به، وكذلك العزير كان صادقاً في حكمه على الزمن؛ لذلك أقام الحق الدليل على صِدْق القولين فقال: ﴿فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ

стр. 14009

لَمْ يَتَسَنَّهْ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٩] والطعام لا يتغير في يوم أو بعض يوم، فقام الطعام والشراب دليلاً على صِدْق الرجل. ثم قال سبحانه ﴿وانظر إلى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً ... ﴾ [البقرة: ٢٥٩] . فقامت العظام البالية دليلاً على صِدْقه تعالى في المائة عام. ولا تقل: كيف نجمع بين صدق القولين؟ لأن الذي أجرى هذه المسألة رب، هو سبحانه القابض الباسط، يقبض الزمن في حَقِّ قوم، ويبسطه في حَقِّ آخرين. وهذه الآية ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة ... ﴾ [الروم: ٥٥] جاءت بعد إعذار الله للكافرين برسله، ومعنى إعذارهم أي: إسقاط عذرهم في أنه سبحانه لم يُبيِّن لهم أدلة الإيمان في قمته بإله واحد، وأدلة الإيمان بالرسول بواسطة المعجزات حتى يؤمنوا بآيات الأحكام في: افعل، ولا تفعل. فالآيات كما قلنا ثلاث: آيات تثبت قمة العقيدة، وهو الإيمان بوجود الإله القادر الحكيم، وآيات تثبت صِدْق البلاغ عن الله بواسطة رسله، وهذه هي المعجزات، وآيات تحمل الأحكام. والحق سبحانه لا يطلب من المؤمنين به أنْ يؤمنوا بأحكامه في: افعل ولا تفعل إلا إذا اقتنعوا أولاً بالرسول المبلِّغ عن الله بواسطة المعجزة، ولا يمكن أنْ يؤمنوا بالرسول المبلِّغ عن الله إلا إذا ثبتَ عندهم وجود الله، ووجود الله ثابت في آيات الكون. لذلك دائماً ما يعرض علينا الحق سبحانه آياته في الكون، لكن يعرضها متفرقة، فلم يصبّها علينا صَبّاً، إنما يأتي بالآية ثم يُردِفها

стр. 14010

بما حدث منهم من التكذيب والنكران، فيأتي بالآية ونتيجتها منهم، ذلك ليكرر الإعذار لهم في أنه لم يَعُدْ لهم عُذْر في ألاَّ يؤمنوا. فنلحظ هذا التكرار في قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الفلك بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم: ٤٦] . ثم يذكر أن هذه الآيات لم تُجْد معهم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بالبينات فانتقمنا مِنَ الذين أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين﴾ [الروم: ٤٧] . ثم يسوق آية أخرى: ﴿الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السمآء كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فانظر إلى آثَارِ رَحْمَتِ الله كَيْفَ يُحْيِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الموتى وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٤٨ - ٥٠] . ثم يذكر سبحانه ما كان منهم بعد كلِّ هذه الآيات: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم: ٥١] . وهكذا يذكر الحق سبحانه الآية، ويُتبعها بما حدث منهم من نكران، ويكررها حتى لا تبقى لهم حجة للكفر، ثم تأتي هذه الآية: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ... ﴾ [الروم: ٥٥] لتقول لهم: إنْ كنتم قد كذَّبتم بكل هذه الآيات، فستأتيكم آية لا تستطيعون تكذيبها هي القيامة.

стр. 14011

وعجيب أنْ يُقسِموا بالله في الآخرة ما لبثوا غير ساعة، وقد كفروا به سبحانه في الدنيا. وفي الآية جناس تام بين كلمة الساعة الأولى، والساعة الثانية، فاللفظ واحد لكن المعنى مختلف ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة ... ﴾ [الروم: ٥٥] أي: القيامة ﴿يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ... ﴾ [الروم: ٥٥] أي: من الوقت، ومن ذلك قول الشاعر: رَحلْتُ عَنِ الديارِ لكُمْ أَسِيرُ ... وقَلْبي فِي محبِتكُمْ أَسِيرُ أي: مأسور. ولي أنا وزميلي الدكتور محمد عبد المنعم خفاجة - أطال الله بقاءه - قصة مع الجناس، ففي إحدى حصص البلاغة، قال الأستاذ: لا يوجد في القرآن جناس تام إلا في هذه الآية بين ساعة وساعة، لكن يوجد فيه جناس ناقص، فرفع الدكتور محمد أصبعه وقال: يا أستاذ أنا لا أحب أنْ يُقال: في القرآن شيء ناقص. فضحك الشيخ منه وقال له: إذن ماذا نقول؟ وقد قسم أهل البلاغة الجناس إلى تام وناقص: الأول تتفق فيه الكلمتان في عدد الحروف وترتيبها وشكلها، فإن اختلف من ذلك شيء فالجناس بينهما ناقص، كما في قوله تعالى: ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] فبين هُمزة ولمزة جناس ناقص؛ لأنهما اختلفا في الحرف الأول. أذكر أن الشيخ أشار إليَّ وقال: ما رأيك فيما يقول صاحبك؟ فقلت: نسميه جناس كُل، وجناس بعض، يعني: تتفق الكلمتان في كل الحروف أو في بعضها، وبذلك لا نقول في القرآن: جناس ناقص.

стр. 14012

فقولهم ﴿مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ... ﴾ [الروم: ٥٥] أي: الساعة الزمنية التي نعرفها، والزمن له مقاييس: ثانية، ودقيقة، وساعة، ويوم، وأسبوع، وشهر، وسنة، وقرن، ودهر، وهم يقصدون الساعة الزمنية المعروفة لنا. إذن: فهم يُقلِّلون مدة مُكْثهم في الدنيا أو في القبور لما فاجأتهم القيامة، وقد أخبرناهم وهم في سَعَة الدنيا أن متاع الدنيا قليل، وأنها قصيرة وإلى زوال، فلم يُصدّقوا والآن يقولون: إنها كانت مجرد ساعة، ولم يقولوا حتى شهر أو سنة، فكيف تستقل ما سبق أن استكثرته، وظننتَ أنك خالد فيه حتى قلتَ ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر ... ﴾ [الجاثية: ٢٤] . ففي الدنيا كذَّبتم وأنكرتم، ولم تستجيبوا لداعي الإيمان، أما الآن في الآخرة فسوف تستجيبون استجابة مصحوبة بحمده تعالى، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ... ﴾ [الإسراء: ٥٢] أي: تقولون الحمد لله والإنسان لا يحمد إلا على شيء محبوب. ثم يقول سبحانه: ﴿كَذَلِكَ ... ﴾ [الروم: ٥٥] أي: كهذا الكذب ﴿كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] والإفك من أَفك إفكاً، أي: صرف الشيء عن وجهه؛ لذلك سُمِّي الكذب إفكاً؛ لأن الكاذب يخبر بقضية تخالف الواقع، فيأتي بها على غير وجهها، أو يُوجِدها وهي غير موجودة، أو ينكر وجودها. ومنه قوله تعالى: ﴿والمؤتفكة أهوى﴾ [النجم: ٥٣] وهي القرى التي قلبها الله، فجعل عاليها سافلها. فقوله ﴿كَذَلِكَ ... ﴾ [الروم: ٥٥] أي: كهذا الإفك كانوا يُؤْفكون، يعني: يكذِّبون الرسل في الحقائق التي جاءوا بها من قِبلَ ربهم.

стр. 14013

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم ... ﴾ .

стр. 14014

قال هنا ﴿العلم والإيمان ... ﴾ [الروم: ٥٦] فهل العِلم ينافي الإيمان؟ لا، لكن هناك فَرْق بينهما، فالعلم كسب، والإيمان أنت تؤمن بالله وإنْ لم تَرَه. إذن: شيء أنت تراه وتعلمه، وشيء يخبرك به غيرك بأنه رآه، فآمنتَ بصدقه فصدَّقْتَه، فهناك تصديق للعلم وتصديق للإيمان؛ لذلك دائما يُقَال: الإيمان للغيبية عنك، أما حين يَقْوى إيمانك، ويَقْوى يقينك يصير الغيب كالمشاهَد بالنسبة لك. وقد أوضحنا هذه المسألة في الكلام عن قوله تعالى في خطابه لنبيه محمد ﷺ َ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل﴾ [الفيل: ١] . فقال: ألم تَرَ مع أن النبي ﷺ َ وُلِد عام الفيل، ولم يتسَنّ له رؤية هذه الحادثة، قالوا: لأن إخبار الله له أصدق من رؤيته بعينه. فقوله: ﴿أُوتُواْ العلم والإيمان ... ﴾ [الروم: ٥٦] لأن العلم تأخذه أنت بالاستنباط والأدلة ... الخ، أو تأخذه ممن يخبرك وتُصدِّقه فيما أخبر، «لذلك النبي ﷺ َ لما سأل الصحابي:» كيف أصبحتَ «؟ قال: أصبحتُ مؤمناً حقاً، قال:» لكلِّ حقٍّ حقيقة، فما حقيقة إيمانك «؟

стр. 14015

يعني: ما مدلول هذه الكلمة التي قلتها؟ فقال الصحابي: عزفتْ نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها، ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعَّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون - يريد أن يقول لرسول الله: لقد أصبحتُ وكأني أرى ما أخبرتنا به - فقال له رسول الله:» عرفتَ فالزم «. لكن، مَن هم الذين أوتوا العلم؟ هم الملائكة الذين عاصروا كل شيء، لأنهم لا يموتون، أو الأنبياء لأن الذي أرسلهم أخبره، أو المؤمنون لأنهم صدَّقوا الرسول فيما أخبر به. وقال ﴿أُوتُواْ العلم ... ﴾ [الروم: ٥٦] ولم يقل: علموا، كأن العلم ليس كَسْباً، إنما إيتاء من عَالِم منك يعطيك. فإنْ قُلتَ: أليس للعلماء دور في الاستدلال والنَظر في الأدلة؟ نقول: نعم، لكن مَنْ نصب لهم هذه الأدلة؟ إذن: فالعلم عطاء من الله. ثم يقول سبحانه: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله إلى يَوْمِ البعث فهذا يَوْمُ البعث ... ﴾ [الروم: ٥٦] يعني: مسألة مرسومة ومنضبطة في اللوح المحفوظ إلى يوم البعث ﴿فهذا يَوْمُ البعث ... ﴾ [الروم: ٥٦] الذي كنتم تكذبون به، أما الآن فلا بُدَّ أنْ تُصدِّقوا فقد جاءكم شيء لا تقدرون على تكذيبه؛ لأنه أصبح واقعاً ومن مصلحتكم أنْ يقبل عذركم، لكن لن يقبل منكم، ولن نسمع لكم كلاماً لأننا قدمنا الإعذار سابقاً. وقوله تعالى: ﴿ولكنكم كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٦] في أول

стр. 14016

الآية قال: ﴿أُوتُواْ العلم ... ﴾ [الروم: ٥٦] فنسب العلم إلى الله، أما هنا فنسبه إليهم؛ لأن الله تعالى نصب لهم الأدلة فلم يأخذوا منها شيئاً، ونصب لهم الحجج والبراهين والآيات فغفلوا عنها، إذن: لم يأخذوا من الدلائل والحجج ما يُوصِّلهم إلى العلم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ الذين ... ﴾ .

стр. 14017

قوله ﴿فَيَوْمَئِذٍ ... ﴾ [الروم: ٥٧] أي: يوم قيام الساعة ﴿لاَّ ينفَعُ الذين ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧] أي: لا يُقبَل منهم عذر، ومعنى ﴿ظَلَمُواْ ... ﴾ [الروم: ٥٧] أي: ظلموا أنفسهم، والظالم يلجأ إلى الظلم؛ لأنه يريد أن يأخذ من الغير ما عجزتْ حركته هو عن إدراكه. فالظلم أنْ تأخذ نتيجة عرق غيرك لتحوله إلى دم فيك، لكن دمك إنْ لم يكُنْ من عَرَقك فهو دم فاسد عليك، ولا تأتي منه أبداً حركة إجابة في الوجود لا بُدَّ أن تكون نتيجته حركات شر؛ لأنه دم حرام، فكيف يتحرك في سبيل الحلال؟ لذلك ورد في الحديث الشريف أن رسول الله ﷺ َ قال: «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلى طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين» ، فقال: ﴿ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ واشكروا للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر «

стр. 14018

الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر ثم يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه من حرام، ومشربه من حرام، فأنَّى يُستجاب له» «. إذن: كيف يُستجاب لنا وأبعاضنا كلها غير أهْلِ لمناجاة الله بالدعاء؟ ولا يقف الأمر عند عدم قبول العذر، إنما ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧] العتاب: حوار بلُطْف ودلال بين اثنين في أمر أغضب أحدهما، وكان من المظنون ألاَّ يكون، ويجب أن يعرض عليه ليصفي نفسه منه، كأن يمر عليك صديق فلا يسلم عليك فتغضب منه، فإنْ كنتَ حريصاً على مودته تقابله وتقول: والله أنا في نفسي شيء منك، لأنك مررتَ فلم تسلم عليَّ يوم كذا، فيقول لك: والله كنتُ مشغولاً بكذا وكذا ولم أَرَك، فيزيل هذا العذر ما في نفسك من صاحبك. ونقول: عتب فلان على فلان فأعتبه أي: أزال عتابه؛ لذلك يقولون: ويبقى الود ما بقي العتاب، ويقول الشاعر: أَمَّا العِتَابُ فبالأحِبّة أَخْلَق ... والحُبُّ يَصْلُح بالعِتَاب ويصْدُقُ والهمزة في أعتب تسمى همزة الإزالة، ومنها قول الشاعر: أُرِيدُ سُلوَّكم - أي بعقلي - والقَلْبُ يأْبَى ... وأعْتِبكُم ومِلءُ النَفْسِ عَتْبى ومنه ما جاء في مناجاة النبي ﷺ َ لربه يوم الطائف بعد أن لَقي منهم ما لَقِي، حتى لجأ إلى حائط، وأخذ يناجي ربه:» ربِّ إلى مَنْ

стр. 14019

تَكِلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملّكته أمري؟ إنْ لم يكنْ بك عليَّ غضب فلا أُبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. . إلى أنْ يقول: لك العُتْبى حتى ترضى «. يعني: يا رب إنْ كنت غضبتَ لشيء بدر مني، فأنا أريد أن أزيل عتباك عليَّ. ومن همزة الإزالة قولنا: أعجمت الكلمة أي: أزلْتُ عٌجْمتها وخفاءها، وأوضحت معناها، ومن ذلك نُسمِّي المعجم لأنه يزيل خفاء الكلمات ويُبيِّنها. وتقرأ في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ... ﴾ [طه: ١٥] أي: أقرب أنْ أزيل خفاءها بالآيات والعلامات. وهذه الكلمة ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧] وردتْ في القرآن ثلاث مرات، ووردت مرة واحدة مبنية للفاعل (يَسْتعتبون) ، لأنهم طلبوا إزالة عتابهم، فلم يُزِلْه الله ولم يسمح لهم في إزالته، أما (يُستعتبون) فلأنهم لم يطلبوا العتب بأنفسهم، إنما جعلوا لهم

стр. 14020

شفعاء يطلبون لهم، لكن خَاب ظنهم في هذه وفي هذه. فالمعنى ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧] لا يجرؤ شفيع أنْ يقول لهم: استعتبوا ربكم، واسألوه أنْ يعتبكم أي: يزيل العتاب عنكم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا ... ﴾ .

стр. 14021

وهذه الآية تعني أننا لم نترك معذرة لأحد ممن كفروا برسلهم؛ لأننا جئنا لهم بأمثال متعددة وألوان شتى من الأدلة المشاهدة ليستدلوا بها على غير المشاهد ليأخذوا من مرائيهم ومن حواسهم دليلاً على ما غاب عنهم. فحين يريد سبحانه أن يقنعهم بأن يؤمنوا بإله واحد لا شريك له يضرب لهم هذا المثَلَ من واقع حياتهم: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ... ﴾ [الزمر: ٢٩] . هل يستوي عبد لسيد واحد مع عبد لعدة أسياد يتجاذبونه، إنْ أرضي واحد أسخط الآخرين؟ ثم يُقرِّب المسألة بمثَلٍ من الأنفس، وليس شيء أقرب إلى الإنسان من نفسه، فيقول الحق : ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ

стр. 14022

يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨] . والمعنى: إذا كنتم لا تقبلون أنْ يشارككم مواليكم فيما رزقكم الله، فتكونون في هذا الرزق سواء، فكيف تقبلون الشركة في حق الله تعالى؟ وحين يريد الحق سبحانه أنْ يبطل شرْكهم وعبادتهم للآلهة يضرب لهم هذا المثل ﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب﴾ [الحج: ٧٣] . والمَثَل يعني أنْ تُشبِّه شيئاً بشيء، وتلحق خفياً بجلى، لتوضحه وليستقر في ذِهْن السامع، كأن تشبه شخصاً غير معروف بشخص معروف، ويُسَمَّى هذا: مثْل أو مَثَل، نقول: فلان مثْل فلان. أما المثل فقول من حكيم شاع على الألسنة، وتناقله الناس كلما جاءت مناسبته، وسبق أنْ مثَّلنا لذلك بالملك الذي أرسل امرأة تخطب له أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني، وكان اسمها (عصام) ، فلما عادت من المهمة بادرها بقوله: ما وراءكِ يا عصام؟ فصارت مثلاً يُقال في مثل هذه المناسبة مع أنه قيل في حادثة مخصوصة. والمثل يقال كما هو، لا نغير فيه شيئاً، فنقول: ما وراءك يا عصام للمذكر وللمؤنث، وللمفرد وللمثنى وللجمع. ومن ذلك نُشبِّه الكريم بحاتم، والشجاع بعنترة. . الخ لأن حاتماً الطائي صار مضربَ المثل في الكرم، وعنترة في الشجاعة. وفي المثال نقول لمن يواجه بمَنْ هو أقوى منه: إنْ كنت ريحاً فقد لاقيتَ إعصاراً، ونقول لمن لم يُعِدّ للأمر عُدَّته: قبل الرماء تُملأ الكنائن.

стр. 14023

إذن: المثل قول شبه مضربه الآن بمورده، سابقاً لأن المورد كان قوياً وموجزاً لذلك حُفِظ وتناقلته الألسنة. والقرآن يسير على أسلوب العرب وطريقتهم في التعبير وتوضيح المعنى بالأمثال حتى يضرب المثل بالبعوضة، والبعض يأنف أنْ يضرب القرآن بجلاله وعظمته مثلاً بالبعوضة، وهو لا يعلم أن الله يقول: ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ... ﴾ [البقرة: ٢٦] . وليس معنى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا ... ﴾ [البقرة: ٢٦] أي: في الكِبَر كما يظن البعض، فيقولون: لماذا يقول فما فوقها وهو من باب أَوْلى، لكن المراد ما فوقها في الصِّغَر وفيما تستنكرونه من الضآلة، كالكائنات الدقيقة والفيروسات ... الخ. لكن، لماذا يضرب الله الأمثال للناس؟ قالوا: لأن الإنسان له حواسّ متعددة، فهو يرى ويسمع ويشم ويتذوق ويلمس. . الخ، ولو تأملتَ كل هذه الحواس لوجدتَ أن ألصق شيء بالحس أنْ يضرب؛ لذلك حين تريد أنْ تُوقِظ شخصاً من النوم فقد لا يسمع نداءك فتذهب إليه وتهزُّه كأنك تضربه فيقوم. إذن: فالضرب هو الأثر الذي لا يتخلف مدلوله أبداً، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله ... ﴾ [المزمل: ٢٠] أي: يُؤثرون فيها تأثيراً واضحاً كالحرث مثلاً، وهو أشبه ما يكون بالضرب. والضرب لا يكون ضرباً يؤدي مهمة وله أثر إلا إذا كان بحيث يُؤلم المضروب، ولا يُوجع الضارب، وإلا فقد تضرب شيئاً بقوة فتؤلمك يدك، فكأنك ضربتَ نفسك. وهذا المعنى فَطِن إليه الشاعر،

стр. 14024

فقال للذين لا يؤمنون بقدر الله: أيَا هَازئاً من صُنُوف القَدَرِ ... بنفسِكَ تعنف لاَ بالقَدرْ وَيَا ضَارِباً صَخْرةً بِالعصَا ... ضربتَ العَصَا أَمْ ضربْتَ الحجَرْ فالحق سبحانه يضرب المثل ليُشعركم به، وتُحسون به حِسَّ الألم من الضرب، فإذا لم يحسّ الإنسان بضرب المثل فهو كالذي لا يحسُّ بالضرب الحقيقي المادي، وهذا والعياذ بالله عديم الإحساس أو مشلول الحسِّ. فالمعنى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ ... ﴾ [الروم: ٥٨] يعني: أتيناهم بأمثال ودلائل لا يمكن لأحد إلا أنْ يستقبلها كما يستقبل الضرب؛ لأن الضرب آخر مرحلة من مراحل الإدراك. وسبق أنْ قلنا: إن الحق سبحانه ضرب المثل لنفسه سبحانه في قوله: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح ... ﴾ [النور: ٣٥] . والمثل هنا ليس لنوره تعالى كما يظن البعض، إنما مَثَلٌ لتنويره للكون الواسع، وهو سبحانه يُنوِّرك حِسِّياً بالشمس وبالقمر وبالنجوم، ويُنوِّرك معنوياً بالمنهج وبالقيم. ففائدة النور الحسي أن يزيل الظلمة، وأنْ تسير على هُدى وعلى بصيرة فتسلم خطاك واتجاهك من أنْ تحطم ما هو أقلّ منك أو يحطمك ما هو أقوى منك، والمحصلة ألاَّ تضر الأضعف منك، وألاَّ يضرك الأقوى منك. كذلك النور المعنوي، وهو نور القيم والمنهج يمنعك أنْ تضرَّ غيرك، ويمنع غيرك أنْ يضرَّك، وكما ينجيك النور الحسي من

стр. 14025

المعاطب الحسية كذلك ينجيك نور القيم من المعاطب المعنوية. لذلك يقول سبحانه بعد أن ضرب لنا هذا المثل: ﴿نُّورٌ على نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾ [النور: ٣٥] . وسبق أنْ ذكرنا ما كان من مدح أبي تمام لأحد الخلفاء: إقْدامُ عَمروٍ في سَمَاحةِ حَاتمٍ ... في حِلْم أحْنَفَ في ذَكَاءِ إيَاسِ فقال أحد حُسَّاده على مكانته من الخليفة: أتشبه الخليفة بأجلاف العرب؟ فأطرق هنيهة، ثم أكمل على نفس الوزن والقافية: لاَ تُنكِروا ضرْبي لَهُ مَنْ دُونَه ... مثَلاً شَرُوداً في النَّدَى والبَاسِ فاللهُ قَدْ ضربَ الأقلَّ لِنُورهِ ... مَثَلاً من المشْكَاةِ والنبراسِ الأعجب من هذا أنهم أخذوا الورقة التي معه، فلم يجدوا فيها هذين البيتين، وهذا يعني أنه ارتجلهما لتوّه، وقد قلت: والله لو وجدوا هذه الأبيات مُعدة معه لما قلَّل ذلك من شأنه، بل فيه دلالة على ذكائه واحتياطه لأمره وتوقعه لما قد يقوله الحساد والحاقدون عليه. لكن لم تُجد هذه الأمثال ولم ينتفعوا بها، وليت الأمر ينتهي عند هذا الحد بل: ﴿وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ ... ﴾ [الروم: ٥٨] أي: جديدة ﴿لَّيَقُولَنَّ الذين كفروا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ﴾ [الروم: ٥٨] فيتهمون الرسل

стр. 14026

في بلاغهم عن الله بأنهم أهل باطل وكذب. والحق سبحانه يحتجّ على الناس في أنه لم يُجبهم إلى الآيات التي اقترحوها؛ لأن السوابق مع الأمم التي كذَّبت الرسل تؤيد ذلك، فقد كانوا يطلبون الآيات، فيجيبهم الله إلى ما طلبوا، فما يزدادون إلا تكذيباً. لذلك يقول سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون ... ﴾ [الإسراء: ٥٩] . فالأمر لا يتعدى كونهم يريدون إطالة الإجراءات وامتداد الوقت في جدل لا يجدي، ثم إن في إجابتهم إلى ما طلبوا رغم تكذيبهم بالآيات السابقة احتراماً لعدم إيمانهم، ودليلاً على أن الآيات السابقة كانت غير كافية، بدليل أنه جاءهم بآية أخرى، إذن: فعدم مجيء الآيات يعني أن الآيات السابقة كانت كافية للإيمان لكنهم لم يؤمنوا؛ لذلك لن نجيبهم في طلب آيات أخرى جديدة. وهذه القضية واضحة في جدل إبراهيم ﵇ مع النمروذ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الملك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . وعندها شعر إبراهيم ﵇ بأن خَصْمه يميل إلى الجدل والسفسطة، وأنه يريد إطالة مد الجدل، ويريد تضييع الوقت في أخذ وردٍّ؛ لذلك أضرب عن هذه الحجة - مع أن خَصْمه لا يميت ولا يحيى على الحقيقة - وألجأه إلى حجة أخرى لا يستطيع منها فكاكاً، ولا يجد معها سبيلاً للمراوغة فقال:

стр. 14027

﴿فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب ... ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فماذا يقول هذا المعاند؟ ﴿فَبُهِتَ الذي كَفَرَ والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [البقرة: ٢٥٨] . كذلك كان فرعون يلجأ إلى هذا الأسلوب في حواره مع موسى وهارون ﵉، ففي كل موقف كان يقول: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾ [طه: ٤٩] إنه الجدل العقيم، يلجأ إليه مَنْ أفلس، فلم يجد حجة يستند إليها. ونلحظ في أسلوب الآية صيغة الإفراد في ﴿وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ ... ﴾ [الروم: ٥٨] ثم تنتقل إلى صيغة الجمع في ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ﴾ [الروم: ٥٨] فلم يقولوا لرسولهم مثلاً: أنت مبطل، فلماذا؟ قالوا: لأن الرسول حين يُكذِّبه قومه فيقولون: أنت مبطل، فلعل من أتباعه المؤمنين به مَنْ يدافع عنه ويشهد بصدقه، فجاءت صيغة الجمع لتفيد الشمول، فكأنهم يقولون: أنت مبطل وكل مَنْ (يتشدد لك) . أو يكون المعنى ﴿إِنْ أَنتُمْ ... ﴾ [الروم: ٥٨] يعني: كل الرسل ﴿مُبْطِلُونَ﴾ [الروم: ٥٨] أي: كاذبون تختلفون من عند أنفسكم وتقولون: هو من عند الله. وعجيب من هؤلاء أن يؤمنوا بالله ويُكذِّبوا رسله، ككفار مكة الذين شمتوا في رسول الله حين فتر عنه الوحي فقالوا: «إن رب محمد قلاه» .

стр. 14028

وهم لا يدرون أو الوحي كان يجهد رسول الله، وكان يشقُّ عليه في بداية الأمر، حتى جاء زوجه خديجة يقول: زملوني زملوني، دثروني دثروني، وكان جبينه يتفصد عرقاً، وكان ﷺ َ يقول عن الملَك: «وضمني حتى بلغ مني الجهد» . وما ذاك إلا لالتقاء الملكية بالبشرية؛ لذلك كان جبريل ﵇ يتمثل لسيدنا رسول الله في صورة بشر، ليس عليه غبار السفر ولا يعرفه أحد، كما جاء لرسول الله وهو في مجلس الصحابة يسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان. إذن: مسألة فتور الوحي وانقطاعه مدة عن رسول الله أراد الله به أن يستريح رسول الله من مشقة الوحي حتى يزول عنه الألم والعناء وعندها يشتاق للوحي من جديد، ويهون عليه فيتحمله ويصير له دُرْبه على تلقيه من الملك، فشَوْق الإنسان إلى الشيء يجعله يتحمل المشاقّ في سبيله، ويُهوِّن عليه الصعاب، كالذي يسير إلى محبوبه

стр. 14029

فلا يبالي حتى لو سار على الشوك، أو اعترضته المخاوف والأخطار. والوحي لقاء بشري بملكي، فإما أنْ ينتقل الرسول إلى مرتبة الملَك، أو ينتقل الملك إلى مرتبة البشر، وهذا التقارب لم يحدث في بداية نزول الوحي فأجهد رسول الله واحتاج إلى هذه الراحة بانقطاع الوحي. لذلك يقول سبحانه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٢ - ٣] أي: جعلناه خفيفاً لا يجهدك، ويقول سبحانه في الرد عليهم: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ [الضحى: ١ - ٣] . فعجيب أنْ يقولوا: «إن رب محمد قلاه» فيعترفون برب محمد ساعة الشدة والضيق الذي نزل به، فأشمتهم فيه حتى قالوا: إن رب محمد جفاه، فلما وصله ربه بالوحي ودعاهم إلى الإيمان كفروا وكذَّبوا.

стр. 14030

قوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ ... ﴾ [الروم: ٥٩] . أي: كتكذيبهم لكل آية تأتيهم بها ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩] . أي ختمها وأغلقها. فإنْ قلتَ: فمن المصلحة أنْ تظل قلوبهم مفتوحة لعلها تستقبل شيئاً من الهداية والنور. نقول: الخَتْم على قلوب هؤلاء لا يكون إلا بعد استنفاد كل وسائل الدعوة، فلم يستجيبوا فلا أملَ في هدايتهم ولا جدوى من سماعهم.

стр. 14031

والحق ربٌّ يعين عبده على ما يحب ويلبي له رغبته، حتى وإنْ كانت الكفر، وهؤلاء أرادوا الكفر وأحبوه، فأعانهم الله على ما أرادوا، وختم على قلوبهم حتى لا يدخلها إيمان، ولا يفارقها كفر. لذلك سبق أنْ حذَّرنا أصحاب المصائب، أو الذين يفقدون عزيزاً، حذرناهم أنْ يستديموا الحزن، وأنْ يألفوه مخافة أنْ يوافقكم الله على هواكم في محبة الحزن وعِشْقه، فتتوالى عليكم الأحزان وتتتابع المصائب، إياكم ان تدعوا باب الحزن موارباً، بل أغلقوه بمسمار الرضا، فالحزن إنْ ظلَّ بك فلن يدعَ لك حبيباً. وكذلك نقول: إن شُغل عنك شخص فلا تُذكِّره بنفسك، بل أَعِنْهُ على هجرك، وساعده بألاَّ تذكره. فإذا قلتَ: إذا كان الحق سبحانه قد وصفهم بأنهم لا يعلمون، فلماذا يختم على قلوبهم، ولماذا يحاسبهم؟ نقول: لأن عدم العلم نتيجة تقصيرهم، فالحق سبحانه أقام لهم الأدلة والآيات الكونية الدالة على وجوده تعالى، فلم ينظروا في هذه الآيات ولم يستدلوا بالأدلة على وجود الخالق القادر سبحانه، وضرورة البلاغ من الله، إذن: فعدم علمهم نتيجة غفلتهم وتقصيرهم. لكن، ماذا بعد أنْ كذَّبوا الرسل وأنكروا الآيات، أتتوقف مسيرة الدعوة، لأنهم صَمُّوا آذانهم عنها؟ لقد خلق الله الكون ونثر فيه الآيات التي تدل على وجود الإله الواحد الأحد، وجعل فيه المعجزات التي تثبت صِدْق الرسُل في البلاغ عن الله، والحق سبحانه لا ينتفع بهذه الآيات؛ لأن مُلْكِه تعالى لا يزيد بطاعتنا، ولا ينقص بمعاصينا، فالمسألة تعود إلينا نحن أولاً وآخراً، إذن: فالحسم في هذه

стр. 14032

المسألة: دَعْكَ من هؤلاء المكذَّبين يا محمد، واتبُتْ على ما أنت عليه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ... ﴾ .

стр. 14033

اصبر على كرههم، واصبر على لَدَدهم وعنادهم، واصبر على إيذائهم لك ولمن يؤمن بك، اصبر على هذا كله؛ لأن العاقبة في صالحك ﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ... ﴾ [الروم: ٦٠] . وقد وعد الله رسله بالنصرة والغَلَبة، ووَعْد الله حق، فتأكد أن النصر آتٍ. لكن ما دام النصر آتياً، فلماذا هذا الصراع بين المؤمنين والكافرين؟ ولماذا كل هذه المشقة والعناء في سبيل الدعوة؟ قالوا: لأن الله تعالى يريد أن يُمحِّص أتباع محمد، وأن يُدرِّبهم على مسئولية حمل أمانة الدعوة وشعلة النور من بعد رسول الله، لا إلى اهل الجزيرة العربية وحدها، إنما إلى الكون كله. فلا بُدَّ أنْ يكونوا من أهل الثبات على المبدأ الذين لا تزعزعهم الشدائد، والدليل على ذلك أنهم يُؤذّوْن ويُضطهدون فيصبرون، وهذه أهم صفة فيمن يُعدُّ لتحمُّل الأمانة. لذلك نقول: إذا رأيتَ منهجاً أو مبدأ يغدق على أصحابه أولاً، فاعلم أنه مبدأ باطل؛ لأن المبدأ الحق يضحي أهله من أجله بأنفسهم وبأموالهم، يعطونه قبل أنْ يأخذوا منه، لماذا؟ لأن صاحب المبدأ الباطل لن يجد مَنْ يناصره على باطله إلا إذا أغراهم بالمال أولاً

стр. 14034

واشترى ذممهم، وإلا فماذا يلجئه إلى مبدأ باطل، ويحمله على اتباعه؟ إذن: لا بد أن يقبض الثمن أولاً. أما المبدأ الحق فيعلم صاحبه أن الثمن مُؤجَّل للآخرة، فهو ممنَّى بأشياء فوق هذه الدنيا يؤمن بها ويعمل من أجلها، فتهون عليه نفسه، ويهون عليه ماله في سبيل هذا المبدأ. وفي رحلة الدعوة، رأينا الكثيرين يتساقطون بالردة عندما تَحْدثُ لرسول الله آية أو هزة تهزُّ الناس، وكأن الشدة غربال يميز هؤلاء وهؤلاء، حتى لا يبقى تحت راية لا إله إلا الله إلا الصناديد الأقوياء القادرون على حمل هذا اللواء إلى العالم كله. فالله يقول لنبيه: اصبر على تكذيبهم وعلى إنكارهم وعلى ائتمارهم عليك، فنحن مُؤيدوك، ولن نتخلى عنك، وقد وضح لك هذا التأييد حين جاهروك فانتصرت على جهرهم وبيَّتوا لك في الخفاء فانتصرتَ على تبييتهم، واستعانوا حتى بالجن ليفسدوا عليك أمرك، ففضح الله تدبيرهم ونجاك منهم. إذن: فاطمئن، فنحن لهم بالمرصاد، ولن نُسْلِمك أبداً، بل وسوف نريك فيهم ما يستحقون من العقاب في الدنيا، وتراه بعينك، أو في الآخرة بعد موتك: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧] . ومن هذا العقاب الذي نزل بهم في الدنيا ورآه سيدنا رسول الله ما حاق بهم يوم بدر من قَتْل وأسْر وتشريد، وقلنا: إن عمر ﵁ وما أدراك ما عمر، فقد كان القرآن ينزل على وَفْق رأيه، ومع ذلك لما نزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] تعجب وقال: أيُّ جمع هذا الذي سيُهزم، ونحن عاجزون حتى حماية

стр. 14035

أنفسنا، فلما كانت بدر، ورأى ما رأى قال: صدق الله ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ... ﴾ [الروم: ٦٠] الوعد: هو البشارة بخير لم يأت زمنه الآن، وفَرْق بين الوعد بالخير من إنسان، والوعد من الله تعالى، فوَعْدكَ قد يختلف لأنك ابن أغيار، ولا تملك كل عناصر الوفاء بالوعد، وربما جاء وقت الوفاء فلم تقدر عليه أو تتغير نفسك من ناحيته فتبخل عليه، أو تراه لا يستحق ... إلخ. إذن: الأغيار التي تنتابك أو تنتابه أو تنتاب قيمة ما تؤديه من الخير موجودة، وقد تحول بينك وبين الوفاء بما وعدتَ. لذلك يعلمنا الحق سبحانه أنْ نحتاط لهذا الأمر، فيقول سبحانه: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ... ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] فاربط فِعْلك بمشيئة الله التي تُيسِّر لك الفعل، ولا ينبغي أنْ تجزم بشيء أنتَ لا تملك شيئاً من أسبابه. قلنا: هَبْ أنك قلتَ: سألقاك غداً في المكان الفلاني، وسأعطيك كذا وكذا، فأنت قلتَ هذه المقولة ووعدتَ هذا الوعد وأنت لا تضمن أن تعيش لغد، ولا تضمن أنْ يعيش صاحبك، وإنْ عِشْتُما لغد فقد يتغير رأيك، أو يصيبك شيء يعوقك عن الوفاء، إذَن: فقولك إنْ شاء الله يحميك أنْ تُوصف بالكذب في حالة عدم الوفاء؛ لأنك وعدتَ ولم يشأ الله، فلا دخلَ لك في الأمر. فالوعد الحق يأتي ممَّنْ؟ مِنَ الذي يملك كُلَّ أسباب الوفاء، ولا يمنعه عنه مانع. وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الذين لاَ يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] خف الشيء: لم يَعُدْ له ثِقَل، واستخفّ غيره: طلب منه أنْ يكون خفيفاً،

стр. 14036

فمثلاً حين تقسو على شخص يأتي آخر فيقول لك: خف عنه. واستخفّه مثل استفزّه يعني: حرّكة وذبذبة من ثباته، فإنْ كان قاعداً مثلاً هَبَّ واقفاً. لذلك نقول في مثل هذه المواقف (خليك ثقيل. . فلان بيستفزك يعني: يريد أنْ يُخرجك عن حلمك وثباتك. . متبقاش خفيف. . إلخ) ونقول للولد (فز) يعني قِفْ انهض، ومنه قوله تعالى ﴿واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ... ﴾ [الإسراء: ٦٤] إذن: فالمعنى استخفه: حمله على الخفة وأن يتحول عن الثبات الذي هو عليه. فالمعنى: إياك يا محمد أنْ يستقزّك القوم، أو يُخرجوك عن ثباتك، فتتصادم معهم، لكن ظلّ على ثباتك في دعوتك ولا تقلق؛ لأن الله وعدك بالنصرة ووَعْد الله حَقٌّ. والحق سبحانه ساعة يُرخِى العنان لمن كفر به إنما يريد أنْ يُخرِج كل ما عندهم حتى لا يبقى لهم عذر، ثم يقابلهم ببعض ما عنده مما يستحقون في الدنيا، والباقي سيرونه في الآخرة. والله يقول: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] . ومن سيرة الإمام علي ﵁ وكرَّم الله وجهه - علمنا أنه ابتُلي بجماعتين: الخوارج الذين يُكفِّرونه، والشيعة الذين يُؤلهونه ويصلون به إلى درجة النبوة، حتى صدق فيه قول رسول الله: «

стр. 14037

هلك فيك اثنان: مُحب غالٍ، ومبغض قَالٍ» . ويروى أنه ﵁ كان يصلي يوماً الفجر بالناس، فلما قرأ: (ولا الضالين) اقترب منه أحد الخوارج وقرأ: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ [الزمر: ٦٥] يريد أن يقول له: أنت كافر ولن يقبل منك عملك. وسرعان ما فطن علي لما أراده الرجل، فقرأ بعدها مباشرة: ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الذين لاَ يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] . يعني: لن تُخرِجني عن ثباتي وحِلْمي ولن تستفزني. والعظمة في هذا الموقف أنْ يرد عليه لتوِّه بالقول الشافي من كتاب الله دون سابق إعداد أو ترتيب، ولِمَ لا، وهو علي بن أبي طالب الذي أُوتِي باعاً طويلاً في البلاغة والفصاحة والحجة. ومعنى: ﴿الذين لاَ يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] من اليقين، وهو الإيمان الثابت الذي لا يتزعزع، فيصير عقيدة في القلب لا تطفو إلى العقل لتناقش من جديد.

стр. 14038

﴿الم﴾

стр. 14039

سبق أنْ فصَّلنا القول في الحروف المقطعّة في بدايات السور، وذكرنا كل ما يمكن أن يقوله بشر، وبعد هذا كله نقول: والله أعلم بمراده؛ لأننا مهما أوتينا من العلم فلن نصل إلى غاية هذه الحروف، وسيظل فيها من المعاني ما نعجز نحن عن الوصول إليه. فإنْ قلتَ: فما فائدة هذه الحروف المقطعة إنْ كانت غير معلومة المعنى؟ نقول: نحن نناقشكم بالعقل وبالمنطق، فالقرآن نزل بأسلوب عربي، وتحدى العرب وهم أهل الفصاحة والبلاغة والبيان

стр. 14040

وأصحاب التعبير الجميل والأداء الرائع، ونزل في قريش التي جمعتْ في لغتها كل لغات القبائل العربية، وقد خرج منها صناديد كذبوا محمداً، وكفروا بدعوته، فهل سمعنا منهم مَنْ يقول مثلاً: ما معنى (الم) أو (حم) . والله لو كان فيها مطعن ما تركوه، إذن: فهذا دليل على أنهم فهموا هذه الحروف، وعرفوا أن لها معنى أبسطها أن نقول: هي من حروف التنبيه التي كان يستخدمها العرب في كلامهم، فهي مثل (إلا) في قول الشاعر: ألاَ هُبِّي بِصحْنك فَاصْبِحينا ... ولاَ تُبْقِ خُمور الأَنْدرينَا فألا أداة للتنبيه، وتأتي أهمية التنبيه في أول الكلام من أن المتكلم يملك زمام منطقه فيرتبه ويُعده، ويدير المسائل بنسب ذهنية في ذِهْنه، لكن السامع قد يكون غافلاً، فيُفاجأ بالكلام دون استعداد، فيفوته منه شيء، فتأتي حروف التنبيه لتُخرِجه من غفلته، وتسترعي انتباهه، فلا يفوته من كلامك شيء، إذن: أبسط ما يقال في هذه الحروف أنها للتنبيه على طريقة العرب في كلامهم. وسبق أنْ بيَّنا أن القرآن مبني كله على الوصل في آياته وسوره، بل في آخره وأوله نقول: (من الجنة والناس بسم الله الرحمن
следующие страницы →