← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 14036–14075 · переход к 14041.

стр. 14036

فمثلاً حين تقسو على شخص يأتي آخر فيقول لك: خف عنه. واستخفّه مثل استفزّه يعني: حرّكة وذبذبة من ثباته، فإنْ كان قاعداً مثلاً هَبَّ واقفاً. لذلك نقول في مثل هذه المواقف (خليك ثقيل. . فلان بيستفزك يعني: يريد أنْ يُخرجك عن حلمك وثباتك. . متبقاش خفيف. . إلخ) ونقول للولد (فز) يعني قِفْ انهض، ومنه قوله تعالى ﴿واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ... ﴾ [الإسراء: ٦٤] إذن: فالمعنى استخفه: حمله على الخفة وأن يتحول عن الثبات الذي هو عليه. فالمعنى: إياك يا محمد أنْ يستقزّك القوم، أو يُخرجوك عن ثباتك، فتتصادم معهم، لكن ظلّ على ثباتك في دعوتك ولا تقلق؛ لأن الله وعدك بالنصرة ووَعْد الله حَقٌّ. والحق سبحانه ساعة يُرخِى العنان لمن كفر به إنما يريد أنْ يُخرِج كل ما عندهم حتى لا يبقى لهم عذر، ثم يقابلهم ببعض ما عنده مما يستحقون في الدنيا، والباقي سيرونه في الآخرة. والله يقول: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] . ومن سيرة الإمام علي ﵁ وكرَّم الله وجهه - علمنا أنه ابتُلي بجماعتين: الخوارج الذين يُكفِّرونه، والشيعة الذين يُؤلهونه ويصلون به إلى درجة النبوة، حتى صدق فيه قول رسول الله: «

стр. 14037

هلك فيك اثنان: مُحب غالٍ، ومبغض قَالٍ» . ويروى أنه ﵁ كان يصلي يوماً الفجر بالناس، فلما قرأ: (ولا الضالين) اقترب منه أحد الخوارج وقرأ: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ [الزمر: ٦٥] يريد أن يقول له: أنت كافر ولن يقبل منك عملك. وسرعان ما فطن علي لما أراده الرجل، فقرأ بعدها مباشرة: ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الذين لاَ يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] . يعني: لن تُخرِجني عن ثباتي وحِلْمي ولن تستفزني. والعظمة في هذا الموقف أنْ يرد عليه لتوِّه بالقول الشافي من كتاب الله دون سابق إعداد أو ترتيب، ولِمَ لا، وهو علي بن أبي طالب الذي أُوتِي باعاً طويلاً في البلاغة والفصاحة والحجة. ومعنى: ﴿الذين لاَ يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] من اليقين، وهو الإيمان الثابت الذي لا يتزعزع، فيصير عقيدة في القلب لا تطفو إلى العقل لتناقش من جديد.

стр. 14038

﴿الم﴾

стр. 14039

سبق أنْ فصَّلنا القول في الحروف المقطعّة في بدايات السور، وذكرنا كل ما يمكن أن يقوله بشر، وبعد هذا كله نقول: والله أعلم بمراده؛ لأننا مهما أوتينا من العلم فلن نصل إلى غاية هذه الحروف، وسيظل فيها من المعاني ما نعجز نحن عن الوصول إليه. فإنْ قلتَ: فما فائدة هذه الحروف المقطعة إنْ كانت غير معلومة المعنى؟ نقول: نحن نناقشكم بالعقل وبالمنطق، فالقرآن نزل بأسلوب عربي، وتحدى العرب وهم أهل الفصاحة والبلاغة والبيان

стр. 14040

وأصحاب التعبير الجميل والأداء الرائع، ونزل في قريش التي جمعتْ في لغتها كل لغات القبائل العربية، وقد خرج منها صناديد كذبوا محمداً، وكفروا بدعوته، فهل سمعنا منهم مَنْ يقول مثلاً: ما معنى (الم) أو (حم) . والله لو كان فيها مطعن ما تركوه، إذن: فهذا دليل على أنهم فهموا هذه الحروف، وعرفوا أن لها معنى أبسطها أن نقول: هي من حروف التنبيه التي كان يستخدمها العرب في كلامهم، فهي مثل (إلا) في قول الشاعر: ألاَ هُبِّي بِصحْنك فَاصْبِحينا ... ولاَ تُبْقِ خُمور الأَنْدرينَا فألا أداة للتنبيه، وتأتي أهمية التنبيه في أول الكلام من أن المتكلم يملك زمام منطقه فيرتبه ويُعده، ويدير المسائل بنسب ذهنية في ذِهْنه، لكن السامع قد يكون غافلاً، فيُفاجأ بالكلام دون استعداد، فيفوته منه شيء، فتأتي حروف التنبيه لتُخرِجه من غفلته، وتسترعي انتباهه، فلا يفوته من كلامك شيء، إذن: أبسط ما يقال في هذه الحروف أنها للتنبيه على طريقة العرب في كلامهم. وسبق أنْ بيَّنا أن القرآن مبني كله على الوصل في آياته وسوره، بل في آخره وأوله نقول: (من الجنة والناس بسم الله الرحمن

стр. 14041

الرحيم الحمد لله رب العالمين) وكذلك في الآيات والسور. وكأن الله تعالى يريد منك ألاَّ تفصل آية من القرآن عن التي بعدها؛ لذلك يقولون عن قارئ القرآن: هو الحالّ المرتحل، فهو حالٌّ في آية أو سورة، مرتحل إلى التي تليها. إذن: الوصْل سِمَة عامة في القرآن كله لا يستثنى من ذلك إلا الحروف المقطعة في بدايات السور، فهي قائمة على القطع، فلا نقول هنا ألفٌ لامٌ ميمٌ، لكن نقول ألفْ لامْ ميمْ، فلماذا اختلفت هذه الحروف عن السمة العامة للقرآن كله؟ قالوا: ليدلَّك على أن الألف أو اللام أو الميم، لكل منها معناه المستقل، وليست مجرد حروف كغيرها من حروف القرآن؛ لذلك خالفتْ نسق القرآن في الوصل؛ لأن لها معنىً مستقلاً تؤديه. ويفسر هذا قول النبي ﷺ َ: «مَنْ قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الكتاب ... ﴾ .

стр. 14042

تلك: اسم إشارة للمؤنت مثل ذلك المذكر، وهي عبارة عن التاء للإشارة، واللام للبُعْد، سواء أكان في المكان أو في المكانة والمنزلة، ثم الكاف للخطاب، وتأتي بحسب المخاطب مذكراً أو مؤنثاً، مفرداً أو مثنىً أو جمعاً.

стр. 14043

فتقول في خطاب المفرد المذكر: تلك. وللمفردة المؤنثة: تلك. وللمثنى تلكما. . إلخ، ومن ذلك قول امرأة العزيز في شأن يوسف ﵇: ﴿فذلكن الذي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ... .﴾ [يوسف: ٣٢] . فذا اسم اشارة ليوسف، واللام للبعد وكُنَّ ضمير لمخاطبة جمع المؤنث ويقول تعالى في خطاب موسى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ ... ﴾ [القصص: ٣٢] أي اليد والعصا، فذانِ اسم إشارة للمثنى، والكاف للخطاب. والإشارة هنا ﴿تِلْكَ آيَاتُ ... ﴾ [لقمان: ٢] لمؤنث وهي الآيات، والمخاطب سيدنا رسول الله ﷺ َ وأمته تبع له، والقرآن الكريم مرة يشير إلى الآيات، ومرة يشير إلى الكتاب نفسه، فيقول: الكتاب أو الفرقان، أو القرآن ولكل منها معنى. فالكتاب دلَّ على أنه يُكتب وتحويه السطور، والقرآن دلَّ على أنه يُقرأ وتحويه الصدور، أما الفرقان فهذه هي المهمة التي يقوم بها: أنْ يفرق بين الحق والباطل. وهنا قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم﴾ [لقمان: ٢] فوصفه بالحكمة، أما في أول البقرة فقال: ﴿ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى ... ﴾ [البقرة: ٢] فلم يُوصَف بالحكمة، إنما نفى عنه أن يكون فيه ريب. أي: شك. وكلمة ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ ... ﴾ [البقرة: ٢] تؤكد لنا صِدْق الرسول في البلاغ عن الله، وصَدْق الملك الذي حمله من اللوح المحفوظ إلى رسول الله، وقد مدحه الله بقوله ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العرش مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] . وقال عن سيدنا رسول الله في شأن تبليغ القرآن ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ

стр. 14044

عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] . إذن: فالقرآن كما نزل من عند الله، لم يُغيَّر فيه حرف واحد، وسيظل كذلك محفوظاً بحفظ الله له إلى أنْ تقوم الساعة، وسنظل نقرأ ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ ... ﴾ [البقرة: ٢] . ويقرؤها مَنْ بعدنا إلى قيام الساعة، فقد حكم الحق سبحانه بأنه لا ريْب في هذا القرآن منذ نزل إلى قيام الساعة، فإنْ شككونا في شيء من كتاب ربنا فعلينا أن نقرأ: ﴿ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] . فهذه قضية حكم الله بها، وهي ممتدة وباقية ما بقيتْ الدنيا، كما سبق أنْ قُلْنا ذلك في قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ ... ﴾ [فصلت: ٥٣] . فالآية تستوعب المستقبل كله، مستقبل مَنْ عاصر نزول القرآن، ومستقبل مَنْ يأتي بعد إلى قيام الساعة، بل مستقبل مَنْ تقوم الساعة عليه. فالقرآن لم ينزله الله ليُفرغ كل أسراره وكل معجزاته في قَرْن واحد، ولا في أمة واحدة، ثم يستقبل القرون والأمم الأخرى دون عطاء، الله يريد للقرآن أنْ يظل جديداً تأخذ منه كل الأمم وكل العصور، وتقف على أسراره ومعجزاته وآياته في الكون. ومعنى ﴿الكتاب الحكيم﴾ [لقمان: ٢] الكتاب لا يُوصَف بالحكمة إنما يُوصَف بالحكمة مَنْ يعلم، فالمعنى: الكتاب الحكيم أي: الموصوف بالحكمة، أو الحكيم قائله، أو الحكيم مُنزِله. ومعنى حكيم: هو الذي يضع الشيء في موضعه، ولا يضعَ الشيء في موضعه إلا الله؛ لأنه هو الذي يعلم صِدْق الشيء في موضعه. أما نحن فنهتدى إلى موضع الشيء، ثم يتبين لنا خطؤه في

стр. 14045

موضعه، ونضطر إلى تغييره أو تعديله ككثير من المخترعات التي ظننا أنها تخدم البشرية قد رأينا مضارها، واكتويْنا بنارها فيما بعد. فكل آية ذكرت ناحية من نواحي كمال القرآن وجهة من جهات عظمته، إذن: فهي لقطات مختلفة لشيء واحد متعدد الملكات في الكمال، وكذلك تجد تعدد الكمالات في الآية بعدها: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً ... ﴾ .

стр. 14046

هنا يقول سبحانه ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] أما في صدر سورة البقرة فيقول ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وفَرْق بين المعنيين، فالتقوى تقتضي الإيمان، ومطلوب الإيمان الافتراض يعني: أنْ تؤدي ما فرضه الله عليك. أما مطلوب الإحسان ففوق ذلك، فالإحسان في الأداء أن تُحسن في كَمِّه، وأن تحسن في كيفه: تحسن في كيفه بأن تستطحب مع العمل الإخلاصَ للمعمول له، وهو الحق سبحانه، وتحسن في كَمِّه بأنْ تعشق التكليف حتى تؤدي فوق ما فُرِض عليك، فبدل أنْ تصلي ركعتين أن تصلي ثلاثاً أو أربعاً، هذا إحسان في الكم. والتقوى من عجائب التأويل القرآني كما سبق أنْ قلنا. فالقرآن يقول (اتقوا الله) ويقول (اتقوا النار) ، والمعنى عند التحقيق واحد؛ لأن اتق النار يعني: اجعل بينك وبينها وقاية وحاجزاً يمنعك منها، كذلك اتق الله، لا أن تجعل بينك وبين ربك حاجزاً؛ لأن المؤمن دائماً يكون في معية الله. إنما اجعل بيك وبين صفات الجلال ومتعلقاتها من الله وقاية، اتق صفات المنتقم الجبار القهار. . إلخ؛ لأنك لستَ مطيقاً لهذه

стр. 14047

الصفات، ولا شكَّ أن النار جندي من جند الله، ومتعلق من متعلقات صفات الجلال إذن: فالمعني واحد. والبعض يأخذون بالظاهر فيقولون: كيف نتقي الله، والتقوى أن تبعد شيئاً ضاراً عنك؟ نقول: نعم أنت تبعد عنك الكفر، وهذا هو عين التقوى، والمتقون هم الذين يحبون أنْ يتقوا الله بألاَّ يكونوا كافرين به، وما دام الإنسان اتقى الكفر فهو مُحسِن ومؤمن، فالقرآن مرة يأتي باللازم، ومرة بالملزوم، ليؤدي كل منهما معنى جديداً لذلك لما سُئِل سيدنا رسول الله عن الإحسان - في حديث جبريل - قال: «أنْ تعبد الله كأنك تراه، فإنْ لم تكُنْ تراه فإنه يراك» . فحين نوازن بين صدر سورة البقرة، وبين هذه الآية ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] نرى أن القرآن لا يقوم على التكرار، إنما هي لقطات إعجازية كل منها يؤدي معنى، وإنْ ظن البعض في النظرة السطحية أنه تكرار، لكن هو في حقيقة الأمر عطاء جديد لو تأملته. فهنا وصف الكتاب بأنه حكيم، وأنه هدى ورحمة: والهدى هو الدلالة على الخير بأقصر طريق، وقد نزل القرآن لهداية قوم قد ضلوا، فلما هداهم إلى الصواب وأراهم النور أراد أنْ يحفظ لهم هذه الهداية، وألاَّ يخرجوا عنها فقال ﴿وَرَحْمَةً﴾ [لقمان: ٣] يعني: من رحمة الله بهم ألاَّ يعودوا إلى الضلال مرة أخرى.

стр. 14048

كما في قوله سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَاراً﴾ [الإسراء: ٨٢] . فالمعنى: شفاء لمن كان مريضاً، ورحمة بألاَّ يمرض أبداً بعد ذلك. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة ... ﴾ .

стр. 14049

جاءت هذه الآية كوصف للمحسنين، فهل هذه هي كل صفاتهم، أنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، وبالآخرة هم يوقنون؟ قالوا: لا لكن هذه الصفات هي العُمد الأساسية، والحق سبحانه يريد من خَلْقه سواسية في العبودية، وهذه السواسية لا تتأتى إلا إذا تساوى الجميع. وفي الصلاة بالذات تتجلى هذه المساواة، وفيها يظهر عِزّ الربوبية وذل العبودية، وفيها منتهى الخضوع لله ، ثم هي تتكرر خمس مرات في اليوم والليلة. أما الفرائض الأخرى فلا تأخذ هذه الصورة، فالزكاة مثلاً تجب مرة واحدة في العام ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١ ٤ ١] وتجب على القادر فقط دون غيره، كذلك الصوم والحج، فكأن الصلاة هي عمدة العبادات كلها، ولشرفها ومنزلتها جعلها الله لازمة للعبد ولا تسقط عنه بحال إبداً؛ لذلك شُرعت صلاة المريض والمسافر والخائف ... الخ. وفي الصلاة استطراق للعبودية في الخَلْق جميعاً، حيث نخلع

стр. 14050

أقدارنا حين نخلع نعالنا على باب المسجد، ففي الصف الواحد، الرئيس والمرءوس، والكبير والصغير، والرفيع والوضيع - نقصد الوضيع في نظر الناس، وربما لا يكون وضيعاً عند ربه - فالجميع هنا سواء، ثم حين نرى الكبار والرؤساء والسادة معنا في الصفوف خاضعين لله أذلاء تزول بيننا الفوارق، ويدكُّ في نفوسهم الكبرياء، فلا يتعالى أحد في مجتمع المسلمين على أحد. ولمنزلة الصلاة وأهميتها رأينا كيف أنها الفريضة الوحيدة التي فرضها الله علينا بالمباشرة، أما باقي التكاليف فقد فُرِضَتْ بواسطة الوحي، وسبق أنْ ضربنا مثلاً لذلك برئيس العمل حينما يأتيه أمر هام، فلا يأمر به بمكاتبة أو بالتليفون، إنما يستدعي الموظف المختص إلى مكتبه، ويلقي إليه الأمر مباشرة. وكذلك رسول الله استدعاه ربه إلى السماء، وأخذ حظاً بالقُرْب من الله تعالى، والله سبحانه يعلم حب الرسول لأمته وحرصه عليهم، وعلى أنْ ينالوا هم أيضاً هذا القرب من حضرته تعالى، فأجابه ربه، وجعل الصلاة حضوراً للعبد في حضرته تعالى، وقرباً كقرب رسول الله في رحلة المعراج. لذلك خاطبه ربه بقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ [الضحى: ٥] فقال سيدنا رسول الله: «إذن، لا أرضى وواحد من أمتي في النار» . وكما تُحدِث الصلاة استطراق عبودية تُحِدث الزكاةُ في المجتمع

стр. 14051

استطراقاً اقتصادياً، فيعيش الجميع الغني والفقير عيشة كريمة مُيسَّرة، فلا يشبع واحد حتى التخمة، والآخر يموت جوعاً. وما بالك بمجتمع لا يتعالى فيه الكبير على الصغير ولا يبخل فيه الغني على الفقير؟ إذن: في الصلاة والزكاة ما يكفل سعادة المجتمع كله. وقد فرض الله الزكاة للفقراء؛ لأن الله سبحانه حين يستدعي عبد إلى كونه لا بُدَّ أنْ يضمن له مُقومات الحياة، ولم لا وأنت إذا دعوْتَ شخصاً إلى بيتك لا بُدَّ أنْ تكرمه، وأنْ تُعِد له على الأقل ضروريات ما يلزمه فضلاً عن الإكرام والحفاوة ورفاهية المأكل والمشرب. . الخ. فالله سبحانه استدعى عباده إلى الوجود مؤمنهم وكافرهم، وعليه سبحانه أنْ يوفر لهم القوت، بل كل مقومات حياتهم، كذلك يضمن للعاجز غير القادر قوته، لذلك يفرض الزكاة حقاً معلوماً للسائل والمحروم، فهي صِلاتٌ والأولى صلاة. ولهذه المسألة قصة في الأدب العربي، فيُرْوى أن ابن مدبر وكنيته أبو الحسن، كان الشعراء يقصدونه للنيل من عطاياه، يقولون: إن الُّها تفتح اللَّها، أي: أن العطايا تفتح الأفواه بالمدح والثناء. لكن، كان ابن المدبر إذا مدحه شاعر بشعر لم يعجبه يأمر رجاله أنْ يأخذوه إلى المسجد ولا يتركوه حتى يصلي لله مائة ركعة، وبذلك خافه الشعراء وتحاشوْا الذهاب إليه إلا أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام البشري، ذهب إليه وقال: عندي شعر أحب أنْ أنشده لك.

стр. 14052

فقال: أتدري ما الشرط؟ قال: نعم، قال: قُلْ ما عندك، فقال: أَرَدْنَ فِي أَبي حَسَنٍ مَدِيحاً ... كَمَا بالمْدحِ تُنْتَجَعُ الوُلاَة يعني: يذهب الشعراء إليهم لينالوا من خيراتهم. فَقْلْنا أكْرَمُ الثَّقلَيْنِ طُرّاً ... ومِنْ كفَّيْهِ دجلَةُ والفُراتُ وقالوا يَقبل المدحاةَ لكنْ ... جَوَائِزُهُ عليهِنَّ الصَّلاَةُ فقُلْتُ لهم ومَا تُغَني صَلاَتِي ... عِيَالي إنما الشْأنُ الزَّكَاةُ فَيأمُر لي بِكسْر الصّادِ منها ... فَتُصبح ليِ الصِّلات هِي الصَّلاةُ فلما تجرَّأ عليه أحدهم وسأله: لماذا تعاقب مَنْ لم يعجبك شعره بصلاة مائة ركعة؟ فقال: لأنه إما مسيء وإما محسن، فإنْ كان مسيئاً فهي كفارة لإساءته في شعره، وإنْ كان محسناً فهي كفارة لكذبه فيَّ. ثم يقول سبحانه في وصفهم: ﴿وَهُمْ بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤] لأن الإيمان باليوم الآخر يقتضي أنْ نعمل بمنهج الله في (افعل كذا) و (لا تفعل كذا) ، ونحن على يقين من أننا لن نفلت من الله ولن نهرب من عقابه في الآخرة، وأننا مُحَاسبون على أعمالنا، فلم نُخلق عبثاً، ولن نُتْرك سدى، كما قال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] . ونلحظ هما في الأسلوب تكرار ضمير الغيبة (هم) فقال: ﴿وَهُمْ بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤] وهذا يدلُّنا على أن الإيمان بالآخرة أمر مؤكد لا شكَّ فيه، ومع أن الناس يؤمنون بهذا اليوم، ويؤمنون أنهم محاسبون، وأن الله لم يكلفهم عبثاً - مع هذا - يؤكد الحق سبحانه على أمر الآخرة؛ لأنها مسألة بعيدة في نظر الناس، وربما غفلوا عنها لبُعْدها عنهم، ولم لا وهم يغفلون حتى عن الموت الذي يرونه

стр. 14053

أمامهم كل يوم، ولكن عادة الإنسان أن يستعبده في حق نفسه. لذلك يقول الحسن البصري: ما رأيت يقيناً أشبه بالشك من يقين الناس بالموت. أما الكفار فينكرون هذا اليوم، ولا يؤمنون به؛ لذلك أكد الله عليه. ولما «سأل النبي ﷺ َ حذيفة ﵁:» كيف أصبحت يا حذيفة؟ «قال: أصبحت مؤمنا حقاً، فقال:» لكلِّ حقٍّ حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفتْ نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يُنعَّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون «فقال ﷺ َ:» عرفتَ فالزم «» . وقوله ﴿يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤] من اليقين، وهو الإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع، ولا يطرأ عليه شكٌّ فيطفو إلى العقل ليناقش من جديد وسبق أنْ قُلْنا: إن المعلومة تتدرج على ثلاث مراحل: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. علم اليقين إذا أخبرك به مَنْ تثق به، فإذا رأيتَ ما أخبرك به

стр. 14054

فهو عين اليقين، فإذا باشرتَ ذلك بنفسك فهو حَقُّ اليقين. وضربنا لذلك مثلاً إذا قلت لك: إن البيت الحرام في مكة وصفَته كذا وكذا، وقد حدثت فيه توسعات كذا وكذا، فهذه المعلومات بالنسبة لك علم يقين، فإذا رأيتَ الحرم فهي عَيْن يقين، فإذا يسَّر الله لك الحج أو العمرة فباشرْتَه بنفسك، فهو حَقُّ اليقين. والحق عالج هذه المراتب في سورتين: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر حتى زُرْتُمُ المقابر كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين لَتَرَوُنَّ الجحيم ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم﴾ [التكاثر: ١ - ٨] . وذلك حين يمرون على الصراط ويروْنَ النار بأعينهم رأي العين. أما حق اليقين بالنسبة للنار، فقد جاء في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المقربين فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضآلين فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ اليقين فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٦] . لكن، هل القرآن نزل هُدى للمتقين، وهدى للمحسنين فحسب؟ قلنا: إن الهداية تأتي بمعنيين: هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق ومعونة، فإن كانت هداية دلالة فقد دلّ الله المؤمن والكافر بدليل قوله تعالى ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى﴾ [فصلت: ١٧] فالحق سبحانه دلَّ الجميع لأنهم عباده، فمنهم من قَبِل الدلالة واقتنع بها فآمن، ومنهم مَنْ رفضها فكفر، أما الذي قَبِل دلاَلة الله وآمن به فيزيده الله هداية أخرى، هي المعونة علىَ الإيمان، فيُحِّببه

стр. 14055

إليه حتى يعشقه، ثم يعينه عليه، كما قال سبحانه ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ... ﴾ .

стр. 14056

وصف الحق سبحانه قرآنه بأنه هدى، أما هنا فيقول: ﴿أولئك على هُدًى﴾ [لقمان: ٥] والمتكلم هو الله فلا بُدَّ أنْ نتأمل المعنى، ربنا يريد أنْ يقول لنا نعم القرآن هُدى، لكن إياك أنْ تظن أنك حين تتبع هذا الهدى تنفعه بشيء، إنما المنتفع بالهداية أنت، فحين تكون على الهدى يدلُّك ويسير بك إلى الخير، فالهدى كأنه مطية يُوصِّلك إلى الخير والصلاح، فأنت مُسْتعلٍ على الهدى إنْ قَبِلْتَه، وإنْ كان هو مُسْتَعلياً عليك تشريعاً. ثم هو هدى ممَّنْ؟ ﴿هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [لقمان: ٥] ممن لا يستدرك عليه، فإنْ دلَّك دلَّك بحق، وهَبْ أن البشر اهتدوْا إلى شيء فيه خير، لكن بعد فترة يعارضون هم أنفسهم هذا الطريق، ويكتشفون له مضارّ ومثالب، ويستدركون عليه، وربما يعدلون عنه إلى غيره، وكم هي القوانين البشرية التي أُلغيت أو عُدِّلت؟ إذن: الهداية والدلالة الحقة لا تكون إلا لله، والقانون الذي ينبغي أن يحكمنا ونطمئن إليه لا يكون إلا لله، لماذا؟ لأن البشر ربما ينتفعون من قوانينهم، وقد تتحكم فيهم الأهواء أو يميلون لشخص

стр. 14057

على حساب الآخر، أما الحق فهو وحده سبحانه الذي لا ينتفع بشبء مما شرع لعباده، ولا يحابي أحداً على حساب أحد، والعباد كلهم عباده وعنده سواء. لذلك يطمئننا الحق سبحانه على تشريعه وعدالته سبحانه، فيقول ﴿مَا اتخذ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً﴾ [الجن: ٣] يعني: اطمئنوا، فربكم ليس له صاحبة تؤثر عليه، ولا ولد يظلم الناس فيحابيه، فأنتم جميعاً عنده سواسية. ثم هناك فَرْق بين هُدى من الله، وهدى من الرب، فالرب هو الذي ربَّاك، هو الذي أوجدك من عَدم، وأمدك من عُدْم، وأعطاك قبل أنْ تعرف السؤال، وتركك تربع في كونه وتتمتع بنعمه. لذلك يُعلمك ربك: إياك أنْ تسألني عن رزق غدٍ؛ لأنني رزقْتُك قبل أنْ تعرف أن تسأل، ثم لم أطالبك بعبادة غدٍ، إذن: ليكُنْ العبد مؤدباً مع ربه عزوجل. وهكذا نتبين أن الربوبية عطاء، أما الألوهية فتكليف. ثم يخبر الحق سبحانه عنهم بخبر آخر ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ [لقمان: ٥] فالفلاح نتيجة الهدى الذي ساروا عليه واتبعوه، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١] . الفلاح أصله من فلاحة الأرض بالحرث والبَذْر والسَّقْى. . الخ، فاستعارها أسلوب القرآن للعمل الصالح، ووجه الشبه بين الأمرين واضح، فالفلاح يلقى الحبة فيضاعفها له ربه سبعمائة حبة، كذلك العمل الصالح يُضَاعَف لصاحبه، فالحسنة عند الله بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ﴿والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]

стр. 14058

واقرأ في كتاب الله هذا المثل: ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] . وتأمل الاستدلال هنا: إذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله تعطي كل هذا العطاء، فكيف يكون عطاء مَنْ خلقها؟ إذن: فهم لاشكَّ مفلحون أي: فائزون بالثمرة الطيبة التي تفوق ما بذلوه من مشقة، كما يزرع الفلاح الأرض فتعطيه أضعاف ما وُضِح فيها. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله بِغَيْرِ ... ﴾ .

стр. 14059

بعد أن ذكر الحق سبحانه الكتاب وآياته، وأن فيه هدى ورحمة لمن اتبعه وفلاحاً لمن سار على هديه يبين لنا أن هناك نوعاً آخر من الناس ينتفعون بالضلال ويستفيدون منه، وإلا ما راجتْ سوقه، ولما انتشر بين الناس أشكالاً وألواناً. لذلك نرى للضلال فئة مخصوصة حظهم أن يستمر وأن ينتشر

стр. 14060

لتظل مكاسبهم، ولتظل لهم سيادتهم على الخَلْق وعبوديتهم لهم واستنزاف خيراتهم. وطبيعي إنْ وُجِد قانون يعيد توازن الصلاح للمجتمع لا يقف في وجهه إلا هؤلاء يحاربونه ويحاربون أهله ويتهمونهم ويُشككون في نواياهم، بل ويواجهونهم بالسخرية والاستهزاء مرة وبالتعدي مرة أخرى. وربما قطعوا عليهم سبل الحياة، كما عزلوا رسول الله ﷺ َ في شِعْب أبي طالب، ثم يُكرهون أهل الحق على الهجرة والخروج من أموالهم وأهلهم إلى الحبشة مرة، وإلى المدينة مرة أخرى، لماذا؟ لأن حياتهم تقوم على هذا الضلال فلا بُدَّ أنْ يحافظوا عليه. والحق سبحانه يبين لنا أن هؤلاء الذين يحاربون الحق ويقفون في وجه الدعوة إلى الإيمان يعرفون تماماً أنهم لو تركوا الناس يسمعون منهج الله وداعي الخير لا بُدَّ أنْ يميلوا إليه؛ لذلك يَحُولُون بين آذان الناس ومنطق الحق، فهم الذين قالوا للناس: ﴿لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ ... ﴾ [فصلت: ٢٦] وما ذلك إلا أنهم واثقون من لغة القرآن وجمال أسلوبه، واستمالته للقلوب بحلو بيانه، فلو سمعتْه الأذن العربية لا بُدَّ وأنْ تتأثر به، وتقف على وجوه إعجازه، وتنتهي إلى الإيمان. فإذا ما أفلتَ منهم أحد، وانصرف إلى سماع الحق أتوْهُ بصوارف أخرى وأصوات تصرفه عن الحق إلى الباطل. وقوله ﴿وَمِنَ الناس﴾ [لقمان: ٦] من هنا للتبعيض أي: الناس المستفيدون من الضلال، والذين يسؤوهم أنْ يأتم الناس

стр. 14061

جميعاً بمنطق واحد، وهدف واحد؛ وهدى واحد لأن هذه الوحدة تقضي على تميزهم وجبروتهم وظلمهم في الأرض؛ لذلك يبذلون قصارى جهدهم في الضلال ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله ... ﴾ [لقمان: ٦] قوله تعالى: ﴿يَشْتَرِي﴾ [لقمان: ٦] من الشراء الذي يقابله البيع، والشراء أنْ تدفع ثمناً وتأخذ في مقابله مُثمناً، وهذا بعدما وُجِد النقد، لكن قبل وجود النقد كان الناس يتعاملون بالمقايضة والتبادل سلعة بسلعة، وفي هذه الحالة فكل سلعة مباعة وكل سلعة مشتراة، وكل منهما بائع ومُشْتر. ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف ﵇: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين﴾ [يوسف: ٢٠] . والمعنى: شروه أي: باعوه. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابتغآء مَرْضَاتِ الله ... ﴾ [البقرة: ٢٠٧] . أي: يبيعها، إذن: الفعل (شَرَى) يأتي بمعنى البيع، وبمعنى الشراء. أما إذا جاء الفعل بصيغة (اشترى) فإنه يدل على الشراء الذي يُدفع له ثمن، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ الله ثَمَناً قَلِيلاً ... ﴾ [آل عمران: ١٩٩] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة﴾ [التوبة: ١١١]

стр. 14062

وعادة تدخل الباء على المتروك تقول: اشِتريتُ كذا بكذا وحين نتأمل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث ... ﴾ [لقمان: ٦] نجد أن هذه عملية تحتاج إلى طلب للشيء المشترَى، ثم إلى ثمن يُدفع فيه، وليت الشراء لشيء مفيد إنما ﴿لَهْوَ الحديث﴾ [لقمان: ٦] وهذه سلعة خسيسة. إذن: هؤلاء الذين يريدون أنْ يصدوا عن سبيل الله تحملوا مشقة الطلب، وتحملوا غُرْم الثمن، ثم وُصِفوا بالخيبة لأنهم رَضوا بسلعة خسيسة، والأدهى من ذلك والأمرّ منَه أن يضعوا هذا في مقابل الحق الذي جاءهم من عند الله على يد رسوله بلا تعب وبلا مشقة وبلا ثمن، جاءهم فضلاً من عند الله وتكرماً: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ [الشورى: ٢٣] فأيُّ حمق هذا الذي يوصفون به؟ وكلمة اللهو: ذكر القرآن اللهو وذكر اللعب في عدة آيات، قدَّمت اللعب على اللهو في قوله تعالى: ﴿وَمَا الحياة الدنيآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] وفي قوله تعالى: ﴿اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد: ٢٠] وقدمت اللهو في قوله تعالى: ﴿وَمَا هذه الحياة الدنيآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [العنكبوت: ٦٤] فقدمت الآيات اللعب في آيتين؛ لأن اللعب أن تصنع حركة غير مقصودة لمصلحة، كما يلعب الأطفال، يعني: حركة لا هدفَ لها، ونقول عنها (لعب عيال) وسُمِّيت لعباً؛ لأن الطفل يلعب قبل أنْ يُكلِّف بشيء، فلم يشغل باللعب عن غيره من المهمات.

стр. 14063

لكن إذا انتقل إلى مرحلة التكليف، فإن اللعب يشغله عن شيء طُلب منه، ويُسمَّى في هذه الحالة لهواً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً﴾ [الجمعة: ١١] إذن: فاللهو هو الشيء الذي لا مصلحة فيه، ويشغلك عن مطلوب منك. فآية سورة العنكبوت التي قدمت اللهو على اللعب تعني أن أمور الاشتغال بغير الدين قد بلغت مبلغاً، وأن الفساد قد طمَّ واستشرى الانشغال بغير المطلوب عن المطلوب، فهذه أبلغ في المعنى من تقديم اللعب؛ لأن اللعب لم يُلهه عن شيء. لكن، ما اللهو الذي اشتروه ليصرفوا الناس به عن الحق وعن دعوة الإسلام؟ إنهم لما سمعوا القرآن فيه قصصاً عن عاد وثمود، وعن مدين وفرعون. . الخ، فأرادوا أنْ يشغلوا الناس بمثل هذه القصص. وقد ذهب واحد منهم وهو النضر بن الحارث إلى بلاد فارس وجاءهم من هناك بقصص مسلية عن رستم وعن الأكاسرة وعن ملوك حِمْيَر، اشتراها وجاء بها، وجعل له مجلساً يجتمع الناس فيه ليقصّها عليهم، ويصرفهم بسماعها عن سماع منطق الحق في رسول الله. وآخر يقول: بل جاء أحدهم بمغنية تغنيهم أغاني ماجنة متكسرة. ومعنى: ﴿لَهْوَ الحديث﴾ [لقمان: ٦] قال العلماء: هو كل ما يُلهي عن مطلوب لله، وإنْ لم يكُنْ في ذاته في غير مطلوب الله لَهْواً، وعليه فالعمل الذي يُلهي صاحبه من صناعة أو زراعة. . الخ يُعَدُّ من اللهو إنْ شغله مثلاً عن الصلاة، أو عن أداء واجب لله تعالى. ومن التصرفات ما يُعَدُّ لهواً، وإنْ لم يشغلك عن شيء كالغناء،

стр. 14064

وللعلماء فيه كلام كثير خاصة بعد أنْ صاحبته الموسيقى وآلات الطرب والحركات الخليعة الماجنة، ولفقهائنا القدامى رأيهم في هذا الموضوع، لكن العلماء المحدثين والذين يريدون أنْ يُجيزوا هذه المسألة يأخذون من كلام القدماء زاوية ويُطبِّقونها على غير كلامهم. نعم، أباح علماؤنا الأُنْس بالغناء في الأفراح وفي الأعياد اعتماداً على «قول النبي ﷺ َ لأبي بكر الصديق الذي رأى جاريتين تغنيان في بيت رسول الله فنهرهما، وقال: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله، فقال ﷺ َ:» دعهما، فإننا في يوم عيد «» . وكذلك أباحوا الأناشيد التي تقال لتلهب حماس الجنود في الحرب، أو التي ينشدها العمال ليطربوا بها أنفسهم وينشغلوا بها عن متاعب العمل، أو المرأة التي تهدهد ولدها لينام. ومن ذلك حداء الإبل لتسرع في سيرها، وقد قال النبي ﷺ َ لأنجشة: «رفقاً بالقوارير» فشبَّه النساء في لُطفهن ورقّتهن

стр. 14065

بالقوارير، فإذا ما أسرعتْ بهن الإبل هُزَّت بهن الهوادج، وهذا يشقُّ على النساء. إذن: لا مانع من كل نصٍّ له غرض نبيل، أما إنْ أهاج الغرائز فهو حرام - والكلام هنا عن مجرد النص - لأن الخالق سبحانه يعلم طبيعة الغرائز في البشر؛ لذلك نسميها غريزة؛ لأن لها عملاً وتفاعلاً في نفسك بدون أيِّ مؤثرات خارجية، ولها طاقة لا بُدَّ أنْ تتحرك، فإنْ أثرْتَها أنت ثارتْ ونزعتْ إلى ما لا تُحمدَ عُقْباه. وسبق أن أوضحنا أن مراتب الشعور ثلاث: يدرك بحواسه، ثم وجدان يتكوَّن في النفس نتيجة للإدراك، ثم النزوع والعمل الذي يترجم هذا الوجدان. ومن رحمة الله بنا أن الشرع لا يتدخل في هذه المسألة إلا في مرحلة النزوع، فيقول لك: قِفْ لا تمدّ يدك إلى ما ليس لك: ومثَّلنا لهذه المسألة بالوردة تراها في البستان، ويُعجبك منظرها، وتجذبك رائحتها فتعشقها وهذا لك، فإن مددْتَ يدك لتقطفها يقول لك الشارع قِفْ ليس من حقك. إذن: فالشارع الحكيم لا يتدخَّل في مرحلة الإدراك، ولا في المواجيد إلا في مسألة واحدة لا يمكن الفصل فيها بين الإدراك والوجدان والنزوع، لأنها جميعها شيء واحد، إنها عملية نظر الرجل إلى المرأة التي لا تحل له، لماذا هذه المسألة بالذات؟ قالوا: لأنها لا تقف عند حَدِّ الإعجاب بالمنظر، إنما يُرثك هذا الإعجاب انفعالاً خاصاً في نفسك، ويُورثك تشكلاً خاصاً لا يهدأ، إلا بأن تنزع، فرحمة بك يا عبدي أنا سأتدخل في هذا الأمر بالذات من أوله، وأمنعك من مجرد الإدراك، لأنك إنْ أدركتَ وجدتَ، وإنْ

стр. 14066

وجدتَ نزعتَ إلى ما تجد فأثمت في أعراض الناس أو كبت في نفسك، فأضررتَ بها، وربك يريد أنْ يُبرئك من الإثم ومن الإضرار بالنفس، فالأسلم لكم أنْ تغضُّوا أبصاركم. إذن: لا تقُل الغناء لكن قُلْ النص نفسه: إنْ حثَّ على فضيلة فهو حلال، وإنْ أهاج الغرائز فهو حرام وباطل، كالذي يُشبِّب بالمرأة ويذكر مفاتنها، فهذا حرام حتى في غير الغناء، فإذا ما أضفتَ إليه الموسيقى والألحان والتكسر والميوعة ازدادت حرمته وتضاعف إثمه. أما ما نراه الآن وما نسمعه مما يُسمُّونه غناء، وما يصاحبه من حركات ورقصات وخلاعات وموسيقى صاخبة، فلا شكّ في حرمته. فكل ما يُخرج الإنسان عن وقاره ورزانته وكل ما يجرح المشاعر المهذبة فهو حرام، ثم إن الغناء صوت فإنْ خرج عن الصوت إلى أداء آخر مُهيّج، تستعمل فيه الأيدي والأرجل والعينان والوسط. . الخ فهذا كله باطل ومحرم. ولا ينبغي للمؤمن الذي يملك زمام نفسه أن يقول: إنهم يفرضون ذلك علينا، فالمؤمن له بصيرة يهتدي بها، ويُميز بين الغثِّ والسمين، والحق والباطل، فكُنْ أنت حكماً على ما ترى وما تسمع، بل ما يرى وما يسمع أهلك وأولادك، وبيدك أنت الزمام إنْ شئتَ سمعتَ، وإنْ شئتَ أغلقتَ الجهاز، فلا حجة لك لأن أحداً لا يستطيع أنْ يجبرك على سماع أو رؤية ما تكره. ففي رمضان مثلاً، وهو شهر للعبادة نصوم يومه، ونقوم ليله، وينبغي أن نكرمه، ونحتفظ فيه بالوقار والروحانية، ومع ذلك يخرجون علينا بألوان اللهو الذي يتنافى والصيام، فإنْ سألتهم قالوا: الناس مختلفو الأمزجة، وواجبنا أن نوفر لهم أمزجتهم، لكن للمؤمن

стр. 14067

ولاية على نفسه وهو يملك زمامها، فلا داعي أن تتهم أحداً ما دام الأمر في يدك، وعليك أن تنفذ الولاية التي ولاك الله، فإنْ فعلتَ ففي يدك خمسة وتسعون بالمائة من حركة الحياة، ولغيرك الخمسة الباقية. ثم إن ما يحلّ من الغناء مشروط بوقت لا يكون سمة عامة ولا عادة مُلِحّة على الإنسان يجعلها ديدنه؛ لذلك يقول النبي ﷺ َ: «روِّحوا القَلوب ساعة بعد ساعة» . وهؤلاء المغنون والمغنيات الذين يُدخِلون في الغناء ما ليس منه من الحركات والرقصات لا يدرون أنهم يَثيرون الغرائز، ويستعدون على الشباب غير القادر على الزواج، ويلبهون مشاعر الناس ويثيرون الغيرة. . الخ إذن: القضية واضحة لا تحتاج منا إلى فلسفة حول حكم الغناء أو الموسيقى، فكل ما يثير الغرائز، ويُخرجك عن سَمْت الاعتدال والوقار فهو باطل وحرام، سواء أكان نصاً بلا لحن، أو لحناً بدون أداء، أو أداء مصحوباً بما لا دخلَ له بالغناء. لكن، لماذا يكلفون أنفسهم ويشترون لهو الحديث؟ العلة كما قال الحق سبحانه: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله﴾ [لقمان: ٦] وفرْق بين مَنْ يشتري اللهو لنفسه يتسلى به، ويقصر ضلاله على نفسه وبين مَنْ يقصد أن يَضِلَّ ويُضل غيره؛ لذلك فعليه تبعة الضَّلالَيْن: ضلالة في نفسه، وإضلاله لغيره. وقوله: ﴿لَهْوَ الحديث﴾ [لقمان: ٦] لا يقتصر على الغناء

стр. 14068

والكلام، إنما يشمل الفعل أيضاً، وربما كان الفعل أغلب. وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦] يدل على عدم معرفتهم حتى بأصول التجارة في البيع والشراء، فالتاجر الحق هو الذي يشتري السلعة، بحيث يكون نفعها أكثر من ثمنها، أما هؤلاء فيشترون الضلال؛ لذلك يقول الحق عنهم: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] والسبيل: هو الطريق الموصل إلى الخير من أقصر طريق، وهو الصراط المستقيم الذي قال الله تعالى عنه ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦] لذلك نقول في علم الهندسة: المستقيم هو أقصر بُعد بين نقطتين. وقوله: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ [لقمان: ٦] أي: السبيل؛ لأن السبيلِ تُذكَّر وتؤنث، تُذكَّرِ باعتبار الطريق، كقوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف: ١٤٦] وتُؤنَّث على اعتبار الشِّرْعة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هذه سبيلي أَدْعُو إلى الله على بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] هؤلاء الذين يشترون الضلال لإضلال الناس لا يكتفون بذلك، إنما يسخرون من أهل الصلاح، ويهزأون من أصحاب الطريق المستقيم والنهج القويم، ويُسفِّهون رأيهم وأفعالهم. ثم يذكر الحق سبحانه عاقبة هذا كله: ﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [لقمان: ٦] أولئك: أي الذين سبق الحديث عنهم، وهم أهل الضلال ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [لقمان: ٦] ووصْف العذاب هنا بالمهانة دليل على أن من العذاب ما ليس مُهيناً، بل ربما كان تكريماً لمن وقع عليه كالرجل الذي يضرب ولده ليُعلِّمه ويُربِّيه، فهو يضربه لا ليعذبه ويؤلمه ويهينه، إنما لكي لا يعود إلى الخطأ مرة أخرى. على حَدِّ قول الشاعر:

стр. 14069

فَقَسَا لِيزْدجِرُوا ومَنْ يَكُ حَازِماً ... فَلْيقسُ أحْيَاناً على مَنْ يَرْحَم إذن: فمن العذاب ما هو تذكير وتطهير أو ترضية وتكريم لمستقبل، وإنما سُمِّي عذاباً تجاوزاً، فهو في هذه الحالة لا يُعَدُّ عذاباً. وفي هذا المعنى قال الزمخشري ﵁: الملك يكون عنده الخادم، فيفعل ما لا يُرضي سيده، فيأمر صاحب الشرطة أنْ يأخذه ويعذبه جزاء ما فعل، فيأخذه الشرطي ويُعذَّبه بقدر لا يتعداه، لأنه يعلم أنه سيعود مرة أخرى إلى خدمة السيد، فالعذاب في هذه الحالة يكون بقدر ما فعل الخادم ليس مهنياً له. لكن إنْ قال له: خُذْ هذا الخادم واقْصِه عن الخدمة أو افصله، يعني: ليست له عودة فلا شكَّ أن العذاب سيكون مهنياً وأليماً. فالعذاب إنْ سمَّيناه عذاباً يكون إكراماً لمن تحب وتريد أن تطهره، أما العذاب المهين فهو لمن لا أمل في عودته، والإهانة تقتضي الأبدية والخلود. ثم يقول الحق : ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا ولى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ ... ﴾ .

стр. 14070

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا ولى مُسْتَكْبِراً ... ﴾ [لقمان: ٧] بعد قوله: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله﴾ [لقمان: ٦] يدلنا على حرص النبي ﷺ َ على تبليغ أمر دعوته، حتى لمن يعلم عنه أنه ضَلَّ في نفسه، بل ويريد أنْ يُضل غيره. ومعنى ﴿ولى﴾ [لقمان: ٧] يعني: أعرض وأعطانا (عرض أكتافه) كما نقول: وتولى وهو مستكبر ﴿ولى مُسْتَكْبِراً﴾ [لقمان: ٧] أي: تكبَّر على ما يُدْعى إليه، أنت دُعيت إلى حق فاستكبرت، ولو كنت مستكبراً في ذاتك لما لجأت إلى باطل لتشتريه، إذن: فكيف تستكبر عن قبول الحق وأنت محتاج حتى إلى الباطل؟ ولماذا تتكبَّر وليس عندك مُقوِّمات الكِبْر؟ ومعلوم أنك تستكبر عن قبول الشيء إنْ كان عندك مثله، فكيف وأنت لا تملك لا مثله ولا أقل منه؟ إذن: فاستكبارك في غير محله، والمستكبر دائماً إنسان في غفلة عن الله؛ لأنه نظر إلى نفسه بالنسبة للناس - وربما كان لديه من المقومات ما يستكبر به على الناس - لكنه غفل عن الله، ولو استحضر جلال ربه وكبرياءه سبحانه لاستحى أنْ يتكبَّر، فالكبرياء صفة العظمة وصفة الجلال التي لا تنبغي إلا لله تعالى، فكبرياؤه سبحانه شرف لنا وحماية تمنعنا أن نكون عبيداً لغيره سبحانه. لذلك نسمع في الأمثال العامية (اللي ملوش كبير يشتري له كبير) فإنْ كان لي كبير خافني الناس واحتميتُ به، كذلك المؤمن يحتمي بكبرياء ربه؛ لأن كبرياء الله على الجميع والكل أمامه سواسية، لا أحد يستطيع أن يرفع رأسه أمام الحق سبحانه. إذن: فكبرياؤه تعالى لصالحنا نحن.

стр. 14071

وهذا المستكبر استكبر عن سماع الآيات ﴿كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ [لقمان: ٧] أي: ثِقَل وصَمَم ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٧] ونحن نعلم أن البشارة لا تكون إلا في الخير، فهي الإخبار بأمر سارٍّ لم يأْت زمنه، كما تبشر ولدك بالنجاح قبل أنْ تظهر النتيجة. أما البشارة بالعذاب فعلى سبيل التهكّم بهم والسخرية منهم، كما تتهكم من التلميذ المهمل فتقول له: أبشرك رسبت هذا العام. واستخدام البُشرى في العذاب كأنك تنقله فجأة من الانبساط إلى الانقباض، وفي هذا إيلام للنفس قبل أن تُقاسي ألم العذاب، فالتلميذ الذي تقول له: أُبشِّرك يستبشر الخير بالبشرى، ويظن أنه نجح لكن يُفَاجأ بالحقيقة التي تؤلمه. والشاعر يُصوِّر لنا هذه الصدمة الشعورية بقوله: كَما أبرقَتْ يَوْماً عِطَاشَاً غَمامَةٌ ... فَلمّا رأوْهَا أقْشَعَتْ وتجلَّتِ ويقول آخر: فَأصْبحتُ من ليلى الغَداةَ كقَابِضٍ ... علَى الماء خَانتْه فُروجُ الأصَابِع لذلك يقولون: ليس أشرّ على النفس من الابتداء المطمع يأتي بعده الانتهاء الموئس، وسبق أن مثلنا لذلك بالسجين الذي بلغ به العطش منتهاه، ورجا السجان، إلى أنْ جاء له بكوب من الماء، ففرح واستبشر، وظن أن سبحانه رجل طيب أصيل فلما رفع الكوب إلى فيه ضربه السجان من يده فأراقه على الأرض.

стр. 14072

ولا شكَّ أن هذا آلم وأشدّ على نفس السجين، ولو رفض السجان أنْ يأتي له بالماء من البداية لكان أخفّ ألماً. وهذا الفعل يسمونه «يأس بعد إطماع» فقد ابتدأ معه بداية مُطمِعة، وانتهى به إلى نهاية موئسة، نعوذ بالله من القبض بعد البسط. ثم يذكر الحق سبحانه عقوبة الإضلال عن سبيل الله والتولِّي والاستكبار ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٧] فعذابهم مرة (مهين) ومرة (أليم) . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ... ﴾ .

стр. 14073

وهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات في مقابل الذين يشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله، وهذه سِمَة من سمات الأسلوب القرآني؛ لأن ذكر الشيء مع مقابله يُوضِّح المعنى ويعطيه حُسْناً، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤] فالجمع بين المتقابلات يُفرح المؤمن بالنعيم، ثم يفرحه بأنْ يجد أعداءه من الكفار الذين غاظوه واضطهدوه وعذَّبوه يجدهم في النار. وقلنا: إن الحق حينما يتكلم عن الإيمان يردفه بالعمل الصالح ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ [لقمان: ٨] لأن الإيمان أن تعلم قضايا غيبية فتُصدِّق بها، لكن ما قيمة هذا الإيمان إذا لم تنفذ مطلوبه؟

стр. 14074

وكذلك في سورة العصر: ﴿والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ... ﴾ [العصر: ١ - ٣] ففائدة الإيمان العمل بمقتضاه، وإلا فما جدوى أن تؤمن بأشياء كثيرة، لكن لا تُوظف ما تؤمن به، ولا تترجمه إلى عمل وواقع؛ لذلك إنْ اكتفيتَ بالإيمان ككلمة تقال دون عمل، فقد جعلت الإيمانَ حجة عليك لا حجةً لك. ومعنى ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ [لقمان: ٨] أي: الصالح، والحق سبحانه خلق الكون على هيئة الصلاح، فالشيء الصالح عليك أنْ تزيد من صلاحه، فإنْ لم تقدر فلا أقلَّ من أنْ تدعَ الصالح على صلاحه فلا تفسده. ثم يذكر سبحانه جزاء الإيمان والعمل الصالح ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النعيم﴾ [لقمان: ٨] فهي جنات لا جنة واحدة، ثم هي جنات النعيم أي: المقيم الذي لا تفوته ولا يفوتك. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ الله حَقّاً ... ﴾ .

стр. 14075

حين نتأمل هذه الآيات نلمس رحمة الله بعباده حتى الكافر منهم الذي ضلَّ وأضلَّ، ومع ذلك فالله رحيم به حتى في تناول عذابهم، ألا ترى أن الله تعالى قال في عذابهم أنه مهين، وأنه أليم، لكن لم يذكر معه خلوداً كما ذكر هنا الخلود لنعيم الجنات، كما أن العذاب جاء بصيغة المفرد، أما الجنة فجاءت بصيغة الجمع، ثم أخبر عنها أنها ﴿وَعْدَ الله حَقّاً﴾ [لقمان: ٩]
следующие страницы →