Полный текст (14 757 стр.). Показаны 14421–14460 · переход к 14426.
стр. 14421
لا ليس عندي وقطاعه؟ هل سلَّم واحد منهم على شخص، فلم يردّ ﵇؟
إذن: المجتمع كله يتحمل هذه المسئولية، ويتحمل الإثم عليها؛ لأنه تستَّر على هؤلاء، لدرجة أن نقول: إن المجتمع نفسه مجرم أكثر من المجرمين.
وينبغي قبل أنْ نتكلم عن المجرم نتكلم معه نحاوره وننصحه ونحسن إليه قبل أن نقاطعه، نفهم هذا المعنى من قول سيدنا رسول الله ﷺ َ: «أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» ولم يقل على سلطان جائر. فقبل أنْ نفضحه ونُشنَّع عليه يجب أنْ نتكلم معه، وأنْ ننصحه حتى يعلم أنك تريد به الخير، وتريد أنْ ترده إلى الجادة فيقبل منك، وعلى الأقل لا يضرك، إنما آفتنا أننا نُشنِّع على المجرم، وربما نُحمِّله فوق الصدق الواحد ألف كذب لمجرد كراهيتنا له.
لذلك قال العربي في صفات الناس: إنْ علموا الخير أخفوه، وإنْ علموا الشر أذاعوه، وإنْ لم يعلموا كذبوا.
إذن: معنى التغيير بالقلب أن يكون قالبك موافقاً لقلبك، وهذه لا تُكلِّفك شيئاً، على خلاف التغيير باليد أو باللسان؛ لذلك وصفه رسول الله بأضعف الإيمان، يعني أنها مسألة يقوم بها الضعيف.
وبعزل المجتمع عن المجرم تنتهي ظاهرة الإجرام، وما استشرى الإجرام إلا حين خاف الناس من المجرمين وتملّقوهم وتودَّدوا إليهم ربما لاتقاء شَرِّهم، ولم لا يزداد المجرم في إجرامه والأمر كذلك؟
стр. 14422
لذلك جعل الشارع الحكيم الدية في القتل الخطأ ليست على القاتل وحده، إنما على العاقلة أي: على جميع العائلة لأنها المنوط بها تقويم أبنائها، والأخذ على أيدي المنحرف منهم؛ لأنها هي التي ستتحمل العاقبة، وبذلك يحدث التوازن في المجتمع.
والحق حين وضع المنهج الذي يُنظِّم حياة الخَلْق يريد سبحانه الخير لخلقه، وهو سبحانه صاحب الخير ولا ينتفع منه بشيء، فلو أن الخَلْق جميعاً كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك في مُلْك الله شيئاً.
ثم هو سبحانه خلق الإنسان، وحدد مهمته في الحياة، ووضع له قانون صيانته فيها، كما أن صانع الآلة يحدد الهدف منها قبل صناعتها، وحدد لها قانون صيانتها، فالذي صنع الغسالة مثلاً رأى كيف تتعب المرأة في عملية غسيل الملابس، فصنع هذه الآلة لتقوم بهذه المهمة، ولم يحدث أنْ صنع صانع آلة، ثم قال: انظروا في أيِّ شيء يمكن أنْ تُستخدم.
لذلك، فَشَلُ العالم كله يأتي من أن الخَلْق يريدون أنْ يحددوا مهمة الإنسان، ويضعوا له قانون صيانته، ويغفلون أنه صنعة الله، والذي يحدد مهمة الصَّنْعَة هو صانعها.
والحق سبحانه حدَّد لنا مهمتنا في الحياة قبل أنْ يستدعينا إليها،
стр. 14423
واقرأ إنْ شئتَ قوْلَ ربك: ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن خَلَقَ الإنسان﴾ [الرحمن: ١ - ٣]
فالحق سبحانه قبل أنْ يخلق الإنسان وضع له المنهج، وحدِّد له مهمته وقانون صيانته في قرآنه الكريم، كما يحدد الصانع مهمة صَنْعته أولاً، فإنْ حدث في هذه الصنعة عَطَب فيجب أنْ تُردَّ إلى الصانع، وإلى قانون الصيانة بافعل ولا تفعل؛ لأنه سبحانه هو الذي خلق، وهو الذي يعلم ما يصلح صنعته ويضمن سلامتها، واقرأ إنْ شئتَ: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤]
ويقول تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ... ﴾ [النساء: ٥٩]
إذن: فآفة المجتمع البشري أولاً: أنه يريد أن يُحدِّد لخَلْق الله مهمتهم، وأن يتدخل في صنعة ليست صنعته. ثانياً: حين يفسد المجتمع يجعلون له قوانين إصلاحية من عندهم، وهل تركنا الله بدون منهج، وبدون قانون صيانة؟
لقد كان سيدنا رسول الله ﷺ َ وهو قدوتنا إذا حزبه أمر أو عَزَّ عليه شيء يُهْرع إلى ربه، ويقف بين يديه في الصلاة، كما تعرض أنت آلتك أو جهازك على المهندس المختص، فيصلح لك ما فيه من عطب، وهذه مسألة مادية يصلحها المهندس بشيء مادي.
أما الحق سبحانه فغيب، فحين يصلحك أنت أيها العبد يصلحك بقانون الغيب، بحيث لا تدري أنت كيف أصلحك، المهم حين تعرض نفسك على ربك وعلى خالقك تعود مُنْشرح الصدر، راضياً طِّيب النفس.
الحق سبحانه يقول لرسوله: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين. .﴾ [
стр. 14424
الأحزاب: ١] لأنهم أهل فساد يمارسونه وينتفعون به؛ لذلك لا بُدَّ أنْ يصادموا الحق، وأنْ يعترضوا طريقه، وأساس الفساد في الكون أنْ يحب الإنسان أنْ يأخذ خير غيره، وأن يكون دمه من عرق الآخرين، فإذا جاء مَنْ يعدل هذا الميزان المائل وقفوا له بالمرصاد؛ لأن دعوته تتعارض ومنافعهم.
والحق سبحانه بيَّن لنا على مدى موكب الرسل جميعاً أنه ما من رسول إلا كان له أعداء ومعاندون، لكن سنة الله في الرسل أنْ تكون لهم الغَلَبة في نهاية الأمر، كما قال سبحانه:
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]
إذن: فالله تعالى يريد منا الاستقامة على منهجه، وأهل الفساد يريدون الانحراف عن هذا المنهج، واقرأ: ﴿وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ... ﴾ [الأنعام: ١٥٣] يعني: استقامة على إطلاقها، فمَنْ منكم يرينا فيه التواءً أو اعوجاجاً؟ ﴿فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ... ﴾ [الأنعام: ١٥٣]
فالصراط المستقيم واحد، وسبيل الحق واحد، أما الباطل والفساد فله سُبْل شتى، وقد نبهنا سيدنا سيدنا رسول الله ﷺ َ إلى هذه القضية حين خَطَّ للصحابة خطاً واحداً مستقيماً، وعلى جانبيه خطوطاً، ثم تلا: ﴿وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ
стр. 14425
السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ... ﴾ [الأنعام: ١٥٣]
وتعلَّمنا في علم الهندسة أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين، فلو خَطَّ مهندس طريقاً مستقيماً بين بلدين مثلاً تراه لو انحرف في بداية الطريق عدة سنتيمترات فإنها تبعده عن البلدة الأخرى عدة كيلو مترات.
إذن: الطريق المستقيم هو الذي يُسهِّل لك السفر، ويقرب لك المسافة، أما السبل المتعددة فإنها تهدر مجهودك وتشقُّ عليك، حتى أنت في لغتنا العامية تقول لصاحبك: (تعال دغُري) أو تقول (بلاش لف ودوران) كذلك يقول لك ربك: ﴿وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل ... ﴾ [الأنعام: ١٥٣]
وإن كان طريق الحق واحداً، فطرق الضلال متعددة، فواحد فساده من ناحية المال، وواحد من ناحية النساء، وواحد يفسده المنصب والسلطان. . إلخ.
فإذا ما جاء رسول من عند الله يكبح جماح هؤلاء لا بُدَّ أن يتصادموا معه؛ لذلك ينبه الحق ﵎ نبيه ﷺ َ: أول مراتب التقوى أن تتقي الله وحده، ثم لا تُطِع الكافرين والمنافقين؛ لأنهم يريدون أنْ يأخذوك للشر والله يريدك للَخير.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين. .﴾ [الأحزاب: ١] تعني: أنه لا مانع أن تطيع غيرهم من أصحاب الرأي والمشورة من المؤمنين فيما لم يأتكَ فيه أمر من الله؛ لذلك «نزل سيدنا رسول الله في غزوة بدر على رأَي الصحابي الجليل الحباب بن المنذر لما قال
стр. 14426
له: يا رسول الله، أهذا منزلٌ أنزلكه الله، أم هو الحرب والمكيدة؟ فقال رسول الله ﷺ َ:» بل هو الحرب والمكيدة «، فقال: إذن هذا ليس لك بمنزل.
وقد أشار سلمان الفارسي على رسول الله بحفر الخندق فأخذ بمشورته، والقاعدة الشرعية تقول: لا اجتهاد مع النص، فإذا لم يكُنْ في المسألة نصٌّ فلا مانع من أنْ تطيع المؤمنين الناصحين لك، المشيرين عليك بالخير.
فالحق سبحانه لم يمنه عن رسوله نُصْح الناصحين، ولم يحرمه مشورة أهل الرأي.
وقد اختلف الناس حول استشارة الحاكم: أهي ملزمة له أم غير ملزمة؟ وإجابة هذا السؤال في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله ... ﴾ [آل عمران: ١٥٩]
فللحاكم أنْ يسمع المشورة، وأنْ يقارن بين الآراء ويفاضل بينها، ثم يكون له وحده القرار النهائي ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ ... ﴾ [آل عمران: ١٥٩] أي: أنت وحدك.
وفي العالم المعاصر نرى الأنظمة إذا احتاجت إلى أَخْذ الآراء في موضوع ما ترجح الجانب الذي به الرئيس، وهذا لا يصح، فالآراء
стр. 14427
تنير للرئيس الطريق، وتوضح له الصورة، وله هو القرار الأخير؛ لأن الحيثية التي انتخبته من خلالها أنك تشهد له بالتفوق، إذن: فهو الذي يرجح أحد الآراء.
وفَرْق بين المشورة والتفويض، فحين يُفوِّض رئيس الدولة شخصاً أو هيئة لدراسة أمر من الأمور، أو اتخاذ قرار، فهي صاحبة الرأي، وحين تعرض عليه ما توصلتْ إليه يعطيها الموافقة؛ لأنه فوَّضها في هذا الأمر، إذن: التفويض يجيز لك اتخاذ القرار، أمَّا المشورة فتقف عند عرض الرأي فحسب.
والرسول ﷺ َ كان لا يريد الخروج لغزوة أُحُد، لكن لما شاور صحابته أشاروا عليه بالخروج لما عندهم من العزة والحماس لنصرة دين الله، وظلوا برسول الله حتى استعد للحرب، ولبس لها ملابسها، ثم عادوا إلى رأيه ﷺ َ في عدم الخروج. فقال ﷺ َ: «ما كان لنبي يلبس لامة الحرب ... » .
وحدث ما حدث في أُحُد ولم ينتصر المسلمون، أما أبو بكر ﵁ فلم يستمع لمشورة المسلمين في حرب الردة وصمَّم عليها، وقال: والله لأقاتلنهم ولو بالذر يعني: بالحصى، وانتصر
стр. 14428
الصِّديق، وإليه يرجع الفضل في إنقاذ دين الله من فتنة كادت تذهب به.
إذن: فاجعلوا من اختيار الله لرسوله صلى الله لرسوله ﷺ َ مُرجِّحاً، فيأخذ منكم جميع الآراء، ويستشيركم، ثم ينفذ هو ما يراه مناسباً.
وهنا فَرْق بين الكافرين والمنافقين، ولدينا بعض المصطلحات التي ينبغي أن نكون على علم بمدلولها: الإيمان والكفر والنفاق والجحد.
الإيمان: الإنسان منا له قلب يحمل النوايا، وله قالب يعبر عنها، كما قال الشاعر:
إنَّ الكَلاَم لَفِي الفُؤادِ وإنَّمَا ... جُعِلَ اللسَانُ عَلَى الفُؤادِ دَليلاً
فالإيمان هو الحق الذي يعتقده القلب، ويقتنع به، ويوافقه اللسان والقالب، أما إنْ وافق اللسان القلب في الباطل فهذا هو الكفر.
لذلك قلنا: إن الكافر منطقي مع نفسه؛ لأنه نطق بما في قلبه، لكنه غير منطقي مع الحق لأنه جحده بقلبه وجحده بلسانه، فليس عنده اختلاف بين القلب واللسان.
أما النفاق فهو أنْ يعتقد القلب الكفر ويضمره، ويعلن اللسان كلمة الإيمان، فالمنافق يخالف لسانُه قلبَه، فهو غير منطقي لا مع الحق ولا مع نفسه؛ لذلك كان المنافق في الدَّرْك الأسفل من النار، لأنه أشرُّ من الكافر.
لذلك لما طلب سيدنا رسول الله من القوم أنْ يقولوا: لا إله إلا الله قالتها القلة المؤمنة، وامتنعت الكثرة الكافرة، لماذا؟ لأنهم
стр. 14429
يعرفون معناها، وإلا لَقَالوها من بداية الأمر، وانتهت المواجهة بين الإيمان والكفر، فعدم نُطْقهم بها دليل على فهمهم لها ولمطلوباتها.
أما الجاحد فعلى النقيض من المنافق، فهو مقتنع في نفسه، لكنه لا يقدر على النطق بما يقتنع به من الحق؛ لذلك يقول تعالى عنهم: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ... ﴾ [النمل: ١٤]
ولما طال الجدل بينهم وبين رسول الله قالوا: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] بدل أن يقولوا: فاهدنا إليه.
وبعد أنْ قالوا في القرآن أنه سحر، وأنه أساطير الأولين. . الخ زهق باطلهم، وكشف الله جحودهم، حين حكى قولهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]
إذن: فالقرآن لا غبارَ عليه وهو حق، لولا أنه نزل على هذا الرجل بالذات، ولو نزل على عظيم من عظماء مكة أو المدينة لآمنَّا به، وهكذا أثبتوا إيمانهم بالقرآن، والقرآن يستوجب أنْ يؤمنوا أيضاً بمحمد.
ومعلوم أن الإسلام صاح صيحته الأولى في أُذن مَنْ؟ في أذن كفار مكة وسادة قريش والجزيرة كلها، وقد كانت لهم الكلمة المسموعة والمنزلة الرفيعة بين العرب جميعاً لقيامهم على خدمة الحجيج، ووقوع بلادهم على طرق التجارة بين الشمال والجنوب.
إذن: الإسلام لم يستضعف جماعة ليعلن فيهم صيحته الأولى، إنما اختار السادة، لكن الله تعالى لم يشأ أنْ ينتصر الإسلام في مكة؛ لأنه لو انتصر فيها لكان من الممكن أن يقال: قوم من قريش
стр. 14430
تعصبوا لواحد منهم ليسودوا به العالم كما سادوا الجزيرة.
لذلك لما أعلن سيدنا رسول الله دعوته بين قومه أسرعوا إليه يقولون: يا محمد إنْ كنتَ تريد مُلْكاً ملّكناك علينا، وإنْ كنت تريد مالاً جمعنا لك المال حتى تصير أغنانا. . فقال قولته المشهورة: «والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أنْ أترك هذا الأمر ما تركتُه حتى يُظهِره الله، أو أهلك دونه» .
فشاء الله أن تكون الصرخة الأولى في أذن السادة أصحاب الكلمة والسلطة في مكة، وأن تكون نصرة الدين في المدينة، لتعلم الدنيا كلها أن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد، وليست العصبية لمحمد هي التي خلقتْ الإيمان بمحمد.
ونفهم أيضاً من قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين. .﴾ [الأحزاب: ١] أن غير الكافرين وغير المنافقين لا يكون لهم أمر يُطاع مع أمر رسول الله؛ لأن المؤمن برسول الله يتلقَّى من رسول الله.
لذلك يُعَدُّ من الخطأ بمكان أن نقول: كيف فعل رسول الله كذا وكذا؟ فنناقشه ونستدرك عليه ﷺ َ، وكيف تجعل من نفسك أيها المؤمن ميزاناً وحَكَماً يحكم على أفعال الرسول ويضعها في الميزان؟
стр. 14431
كمن يناقشون مثلاً مسألة تعدد الزوجات، ويصل بهم الحدُّ إلى انتقاد رسول الله، وكأنه يُجري له محاكمة.
وكيف نعارض رسول الله في هذا، والله تعالى لم يعارضه، ولم يُقِلْه من مسألة الرسالة، بل ارتضى الله فِعْل رسوله وباركه، فلا تجعل من نفسك مقياساً على رسول الله؛ لأن الأصل أنه هو المقياس الذي نقيس عليه أفعالنا، فنسأل: أفعل رسول الله ذلك أم لم يفعل؟ فإنْ فعل فعلنا.
ومن هذا المنطلق سُمِّي الصَّديق صِدِّيقاً، فلما حدَّثوه أن رسول الله يخبر أنه أتى بيت المقدس في ليلة قال: إنْ كان قال فقد صدق.
والحق سبحانه حين ينهى رسوله عن طاعة الكافرين والمنافقين إنما يُبيِّن له طبيعتهم، وحقيقة عدائهم له، فهُمْ غير مخلصين له، وعليه أن يتهم أمرهم إنْ أمروه ويتهم نهيهم إنْ نَهوْه، وكيف يُخلِصون في أمره أو نهيه، وقد جاء ليصادم سيادتهم، ويكسر جبروتهم وكفرهم؟
وهَبْهم مخلصين لك لأنك من قريش، ويريدون نصرتك فينقصهم في نُصْحهم لك العلم والحكمة، فلا يصح إذن أنْ تقارن بين طاعة الله وطاعة هؤلاء، مهما كانوا مخلصين لك.
كما نلحظ أن القوم فعلاً طلبوا من رسول الله أشياء، فكأن الله نبهه قبل أنْ يطلبوا منه إلى ما يُطلب منه من مخالفتهم وعدم طاعتهم، والطاعة فيها مطيع ومطاع، وهم يريدون ان يكونوا
стр. 14432
مطاعين، ورسول الله طائع ممتثل لأمرهم، لكن كيف تقلب المسألة بهذا الشكل، وما جاء رسول الله إلا ليُشرِّع للناس فيطيعوه، فهو الذي يأمر، وهو الذي يُطاع.
فكأن الرسول ﷺ َ يقول لهم: كيف أقارن بينكم وبين ربي؟ وقد ثبت ذلك فقد جاء أبو سفيان وعكرمة بن أبي جهل والوليد بن المغيرة والأعور السلمي وانضم إليهم وفد ثقيف، جاءوا جميعاً إلى المدينة واجتمعوا بعبد الله بن أُبيٍّ، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وقد أمَّنهم رسول الله فقالوا: يا محمد كُفَّ عن آلهتنا: اللات والعزى ومناة، واشهد بأن شفاعتهم تُقبل عند الله، ونريد أن تحفظ لنا كرامتنا ومهابتنا بين العرب، فمتِّعنا بآلهتنا سنة وأقرنا على ذلك، ونتركك وشأنك مع ربك.
فنهاه الله ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين. .﴾ [الأحزاب: ١] لأنك لا ينبغي أن تتراجع أمامهم في شيء أبداً، وإلاّ لكنتَ خاضعاً لهذه السيادة المزعومة، ولأعطيتهم الفرصة حين تطاوعهم؛ لأنْ يقولوا: لقد أطاعنا محمد فيصيرون هم الهادين، وأنت المهدي.
ثم إن هذا الأمر بعدم طاعتهم وهم القادة والصناديد وما زالت الدعوة وليدة تحتاج إلى مهادنة مع أعدائها، وربما يقول قائل: ولِمَ لم يهادنهم رسول الله حتى يشتدَّ عود الدعوة، فهم سادة القوم وأصحاب الكلمة والمهابة؟ لكن منطق الحق يرفض هذه المهادنة، ويرفض أن يعتمد رسول الله إلا على الله؛ لذلك قال في الآية
стр. 14433
بعدها:
﴿وَتَوَكَّلْ على الله وكفى بالله وَكِيلاً﴾ [الأحزاب: ٣]
ثم يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الأحزاب: ١] فالعلم غير الحكمة، العلم أن تعلم القضايا، أمّا الحكمة فأنْ تُوظِّف هذه القضايا في أماكنها، فالعلم وحده لا يكفي، فالصفتان متلازمتان متكاملتان، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص: ١٨]
فالقوي إنْ كان خائناً لم تنفعك قوته، كذلك إنْ كان الأمين ضعيفاً فلا تنفعك أمانته؛ لذلك لما اشتكى أمير المؤمنين إلى أحد خاصته من أهل العراق، يقول: إن استعملتُ عليهم القوي يَفْجُروه، وإن استعملتُ عليهم الضعيف يُهينَوه، فقال له: إن استعملت عليهم القوي فلك قوته وعليه فجوره، فقال له أمير المؤمنين: ما دُمْتَ قد عرفتََ هذا فلا أُوَلِّى عليهم غيرك.
إذن: فالعلم يعطيك قضايا الخير كله، والحكمة أنْ تضع الشيء في موضعه، والقضية في مكانها.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ ... ﴾ .
стр. 14434
نلحظ هنا نهياً بين أمرين: الأول ﴿ياأيها النبي اتق الله ... ﴾ [الأحزاب: ١] والاخر: ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ. .﴾ [الأحزاب: ٢] وبينهما النهي: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين ... ﴾ [الأحزاب: ١] ووقوع هذا النهي بين هذين الأمرين ترتيب طبيعي؛ لأنك إذا اتقيتَ الله ستُعلى منهج الحق، وهذا يؤذي أهل الباطل وأهل الفساد المستفيدين به، فلا بُدَّ أنْ يأتوا إليك يوسوسون في أُذنك ليصرفوك عن منهج ربك، وعليك إذن أنْ ترد الأمر إلى ما يوحى إليك وأنْ تتبعه.
وقلنا: إن الوحي: إعلام بخفاء، فإنْ كان علانية فلا يُعَدُّ وحياً، ولله تعالى في وحيه وسائل كثيرة مع جميع خَلْقه، فيوحي سبحانه إلى الجماد؛ لأنه قادر على أن يخاطب الجماد، كما في قوله عن الأرض: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤ - ٥]
ويوحي إلى النحل: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨]
ويُوحى إلى غير رسول أو نبي: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي ... ﴾ [المائدة: ١١١]
وقال: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ ... ﴾ [القصص: ٧]
هذا هو الوحي في معناه العام، أما الوحي الخاص فيكون من الله تعالى لرسول مُرْسَل من عنده إلى الخَلْق، وله طرق متعددة، فمرةَ يكون بالنفث في الروع، ومرة يكون بالوحي بكلام لا يُرى قائله، ولا يُعرف مصدره، ومرة يكون عن طريق رسول ينزل به من الملائكة.
يقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ... ﴾ [الشورى: ٥١]
стр. 14435
والقرآن الكريم لم يأْتِ بالإلهام ولا بالكلام من وراء الغيب والحُجُب، إنما جاء عن طريق رسول مَلَك نزل به على رسول الله، فثبت القرآن من هذا الطريق.
ولا بُدَّ في هذه المسألة من التقارب بين الرسول الملَك، والرسول البشر، فلكل منهما طبيعته الخاصة، ولكي يلتقيا لا بُدَّ من أمرين: إما أنْ يرتفع البشر إلى مرتبة الملائكية بحيث يستقبل منها، أو ينزل الملَك إلى مرتبة البشرية بحيث يستطيع أنْ يُلقنها.
لذلك جاء في الحديث أن جبريل ﵇ نزل إلى مجلس رسول الله في صورة بشرية ليُعلِّم الناس أمور دينهم. وكان النبي ﷺ َ في أول الوحي تأخذه قشعريرة، ويتصبب جبينه عرقاً، حينما يأتيه جبريل بالوحي، وما ذاك إلا لالتقاء الملكية بالبشرية، فكان ﷺ َ يبلغ به الجهد حتى يقول: زمِّلوني زمِّلوني، دثِّروني دثِّروني.
وإذا جاءه الوحي وهو جالس مع أصحابه وركبته على ركبة أحدهم يشعر لها بثقل كأنها الجبل، أو يأتيه الوحي وهو على دابة فكانت تئط، لذلك فتر عن رسول الله الوحي بعد فترة ليستريح من هذا الإجهاد، وتبقى له حلاوة ما أُوحي إليه، فيتشوق إليه من جديد.
стр. 14436
وبعدها خاطبه ربه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ١ - ٤]
والهدف حينما يكون غالياً، والغاية سامية يهون في سبيلها كل جهد، وقد عاد الوحي إلى رسول الله بعد شوق، وخاطبه ربه بقوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ [الضحى: ٤ - ٥]
إذن: ثبت القرآن بالوحي عن طريق الرسول الملَك، ولم يثبت بالإلهام أو النفث في الرَّوْع، أو الكلام من وراء حجاب، يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ... ﴾ [الشورى: ٥٢]
والوحي هنا: ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ. .﴾ [الأحزاب: ٢] مِنْ مَنْ؟ ﴿مِن رَبِّكَ. .﴾ [الأحزاب: ٢] ولم يقل مثلاً رب الخلق، نعم هو سبحانه رب الخَلْق جميعاً، لكن محمداً ﷺ َ سيد الخلق، فهو رب الخلق من باب أَوْلَى، وكلمة (ربك) تدل على الحب وعلى الاهتمام، وأنه تعالى لن يخذلك أبداً، وما اتصاله بك إلا للخير لك ولأمتك.
ثم يقول تعالى: ﴿إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [الأحزاب: ٢] الخبير مَنْ وصل إلى منتهى العلم الدقيق، ومنه قولنا: اسأل أهل الخبرة. يعني: لا يسأل أهل العلم السطحي، فالخبير هو الذي لا يغيب عنه شيء.
وتلحظ أن الآية السابقة خُتمتْ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الأحزاب: ١] أي: عليماً بما يُشرِّع، حكيماً يضع الأمر في موضعه، وقال هنا: ﴿إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [الأحزاب: ٢] أي: بما ينتهي إليه أمرك مع التشريع، استجابةً أو رفضاً، فربُّك لن يُشرِّع لك ثم يتركك، إنما يَخْبُر ما تصنع، ولو حتى نوايا القلوب.
стр. 14437
فالخبرة تدل على منتهى العلم وعلى العلم الواسع، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى في قصة لقمان: ﴿يابني إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السماوات أَوْ فِي الأرض يَأْتِ بِهَا الله إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]
فالخبرة تدل على العلم الواسع الذي لا تفوته جزئية مهما صغرت، واللطف هو التغلغل في الأشياء مهما كانت دقيقة، وقلنا: إن الشيء كلما لَطُفَ عَنُفَ.
فكأن الحق سبحانه يقول لرسوله: اطمئن، فمهما صُودِمتَ من خصومك، ومهما تألَّبوا عليك، فربُّك من ورائك لم يتخلى عنك، وهؤلاء الخصوم خَلْقي، وأنا معطيهم الطاقات المفكرة والطاقات العاقلة والطاقات المتآمرة، وسوف أنصرك عليهم في كل مرحلة من مراحل كيدهم لك.
لذلك لم يقووا عليك مناظرة ولا جدلاً، ولم يقدروا عليك حين بيَّتوا لك ليضربوك ضربة رجل واحد، فيتفرق دمك بين القبائل، وخرجتَ من بينهم سالماً تحثو التراب على رؤوسهم، حتى لما استعانوا عليك بالسحر وبالجن أخبرتُك بما يدبرون لك، ولم أُسِلْمْك لكيدهم.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ على الله ... ﴾ .
стр. 14438
يعني: إياك أن تظن أن واحداً من هؤلاء سوف يساعدك في أمرك، او أنه يملك لك ضراً ولا نفعاً، فلا تُحسِن الظن بأوامرهم لا
стр. 14439
بنواهيهم، ولا تتوكل عليهم في شيء، إنما توكل على الله.
ولا بُدَّ أن نُفرق هنا بين التوكل والتواكل: التوكل أن تكون عاجزاً في شيء، فتذهب إلى مَنْ هو أقوى منك فيه، وتعتمد عليه في أن يقضيه لك، شريطة أن تستنفد فيه الأسباب التي خلقها الله لك، فالتوكل إذن أن تعمل الجوارح وتتوكل القلوب.
وقد ضرب لنا سيدنا رسول الله ﷺ َ مثلاً توضيحياً في هذه المسألة بالطير، فقال: «لو توكلتم على الله حقَّ توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً» .
أما التواكل فأنْ ترفضَ الأسباب التي قدمها الله لك، وتقعد عن الأَخْذ بها، وتقول: توكلت على الله، لا إنما استنفد الأسباب الموجودة لك من ربك، فإنْ عزَّتْ عليك الأسباب فلا تيأس؛ لأن لك رباً أقوى من الأسباب؛ لأنه سبحانه خالق الأسباب.
لذلك، كثير من الناس يقولون: دعوتُ الله فلم يستجب لي، نقول: نعم صدقت، وصدق الله معك؛ لأن الله تعالى أعطاك الأسباب فأهملتها، فساعة تستنفد أسبابك، فثِقْ أن ربك سيستجيب لك حين تلجأ إليه.
واقرأ قوله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السواء ... ﴾ [النمل: ٦٢] والمضطر هو الذي عزَّتْ عليه الأسباب، وخرجتْ عن
стр. 14440
نطاق قدرته كما حدث لسيدنا موسى ﵇ حين حاصره فرعون وجنوده حتى قال قوم موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]
نعم، مدركون؛ لأن البحر من أمامهم، والعدو من خلفهم، هذا رأي البشر وواقع الأمر، لكن لموسى منفذ آخر فقال: (كلا) يعني لن نُدْرَك ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] قالها موسى رصيد إيماني وثقة في أن الله سيستجيب له.
والبعض يقول: دعوتُ الله في كذا وكذا، وأخذت بكل الأسباب، فلم يستجب لي، نقول: نعم لكنك لَسْتَ مضطراً، بل تدعو الله عن ترف كمن يسكن مثلاً في شقة ويدعو الله أنْ يسكن في فيلا أو قصر، فأنت في هذه الحالة لست مضطراً.
ثم يذكر الحق سبحانه حيثية التوكل على الله، فيقول: ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ [الأحزاب: ٣] أي: يكفيك أنْ يكون الله وكيلك؛ لأنه لا شيء يتأبَّى عليه، ولا يستحيل عليه شيء.
وأحكي لكم قصة حدثت بالفعل معنا، وكنا نسير مع بعض الإخوان فرأينا رجلاً مكفوف البصر يريد أنْ يعبر الشارع فقلنا لزميل لنا: اذهب وخذ بيده، فنزل وعبر به الشارع ثم قال له: إلى أين تذهب؟ قال: إلى المنزل رقم كذا في هذا الشارع، فأخرج صاحبنا من جيبه عشرة جنيهات ووضعها في يد الرجل، فلما أمسك بورقة العشرة جنيهات لم يلتفت إلى المعطي، إنما رفع وجهه إلى السماء وقال: لا شيء يستحيل عليك أبداً، ثم قال لصحابنا: يا بني أرجعني مكان ما كنت! ﴿فقد قضيت حاجته التي كان يسعى لها﴾ !
نعم ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ [الأحزاب: ٣] لأنه لا تعوزه أسباب، ولا
стр. 14441
يُثنيه عن إرادته شيء
﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ ... ﴾ [النحل: ٩٦]
وفي التوكل ملحظ آخر ينبغي أنْ نتنبه إليه، هو أنك إذا توكلتَ على أحد يقضي لك أمراً فاضمن له أنْ يعيش لك حتى يقضي حاجتك، فكيف تتوكل على شخص وتُعلِّق به كل آمالك، وفي الصباح تسمع نعيه: مات فلان؟
إذن: لا ينبغي أن تتوكل إلا على الله الحي الذي لا يموت: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ... ﴾ [الفرقان: ٥٨] واستغنِ بوكالة الله عن كل شيء ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ [الأحزاب: ٣]
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ ... ﴾ .
стр. 14442
ترتبط هذه الآية بالآيات قبلها، فقد ذكر الله تعالى معسكرين: معسكراً يحب أنْ يُطاع، فقال تعالى لرسوله ﴿ياأيها النبي اتق الله ... ﴾ [الأحزاب: ١] وقال: ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ... ﴾ [الأحزاب: ٢] وبينهما معسكر آخر نُهِي رسول الله عن طاعته ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين ... ﴾ [الأحزاب: ١]
إذن: نحن هنا أمام معسكرين: واحد يمثل الحق في أجلي معانيه وصوره، وآخر يمثل الباطل، وللقلب هنا دَوْر لا يقبل المواربة، إما أنْ ينحاز ويغلب صاحب الحق، وإما أنْ يغلب جانب الباطل، وما دمت أنت أمام أمرين متناقضين لا يمكن أنْ يجتمعا، فلا بُدَّ أن تُغلِّب الحق؛ لأن الله تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ. .﴾ [الأحزاب: ٤] إما الحق وإما الباطل، ولا يمكن أن تتقي الله وتطيع الكافرين والمنافقين؛ لأن القلب الذي يميل ويغلب قلب واحد.
ومعلوم أن القلب هو أهم عضو في الجسم البشري فإذا أصيب الإنسان بمرض مثلاً يصف له الطبيب دواءً، الدواء يُؤخذ عن طريق الفم ويمرُّ بالجهاز الهضمي، ويحتاج إلى وقت ليتمثل في الجسم، فإنْ كانت الحالة أشدَّ يصف حقنة في العضل، فيصبُّ الدواء في الجسم مباشرة، فإنْ كان المرض أشد يُعْطَى حقنة في الوريد لماذا؟
ليصل الدواء المطلوب جاهزاً إلى الدم مباشرة، ليضخه القلب إلى جميع الأعضاء في أسرع وقت. إذن: فالدم هو الذي يحمل خصائص الشفاء والعافية إلى البدن كله، والقلب هو (الموتور) الذي يؤدي هذه المهمة؛ لذلك عليك أنْ تحتفظ به في حالة جيدة، بأن تملأه بالحق حتى لا يفسده الباطل.
стр. 14443
وسبق أنْ أوضحنا أن الحيز الواحد لا يمكن أنْ يسع شيئين في وقت واحد فما بالك إنْ كانا متناقضين؟ وقد مثَّلْنا هذه العملية بالزجاجة الفارغة إنْ أردتَ أن تملأها بالماء لا بُدَّ أنْ يخرج منها الهواء أولاً ليدخل مكانه الماء.
كذلك الحال في المعاني، فلا يجتمع حق وباطل في قلب واحد أبداً، وليس لك أنْ تجعل قلباً للحق وقلباً للباطل؛ لأن الخالق جعل لك قلباً واحداً، وجعله محدوداً لا يسع إلا إيمانك بربك، فلا تزاحمه بشيء آخر.
ويُرْوَى أنه كان في العرب رجل اسمه جميل بن أسد الفهري وكان مشهوراً باللسَنِ والذكاء، فكان يقول: إن لي قلبين، أعقل بواحد منهما مثل ما يعقل محمد، فشاء الله أنْ يراه أبو سفيان وهو منهزم بعد بدر، فيقول له: يا جميل، ما فعل القوم؟ قال: منهم مقتول ومنهم هارب، قال: وما لي أراك هكذا؟ قال: مالي؟ قال: نعل في كفِّك، ونعل في رِجْلك، قال: والله لقد ظننتهما في رجلي، فضحك أبو سفيان وقال له: فأين قلباك؟
وإذا كان القلب هو المضخة التي تضخ الدم إلى كل الجوارح والأعضاء حاملاً معه الغذاء والشفاء والعافية، كذلك حين تستقر عقائد الخير في القلب، يحملها الدم كذلك إلى الجوارح والأعضاء،
стр. 14444
فتتجه جميعها إلى طاعة الله، فالرِّجْل تسعى إلى الخير، والعين لا تنظر إلا إلى الحلال، والأذن تسمع القول فتتبع أحسنه، واللسان لا ينطق إلا حقاً.
فكل الجوارح إذن لا تنضح إلا الحق الذي تشرَّبته من طاقات الخير في القلب.
لذلك يُعلِّمنا سيدنا رسول الله هذا الدرس، فيقول: «إن في الجسد مضغة، إذا صَلُحَتْ صَلُحَ الجسد كله، وإذا فسدتْ فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» .
ثم يأخذ الحق سبحانه من مسألى اجتماع المتناقضين في قلب واحد مقدمة للحديث عن قضايا المتناقضات التي شاعتْ عند العرب، فيقول سبحانه: ﴿مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ٤]
وقد شاع في الجاهلية حين يكره الرجل زوجته، يقول لها: أنت عليَّ كظهر أمي، ومعلوم أن ظهر الأم مُحرَّم على الابن حرمة مؤبدة، لذلك كانوا يعتبرون هذه الكلمة تقع موقع الطلاق، فلما جاء الإسلام لم يجعلها طلاقاً، إنما جعل لها كفارة كذب؛ لأن الزوجة ليست أماً لك، وحدد هذه الكفارة إما: عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكيناً، أو صيام ستين يوماً.
стр. 14445
وهذه المسألة تناولتها سورة (قد سمع) ﴿الذين يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القول وَزُوراً ... ﴾ [المجادلة: ٢] أي: كذباً، لأن الزوجة لا تكون أماً.
فالحق سبحانه جاء بمتناقض، وأدخل فيه متناقضاً آخر، فكما أن القلب الواحد لا تجتمع فيه طاعة الله وطاعة الكافرين والمنافقين، فكذلك الزوجة لا تكون أبداً أماً، فهي إما أم، وإما زوجة.
كذلك وُجد عند العرب تناقض آخر في مسألة التبني، فكان الرجل يستوسم الولد الصغير، أو يرى فيه علامات النجابة فيتبناه، فيصير الولد ابناً له، يختلط ببيته كولده، ويرثه كما يرثه ولده، وله عليه كل حقوق الابن.
وهذه متناقضة أيضاً كالسابقة، فكما أن الرجل لا يكون له قلبان، وكما أن الزوجة لا تكون أماً بحال، كذلك المتبنَّى لا يكون ولداً، فيقول سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ٤]
الدعيُّ: هو الذي تدعى أنه ابنٌ وليس بابن، وكان هذا شائعاً عند العرب، وأراد الله سبحانه أنْ يبطل هذه العادة، ومثلها مسألة الظِّهار، فألغى القرآن هذه العادات، وقال: ضعوا كل شيء موضعه، فجعل للظهار كفارة، ونهى عن التبني بهذه الصورة.
والحق سبحانه ساعةَ يريد أنْ يلغي حكماً يقدم صاحب الدعوى نفسه ليطبق هو أمام الناس؛ لذلك جعل سيدنا رسول الله يبدأ بنفسه، ويبطل التبني الذي عنده.
تعلمون أن سيدنا رسول الله ﷺ َ تزوج من السيدة خديجة، وكان
стр. 14446
لها منزلة عند رسول الله، وقد اشترى لها حكيم بن حزام عبداً من سوق الرقيق هو زيد بن حارثة، وكان من بني كلب، سرقه اللصوص من أهله، وادعوْا أنه عبد فباعوه، ثم أهدتْه السيدة خديجة لسيدنا رسول الله، فصار مولىً لرسول الله، يخدمه طيلة عدة سنوات، وما بالكم بمَنْ يكون في خدمة رسول الله؟
لقد أحبَّ زيدٌ رسول الله، وعَشِق خدمته، وقال عن معاملته ﷺ َ له:
«لقد خدمتُ رسول الله عشر سنين، فما قال لشيء فعلتُه: لِمَ فعلتَه، ولا لشيء تركتُه لِمَ تركتَه» .
وفي يوم من الأيام، رآه واحد من بني كَلْب في طرقات مكة، فأخبر أهله به، فأسرع أبو زيد إلى مكة يبحث عن ولده، فدلُّوه عليه، وأنه عند محمد، فذهب إلى سيدنا رسول الله، وأخبره خبر ولده، وطلب منه أنْ يعود معه إلى بني كلب.
ولكن، ما كان رسول الله ليتخلَّى عن خادمه الذي يحبه كل هذا الحب، فقال لأبيه: خيِّره، فإنِ اختاركم فخذوه، وإن اختارني فأنا له أبٌ، فلما خيَّروه - قال سيدنا زيد: والله ما كنت لأختار على رسول الله أحداً.
عندها أحب رسول الله أن يكافئه على هذا الموقف، وعلى
стр. 14447
تمسّكه بخدمته، فتبنّاه كما تتبنى العرب، وسمَّوْه بعدها: زيد بن محمد.
فلما أراد الحق سبحانه أنْ يبطل التبني بدأ بمتبنَّى رسول الله، ليكون هو القدوة لغيره في هذه المسألة، فكيف أبطل الله تعالى هذه البنوة؟
كان سيدنا رسول الله قد زوَّج زيداً من ابنة عمته زينب بنت جحش، أخت عبد الله بن جحش، وقد تعب رسول الله في إقناع عبد الله وزينب بهذه الزيجة التي رفضتها زنيب، تقول: كيف أتزوج زيداً وهو عبد وأنا سيدة قرشية؟
ثم تزوجته إرضاءً لرسول الله، وعملاً بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٦]
لكنها بعد الزواج تعالتْ عليه، أنها من السادة، وهو من العبيد، فكَرِه زيد ذلك، ولم يُطِقْ فأحبَّ أنْ يطلقها، فذهب إلى رسول الله وشكا إليه ما كان من زينب، وعرض عليه رغبته في طلاقها.
فقال له رسول الله: أمسك عليك زوجك، فعاوده مرة أخرى فقال
стр. 14448
له: أمسك عليك زوجك فعاوده زيد، عندها علم رسول الله أن رغبتهما في الطلاق، وكراهيتهما للحياة الزوجية أمر قدري، أراده الله لحكمة، ولأمر تشريعي جديد، شاء الله أنْ يُوقِع البغض بين زيد وزينب، فبُغْض زينب لزيد كان تعالياً واستكباراً، وبُغْض زيد لزينب كان اعتزازاً بالنفس.
ولكي يبطل الحق سبحانه تبنَّي رسول الله لزيد قضى بأن يتزوَّج رسول الله من زينب بعد طلاقها من زيد، ومعلوم أن امرأة الابن تحرم على أبيه، فزواج سيدنا رسول الله من زينب يعني أن زيداً ليس ابناً لرسول الله، ويبطل عادة التبني، والأثر المترتب على هذه العادة.
وقد أحسَّ رسول الله بشيء في نفسه، وتردَّد في هذا الزواج مخافة أنْ يقول الناس، إن محمداً أوعز إلى زيد أنْ يُطلِّق زينب ليتزوجها هو، كما يقول بعض المستشرقين الآن، وأنه ﷺ َ كان يضمر حبَّ زينب في نفسه، وهذا كلها افتراءات على رسول الله، فالذي يحب امرأة لا يسعى جاهداً لأنْ تتزوج من غيره، وحين يريد زوجها أنْ يُطلِّقها لا يقول له: أمسِكْ عليك زوجك.
ثم لا ينبغي لأحد أنْ يخوض فيما أخفاه رسول الله في نفسه، من أنه عاشق أو مُحِبٌّ، لكن انظر فيما أبداه الله، فالذي أبداه الله هو الذي يُخفيه رسول الله، واقرأ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧]
إذن: الذي كان يُخفيه رسول الله هو أنه يخاف أنْ تتكلَّم به العرب، وأنْ تقول فيه ما لا يليق به في هذه المسألة.
стр. 14449
ويقول تعالى: ﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] لماذا؟ ﴿لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧]
وهكذا قرَّر الحق سبحانه مبدأ إبطال التبني في شخص رسول الله.
والحق سبحانه حينما يبطل عادة التبني إنما يبطل عادة ذميمة، تُقوِّض بناء الأسرة، وتهدم كيانها، تؤدي إلى اختلاط الأنساب وضياع الحقوق، فالولد المتبنّي يعيش في الأسرة كابنها، تعامله الأم على أنه ابنها، وهو غريب عنها، كذلك البنت تعامله على أنه أخوها، وهو ليس كذلك، وفي هذا من الفساد مَا لا يخفى على أحد.
وأيضاً، فكيف يكون الأب الذي جعله الله سبباً مباشراً لوجودك وتأتي أنت لتردَّ هذه السببية، وتنقلها إلى غير صاحبها، وأنت حين تنكر النبوة السَّببية في أبيك فمن السهل عليك - إذن - أنْ تنكر المسبِّب الذي خلق أولاً، ولِمَ لا وقد تجرأت على إنكار الجميل.
وكذلك الذي ينكر البنوة السببية يتجرأ على أنْ ينسب الأشياء إلى غير أهلها، فينسب العبادة لغير مستحقها، وينسب الخَلْق لغير الخالق.
وإلا، فلماذا يحثُّنا الحق دائماً على برِّ الوالدين؟ ولماذا قرن بين عبادته سبحانه وبين الإحسان إلى الوالدين في أكثر من موضع من
стр. 14450
كتابه العزيز، فقال سبحانه: ﴿واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إِحْسَاناً ... ﴾ [النساء: ٣٦] وقال: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً ... ﴾ [الإسراء: ٢٣]
قالوا: لأن الأب هو سبب الوجود المباشر، فإذا لم تبره، وأنكرتَ أبوته وتمردْتَ عليها، فلعلَّك تتمرد أيضاً على سبب الوجود الأصلي، فالوالدان لهما حق البر والإحسان، حتى لو كانا كافرين.
لذلك، لما سُئِل ﷺ َ: أيسرق المؤمن؟ قال: نعم، أيزني المؤمن، قال: نعم، أيكذب المؤمن؟ قال: لا؟ . فالشرع حين يضع للجريمة حَداً وعقوبة، فهذا إيذان بأنها ستحدث في المجتمع المسلم، أما الكذب فلم يضع له الشارع حدّاً، مع أنه أشد من السرقة، أوعظم من الزنى، لماذا؟
قالوا: لأن المؤمن لا يُتصوَّر منه الكذب، ولا يجترئ هو عليه؛ لأنه إنْ عُرِف عنه الكذب وقال أمامك: أشهد أنْ لا إله إلا الله يمكنك أنْ تقول له: أنت كاذب.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ذلكم. .﴾ [الأحزاب: ٤] أي: ما تقدَّم من جَعْل الزوجة أماً، أو جَعْل الدَّعي ابناً، فالزوجة لا تكون أبداً أماً؛ لأن الأم هي التي ولدتْ، كذلك لا يكون للولد إلا أب واحد ﴿ذلكم قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ٤] وهل يكون القول إلا بالأفواه؟ فماذا أضافتْ الأفواه هنا؟ قالوا: نعم، القول بالفم، لكن أصله في الفؤاد، وما اللسان إلا دليل على ما في الفؤاد، كما قال الشاعر:
стр. 14451
إنَّ الكَلامَ لَفِي الفُؤاد وَإنَّما جُعِلَ اللسَانُ علَى الفُؤَادِ دَليلاً
إذن: لا بدَّ أنْ يكون الكلام نسبة في القلب، منها تأتي النسبة الكلامية، فهل ما تقولونه له واقع، هل الزوجة تكون أماً؟ وهل الولد الدعيُّ يكون ابناً. فهذا كلام من مجرد الأفواه، لا رصيد له في القلب ولا في الواقع، فهو - إذن - باطل، أما الحق فما يقوله الحق سبحانه ﴿والله يَقُولُ الحق وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ [الأحزاب: ٤] والحق هو أن يكون المعتقد في القلب مطابقاً للكائن الواقع.
فالإنسان قد يتكلم بكلام استقر في قلبه حتى صار عقيدة عنده، وهو كلام غير صحيح، فحين يخبر بهذا الكلام لا يُسمَّى كاذباً لأنه أخبر على وَفْق اعتقاده، مع أن الخبر كاذب، فهناك فَرْق بين كذب الخبر، وكذب المخبر.
فالحق سبحانه يعاملنا في الأمر المعتقد في القلب: إنْ كان له واقع، فهو صِدْق في الخبر، وصِدْق في المخبر، وإنْ كان المعتقد لا واقعَ له فهو كذب في الخبر، وصدق في المخبر.
إذن: الأمر المعتقد يكون حقاً، إنْ كان له واقع، ويكون كاذباً إنْ لم يكُنْ له واقع، فإذا لم يكُنْ هنك اعتقاد في القلب أصلاً فهو مجرد كلام بالفم، وهذا أقل مرتبةً من القول الذي تعتقده وهو غير واقع.
فمعنى ﴿والله يَقُولُ الحق﴾ [الأحزاب: ٤] أي: الواقع الذي يجب أنْ يعتقد، والإعجاز هنا ليس في أن الله تعالى يقول الحق الواقع بالفعل، إنما ويخبر بالشيء فيقع في المستقبل على وَفْق ما أخبر سبحانه.
стр. 14452
واقرأ قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥]
فالحق سبحانه صادق حين يقول ما كان، ويصدق حين يقول ما سيكون.
والحق سبحانه حين يقول: ﴿والله يَقُولُ الحق. .﴾ [الأحزاب: ٤] كأنه يقول: قارنوا بين قولين: قَوْل بالأفواه، وقول بالواقع والاعتقاد، وإذا كان قَوْل الله أقوى من الاعتقاد فقط فهو من باب أَوْلَى أقوى من القول بالأفواه فقط.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ [الأحزاب: ٤] يهدي السبيل إلى القول الحق.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ ... ﴾ .
стр. 14453
معنى ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ. .﴾ [الأحزاب: ٥] يعني: قولوا: زيد بن حارثة، لكن كيف يُنزع من زيد هذا التاج وهذا الشرف الذي منحه له سيدنا رسول الله؟ نعم، هذا صعب على زيد ﵁ لكنه ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله. .﴾ [الأحزاب: ٥] لا عندكم أنتم.
و ﴿أَقْسَطُ. .﴾ [الأحزاب: ٥] أفعل تفضيل، نقول هذا قِسْط وهذا أقسط، مثل عدل وأعدل، ومعنى ذلك أن الذي اختاره رسول الله من نسبة زيد إليه يُعَدُّ قِسْطاً وعدلاً بشرياً، في أنه ﷺ َ أحسَّ بالبنوة
стр. 14454
وصار أباً لمن اختاره وفضَّله على أبيه.
لكن الحق سبحانه يريد لنا الأقسط، والاقسط أنْ ندعو الأبناء لآبائهم ﴿فَإِن لَّمْ تعلموا آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدين وَمَوَالِيكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ٥] أي: نُعرِّفهم بأنهم إخواننا في الدين.
ومعنى الموالي: الخدم والنصراء الذين كانوا يقولون لهم «العبيد» ، فالولد الذي لا نعرف له أباً هو أخ لك في الله تختار له اسماً عاماً، فنقول مثلاً في زيد: زيد بن عبد الله، وكلنا عبيد الله تعالى.
والبنوة تثبت بأمرين: بالعقل وبالشرع، فالرجل الذي يتزوج زواجاً شرعياً، وينجب ولداً، فهو ابنه كوناً وشرعاً، فإذا زَنَت المرأة - والعياذ بالله - على فراش زوجها، فالولد ابن الزوج شَرْعَاً لا كوناً؛ لأن القاعدة الفقهية تقول: الولد للفراش، وللعاهر الحَجَر.
كذلك في حالة الزوجة التي تتزوج مرة أخرى بعد وفاة زوجها أو بعد طلاقها، لكنها تنجب لستة أشهر، فتقوم هنا شبهة أن يكون الولد للزوج الأول، لذلك يُعَدُّ ابناً شَرْعاً لا كوناً؛ لأنه وُلد على فراشه.
فإن جاء الولد من الزنا - والعياذ بالله - في غير فراش الزوجية فهو ابنه كوناً لا شرعاً؛ لذلك نقول عنه «ابن غير شرعي» .
كما أن في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله. .﴾ [الأحزاب: ٥] تشريفاً للنبي ﷺ َ، فلو قال تعالى: هو قسْط لكان عمل النبي إذن جَوْراً وظلماً، لكن أقسط تعني: أن عمل النبي قِسْط وعَدْل.
стр. 14455
وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ٥] يُخْرجنا من حرج كبير في هذه المسألة، فكثيراً ما نسمع وما نقول لغير أبنائنا: يا بني على سبيل العطف والتودد، ونقول لكبار السن: يا أبي فلان احتراماً لهم.
فالحق سبحانه يحتاط لنا ويُعفينا من الحرج والإثم، لأننا نقول هذه الكلمات لا نقصد الأُبوّة ولا البنوة الحقيقية، إنما نقصد تعظيمَ الكبار وتوقيرهم، والعطف والتحنُّن للصغار، فليس عليكم إثْمٌ ولا ذَنْبٌ في هذه المسألة، إنْ أخطأتم فيها، والخطأ هو ألاَّ تذهب إلى الصواب، لكن عن غير عَمْد.
وإذا كان ربنا ﵎ قد رفع عنا الحرج، وسمح لنا باللغو حتى في الحلف بذاته سبحانه، فقال: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ... ﴾ [المائدة: ٨٩] فكيف لا يُعفينا من الخرج في هذه المسألة؟
ثم يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الأحزاب: ٥] سبق أنْ قُلْنا: أن الفعل إذا أُسْنِد إلى الحق سبحانه انحلَّ عنه الزمن، فليس مع الله تعالى زمن ماض، وحاضر ومستقبل، وهو سبحانه خالق الزمن.
لذلك نقول: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الأحزاب: ٥] يعني: كان ولا يزال غفوراً رحيماً؛ لأن الاختلاف في زمن الحدث إنما ينشأ من صاحب الأغيار، والحق سبحانه لا يطرأ عليه تغيير.
لذلك نخاف نحن من صاحب الأغيار لأنه مُتقلِّب، ويقول أهل المعرفة: تغَّيروا من أجل ربكم - يعني: من الانحراف إلى الاستقامة - لأن الله لا يتغير من أجلكم، أنت تتغير من أجل الله، لكن الله لا يتغير من أجل أحد، وما دام الحق سبحانه كان غفوراً رحيماً، وهو سبحانه
стр. 14456
لا يتغير، فبالتالي سيبقى سبحانه غفوراً رحيماً.
وتلحظ في أسلوب القرآن أنه يقرن دائماً بين هذين الوصفين غفور ورحيم؛ لأن الغفر سَلْب عقوبة الذنب، والرحمة مجيء إحسان جديد بعد الذنب الذي غُفِر، كأن تُمسِك في بيتك لصاً يسرق، فلك أنْ تذهب به للشرطة، ولك أن تعفو عنه وتتركه ينصرف إلى حال سبيله، وتستر عليه، وبيدك أنْ تساعده بما تقدر عليه ليستعين به على الحياة، وهذه رحمة به وإحسان إليه بعد المغفرة.
وقد عُولجَتْ هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ... ﴾ [النحل: ١٢٦] وهذا التوجيه يضع لنا أول أساس من أسس المغفرة؛ لأنك لا تستطيع أبداً تقرير هذه المثلية، ولا تضمن أبداً إذا عاقبتَ أنْ تعاقب بالمثل، ولا تعتدي؛ لذلك تلجأ إلى جانب المغفرة، لكي لا تُدخِل نفسك في متاهة اعتداء جديد، يُوجب القصاص منك.
وسبق أنْ حكْينا قصة المرابي الذي اشترط على مدينه إذا لم يسدِّد ما عليه في الوقت المحدد أن يأخذ رطلاً من لحمه، فلما تأخر اشتكاه المرابي عند القاضي، وذكر ما كان بينهما من شروط، فأقرَّه القاضي على شرطه، لكن ألهمه الله أنْ يقول للمرابي: نعم خُذْ رطلاً من لحمه، لكن بضربة واحدة، فإنْ زِدْتَ عنها أو نقصْتَ وفَّيناها من لحمك أنت، عندها تراجع المرابي، وتنازل عن شَرْطه.
إذن: أجاز لك الشرع القصاصَ بالمثل ليجعل هذه المرحلة صعبة التنفيذ، ثم يفتح لك الحق سبحانه باب العفو والصفح في المرحلة الثانية: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤]
стр. 14457
ثم يُفسرها بحيثية أخرى، فيقول سبحانه: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عَنِ الناس والله يُحِبُّ المحسنين﴾ [آل عمران: ١٣٤]
ومعنى كظم الغيظ أنني لم أنفعل انفعالاً غضبياً ينتج عنه ردّ فعل انتقامي، وجعلتُ غضبي في قلبي، وكظمتُه في نفسي، وهذه المرحلة الأولى، أما الثانية فتُخرِج ما في نفسك من غَيْظ وغضب وتتسامح وتعفو.
ثم المرحلة الثالثة أنْ ترتقي إلى مرتبة الإحسان، فتُحسِن إلى مَنْ أساء إليك، وهذه رحمة، والرحمة؛ أنْ يميل الإنسان بالإحسان لعاجز عنه، فإنْ كان الأمر بعكس ذلك فلا تُسمَّى رحمة، كأن يميلَ العبدُ بإحسان إلى سيده.
هذه صور أتتْ فيها الرحمة بعد المغفرة، وهذا هو الأصل في المسألة، وقد تأتي الرحمة قبل المغفرة، كأنْ تُمسك باللص الذي يسرق فتشعر أنه مُكْره على ذلك، وليس عليه أمارات الإجرام، فيرقّ له قلبك، وتمتد يدك إليه بالمساعدة، ثم تطلق سراحه، وتعفو عنه، فالرحمة هنا أولاً وتبعتها المغفرة.
بعد ذلك لقائل أنْ يقول: ما موقف زيد بعد أنْ أبطل الله تعالى التبني، فصار زيدَ بن حارثة بعد أنْ كان زيد بن محمد؟ وكيف به بعد أنْ سُلِب هذه النعمة وحُرِم هذا الشرف؟ أضِفْ إلى ذلك ما يلاقيه من عنتَ المرجفين، وألسنة الذين يُوغرون صدره، ويُوقِعون بينه وبين رسول الله، وهو الذي اختاره على أبيه.
لا شكَّ أن الجرعة الإيمانية التي تسلَّح بها زيد جعلتْه فوق هذا كله، فقد تشرَّب قلبه حبّ رسول الله، ووقر في نفسه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة
стр. 14458
مِنْ أَمْرِهِمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٦]
ثم تأتي الآيات لتوضح للناس: لستم أحنَّ على زيد من محمد، لأن محمداً ﷺ َ أوْلى بالمؤمنين جميعاً من أنفسهم، لا بزيد وحده.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ ... ﴾ .
стр. 14459
فالمعنى: إذا كان النبي ﷺ َ أَوْلَى بالمؤمنين جميعاً من أنفسهم فما بالكم بزيد؟ إذن: لستُم أحنَّ على زيد من الله، ولا من رسول الله، وإذا كنتم تنظرون إلى الوسام الذي نُزِع من زيد حين صار زبد ابن حارثة بعد أنْ كان زيدَ بن محمد.
فلماذا تُغمضون أعينكم عن فضل أعظم، ناله زيد من الله تعالى حين ذُكِر اسمه صراحة في قرآنه وكتابه العزيز الذي يُتْلَى ويُتعبَّد بتلاوته إلى يوم القيامة، فأيُّ وسام أعظم من هذا؟ فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] قَوْل خالد يَخلُد معه ذِكْر زيد، وهكذا عوَّض الله زيداً عما فاته من تغيير اسمه.
وقوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ. .﴾ [الأحزاب: ٦] ما المراد بهذه الأولوية من النبي ﷺ َ؟
стр. 14460
قالوا: هي ارتقاءات في مجال الإحسان إلى النفس، ثم إلى الغير، فالإنسان أولاً يُحسن إلى نفسه، ثم إلى القرابة القريبة، ثم القرابة البعيدة، ثم على الأباعد؛ لذلك يقول ﷺ َ: «ابدأ بنفسك، ثم بمَنْ تعول» .
ويقولون: أوطان الناس تختلف باختلاف هِمَمها، فرجل وطنه نفسه، فيرى كل شيء لنفسه، ولا يرى نفسه لأحد، ورجل وطنه أبناؤه وأهله، ورجل يتعدَّى الأصول إلى الفروع، ورجل وطنه بلده أو قريته، ورجل وطنه العالم كله والإنسانية كلها.
فرسول الله ﷺ َ تعدَّى خيره إلى الإنسانية كلها على وجه العموم، والمؤمنين على وجه الخصوص؛ لذلك «كان ﷺ َ إذا مات الرجل من أمته وعليه دَيْن، وليس عنده وفاء لا يُصلِّي عليه ويقول:» صَلُّوا على أخيكم «» .
والنظرة السطحية هنا تقول: وما ذنبه إنْ مات وعليه دَيْن؟ ولماذا لم يُصَلِّ عليه الرسول؟
следующие страницы →