← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 14386–14425 · переход к 14391.

стр. 14386

الطلقاء» فكأن الله يقول للخيِّر: اجلس أنت واسترح، واترك الأشرار لي، فسوف أرسل عليهم من هو أشرّ منهم ليؤدبهم. واختار الحق هنا حاسة السمع ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦] لأنها وسيلة الإدراك المناسبة للموقف، فبها نسمع ما يُحكَى عن الظالمين وبها نعتبر، وفي موضع آخر سيقول ﴿أَفَلاَ يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] ويقول: ﴿أَفَلاَ يَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٨] فيُنوِّع لنا، ويُقلِّب كل وسائل الإدراك لينبهنا من خلالها. والمعنى ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦] ما يُرْوَى لهم عن مصارع الظالمين، لقد نبهناهم وذكَّرناهم، ومع ذلك أشركوا وجعلوا سمعهم (ودن من طين، وودن من عجين) .

стр. 14387

أولاً لك أن تلحظ هنا توافق النسق القرآني بين صدر الآيات وعَجُزها، ففي الآية السابقة قال سبحانه ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ... ﴾ [السجدة: ٢٦] أي: يدلُّ ويرشد، والكلام فيها عن قصص تاريخي، فناسبها ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦] أما هنا فالكلام عن مشاهد

стр. 14388

مرئية، فناسبها ﴿أَفَلاَ يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] فهذا ينبغي أنْ يُسمع، وهذا ينبغي أنْ يُرى. وفي الآية السابقة قال سبحانه ﴿أَهْلَكْنَا ... ﴾ [السجدة: ٢٦] لنعتبر بإهلاك المكذبين في الماضي، أما هنا فيلفتنا إلى آية من آياته في الكون، فيأتي الفعل ﴿نَسُوقُ المآء. .﴾ [السجدة: ٢٧] بصيغة المضارع الدالّ على التجدّد والاستمرار، ففي كل الأوقات يسوق الله السحب، فينزل منها المطر على الأرض (الجرز) أي: المجدبة، فتصبح مُخضرة بأنواع الزروع والثمار، وهذه آية مستمرة نراها جميعاً، ولا تزال في الحال وفي الاستقبال، ولأن هذه الآية واقعة الآن تحتاج منا المشاهدة والتأمل قال في ختامها ﴿أَفَلاَ يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] وفي موضع آخر قال سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً﴾ [الكهف: ٧ - ٨] فالجُرُز هي الأرض المقطوع منها النبات، إما لأن الماء شحَّ عليه فجفَّ، وإما أنه استُحصد فحصدوه. ومعنى ﴿نَسُوقُ المآء. .﴾ [السجدة: ٢٧] السَّوْق: حَثٌّ بسرعة؛ لذلك تقول للذي يتعجلك (ما لك سايقنا كده) ، ومعلوم أن السَّوْق يكون من الوراء، على خلاف القيادة، فهي من الأمام، فالذي تسوقه تسوقه وهو أمامك، تراه فلا يتفلت منك، ولو كان خلفك فهو عُرْضة لأنْ يهرب منك، فلا تشعر به. والسَّوْق مرة يكون للسحاب، كما في قول الله تعالى ﴿والله الذي أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيِّتٍ ... ﴾ [فاطر: ٩] ومرة يكون السَّوْق للماء نفسه كما في هذه الآية، وسَوْق الماء له عدة مظاهر: فالله يسوق الماء من السحاب إلى الأرض، فإذا نزل

стр. 14389

إلى الأرض ساقه في الأنهار، أو سلكه ينابيع في الأرض ليحتفظ لنا به لحين الحاجة إليه. فربُّنا جعل لنا خزانات للماء تحت الأرض، لا لنحرم منه حين يوجد، لكن لنجده حين يُفقد، وكون الماء ينابيع في الأرض يجعلنا نتغلب على مشاكل كثيرة، فالأرض تحفظه لنا، فلا يتبخر ولا نحتاج إلى بناء السدود وغيرها، مما يحفظ لنا الماء العَذْب. لذلك يقول النبي ﷺ َ: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقياً - أرض خصبة - قبلتْ الماء، فأنبتت الكلأ والعُشْب، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فشرب الناس منه وسَقُوا أنعامهم وزروعهم، وكان منها قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم» . فهذه أنواع ثلاثة من الأرض تمثل انتفاع الناس بالعلم، فالأولى تسمك الماء، وتُخرِج الزرع، والثانية تمسك الماء حتى ينتفع الناس به، ولك أن تسأل: فما فائدة الثالثة: القيعان التي لا تُمسِك ماء، ولا تنبت كلأ؟ ولماذا خلقها الله إذن؟ نقول: هذه القيعان هي التي تسلك الماء في باطن الأرض، وصدق الله: ﴿فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]

стр. 14390

إذن: هذه القيعان لها مهمة يعرفها مَنْ فَطِن لهذه المسألة، وإلا فالله تعالى لم يخلق شيئاً عبثاً أبداً، كذلك يكون انتفاع الناس بالعلم، فمنهم مَنْ نرى أثر علمه خيراً عاجلاً، ومنهم مَنْ يتأخر نَفْع علمه للأجيال القادمة. ثم إياك أنْ تظن أنَّ الماء حين يسلكه اللهُ ينابيع في باطن الأرض يسيح فيها، أو يحدث له استطراق سائلي يختلط فيه العذب بالمالح، لا. . إنما يسير الماء العَذْب في شبه أنابيب ومسارب خاصة، يجدونها حتى تحت مياه الخليج المالحة. وهذه من عجائب الخَلْق الدالة على قدرة الخالق ، وكما يوجد برزخ بين المائيْن على وجه الأرض ﴿مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠] كذلك هناك برزخ للماءين تحت الأرض. فالحق سبحانه يلفت أنظارنا إلى هذه الآية المشاهدة ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ المآء إِلَى الأرض الجرز. .﴾ [السجدة: ٢٧] نعم، هذه آية نشاهدها جميعاً، لكن المراد هنا مشاهدة تمعُّن وتذكّر وعظة وتعقُّل، نهتدي من خلالها إلى قدرة الخالق . وقوله سبحانه ﴿أَنَّا نَسُوقُ. .﴾ [السجدة: ٢٧] فيه دليل على قيُّوميته تعالى على الخلق، فإنْ كان سَوْق الماء يتم بواسطة الملائكة المكلفين به، إلا إنه تعالى صاحب الأمر الأول والمتتبع لعملية تنفيذه. وقدَّم الحق سبحانه الأنعامَ على الإنسان في الأكل من الزرع، مع أنها كلها مملوكة للإنسان؛ لأن الأنعام في الغالب ما تأكل من

стр. 14391

الزرع، وهو ما يزال أخضر لم ينضج بَعْد، ليأكل منه الإنسان، وأيضاً هو سبحانه حين يطعم الأنعام فإنما يطعم مَنْ جعله له فاكهة طعام، وهي الأنعام. وأشرنْا إلى أن دِقَّة البيان القرآني اقتضتْ أنْ تختم هذه الآية المشاهدة بقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] لأن هذه مسألة تتعلق بالبصر. ولك أن تقرأ في مثل هذه الدقَّة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٢] فقال في الأولى ﴿أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١] لأنها تتكلم عن آية الليل، والسمع هو وسيلة الإدراك فيه، وقال في الأخرى ﴿أَفلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧٢] لأنها تتكلم عن آية النهار، والبصر هو وسيلة الإدراك في النهار، إذن: نلحظ دقَّة الأداء وإعجازه؛ لأن المتكلم إله ورب، فلا بُدَّ أنْ تجد كل لفظة في مكانها المناسب. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا ... ﴾ .

стр. 14392

(متى) يُستفهم بها عن الزمان، والاستفهام بها يدل على أنك استبطأت الشيء فاستفهمتَ: متى يحدث؟ الرسول ﷺ َ حين بُعِث أخبر قومه أنه مُرْسَل إليهم بمنهج من الله، وقد أيده الله بالمعجزات، وأخبرهم بمصير مَن اتبعه ومصير مَنْ

стр. 14393

خالفه، وأن ربه ما كان ليرسله إليهم، ثم يُسلْمه أو يتخلى عنه، فهو لا بُدَّ منتصر عليهم، فهذه سنة الله في أنبيائه ورسله، حيث قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] لذلك قلنا: إذا رأيت موقفاً لم ينتصر فيه المسلمون، حتى في حياة الرسول ﷺ َ وحياة الصحابة، فاعلم أن الجندية عندهم قد اختلتْ شروطها، فلم يكونوا في حال الهزيمة جنوداً لله متجردين. وحين نتأمل الأحداث في (أحُد) نجد أن الله تعالى يقول للمسلمين: لا تظنوا أن وجود رسول الله بينكم يحميكم أو يُخرِجكم عن هذه القضية، فهذه سنة الله في كونه لا تتبدل. ففي (أُحُد) خالف المسلمين أوامر رسول الله، حين نزل الرماة وتركوا أماكنهم طمعاً في الغنائم، فالتفَّ عليهم المشركون، وكانت النتيجة لا نقول انهزموا إنما هم لم ينتصروا؛ لأن المعركة (ماعت) والرسول موجود بينهم. والبعض يرى في هذه النتيجة التي انتهتْ إليها الحرب في أُحُد مأْخذاً، فيقول: كيف يُهزم جيش يقوده رسول الله؟ وهذه المسألة تُحسَب للرسول لا عليه، فالرسول لن يعيش بينهم دائماً، ولا بُدَّ لهم أن يروْا بأعينهم عاقبة مخالفتهم لأمر رسول الله، وأنْ يشعروا

стр. 14394

بقداسة هذه الأوامر، ولو أنهم انتصروا مع المخالفة لفقدوا الثقة في أوامر رسول الله بعد ذلك، ولِمَ لا وقد خالفوه في أُحُد وانتصروا!! كذلك في يوم حنين الذي قال الله فيه: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ ... ﴾ [التوبة: ٢٥] وكان من إعجاب المؤمنين بكثرتهم أن يقول أبو بكر نفسه: لن نُغْلَب اليوم عن قلة، لذلك لقَّنهم الله تعالى درساً، وكادوا أنْ يُهزموا، لولا أن الله تداركهم في النهاية برحمته، وتحوَّلت كفَّة الحرب لصالحهم، وكأن التأديب جاء على قدر المخالفة. فالحق سبحانه يُعلِّمنا امتثال أمره، وأنْ نخلص في الجندية لله سبحانه، وأن ننضبط فيها لنصل إلى الغاية منها، فإنْ خالفنا حُرِمْنا هذه الغاية؛ لأنني لو أعطيتُك الغاية مع المخالفة لما أصبح لحكَمي مكان احترام ولا توقير. وهنا يحكي الحق ﵎ عن المشركين قولهم لرسول الله: ﴿متى هذا الفتح. .﴾ [السجدة: ٢٨] أي: النصر الذي وعدكم الله به، وقد كان هذا النصر غاية بعيدة المنال أمام المؤمنين، فما زالوا قلَّة مُستْضعفة. لذلك لما نزل قول الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] تعجب عمر حتى قال: أيُّ جمع هذا، ونحن لا نستطيع أنْ نحمي أنفسنا؟ لكن الحق سبحانه لم يُطل عليهم هذا الوضع، وسرعان ما جاءتْ بدر، ورأى عمر بعينه كيف تحقَّق وعد الله، وكيف هُزِم جَمْع المشركين، ورددها بنفسه بعد المعركة: نعم يا رب، سَيُهزم الجمع ويولون الدبر.

стр. 14395

ومن العجيب أنْ يدل رسول الله على الكفار وعلى أصحابه وأنصاره بفيض الله عليه، وأنه أخبره بنتيجة المعركة قبل حدوثها، فيقف ﷺ َ في أرض بدر، ويشير بعصا في يده إلى مصارع المشركين: هذا مصرع أبي جهل، وهذا مصرع عتبة، وهذا مصرع الوليد. . الخ. فمَنْ يستطيع أنْ يحدد نتيجة معركة بهذا التفصيل، والمعركة أَخْذٌ وردّ وكرّ وفرّ واختلاط، مع أنهم لم يخرجوا لحرب، إنما خرجوا لملاقاة قافلة قريش التجارية، فما بالك لو خرجوا على حال استعداد للحرب، وهذه سيأخذها الكفار قياساً يقيسون عليه قوة المسلمين الوليدة، وسيقذف الله بهذه النتيجة الرعب في قلوب الكفار، ولم لا وقد انتصرتْ القلة المستضعفة غير المجهزة علة الكثرة المتعجرفة المستعدة للحرب. والاستفهام هنا ﴿متى هذا الفتح ... ﴾ [السجدة: ٢٨] ليس استفهاماً على حقيقته، إنما يراد به الاستهزاء والسخرية، وجواب الله على هذا الاستفهام يحدد نيتهم منه، فهم يستبعدون هذا النصر وهذه الغلبة التي وعد الله بها عباده المؤمنين، لكنهم يستبعدون قريباً، ويستعلجون أمراً آتياً لا ريب فيه. وقد سجَّل القرآن عليهم مثل هذا الموقف في قوله تعالى حكاية عن الكفار يقولون لرسولهم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ [الأعراف: ٧٠] كلمة (الفتح) إنْ جاءت مُعرَّفة بأل فخيرها مضمون، فاعلم أنها

стр. 14396

نعمة محروسة لك سينالك نفعها، فإنْ جاءت نكرة فلا بُدَّ لها من متعلق يوضح الغاية منها: أهذا الفتح لك أم عليك؛ فقوله تعالى في خطاب النبي ﷺ َ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ [الفتح: ١] دلَّ على أن هذا الفتح لصالحه ﷺ َ، فهو غُنْم لا غُرْم، كما يقولون في حسابات البنوك: له وعليه. أما الأخرى، ففي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ... ﴾ [الأنعام: ٤٤] إذن: تنبَّه لما يفتحه الله عليك؛ ولا تغتَرَّ به، وتأمَّل: أهو لك أم عليك؟ وإياك أنْ تُطغيك النعمة إذا (زهزهتْ) لك الدنيا، فلعلها استدراج وأنت لا تدري، فالفتح يحتمل المعنيين، واقرأ إنْ شئتَ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض ... ﴾ [الأعراف: ٩٦] أي: احذروا هذه النعمة لا تطغيكم. وكلمة (الفتح) تأتي بمعانٍ متعددة، يحددها السياق، كما قلنا في كلمة العين، فتأتي بمعنى العين الباصرة. تقول: رأيت فلاناً بعيني، وتقول: جُدْت على فلان بعيْن مني أي: بالذهب أو الفضة، وتقول: سمحتُ له أنْ يروي أرضه من عيني أي: عين الماء، وتقول: هؤلاء عيون فلان أي: جواسيسه. وهذا يسمونه: المشترك اللفظي. وكلمة (الفتح) تستخدم أولاً في الأمر المادي، تقول: فتحتُ الباب أي: أزلت مغاليقه، وهذا هو الأصل في معنى الفتح. فالحق سبحانه يقول في قصة سيدنا يوسف ﵇: ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ... ﴾ [يوسف: ٦٥] ففتحوا متاعهم الفتح المادي الذي يزيل عنه الأربطة.

стр. 14397

وقد يُراد الفتح المعنوي، كما في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قالوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ... ﴾ [البقرة: ٧٦] أي: بما أعطاكم الله ومنحكم من الخير ومن العلم. ويأتي الفتح بمعنى إظهار الحق في الحكم بين حق وباطل وتجلية الأمر فيه؛ لذلك يسمى أهل ُ اليمن القاضي (الفاتح) . ويأتي بمعنى النصر والغلبة، كما في هذه الآية التي معنا: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [السجدة: ٢٨] ولا بد أنْ يقول المؤمنون في إجابة هذا السؤال: نحن لا نقول أننا صادقون أو كاذبون في هذا الخبر؛ لأن هذه مسألة بعيدة عنا، ولا دخْلَ لنا بها، إنما هي من الله الذي أخبرنا هذا الخبر، فنحن لا نُوصَف فيه، لا بصدق ولا بكذب. ولكي يكون الإنسان عادلاً ينبغي أنْ ينسب الفعل إلى فاعله، أرأيت رسول الله ﷺ َ حين أخبر قومه خبر إسرائه قال: «لقد أُسْرِي بي الليلة من مكة إلى بيت المقدس» ولم يقل سريت ومع ذلك سأله القوم: أتدَّعى أنك أتيتها في ليلة، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ وهذه مغالطة منهم، لا عدم فهم لمقالة رسول الله؛ لأنهم أمة كلام، ويفهمون جيداً معاني الألفاظ. إذن: رسول الله ما سَرَى بذاته، إنما أَسْرى الله به، فمَنْ أراد أن يبحث هذه المسألة فليبحثها في ضوء قدرة الله، وكيف يكون الزمن بالنسبة لله تعالى، وقلنا: إن الفعل الذي يستغرق زمناً هو

стр. 14398

الفعل العلاجي، إنما ربنا ﵎ لا يعالج الأفعال، فقط يقول كُنْ فيكون، والفعل يتناسب مع زمنه تناسباً عكسياً، فكلما زادت قوة الفاعل قَلَّ زمن الفعل. وعليه لو نسبتَ حادثة الإسراء إلى قوة الحق ﵎ لوجدتَ الزمن لا زمن. ثم يجيب الحق ﵎ عن سؤالهم ﴿متى هذا الفتح. .﴾ [السجدة: ٢٨] بما يفيد أنه سؤال استبعاد واستهزاء، فيقول سبحانه: ﴿قُلْ يَوْمَ الفتح ... ﴾ .

стр. 14399

أي: لِمَ تسألون عن يوم الفتح؟ وماذا ينفعكم العلم به؟ إن يوم الفتح إذا جاء أُسْدل الستار على جرائمكم، ولن تنفعكم فيه توبة أو إيمان، ولن تنفعكم فيه توبة أو إيمان، ولن يُنْظِرَكم الله إلى وقت آخر. ومعلوم أن الإيمان لا ينفع صاحبه إلا إذا كانت لديه فُسْحة من الوقت، أما الإيمان الذي يأتي في النزع الأخير، وإذا بلغت الروح الحلقوم فهو كإيمان فرعون الذي قال حين أدركه الغرق: ﴿قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ المسلمين﴾ [يونس: ٩٠] فردَّ الله عليه هذا الإيمان ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المفسدين﴾ [يونس: ٩١] الآن لا ينفع منك إيمان؛ لأنك مُقْبل على الله، وقد فات أوان العمل، وحَلَّ أوان الحساب، الإيمان أنْ تؤمن وأنت حريص صحيح تستقبل الحياة وتحبها، الإيمان أن تؤمن عن طواعية.

стр. 14400

﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٩] أي: ليس لكم الآن إمهال؛ لأن الذي خلقكم يعلم سرائركم، ويعلم أنه سبحانه لو أمهلكم لَعُدْتم لما كنتم عليه ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وانتظر ... ﴾ .

стр. 14401

هذا المعنى كما نقول في العامية (اديني عرض كتافك) أي: انصرف عنهم، فلم يَعُدْ بينك وبينهم لقاءٌ، ولا جدوى من مناقشتهم والتناظر معهم فقد استنفدوا كل وسائل الإقناع، ولم يَبْقَ لهم إلا السيف يردعهم، على حَدِّ قول الشاعر: أنَاةٌ فإنْ لَمْ تُغْنِ عَقِّبْ بعدَها وَعيداً ... فَإنْ لَمْ يُغْنِ أَغَنَتْ عَزَائمهُ فقد بلَّغهم رسول الله وأنذرهم، لقد بشَّرهم بالجنة لمن آمن، وحذرهم النار لمن كفر فلم يسمعوا. إذن: فَمَا هُوَ إلاَّ الوَحْي أو حَدّ مُرْهَف ... فالعاقل الوحي يقنعه، والجاهل السيف يردعه. وقوله سبحانه: ﴿وانتظر. .﴾ [السجدة: ٣٠] أمر من الله تعالى لرسوله ﷺ َ، أي: انتظر وعدي لك بالنصر والغلبة، وقلنا: إن وعد الله محقق، حيث لا توجد قوة أخرى تمنعه من إنفاذ وعده، أما الإنسان فعليه حين يَعِد أنْ يتنبه إلى بشريته، وأنه لا يملك شيئاً من أسباب تنفيذ ما وعد به. لذلك يُعلِّمنا ربنا: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن

стр. 14402

يَشَآءَ الله ... ﴾ [الكهف: ٢٤] وتعليق أمرك على مشيئة الله يحميك أن تكون كاذباً إذا لم تَفِ بما وعدتَ به، فأسباب الوفاء بالوعد لا يملكها البشر، إنما يملكها خالق البشر سبحانه، فإذا وعد فاعلم أن وعده متحقق لا محالة. وقلنا: إنك حين تقول لصاحبك مثلاً: سأقابلك غداً أو سأفعل لك كذا وكذا، نعم أنت صادق وتنوي الوفاء، لكنك لا تملك في الغد سبباً واحداً من أسباب الوفاء، فلربما طرأ لك طارئ، أو منعك مانع، وربما تغيَّر رأيك. . الخ. وفَرْق بين انتظار رسول الله حين ينفذ أمر ربه ﴿وانتظر﴾ [السجدة: ٣٠] وبين ﴿إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠] فانتظار رسول الله لشيء محقق، له رصيد من القوة والقدرة، أما انتظارهم فتسويل نفس ووسوسة شيطان، لا رصيد لها من قوة وإنقاذ. ومعنى ﴿إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣١] أي: ينتظرون أن يحدث لرسول الله ﷺ َ شيء يمنعه من تبليغ رسالة ربه، وهذا حمق منهم، فقد كان عليهم أن يعلموا أن الرسول مُؤيَّد من الله مُرْسَل من قِبَله لهدايتهم، وما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ثم يُسْلمه أو يخذله، فسنة الله في الرسل أن لهم الغلبة مهما قويتْ شوكة المعاندين لهم. إذن: لا سبيلَ إلى ذلك، ولا سبيلَ أيضاً إلى الخلاص منه أو حتى تخويفه ليرتدع، ويدع ما يدعو إليه من منهج ربه. وقد ورد هذا الانتظار في موضع آخر بلفظ (التربص) في قوله تعالى: ﴿تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المتربصين﴾ [الطور: ٣١] وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الحسنيين ... ﴾ [

стр. 14403

التوبة: ٥٢] أي: ماذا تنتظرون منا ونحن أمام حُسْنيين: إما النصر والغلبة عليكم، وساعتها ندحركم ونُذلكم. أو الشهادة التي تضمن لنا حياة النعيم الباقية الخالدة ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فتربصوا ... ﴾ [التوبة: ٥٢] يعني: تربَّصوا بنا، فنحن أيضاً نتربص بكم، لكن فَرْق بين تربُّصنا وتربُّصكم. وهذه السورة سميت (السجدة) أولاً: لأن بها سجدة تلاوة ينبغي أن نسجد الله شكراً عندها، والسجود يمثل منتهى الخضوع للحق ﵎ فإذا جاءت هذه الآية التي تهز كيان الإنسان يعلمنا ربنا أن ننفعل لهزَّة الكيان، وأن نسارع بالسجود، ولا ننتظر سجودنا بعد ذلك في الصلاة. فكأن في هذه الآية آمراً قوياً وسراً عظيماً استدعى أنْ نُخرِج السجود عن موقعه بأمر مَنْ شرع السجود الأول. إذن: لا بُدَّ أن في آيات سجود التلاوة طاقاتٍ جميلة من نِعَم الله تُذكِّرني به. والحق سبحانه يريد أنْ يشعر الخَلْق أنهم يستقبلون نعماً جديدة، لا يكفي في شكرها السجود الرتيب الذي نعرفه، فيشرع لها سجوداً خاصاً بها. وفي السورة أيضاً بعض الإشارات التي وقف عليها العارفون وقالوا: إنها تضع نماذج لصيانة النفس الإنسانية، وعدم بُعْدها عن حكمة خالقها، ومن هذه الإشارات أن العين ترى الأشياء فتقول: هذا حسن، وهذا قبيح، ذلك من مجرد الشكل الخارجي، لكن على المرء أنْ يتأمل الأشياء ويعرف معنى القبح.

стр. 14404

القبح ليس ما قَبُحَ في نظرك، إنما القبيح الذي يُخرِج الحُسْن التكليفي عن مناطه؛ لأن الخالق خلق كل شيء جميلاً، كما قال سبحانه: ﴿الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ... ﴾ [السجدة: ٧] فإذا قَبُحَ الشيء في نظرك فاعلم أنك نظرتَ إلى جانب الشكل، وأهملتَ جوانب أخرى، وقُلْ إنني لم أتوصل إلى سرِّ الجمال فيه. وسبق أنْ قُلْنا: إن الخالق سبحانه نثر المواهب بين خَلْقه بحيث تجد مجموع مواهب كل إنسان تساوي مجموع مواهب كل إنسان، فلا تنظر إلى جانب واحد فتقول: هذا غني، وهذا فقير، لكن انظر إلى الجوانب الأخرى. ويُرْوَى أن سيدنا نوحاً ﵇ رأى كلباً أجرب فبصق عليه، فأنطق الله الكلب الأجرب، وقال له: أتعيبني أم تعيب خالقي؟ والمعنى أنه خلقني لحكمة، ولمعنى من المعاني. وصدق القائل: للِقُبْح وَقْتٌ فِيهِ يَظْهر حُسْنُه ... وَيُحمد مَنْ غشَّ البناءَ لَدَى الهَدْم كذلك نثر الحق سبحانه حكمه، ونثر خيره في كتابه، فلا تغنى آية عن آية، ولا تغني كلمة عن كلمة، ولا حرف عن حرف، لكن البصائر التي تَتلَقَّى عن الله هي التي تستطيع أنْ تقف على أسرار الله.

стр. 14405

قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي. .﴾ [الأحزاب: ١] نداء لرسول الله ﷺ َ، والمنادي هو الحق سبحانه، رسول الله لقبه، واسمه محمد، واسمه أحمد كما ذُكر في القرآن، والإنسان حين يُولَد يُوضع له اسم يدل على مُسمَّاه، بحيث إذا أطلقه الواضع انصرف إلى المسمى، والقوم الذين سُمُّوا لهم محيط يُعرفون فيه، وغيرهم بنفس الأسماء لهم محيط آخر، فمحمد هذا المحيط غير محمد هذا المحيط.

стр. 14406

وتعريف الإنسان يكون بالاسم أو بالكُنْية أو باللقب، فالاسم هو العلم الذي يُوضع لمسمّى ليُعلَم به ويُنادَى به، ويُميّز عن غيره، أما الكنية فاسم صُدِّر بأب أو أم كما نقول: أبو بكر، وأم المؤمنين، فإنْ سُمِّي بد بدايةً وجُعِل عَلَماً على شخص فهو اسم، وليس كنية، أما اللقب فما أشعر برفعة أو ضِعةً كما تقول: فلان الشاعر أو الشاطر. . إلخ. فإذا أُطِلق الاسم الواحد على عدة مسميات، بحيث لا تتميز بعضها عن بعض وجب أنْ تُوصَف بما يميزها كأسرة مثلاً عشقتْ اسم محمد فسمَّتْ كل أولادها (محمد) فلا بُدَّ أن نقول: محمد الكبير، محمد الصغير، محمد الأوسط. . الخ. ورسول الله ﷺ َ له اسم وكُنْية ولقب، أما اسمه فمحمد وقد ورد في القرآن الكريم أربع مرات: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل ... ﴾ [آل عمران: ١٤٤] . ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله ... ﴾ [الأحزاب: ٤٠] . ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ... ﴾ [الفتح: ٢٩] . ﴿وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ وَهُوَ الحق مِن رَّبِّهِمْ ... ﴾ [محمد: ٢] وورد باسم أحمد في موضع واحد هو: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَدُ ... ﴾ [الصف: ٦] وسبق أنْ تكلَّمنا في علة هذه التسمية. أما كنيته: فأبو القاسم، ولقبه: رسول الله.

стр. 14407

وهكذا استوفى سيدنا رسول الله العَلَمية في أوضاعها الثلاثة: الاسم، والكُنْية، واللقب. واللقب يضعه أيضاً الأب أو الأم أو الناس المحيطون بالإنسان، إما يدل على الرفعة تفاؤلاً بأنه سيكون له شأن، أو يدل على الضِّعَة، وهذه في الغالب تحدث في الأولاد الذين يُخاف عليهم العين، فيختارون لهم لقباً يدل على الحِطّة والضِّعة وما أشبهه (بالفاسوخة) يُعلِّقونها على الصغار مخافة العين. أما لقب رسول الله ﷺ َ فقد اختاره له ربه ، وطبيعي أنْ يأتي لقبه ﷺ َ مُشْعِراً برفعة أيما رفعة، فهي ليست عند الخلق فحسب، إنما رفعةَ عند الخالق، فلما وَلِد رسول الله أسماه جده بأحب الأسماء عنده، وقال: سمَّيْته محمداً ليُحمد في الأرض وفي السماء. ولما وُلِد القاسم كُنِّى به رسول الله فقيل: أبو القاسم، فلما اختاره الله للرسالة وللسفارة بينه تعالى وبين الخَلْق لقّبه برسول الله وبالنبي، وهذان اللقبان على قدر عظيم من الرفعة لو جاءت من البشر، فما بالك وهي من عند الله، فأنت حين تضع المقاييس تضعها على قَدْر معرفتك وإمكاناتك. فالرسول ﷺ َ رسول الله ونبي الله بمقاييس الله، فهو إذن مُشرّف عندكم، مُشرَّف عند مَنْ أرسله و ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ... ﴾ [الأنعام: ١٢٤]

стр. 14408

فأحبُّ شيء في الإعلام برسول الله أن نقول: محمد، أو أبو القاسم، أو رسول الله، أو النبي، والحق سبحانه حين نادى رسوله ﷺ َ لم يُنَاده باسمه أبداً، فلم يقُلْ يا محمد، إنما بلقبه الذي يُشعر برفعته عند الحق سبحانه، فقال في ندائه: ﴿ياأيها النبي ... ﴾ [الأنفال: ٦٥] ، ﴿ياأيها الرسول ... ﴾ [المائدة: ٤١] ولو تتبعت نداء الله للرسل من لَدُنْ آدم ﵇ لا تجد رسولاً نُودِي بغير اسمه إلا محمد ﷺ َ. أما لفظ (محمد) فقد ورد في القرآن، لكن في غير النداء، ورد على سبيل الإخبار بأن محمداً رسول الله. وحتى في الإخبار عنه ﷺ َ أخبر الله عنه بلقبه: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ... ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال: ﴿وَقَالَ الرسول يارب إِنَّ قَوْمِي اتخذوا هذا القرآن مَهْجُوراً﴾ [الفرقان: ٣٠] إذن: في النداء استقل بيا أيها النبي، ويا أيها الرسول، أما في الإخبار فلا بُدَّ أنْ يذكر اسمه (محمد رسول الله) ، وإلا فكيف يعرف أنه رسول الله؟ فيخبر به أولاً اسماً ومُسمّى. ونُودِي ﷺ َ بياأيها النبي، وياأيها الرسول تعظيماً له ﷺ َ، ونحن حين نريد أنْ نُعظِّم مَنْ ننادي نسبق الاسم بمقدمات، نقول: يا سيدي فلان، يا فضيلة الشيخ، يا صاحب العزة. . الخ. وقد تقدمتْ (أَيُّهَا) على المنادي هنا؛ لأن الاسم المنادى المحلَّى بأل لا يُنادى مباشرة إلا في لفظ الجلالة (الله) فنقول: يا الله، فكأن الحق سبحانه توحَّد حتى في النداء، هذا في نداء المفرد.

стр. 14409

والحق سبحانه نادى رسوله بياأيها النبي، وياأيها الرسول، الرسول هو سفير بين الله وبين خَلْقه؛ ليُبلغهم منهجه الذي يريد أنْ تسير عليه حياتهم فالرسول مُبلِّغ، أما النبي فمُرْسَل أيضاً من قِبلَ الحق سبحانه، لكن ليس معه شرع جديد، إنما يسير على شرع مَنْ سبقه من الرسل، أما فهو فقدوة وأُسْوة سلوكية لقومه. ومحمد ﷺ َ جمع الأمرين معاً، فهو نبي ورسول له خصوصيات أُمِر بها، ولم يُؤْمَر بتبليغها - وهذه مسائل خاصة بالنبوة - وله أمور أخرى أُمِر بها، وأُمِر بتبليغها. ومعلوم من أقوال العلماء أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسول بالمعنى الاصطلاحي، وإلا فَهُم جميعاً مُرْسَلون من قِبَل الله. وكلمة (النبي) مأخوذة من النبأ وهو الخبر الهام، فالخبر يكون من البشر للبشر، فإنْ كان من خالق البشر فهو نبأ أي: أمر عظيم ينبغي الاهتمام به، وأصله من النَّبوَة، وهي الشيء العالي المستدير في وسط شيء مسْتَوٍ. فحين تقول: رأيتُ فلاناً اليوم، هذا لا يُسمَّى نبأ إنما خبر؛ لذلك قال سبحانه: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ النبإ العظيم﴾ [النبأ: ١ - ٢] أي: الخبر الهائل الذي هزَّ الدنيا كلها، وملأ الأسماع، وزلزل العروش. ثم يقول سبحانه مخاطباً نبيه ﷺ َ ﴿اتق الله. .﴾ [الأحزاب: ١] سبق أنْ قُلْنا: إن الكلام العربي مُقسَّم إلى خبر وإنشاء، فالخبر نسبة كلامية، فإنْ كان لها معنى ومدلول فهي نسبة واقعية، والخبر هو القول الذي يُوصَف بالصدق إنْ طابق الواقع، ويُوصَف بالكذب إن خالف.

стр. 14410

أما الإنشاء فهو مقابل الخبر يعني: قوْلٌ لا يُوصَف بصدق ولا بكذب، كأن تقول لإنسان: قِفْ، فهذا أمر لا يقال لقائله: صادق، ولا كاذب. فقوله تعالى لنبيه ﴿اتق الله. .﴾ [الأحزاب: ١] هذه نسبة كلامية من الله لرسوله، ليحدث مدلول هذا الأمر، وهو التقوى، لكن أكان رسول الله ﷺ َ غير تقي حتى يأمره ربه بالتقوى؟ نقول: ليس بالضرورة أنْ يكون الرسول عصى، فيأمره الله بتقواه، لكن الحق سبحانه ينشئ مع رسوله كلاماً بداية دون سابقة عصيان. أو: أنه الأمر الأول بالتقوى كما تقول لولدك في بداية الدراسة: اجتهد وذاكر دروسك، وأنت تعرف أنه مجتهد، لكن لا بُدَّ من تقرير المبدأ في بداية الأمر. ثم إن الحدث يحدث في أزمنة ثلاثة: ماضٍ وحال ومستقبل، فإذا طلب من شخص فعل شيء هو مقيم عليه بالفعل كقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ آمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ... ﴾ [النساء: ١٣٦] فالحق سبحانه يأمرهم بالإيمان، مع أنه وصفهم وخاطبهم بلفظ الإيمان؛ لأن المعني: أنتم آمنتم قبل أنْ أُكلمكم، وهذا الإيمان السابق لكلامي ماضٍ، وأنا أريد منكم أنْ تُحدِثوا إيماناً جديداً، حالاً ومستقبلاً، أريد أنْ تُجدِّدوا إيمانكم، وأنْ تستَمروا عليه. فمعنى ﴿ياأيها النبي اتق الله. .﴾ [الأحزاب: ١] أي: واصل تقواك حالاً، كما فعلتها سابقاً، وواصلها مستقبلاً، فلا تنقطع عنها أبداً. أو: أن تقوى الله أمر يلصق الإنسانَ بربه، والله كلَّف بأشياء،

стр. 14411

ثم أباح لك من جنس التكليف أشياء، فإذا قال الله لرسوله ﴿اتق الله. .﴾ [الأحزاب: ١] فهي غير قوله لنا: اتقوا الله، فالأمر لنا نحن بالتقوى، أي: نفِّذ ما فُرِض عليك، أما في حق رسول الله فهي بمعنى: ادخل في مقام الإحسان، وجدَّده دائماً؛ لأن مراقي القبول من الله لا تنتهي، كما أن كمالات العطاء في الله لا تنتهي. لذلك قال ﷺ َ: «من استوى يوماه فهو مغبون» أي: من استوى يومه مع أمسه في قُرْبه من الله فهو خاسر، لماذا؟ لأنه ينبغي للمؤمن أنْ يزيد في قُرْبه وفي مودته، وعلاقته بالله يوماً بعد يوم؛ لأن نِعَم الله عليك متوالية تستوجب شكراً متوالياً، وحمداً دائماً. كما أن الحق سبحانه لا يكتفي من رسوله بما يكتفي به من سائر الخلق، إذن: فالتقوى بالنسبة لرسول الله غير التقوى بالنسبة لسائر الخَلْق، التقوى في حق رسول الله مجالها أوسع، وللرسول مع الله فيوضات لا تنتهي. لذلك حين يناديك ربك للصلاة في كل يوم خمس مرات، فاعلم أن فضله عليك غير مكرر، بل فضله متجدد، فعطاؤه لك في الظهر

стр. 14412

غير عطائه لك في العصر، غير عطائه لك في المغرب، وهكذا تكون التقوى عملاً متواصلاً ممتداً. ولذلك يحذرنا أهل الخير أن نداوم مع الله في شيء من الطاعة، ثم نقصر عنها، كذلك يحذرنا الشرع أنْ ننذر الله ما لا نستطيع الوفاء به، لأنك بالنذر تفرض على نفسك الطاعة، فأجمِلْ بك أنْ تظل في مقام التطوع، إنْ خفّت نفسك للطاعة أدِّها، وإنْ قصُرت فلا شيء عليك. وكونك تفرض على نفسك شيئاً من الطاعات من جنس ما فرض الله عليك. يعني: أنك أحببتَ الطاعة وحَلَتْ لك العبادة، حتى زدتَ الله منها، فقلت مثلاً: نذرتُ لله أن أصلي من الركعات كذا، أو أتصدَّق بكذا من المال؛ لأنك رأيتَ في الصلوات الخمس إشراقات وفيوضات من الله فزدْتَ منها. والحق سبحانه يطلب منا حين ينادينا للصلاة أنْ نسعى للمسجد، ومع أن الأرض كلها مسجد وكلها طهور، لكن المسجد خُصِّص للصلاة، فينبغي أنْ تُؤدَّى فيه، وأنت في صلاة ما دُمْتَ تسعى للصلاة، فمَنْ كان بعيد البيت عن المسجد عليه أنْ يأتي الصلاة في سكينة ووقار، ولا يخرج عن هذا السَّمْت حتى وإنْ تأخر عن تكبيرة الإحرام. وقد ورد في حديث سيدنا رسول الله: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا وما فاتكم فأتموا» .

стр. 14413

وهناك مطلوب إيمان ومطلوب إحسان: مطلوب الإيمان هو ما فرضه الله عليك، وجاء في الحديث القدسي: «ما تقرَّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إلىّ مما افترضته عليه» فإنْ أردتَ أن تتقرب إلى الله فتقرَّب إليه بما يحب، ومن جنس ما فرضه عليك، فالله أمرك بصلاة وصيام وزكاة، فإنْ حَلَتْ لك هذه العبادات فزدْ منها فوق ما فرضه الله عليك، وحين تزيد اعرف أنه مسَّتْكَ نورانية الإشراق في العبادة فقلت: الله يستحق مني فوق ما كلَّفني، وهذا هو مقام الإحسان. وسبق أنْ تحدثنا عن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٨] وهل فرض الله على عبده ألاَّ يهجع إلا قليلاً من الليل؟ لا بل لك أنْ تُصلي العشاء، وتنام حتى صلاة الفجر، كذلك في الاستغفار، أما الذي لا يهجع من الليل إلا قليلاً ويقوم في السَّحَر للاستغفار، فلا بُدَّ أنه حَلَتْ له العبادة، وحلا له الوقوف في حضرة ربه فدخل في مقام الإحسان. ثم الإحسان نوعان: إحسان كم، وإحسان كيف، إحسان الكم بأنْ تزيد على ما فُرِض عليك، فتصلي فوق الفرض وتُزكِّي فوق الفرض، أما إحسان الكيف فبأنْ تخلص في عبادتك لله، وأنْ تعبد الله

стр. 14414

كأنك تراه، فإنْ لم تكُنْ تراه فإنه يراك يعني: إذا لم يكُن لديك الإشراق والشفافية التي تريك الله، فلا أقلَّ من أنْ تعبده على أنه يراك. وساعة تدخل في مقام الإحسان فأنت حرٌّ إذن فيما تقدم من الإحسان، كما قال سبحانه: ﴿مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ... ﴾ [التوبة: ٩١] على حسب ما تخفّ نفسك للطاعة، خفَّتْ لخمس ركعات، خفَّتْ لعشر، خفَّت لخمسة بالمائة في الزكاة، خفَّتْ لعشرة. . الخ أنت حر. ألا ترى أن الحق سبحانه لما تكلم عن هذا المقام قال: ﴿وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ [الذاريات: ١٩] أما في الزكاة المفروضة فقال: ﴿والذين في أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] إذن ﴿ياأيها النبي اتق الله. .﴾ [الأحزاب: ١] أي: تقوى تناسب مقامك من ربك؛ لأن عطاءات الله سبحانه لا تتناهى، كما أن كمالاته لا تتناهى، لذلك كان سيدنا رسول الله يقدم الليل حتى تتفطر قدماه ولما سألته السيدة عائشة: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً» . يعني: العبادة لا تكون لمجرد الثواب والمغفرة، إنما هناك درجات وارتقاءات أخرى.

стр. 14415

والتقوى: قلنا أنْ تجعل بينك وبين ما يمكن أنْ ينشأ منه ضرر لك وقاية، لكن كيف نجعل بيننا وبين ربنا سبحانه وقاية، ومهمة التقوى أن تندمج مع الله في معيته؟ هذا في حق مَنْ يتحكم جيداً في نفسه، ويحملها على منهج الله. قالوا: لأن لله تعالى صفات جلال وصفات جمال، ولكل صفة منها مطلوب، فالله تعالى غفور رحيم، وهو أيضاً سبحانه القهار الجبار المنتقم، الله سبحانه هو الضار وهو النافع، إذن: فصفات الجمال هي التي تُؤتي الإنسان الخير الذي يحبه، وصفات الجلال هي التي تتسلط على مَنْ يخالف. فعلى العبد دائماً أنْ يظل خائفاً من صفات الجلال راجياً صفات الجمال. إذن: تقوى الله تكون بأنْ تجعل بينك وبين صفات الجلال وقاية؛ لأنك لستَ مطيقاً لهذه الصفات، ولا تطيق مسَّة خفيفة من النار، وهي جند من جنود الله فاحذرها. وعرفنا في مسألة الشفاعة أن الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما، وأن الله يُشفِّع بعض المؤمنين، ويُشفِّع الأنبياء والملائكة، ثم بعد ذلك تبقى شفاعة أرحم الراحمين، فكيف يشفع الله عند الله؟

стр. 14416

قالوا: أي تشفع صفات الجمال عند صفات الجلال، فحين يذنب العبد ذنباً تتسلط عليه صفات الجلال لتعاقبه، فتتصدى لها صفات الجمال، وتشفع عندها لتسقط ما لها عنده من حق. ثم يقول سبحانه مخاطباً رسوله ﷺ َ: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين. .﴾ [الأحزاب: ١] فهل حين يتقي رسول الله ربه أيطيع الكافرين والمنافقين؟ قالوا: جمع القرآن بين الأمر بالتقوى والنهي عن طاعة الكافرين والمنافقين على الالتزام، تقول: أكرم فلاناً وفلاناً أيضاً، فلم تقل لا تكرم إلا فلاناً، إذن: فعطف لا تُطع الكافرين والمنافقين على ﴿اتق الله. .﴾ [الأحزاب: ١] بالالتزام. والنبي ﷺ َ حينما جاء جاء على نظام كوني أعده الله تعالى لخَلْقه، وحين خلق الله الخَلْق أخذ على الإنسانية كلها بكل أفرادها من آدم إلى أن تقوم الساعة - أخذ عليهم العهد ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى ... ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فشهدوا لله تعالى قبل أنْ تتهيأ لهم المعاصي والشهوات. فإذا أصابت الناسَ غفلةٌ أو نسُوا هذا العهد بعث الله لهم من رسله مَنْ يُذكِّرهم؛ لذلك خُوطِب النبي ﷺ َ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ... ﴾ [الرعد: ٧] وقال سبحانه عن الرسل: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ... ﴾ [النساء: ١٦٥] يعني: ليسوا منشئين تقوى وطاعة، إنما مذكرون بقضية معلومة سَلَفاً من الأزل، وما هم إلا مبشرين بالثواب لمن أطاع، ومنذرون بالعذاب لمن عصى، والحق سبحانه يريد من عباده أن يكونوا على ذكر دائم لهذه الحقيقة وألاَّ يغفلواعنها. والغفلة تأتي إما من شهوة النفس أو كسلها عن مطلوب شاق

стр. 14417

للعبادة أو وسوسة من غير مطيع في أذنك، سواء أكان من شياطين الإنس أو من شياطين الجن، كما قال تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ ... ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقلنا: إن المنحرف يحسد المستقيم على استقامته، لكنه لا يستطيع أنْ يتحمل تبعات هذه الطاعة، فلا أقلَّ من أنْ يحاول أنْ يجذب المستقيم إليه، فيوسوس له ويصرفه عن صفة الكمال التي له؛ لذلك حين يوسوس لك صاحبك بشيء من معصية الله فأول شيء ينبغي أنْ تفطن إليه أنه يكرهك، ولا يريد لك الخير الذي يعجز هو عن إدراكه، فهو لا يريد لك أنْ تتميز عليه بشيء. إذن: الكافرون والمنافقون الذي يصادمون دعوة الرسل لم يقدروا على أنْ يحملوا أنفسهم على منهج الله، ولا أنْ يلتزموا كما التزم المؤمنون، فلا أقلَّ من أنْ يحولوا بين المؤمنين وبين المنهج الجديد الذي جاء به رسول الله. وقلنا: إن الرسول لم يأتِ إلا لضرورة، هي انطماس معالم المنهج عند المرسل إليهم، وانعدام الرادع في النفس البشرية أولاً ثم في المجتمع ككل، فالإنسان حين يغفل تُذكِّره النفس اللوامة وتردُّه عن المعصية، فإذا ما ضعف سلطان هذه النفس تحكمتْ فيه النفس الأمَّارة بالسوء وصرفتْه عن الخير كله، فلم يَبْقَ له رادع إلا في المجتمع الإيماني الذي يقوم بدوره في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه هي ميزة الخيرية في هذه الأمة التي قال الله فيها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله ... ﴾ [آل عمران: ١١٠]

стр. 14418

فإذا انطمس هذا المبدأ في المجتمع أيضاً حتى لم يَعُدْ فيه آمر بمعروف ولا نآهٍ عن منكر، فلا بُدَّ أنْ تتدخّل السماء بإيقاظ جديد برسول جديد، لكن أمة محمد ﷺ َ من شرفها عند ربها وشرفها برسولها أن الله منحها هذه الخيرية، بحيث لا يعدم فيها الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر أبداً؛ لذلك لا يجيء رسول بعد رسول الله ﷺ َ؛ لأنها أمة مأمونة. ولا بُدَّ للأمة التي توفرتْ لها هذه المناعة الجماعية الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر أنْ يكون لها وَعْيٌ إيماني وفهم جيد لهذه المهمة، وقد وردت فيها مذكرة الإيضاح التفسيرية من سيدنا رسول الله حين قال: «مَنْ رأى منكم منكراً فليُغيِّره بيده، فإنْ لم يستطع فبلسانه، فإنْ لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» . فالمشرِّع قدَّر عدم الاستطاعة، فجعل لكل خطوة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر مجالاً: متى أُغيِّر المنكر بيدي؟ ومتى أُغيره بلساني؟ ومتى أغيره بقلبي؟ أغيره بيدي فيمن أملك الولاية عليه، حيث أتمكن من التغيير، فإنْ كان المُنْكَر ممن لا ولايةَ لي عليه، فعلىَّ أنْ أغيره بلساني في ضوء قوله تعالى: ﴿ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ ... ﴾ [النحل: ١٢٥] بالأسلوب الحسن الجميل،

стр. 14419

لكن تجد بعض الدعاة يدعون على غير بصيرة، فيغفلون مسألة الاستطاعة، ولا يجعلون لعدم الاستطاعة مجالاً، ويميلون إلى تغيير المنكر كله باليد، وهذا مخالف لأمر رسول الله. فإنْ توقعتَ أنْ يصيبك ضرر فلتغير المنكر بقلبك؛ لأن الهدف أن تستقطب المنحرف إلى جهة الاعتدال، وهذا لا يتم إلا باللين وبالرفق حتى تجمع عليه شدتين: الأولى أنْ تُخرِجه مما يألف، والثانية: أنْ تُخرِجه عما يألفه بما يكرهه. ويخطئ الكثيرون في فهم تغيير المنكر بالقلب فيظنون مثلاً أن تقول في نفسك: اللهم إن هذا منكر لا يرضيك وأنا أنكره، هذا مجرد إنكار باللسان والله لا يريد كلمة تخرج من أفواههم، إنما يريد منا عمل القلب الذي يتبعه عمل الجوارح، فقالبك في هذا الإنكار تابع لقلبك. فحين ترى مَنِ استشرى في العصيان والطغيان وأنت لا تقدر على نهيه، لا بيدكَ ولا بلسانك، ولا تستطيع مواجهته، فعليك أن تكون كارهاً لعمله معرضاً عنه، مهملاً له، فلا تجامله في حزن ولا تُهنِّئه في فرح ولا تساعده إن احتاج. . الخ. عليكْ أنْ تعزله عن مجتمعك، فإذا فعل معه الجميع هذا الفعل، وسلكوا معه هذا المسلك سقط واحده وارتدع. لذلك لم نر النبي ﷺ َ صنع سجناً للمسلمين المخالفين، إنما جعل سجنهم في عزل المجتمع الإيماني لهم، أو سجن المجتمع عنهم، لا يكلمهم ولا يتعامل معهم، حتى الزوجة عزلها الشرع عن زوجها لا يقربها حتى يقضي الله في أمره.

стр. 14420

أتذكرون قصة كعب بن مالك، وكيف عزله المجتمع الإيماني وكان من الثلاثة الذين خُلِّفوا عن رسول الله في غزوة تبوك، حتى قاطعه أقرب الناس إليه، فلما تسوَّر الحديقة على ابن عمه وقال: تعلم أني أحب رسول الله فلم يرد عليه. وتأتي زوجة هلال إلى رسول الله وقد كان أحد الثلاثة أيضاً، وتقول: يا رسول الله، إن هلالاً رجل كبير السن، ليس له ما للرجال في النساء، فقال لها: اخدميه لكن لا يقربنك. وقد ظل هؤلاء في هذه العزلة حتى أن القرآن قال فيهم: ﴿حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وظنوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ ... ﴾ [التوبة: ١١٨] هكذا التزم المسلمون الأوائل بشرع الله، واستطاعوا لا نقول سجن المخالف، إنما سجن المجتمع عنه، وهذه المسألة هي سبب الأزمة التي تعيشها بلدنا الآن، فالمجرم الذي يعيش بيننا، أليس معلوماً لأهل المنزل الذي يعيش فيه، بل لأهل الحي والشارع؟ فهل ذهب واحد منهم إلى تاجر فقال له: أعطني كذا فقال:

стр. 14421

لا ليس عندي وقطاعه؟ هل سلَّم واحد منهم على شخص، فلم يردّ ﵇؟ إذن: المجتمع كله يتحمل هذه المسئولية، ويتحمل الإثم عليها؛ لأنه تستَّر على هؤلاء، لدرجة أن نقول: إن المجتمع نفسه مجرم أكثر من المجرمين. وينبغي قبل أنْ نتكلم عن المجرم نتكلم معه نحاوره وننصحه ونحسن إليه قبل أن نقاطعه، نفهم هذا المعنى من قول سيدنا رسول الله ﷺ َ: «أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» ولم يقل على سلطان جائر. فقبل أنْ نفضحه ونُشنَّع عليه يجب أنْ نتكلم معه، وأنْ ننصحه حتى يعلم أنك تريد به الخير، وتريد أنْ ترده إلى الجادة فيقبل منك، وعلى الأقل لا يضرك، إنما آفتنا أننا نُشنِّع على المجرم، وربما نُحمِّله فوق الصدق الواحد ألف كذب لمجرد كراهيتنا له. لذلك قال العربي في صفات الناس: إنْ علموا الخير أخفوه، وإنْ علموا الشر أذاعوه، وإنْ لم يعلموا كذبوا. إذن: معنى التغيير بالقلب أن يكون قالبك موافقاً لقلبك، وهذه لا تُكلِّفك شيئاً، على خلاف التغيير باليد أو باللسان؛ لذلك وصفه رسول الله بأضعف الإيمان، يعني أنها مسألة يقوم بها الضعيف. وبعزل المجتمع عن المجرم تنتهي ظاهرة الإجرام، وما استشرى الإجرام إلا حين خاف الناس من المجرمين وتملّقوهم وتودَّدوا إليهم ربما لاتقاء شَرِّهم، ولم لا يزداد المجرم في إجرامه والأمر كذلك؟

стр. 14422

لذلك جعل الشارع الحكيم الدية في القتل الخطأ ليست على القاتل وحده، إنما على العاقلة أي: على جميع العائلة لأنها المنوط بها تقويم أبنائها، والأخذ على أيدي المنحرف منهم؛ لأنها هي التي ستتحمل العاقبة، وبذلك يحدث التوازن في المجتمع. والحق حين وضع المنهج الذي يُنظِّم حياة الخَلْق يريد سبحانه الخير لخلقه، وهو سبحانه صاحب الخير ولا ينتفع منه بشيء، فلو أن الخَلْق جميعاً كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك في مُلْك الله شيئاً. ثم هو سبحانه خلق الإنسان، وحدد مهمته في الحياة، ووضع له قانون صيانته فيها، كما أن صانع الآلة يحدد الهدف منها قبل صناعتها، وحدد لها قانون صيانتها، فالذي صنع الغسالة مثلاً رأى كيف تتعب المرأة في عملية غسيل الملابس، فصنع هذه الآلة لتقوم بهذه المهمة، ولم يحدث أنْ صنع صانع آلة، ثم قال: انظروا في أيِّ شيء يمكن أنْ تُستخدم. لذلك، فَشَلُ العالم كله يأتي من أن الخَلْق يريدون أنْ يحددوا مهمة الإنسان، ويضعوا له قانون صيانته، ويغفلون أنه صنعة الله، والذي يحدد مهمة الصَّنْعَة هو صانعها. والحق سبحانه حدَّد لنا مهمتنا في الحياة قبل أنْ يستدعينا إليها،

стр. 14423

واقرأ إنْ شئتَ قوْلَ ربك: ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن خَلَقَ الإنسان﴾ [الرحمن: ١ - ٣] فالحق سبحانه قبل أنْ يخلق الإنسان وضع له المنهج، وحدِّد له مهمته وقانون صيانته في قرآنه الكريم، كما يحدد الصانع مهمة صَنْعته أولاً، فإنْ حدث في هذه الصنعة عَطَب فيجب أنْ تُردَّ إلى الصانع، وإلى قانون الصيانة بافعل ولا تفعل؛ لأنه سبحانه هو الذي خلق، وهو الذي يعلم ما يصلح صنعته ويضمن سلامتها، واقرأ إنْ شئتَ: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤] ويقول تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ... ﴾ [النساء: ٥٩] إذن: فآفة المجتمع البشري أولاً: أنه يريد أن يُحدِّد لخَلْق الله مهمتهم، وأن يتدخل في صنعة ليست صنعته. ثانياً: حين يفسد المجتمع يجعلون له قوانين إصلاحية من عندهم، وهل تركنا الله بدون منهج، وبدون قانون صيانة؟ لقد كان سيدنا رسول الله ﷺ َ وهو قدوتنا إذا حزبه أمر أو عَزَّ عليه شيء يُهْرع إلى ربه، ويقف بين يديه في الصلاة، كما تعرض أنت آلتك أو جهازك على المهندس المختص، فيصلح لك ما فيه من عطب، وهذه مسألة مادية يصلحها المهندس بشيء مادي. أما الحق سبحانه فغيب، فحين يصلحك أنت أيها العبد يصلحك بقانون الغيب، بحيث لا تدري أنت كيف أصلحك، المهم حين تعرض نفسك على ربك وعلى خالقك تعود مُنْشرح الصدر، راضياً طِّيب النفس. الحق سبحانه يقول لرسوله: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين. .﴾ [

стр. 14424

الأحزاب: ١] لأنهم أهل فساد يمارسونه وينتفعون به؛ لذلك لا بُدَّ أنْ يصادموا الحق، وأنْ يعترضوا طريقه، وأساس الفساد في الكون أنْ يحب الإنسان أنْ يأخذ خير غيره، وأن يكون دمه من عرق الآخرين، فإذا جاء مَنْ يعدل هذا الميزان المائل وقفوا له بالمرصاد؛ لأن دعوته تتعارض ومنافعهم. والحق سبحانه بيَّن لنا على مدى موكب الرسل جميعاً أنه ما من رسول إلا كان له أعداء ومعاندون، لكن سنة الله في الرسل أنْ تكون لهم الغَلَبة في نهاية الأمر، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] إذن: فالله تعالى يريد منا الاستقامة على منهجه، وأهل الفساد يريدون الانحراف عن هذا المنهج، واقرأ: ﴿وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ... ﴾ [الأنعام: ١٥٣] يعني: استقامة على إطلاقها، فمَنْ منكم يرينا فيه التواءً أو اعوجاجاً؟ ﴿فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ... ﴾ [الأنعام: ١٥٣] فالصراط المستقيم واحد، وسبيل الحق واحد، أما الباطل والفساد فله سُبْل شتى، وقد نبهنا سيدنا سيدنا رسول الله ﷺ َ إلى هذه القضية حين خَطَّ للصحابة خطاً واحداً مستقيماً، وعلى جانبيه خطوطاً، ثم تلا: ﴿وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ

стр. 14425

السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ... ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وتعلَّمنا في علم الهندسة أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين، فلو خَطَّ مهندس طريقاً مستقيماً بين بلدين مثلاً تراه لو انحرف في بداية الطريق عدة سنتيمترات فإنها تبعده عن البلدة الأخرى عدة كيلو مترات. إذن: الطريق المستقيم هو الذي يُسهِّل لك السفر، ويقرب لك المسافة، أما السبل المتعددة فإنها تهدر مجهودك وتشقُّ عليك، حتى أنت في لغتنا العامية تقول لصاحبك: (تعال دغُري) أو تقول (بلاش لف ودوران) كذلك يقول لك ربك: ﴿وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل ... ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وإن كان طريق الحق واحداً، فطرق الضلال متعددة، فواحد فساده من ناحية المال، وواحد من ناحية النساء، وواحد يفسده المنصب والسلطان. . إلخ. فإذا ما جاء رسول من عند الله يكبح جماح هؤلاء لا بُدَّ أن يتصادموا معه؛ لذلك ينبه الحق ﵎ نبيه ﷺ َ: أول مراتب التقوى أن تتقي الله وحده، ثم لا تُطِع الكافرين والمنافقين؛ لأنهم يريدون أنْ يأخذوك للشر والله يريدك للَخير. وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين. .﴾ [الأحزاب: ١] تعني: أنه لا مانع أن تطيع غيرهم من أصحاب الرأي والمشورة من المؤمنين فيما لم يأتكَ فيه أمر من الله؛ لذلك «نزل سيدنا رسول الله في غزوة بدر على رأَي الصحابي الجليل الحباب بن المنذر لما قال
следующие страницы →